العربيةEnglishFrançaisItalianoDeutsch

البيئة والحفاظ عليها في الشريعة الإسلامية

البيئة والحفاظ عليها في الشريعة الإسلامية*

 إعداد: عصام الدين مصطفى الشعار

(مسئول النطاق الشرعي بشبكة إسلام أون لاين. نت)

 

مقدِّمة

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله صلعم وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. وبعد..

إذا تأمَّلنا في البيئة بمدلولها الشامل لوجدناها قد حظيت بقدر عظيم من الاهتمام، ولقد وضع الإسلام الإطار العام لقانون حماية البيئة في قوله ـ جلَّ جلاله ـ: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾([1]). وقال جلَّ شأنه: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾([2])، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾([3]).

وليس عجيبا أن تحظى البيئة في شريعة الإسلام باهتمام بالغ، فهي ميراث الأجيال، وفيها أودع الله كلّ مقومات الحياة للإنسان، لذلك أرسى الإسلام الأسس والقواعد والمبادئ التي تضبط وتقنن علاقة الإنسان ببيئته لتتحقق من خلالها العلاقة السوية والمتوازنة التي تصون البيئة من ناحية، وتساعدها على أداء دورها المحدد من قبل الخالق العليم في إعالة الحياة من ناحية أخرى. وقد أصبحت قضيَّة البيئة بمشكلاتها المتعددة بدءا من تلوّثها، واستنزاف مواردها، وصولاً إلى الإخلال بتوازنها، من القضايا الملحة في عالمنا المعاصر، وما تواجهه البشرية اليوم من مشكلات وكوارث بيئية إن دلّ على شيء، فإنَّمَا يدلّ على غياب الوعي والحس البيئي الإسلامي وتجاهلنا للبعد الإسلامي الذي يجب أن يحكم سلوكياتنا وتصرفاتنا تجاه بيئتنا.

فلا شكّ أن سلوك الإنسان الخاطئ وغير الرشيد في تعامله مع موارد البيئة جعلها تتعرض لخطر شديد، وما يعانيه العالم اليوم من مشكلات ومخاطر بيئية والتي هي نتاج ما اقترفناه في حقّ بيئتنا من استغلال مدمّر ومستنزف لِمواردها، هذه المعاناة تعتبر نوعاً من العقوبة الإصلاحية يلفت الحقّ ـ جلّ في علاه ـ نظرنا إليها لعلَّنا نفيق عما نَحن فيه، ونرجع إلى تعاليم الإسلام وضوابطه في التعامل مع البيئة.

إن قضيَّة البيئة وما تضمنته من أبعاد متشعبة ومشكلات متعددة، قد طرحت نفسها في العقدين الأخيرين كواحدة من أخطر القضايا في العصر الحديث إن لم تكن أخطرها على الإطلاق. وإن تفاقم المشكلات البيئية في العالم أجمع، وما ترتب عليها من مخاطر تهدّد كلّ الكائنات على السواء أصبح من الأمور التي تستوجب من الجميع المشاركة الفاعلة في مواجهة تلك المشكلات البيئية سواء أكانت مشكلات بيئية على المستوى المادي (تلوّث الهواء ـ تلوّث الماء ـ التلوّث الإشعاعي ـ التلوّث الضوضائي ـ تلوّث التربة ـ تلوّث الغذاء… الخ) أم مشكلات معنوية (تلوّث خلقي ـ تلوّث ثقافي ـ تلوّث سياسي ـ تلوّث اجتماعي… الخ)، مع تسليمنا بأن النمط الثاني (التلوّث المعنوي) يعتبر الأساس بل والأخطر على البيئة من كل الأنواع الأخرى، بل ويستوجب اهتماما خاصا من كل الجهات المعنية على مستوى الحكومات أو مستوى الهيئات الرسمية وغير الرسمية.

وهذا البحث المتواضع هو إسهام من الباحث بالحديث عن سبل حماية البيئة من المنظور الإسلامي. والله تعالى أسأل التوفيق والسداد.

التعريف بالبيئة:

البيئة في اللغة: مشتقة من (البوء) وهو القرار أو اللزوم([4])، ومنه الآية ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان﴾([5])، والتبوء اتّخاذ المسكن وإلفه والتزامه.

وفي الاصطلاح: المحيط الذي يوجد فيه الإنسان وما فيه من عوامل وعناصر تؤثر في تكوينه وأسلوب حياته([6]).

وقد عرّف علمُ البيئة بأنه: “الوسط أو المجال المكاني الذي يعيش فيه الإنسان، بما يضمّ من ظواهر طبيعية وبشرية يتأثر بها ويؤثر فيها”.

وعُرفت أيضاً: بأنها: “الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه على مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء ومأوى ويمارس فيه علاقاته مع أقرانه من بني البشر”([7]).

مفهوم الإسلام للبيئة ودلائل عنايته بها:-

أما عن المفهوم الإسلامي للبيئة: فإنّه مفهوم شامل، فهي تعني الأرض والسماء والجبال وما فيها من مخلوقات، بما فيها الإنسان وما يحيط به من دوافع وعواطف وغرائز.

ويتميز مفهوم البيئة في الإسلام بشموليته فهو يضمّ كلّ مخلوقات الله من إنس وجان والبحار والأنهار والجبال والنبات والحيوانات والحشرات، وإن هذه المخلوقات سخّرها الله سبحانه وتعالى للإنسان.

ويتمتّع الإسلام بنظرة أعمق وأوسع للبيئة، حيث طالب الإنسان أن يتعامل مع البيئة من منطلق أنها ملكية عامة يجب المحافظة عليها حتَّى يستمر الوجود، قال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾([8]).

وقد عُني الإسلام عنايةً خاصةً بنظافة البيئة باعتبارها المحل الذي يقيم فيه الإنسان ويحصل منه على احتياجاته ويمارس فيه عبادته وأعماله التي تعينه على مواجهة متطلبات الحياة، ومن الوسائل التي حرص عليها الإسلام في حفظ البيئة العناية بالنظافة، والإسلام في عنايته بالنظافة سبق كل الأديان وجميع الحضارات، فالنظافة في ديننا عبادة وقربة، بل فريضة من أهم فرائض الإسلام، ولذلك فإن المطالع لكتب الفقه الإسلامي أول ما تقع عينه فيها يجد الحديث عن الطهارة.

وليس أدل على اهتمام الإسلام بالنظافة والطهارة من أنه جعل طهارة البدن والثوب والمكان هي شرط من شروط صحة الصلاة، وهذه إشارة إلى السلوك الذي يجب أن يكون عليه المسلم في الصلاة وخارج الصلاة، فالنظافة هي عنوانه الدائم، ولذلك دعا النبيّ صلعم إلى:

- العناية بنظافة الجسد فحثنا على الاغتسال وخاصة يوم الجمعة الذي هو عيد المسلمين الأسبوعي، ففي الحديث «غسل الجمعة واجب على كلّ مُحتلم»([9])، «حقّ على كلّ مسلم في كل سبعة أيَّام يغسل فيه رأسه وجسده»([10]). 

- كما عني بنظافة الفم والأسنان فرغب في السواك وبخاصة عند الوضوء والصلاة، «تسوَّكوا فإنَّ السواك مطهرة للفم، مرضاة للربِّ، وما جاءني جبريل إلاَّ أوصاني بالسواك حتَّى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمَّتي»([11])، وكان النبيّ صلعم لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلاَّ تسوك، فقد ثبت في الرواية أنّه صلعم «كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك»، كما أمر بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء، وأمر بنظافة الشعر «من كان له شعر فليكرمه»([12]). كما أمر بإزالة شعر الإبط والعانة وتقليم الأظافر، ففي الصحيحين وغيرهما أن النبيّ صلعم قال: «الفطرة خمس ـ أو خمس من الفطرة ـ: الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقصّ الشارب». 

ولم تقتصر عناية الإسلام بالنظافة على نظافة الجسد فحسب بل اتسعت الدائرة لتشمل نظافة البيوت والطرقات؛ فالنفس تنشرح للمكان النظيف وتنقبض لمنظر القذارة، ولذلك حث الرسول صلعم على نظافة البيوت فقال: «إن الله طيب يحب النظافة، جواد يحبّ الجود، فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود»([13])، فاليهود كانوا يُفرِّطون في نظافة بيوتهم من القمامة والفضلات، فنظافة البيت مستحبة طبعا وشرعا؛ لأن الإسلام دين طيب يدعو إلى النظافة، وقد وردت في ذلك نصوص عامة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾([14]). ومثل قوله صلعم:«إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتَّى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحبّ الفحش ولا التفحش»([15]).

وتستهدف دعوة الإسلام إلى نظافة البيوت المحافظة على الصحة العامة؛ لأن تراكم الأوساخ في البيوت يعطي الحشرات والجراثيم مجالاً رحبًا للانتشار والتكاثر فضلاً عن انبعاث الروائح الكريهة التي تزكم الأنوف، وتجعل البيوت مكانًا غير صالح للإقامة فيه([16]).

وقد ارتبطت نظافة البيئة في الإسلام ارتباطًا مباشرًا بالطهارة سواء طهارة البدن، أو طهارة المكان والتي تشمل الأسواق والمساجد وغيرها من الأماكن التي يقيم الإنسان فيها بصورة دائمة أو مؤقتة، فالمساجد هي البيوت المعدة لأداء الصلاة ولاجتماع المسلمين لطلب العلم والتفقه في الدين، ولذلك كان الاعتناء بنظافتها وهو ما أكـده أيضًا الرسول صلعم بقوله: «البصاق في المسجد خطيئة وكفّارتها دفنها»([17]).

إن نظرة الإسلام إلى البيئة نابعة من المعرفة بالله، والتصور الشامل للإنسان، والكون، والحياة، وإن أي خلل في التصوّر ينعكس فساداً في السلوك، فالإسلام ينظر إلى الإنسان على أنَّه سيّد الموقف، فهو سيّد هذا الكون، وكل ما في الكون مخلوق من أجله مسخر له باعتباره الخليفة المؤتمن، قــال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾([18])، وقـال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾([19]).

إن موقع الإنسان في هذا الكون يحدّد له الدور الذي ينبغي عليه القيام به لتحقيق المهمّة التي نيطت به، فالإنسان خليفة مؤتَمن، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾([20])، فالخلافة عن الخالق في الخلق، تلزم الإنسان الخليفة بالمحافظة على الكون ـ المستخلَف فيه ـ حتَّى يؤدِّي الأمانة التي حملها فلا يظلم نفسه، فهو سيّد هذا الكون، ولتحقيق هذه السيادة سخر له كل شيء حتَّى يتمكن من أداء الأمانة.

ولن يكون الإنسان جديرا بحمل أمانة الخلافة إذا أساء استعمال هذه النعم التي تتكون منها عناصر البيئة، أو تصرف فيها على نحو غير مشروع، جريا وراء منفعة خاصة، أو استسلاما لأنانية مقيتة، فالخلافة تعني أول ما تعني تعمير الأرض بإشاعة الخير والسلام فيها، وبالعمل على إظهار عظمة الخالق وقدرته عن طريق الانتفاع الإيجابي بكل المخلوقات التي سخرها الله لخدمة الإنسان، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، ومعنى ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ كما جاء في كتب التفسير: أي جعلكم عمارا تعمرونها وتسكنون بها، وهذا لا يتأتى إلاّ بأمريـن: أولهما: أن تبقي الصالح على صلاحه ولا تفسده، والثاني: أن تصلح ما يفسد وتزيد إصلاحه، ولا شكّ أن في الأمرين خير ضمان لحماية البيئة وسلامتها، وتحقيق التنمية واستدامتها.

ونظرة الإسلام إلى البيئة تتمثل في بعض الحقائق الهامة، ومنها:-

1- أن الشريعة الإسلامية وضعت تصوراً شاملاً للبيئة شمل الإنسان والحيوان والنبات والجماد والماء والهواء، وجعلت الإنسان مكرماً على سائر المخلوقات وسخرتها له، انطلاقاً من قاعدة الاستخلاف.

2- لقد نظر الدين الإسلامي إلى البيئة من خلال استخلاف الإنسان في عمارة البيئة والكون؛ لأنه اعتراف بحق الإنسان في البيئة ومواردها.

3-   لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ سد الذرائع إلى الفساد أياً كان نوعه تقييداً للتعامل مع البيئة بما يدرأ عنها المفسدة إبان التصرف السيّء في المباحات أو الحقوق، فضلاً عن المجاوزة والعدوان، وهو مبدأ عظيم الأثر في توثيق مصالح الأمة مادياً ومعنوياً بما يشمل موارد البيئة الطبيعية، فيندرج تحت مضمون هذا المفهوم الحفاظ علي البيئة.

4- إن الفقه الإسلامي تناول بالتنظيم والتأصيل، عقوداً مهمة، تتصل باستثمار الأرض مثل: عقد السلم والمزارعة والمساقاة وإحياء الأرض الموات… مِمَّا يعتبر دليلاً بيناً على أن الإسلام قد أولى عناية لهذه الموارد الطبيعية ليجعل من الأرض جنة الدنيا زراعة وغرساً وعمارة.

5- إن مفهوم الحماية في الشريعة الإسلامية واسع جداً، يشمل: الإقامة والإيجاد للموارد، إن لم يكن قائماً، وتثبيت قواعده،أو استثماره بأنجح السبل ليؤتي منافعه، كما يشمل التنمية، والتي من مفهومها التطوير إلى الأفضل، فضلاً عن شمولها للحفظ الذي يعني الإمداد بما يضمن استمرار القيام، ويدرأ أسباب النقص في الإنتاج، نتيجة لفساد الموارد.

 6- الالتزام بنظافة البيئة من الأمور الأساسية التي حرص عليها الرسول صلعم وأوصى بها، إذ نص أكثر من حديث على أن النظافة من الإيمان.

7- أكدت الشريعة الإسلامية في حديثها عن البيئة حقيقة الترابط القوي والفعال بين مكوناتها، فالهواء يحمل الماء، والماء ينزل على الأرض فيخرج النبات الذي يتغذى عليه الإنسان والحيوان.

8- حماية البيئة في الشريعة الإسلامية أمانة ومسئولية يتطلبها الإيمان، وتقتضيها عقيدة الاستخلاف في الأرض، وإذا كان من ثمرات الإيمان الصادق وآثاره الإخبات لله تعالى، وإخلاص العبادة إليه، فإن من ثمراتها أيضاً القيام بالتكاليف الشرعية كما أمر الله تعالى ورعاية البيئـــة والمحافظة عليها كما خلقها الله رحمــة بالمخلوقات([21]).

العناية بالبيئة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة:

إن بيئتنا التي أنعم الله علينا بها ومنحنا إياها، يتعين علينا أن نسعى لحمايتها والمحافظة عليها لتؤدي دورها كما أراد الله ـ تعالى ـ، وقد حذر ـ جلّ شأنه ـ كلّ من يسيء إليها أو يفسد فيها أو يبدلها… بالعقاب الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾([22])، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾([23])، وقال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾([24]). وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾([25]).

فعبارة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ تتضمن كلّ المعاني المادية والمعنوية التي تنتج عن سلوك الإنسان التخريبي في الطبيعة والمجتمع، والتلوّث بمعناه الواسع أقرب إلى مفهوم الفساد، وقد تقدم لفظ البر على البحر تأكيداً لحقيقة موضوعية وهي: أن نشاط الإنسان بدأ في البر أولاً، ثم امتدَّ إلى البحر.

﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي بالذي جمعته أيدي الناس وعملته نتيجة سعيها للكسب الجشع، فالمصانع والمعامل ومحطات الطاقة الذرية ووسائط النقل الجوية والبرية والبحرية، وطرائق استثمار الخيرات في البر والبحر، كالزراعة والصيد والتعدين والإنشاء والتعمير كلها وسائل وسبل للكسب، وهذه السبل أصبحت مصدراً لتلوّث البيئة من الماء والهواء والتراب.

﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أفضل كلمة تعبر عن هذه المعاني المختلفة هي ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ عمل الإنسان الأسمدة والمبيدات الكيميائية وذاق التسمم من بعضها، وعمل الأشعة ليستخدمها لصالحه فدفع ثمن ذلك جزءاً من صحته، وعمل وسائط النقل لتريحه في الانتقال، ولكن تشهد الطرقات مئات الكوارث والمجازر من حوادث السير، ولولا هذا الذي يذوقه الإنسان من بعض ما عملته يداه، لما تنبه إلى خطورة ما يقدم عليه من تخريب للأنظمة البيئية، فبدأ يدقّ ناقوس الخطر لحماية البيئة([26]).

فالإسلام خاتم الرسالات الربانية إلى البشر تضمن قواعد وضوابط لسلوكيات البشر تجاه بيئتهم التي يعيشون فيها، كي تتحقق العلاقة المتوازنة والسوية بين الإنسان وبيئته لتسـتمر الحياة كما قدر الله، وحتى يرث الله الأرض وما عليها، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾([27]).

فالإنسان مستخلف وليس مالكاً حتَّى يتصرف فيها على هواه دون ضوابط، فالإنسان وصيّ على هذه الموارد البيئية لا مالك لها، مثلما هو مستخلف على نفسه وليس مالكاً لها فالإنسان ملك لخالقه.

وكون الإنسان مستخلفاً على إدارة واستثمار محيطه الذي يعيش فيه، فعليه صيانته والحفاظ عليه من أي تدمير أو تخريب، فأي شكل من أشكال الضرر سواء للبشر أو لغيرهم من المخلوقات قد نهى عنه الإسلام.

فالبيئة بمواردها الطبيعية لا تعتبر ملكاً خالصاً لجيل من الأجيال يتصرف بها كيفما يريد، إنما هي ملك وميراث دائم للبشرية، لا يستطيع أي جيل أن يدعي لنفسه ملك هذا الحق، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾([28])، وفكرة العمل على ضمان وصيانة وبقاء استمرار البيئة بالعطاء على مدى الزمن قد طرحت حديثاً من خلال مفهوم “التنمية القابلة للاستمرار أو التنمية المستديمة”، ومفهوم “تقويم الأثر البيئي للمشاريع” الذي يعني: ضرورة إجراء تقويم لِما قد تحدثه المشاريع للبيئة المحيطة بمنطقة المشروع بما في ذلك الإنسان ذاته، فإذا تبين أن لهذا المشروع ضرراً لعناصر البيئة المحيطة بمنطقة المشروع بما في ذلك الإنسان ذاته يتم تعديله لتجنب إحداث الضرر، وحتى إلغاء المشروع إن لم تتمكن الدراسات والتقنية المتوفرة حتَّى وقت إعداد المشروع من تجنب ومنع إحداث إضرار للبيئة، على اعتبار أن الحفاظ على موارد البيئة مقدم على المنفعة الاقتصادية،التي كثيراً ما قد تكون غير قابلة للاستمرار لإهمالها الاعتبارات البيئية، فالمشاريع التنموية غير القابلة للاستمرار تكون ذات آثار بيئية سلبية والأضرار التي ستحدثها سيكون كلفة إصلاحها مرتفعة، وقد تكون أضراراً غير قابلة للإصلاح، وبالتالي تكون خطط التنمية فاشلة وذات أثر اقتصادي سلبي على المواطنين المستهدفين بخطط التنمية وعلى اقتصاد الدولة ومواردها([29])، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يحبّ الْمُحْسِنِينَ﴾([30]).

ومن دلائل القرآن الكريم على الاهتمام بالبيئة أن نجد عددا من سوره تسمى بأسماء للحيوانات والحشرات، وبعض النباتات والمعادن، وبعض الظواهر الطبيعية.

فنجد من أسماء السور: سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسورة الفيل، وسورة العاديات وهي الخيل… وكلها من الحيوانات.

ونجد سورة النحل، وسورة النمل، وسورة العنكبوت، وكلها من الحشرات.

ونجد في القرآن سورة التين وهو من النباتات، وسورة الحديد وهو من المعادن.

ونجد سورة الرعد، وهو من الظواهر الطبيعية، وسورة الذاريات، وهي الرياح التي تذرو الأشياء، وسورة النجم، وسورة الفجر، وسورة الشمس، وسورة الليل، وسورة الضحى، وسورة العصر، وكلها ظواهر طبيعية.

ونجد سورة الطور، وهو يعني الجبل مطلقا أو جبلا معينا، وسورة البلد، والمراد به مكة البلد الحرام، وسورة الأحقاف، وهي في الجزيرة العربية، وسورة الحجر، وسورة الكهف، وكلها أماكن.

فهذه التسميات للسور القرآنية لها دلالاتها وإيحاؤها في نفس الإنسان المسلم، وربطه بالبيئة من حوله، بحيث لا يكون في عزلة أو غفلة عنها([31]).

وقد اهتمت السنة النبوية المطهرة بالبيئة وعناصرها، فقد وردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تلفت نظر المسلم إلى الاهتمام بأمر البيئة كغرس الأشجار والزرع وحمايتها، وعدم قطعها لغير مصلحة عامة، وقد ربط الغرس والزرع بالأجر من الله والصدقة الجارية.

وقد وردت في هذا الصدد أحاديث كثيرة منها:

عن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله صلعم: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة»([32]).

وقال رسول الله صلعم: «ما من إنسان يقتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها إلاّ سأله الله عزّ وجل عنها يوم القيامة, قيل: يا رسول وما حقها؟ قال: حقها أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي به»([33]).

وقال رسول الله صلعم: «من قتل عصفورا عبثاً عج إلى الله عزّ وجل يوم القيامة يقول: يا ربّ، إنّ فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني لمنفعة»([34]).

وقال رسول الله صلعم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتَّى يغرسها فليغرسها»([35]).

فقد حثّ النبيّ الكريم على أن يظل الإنسان المسلم يغرس غرسه لتجميل البيئة وتحسينها ونشر الظل حتَّى لو قامت الساعة.

وقال رسول الله صلعم: «الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار»([36])، وقد حرص الإسلام على النظافة، وجعل المحافظة عليها من الإيمان.

عن أَبِي مالك الأَشْعَرِيِّ قال: قال رسول اللَّه صلعم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ»([37])، فنظافة الثوب والبدن والمكان من علامات الإيمان.

ونهى كذلك أن يبال في الماء الراكد، فقد روي عن جابر t عن النبيّ صلعم قَال: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائم الذي لا يجرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه»([38]).

وجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فقد أخرج الطبراني في الكبير، والبخاري في الأدب المفرد، عن المستنير بن الأخضر بن معاوية بن مرة عن جده قال: كنت مع معقل بن يسار في بعض الطرقات، فمررنا بأذى فأماطه عن الطريق، فرأيت مثله فنحيته، فأخذ بيدي وقال: يا ابن أخي، ما حملك على ما صنعت؟ قلت يا عم: رأيتك صنعت شيئاً فصنعت مثله، فقال: سمعت رسول الله صلعم يقول: «من أماط أذى من طريق المسلمين كتب الله له حسنة، ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة»([39]).

وعن أَبِي هريرةَ أَنَّ رسولَ اللَّه صلعم قَالَ: «بينما رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وجد غُصْنَ شَوْكٍ علَى الطَرِيقِ فَأَخَّرَهُ فشكر اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»([40]).

وهكذا نرى أن الإسلام بتعاليمه وأحكامه حرص على وقاية البيئة من التلوّث، وأوجب على الإنسان المحافظة على الكون وعمارته، لتتحقق له السعادة المنشودة، فإذا أدرك الإنسان السر، وأدى الأمانة التي تحملها، كانت له الحياة الطيبة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾([41]).

وإذا أعرض الإنسان ونأى بجانبه، ولم يؤدّ الأمانة على الوجه المطلوب، كانت حياته ضيقة قاسية، إذ الأمراض والأوبئة والتلوّث ضرب من ضروب الضيق، وصدق الله القائل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾([42]).

يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: “وقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وليس يخفى أن ثلاثاً على الأقـــل من هذه الضروريات الخمس وهي: النفس، والنسل، والعقل، لا تكتمل المحافظة عليها إلا بحفظ الصحّة”([43]).

وعن هذه الضروريات يقول الإمام الشاطبي: “والحفظ لها يكون بأمرين:

أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم([44]).

وهذا التصنيف البديع الذي وضعه الإمام الشاطبي ينطبق أفضل انطباق على الهدي الإسلامي في ضمان البيئة الصحية التي لا بد منها لحفظ هذه الضروريات.

سلامة البيئة في تراثنا الإسلامي

التراث الإسلامي يزخر بمؤلفات عديدة حول البيئة وسلامتها من جوانب مختلفة، فعلى سبيل المثال ألّف الكندي “رسالة في الأبخرة المصلحة للجو من الأوباء، ورسالة في الأدوية المشفية من الروائح المؤذية”، ووضع ابن المبرد كتابا أسماه “فنون المنون في الوباء والطاعون”، وتكلم ابن سينا بالتفصيل في كتابه “القانون” عن تلوّث المياه بشكل عام وكيفية معالجة هذا التلوّث لتصبح المياه صالحة للاستعمال، كما أنه وضع شروطا تتعلق بطبيعة الماء والهواء المؤثرين في المكان عند اختيار موقع ما للسكنى.

أما الرازي فقد نشد سلامة البيئة عندما استشاره عضد الدولة في اختيار موقع لمستشفى ببغداد، فاختار الناحية التي لم يفسد فيها اللحم بسرعة. وكانت المستشفيات بصورة عامة تتمتع بموقع تتوافر فيه كل شروط الصحة والجمال، فعندما أراد السلطان صلاح الدين أن ينشئ مستشفى في القاهرة اختار له أحد قصوره الفخمة البعيدة عن الضوضاء وحوله إلى مستشفى ضخم كبير هو المستشفى الناصري.

وقد ألف الرازي “رسالة في تأثير فصل الربيع وتغير الهواء تبعا لذلك”، بينما تحدث أبو مروان الأندلسي في كتابه “التيسير في المداواة والتدبير” عن فساد الهواء الذي يهب من المستنقعات والبرك ذات الماء الراكد. وجاء في كتاب “بستان الأطباء وروضة الألباء” لابن المطران الدمشقي، ما يؤكد ضرورة مراعاة تأثير البيئة عند تشخيص المرض، فقال: “ينبغي للطبيب إذا قدم على مداواة قوم في بلد، أن ينظر في وضع المدينة، ومزاج الهواء المحيط بها، والمياه الجارية فيها، والتدبير الخاص الذي يستعمله قوم دون قوم، فإن هذه هي الأصول، ثم بعدها النظر في سائر الشرائط”، وهذه رؤية متقدمة في “علم الطب البيئي”([45]).

وكتب ابن قيم الجوزية في كتابه “الطب النبوي” فصلا عن الأوبئة التي تنتشر بسبب التلوّث الهوائي، والاحتراز منها، وقد لخص ذلك الفصل بقوله: “والمقصود: أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون، وأن فساد جوهر الهواء هو الموجب لحدوث الوباء، وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة: لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه، كالعفونة والنتن والسمية، في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر فصل الصيف، وفى الخريف غالبا، لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف، وعدم تحللها في آخره. وفي الخريف لبرد الجوّ وردغة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في فصل الصيف، فتنحصر فتسخن وتعفن: فتحدث الأمراض العفنة، ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدا قابلا، رهلا، قليل الحركة، كثير المواد، فهذا لا يكاد يفلت من العطب”([46]).

وقد تناول علماء الحضارة الإسلامية المشكلات البيئية في أجزاء أو فصول من مؤلفاتهم.. ولم يقف الأمر عن هذا الحد، حيث نجد من بين علماء المسلمين من رأى ضرورة معالجة الموضوع في كتاب مستقل ليؤكد أهميته في حياة الناس على مر العصور، فقد صنف محمَّد بن أحمد التميمي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كتابا كاملا عن التلوّث البيئي وأسبابه وآثاره وطرق مكافحته والوقاية منه، وفصل الحديث فيه عن ثلاثية الهواء والماء والتربة، وتبادل التلوّث بين عناصرها، وجعل عنوانه: “مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء”، وأوضح في مقدمته الغرض من تأليفه بقوله: وكان الباعث لي على تأليف هذا الكتاب والعناية بهذا الأمر، أني نظرت حال علماء الأطباء، الساكنين بالأمصار الفاسدة الأهوية والبلدان المشهورة بالأوبئة، الكثيرة الأمراض، التي يحدث بها عند انقلابات فصول السنة الأمراض القاتلة والطواعين المهلكة لأجل فساد أهويتها بمجاورة الأنهار الكثيرة المدود، والمدائن التي تحدق بها الغدران، ومناقع المياه الآجنة، والمشارب الكدرة، التي تتصاعد أبخرتها إلى الجو فتفسده وتغلظه، مع ما يعضد ذلك ويقويه من أبخرة الزبول ومجاري مياه الحمامات بها، وأبخرة الجيف من الحيوانات الميتة الملقاة في أقنيتها وظواهرها وعلى ممر سالك طرقاتها، كأرض مصر ودمشق، والمدن التي تلي سواحل البحار ويعظم بها مدود الأنهار، مثل بغداد، والبصرة، والأهواز، وفارس، وسواحل بحر الهند، وسيراف، وعدن، وما جرى مجرى هذه الأمصار العظام التي تجاور البحار، وتخترقها الأنهار، وتحدق بها مناقع المياه الراكدة والجارية، وبخاص ما كان منها منكشفا لمهب ريح الجنوب مكتفلا بالجبال، وبأقوار الرمال عن مهب ريح الشمال، فكان الأولى بالذين يتولون منهم علاج ملوكها، وخاصة رؤسائها، وعامة أهلها، أن تكون عنايتهم بمداواة الهواء الفاسد، المحدث لوقوع الأوبئة بها، الجالب الطواعين على سكانها، أولى وأوجب من عنايتهم بمداواة ما يتحصل بذلك من الأمراض المخوفة في أجساد أهلها. وأن يصرفوا همهم إلى ذلك ويفرغوا له نفوسهم.

ولم يستعرض التميمي في كتابه أسباب ملوثات الهواء فقط بل طرح حلولاً لكيفية معالجة فساد الهواء، وذلك عن طريق إيقاد النيران وإحراق المواد ذات الروائح العطرية، فالنار تُولد تيارًا هوائيًّا يسمح بتبديل الهواء يصاحبه طرد الهواء الملوث وإيصال هواء جديد، والنار بدرجة الحرارة العالية التي تسببها في الجو كفيلة بقتل الجراثيم الموجودة في هذا الجو المحيط بها، ويرى أن من طرق الوقاية إعطاء الأصدقاء بعض الأدوية التي تقوي المناعة لمنع إصابتهم بالأمراض. واتّخاذ تدابير خاصة بمراقبة أماكن انتقال العدوى كالحمامات العامة([47]).

وفي الجملة يمكن القول: إن التراث الإسلامي سبق في وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من آفات التلوّث والفساد ورسم منهجها في مبدأين هما: درء المفاسد وجلب المصالح وبذل الجهود التي من شأنها أن تحقق ذلك. وكلما دققنا النظر في نصوص الشريعة الإسلامية وصفحات التراث الإسلامي وجدنا منهجا إسلاميا حكيما ينهى عن التلوّث والفساد بكل صوره وأشكاله، ويعوّل قبل كل شيء على رقابة الضمير الذي يحترم القانون الإلهي لخير الناس أجمعين.

علم الفقه وأصوله ورعايتهما للبيئة

لقد حظيت البيئة بعناية بالغة في تراثنا الفقهي، ولكن الذي يطالع أبواب الفقه لن يجد النص على هذه التسمية (البيئة) صراحة، ولكن الحديث عنها جاء في أبواب شتى في الفقه الإسلامي.

فأول ما يتصل بالبيئة من الفقه نجده في كتاب الطهارة، كما يتضح ذلك في جملة أحكام ثبتت بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وإجماع الأمة.

ونجد للبيئة ورعايتها علاقة بالحج والحرم والإحرام، وتحريم الصيد وقطع النباتات ونحوها مِمَّا يتصل بما يسمى (البيئة المحمية). ونجد للبيئة علاقة بإحياء الموات في فقه المعاملات، ونجد للبيئة ورعايتها علاقة بالزرع والغرس والمزارعة والمساقاة، ونجد للبيئة ورعايتها علاقة بالبيوع وما يتصل بها، وبيع الماء ونحوه، وتملك الكلأ والنار والملح، وما فيها من أحكام. كما أن للبيئة علاقة بكتاب النفقات، وخصوصا على البهائم وما لها من حقوق على ملاكها، وما الواجب إذا أضاعوها وأهملوا فيها، وللبيئة علاقة بالجهاد، وماذا يباح فيه من إتلاف وما لا يباح… إلى آخر هذه الأبحاث المتصلة بالبيئة، وتدخل في أبواب متفرقة من أبواب الفقه، الذي ينظم الحياة الإسلامية كلها بأحكام الشرع، ويقود الدورة الحضارية للأمة المسلمة باعتبارها أمة صاحبة رسالة ومنهج متميز.

والفقه الإسلامي لا يتصل بالبيئة بوصفه أحكاما فحسب، بل يتصل بالبيئة اتصالا وثيقا بوصفه قواعد كلية كذلك، فكثير من هذه القواعد يدخل كثير منها في أمر البيئة وينظمها ويحميها ويوفر لها الرعاية ومن أشهر هذه القواعد:

قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، وهي قاعدة مأخوذة من نص حديث نبوي، صححه العلماء بمجموع طرقه، وهذه القاعدة الكلية يتفرع عنها قواعد جزئية شتى قررها الفقهاء، مثل قولهم:

-الضرر يزال بقدر الإمكان.

-الضرر لا يزال بضرر مثله.

- يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى .

- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.

- إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضررا بارتكاب أخفهما.

- يختار أهون الشرين.

- درء المفاسد مقدم على جلب المنافع.

وهذه من القواعد الشرعية التي اعتمدتها مجلة الأحكام العدلية وجعلتها في مقدمة موادها التي قننت بها جوانب المعاملات في الفقه الحنفي، ورتبت عليها أحكاما شتى.

وهذه القواعد وأمثالها، وهي كثيرة معروفة لها وزنها وأهميتها حينما نريد أن نقنن الأحكام المتعلقة برعاية البيئة والحفاظ عليها.

ومن المعلوم أن العقوبات في الشريعة نوعان: عقوبات محددة منصوص عليها في جرائم معينة، وهي المعروفة في الفقه باسم الحدود والقصاص. وعقوبات غير منصوص عليها، وهي العقوبات التعزيرية، وهي المفوضة إلى رأي الإمام أو القاضي، وهذه العقوبة في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وهي تشمل معاصي كثيرة، وخصوصا ما يتعلق بحقوق العباد ومصالحهم، فيدخل فيها الحفاظ على البيئة دخولا أوليا. فالشريعة الإسلامية بجميع مذاهبها وإجماع فقهائها توجب حماية المجموع من تجاوزات الأفراد وإن كان في ذلك حجر على حرياتهم الفردية، فإن حريتهم ليست مطلقة، بل هي مقيدة بأن لا تضر الآخرين، وأصل هذا: الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن النعمان بن بشير tما عن النبيّ صلعم قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»([48]).

والمحافظة على البيئة لا يؤيدها ويؤكدها الفقه وحده، بل تؤيدها وتؤكدها كذلك أصول الفقه، وخصوصا مقاصد الشريعة التي بين فيها الأصوليون: أن الشريعة إنما جاءت لإقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد، أو في العاجل والآجل، وأن مقصود الشريعة من الخلق هي حفظ دينهم وأنفسهم ونسلهم وعقولهم وأموالهم.

سلامة البيئة وحفظها أحد مقاصد التشريع([49]):

هنالك منطلقان لإثبات هذه الفكرة وهما:

(1)    اعتبار ذلك مقصداً شرعياً مضافا إلى ما سبق تقريره من المقاصد الخمسة.

(2)    اعتبار ذلك مقصداً مستنداً إلى المقاصد الخمسة المعروفة (متمما للواجب).

(3)    باعتبار أن مقصد رعاية البيئة تتوقف عليه المقاصد الأساسية، وإهماله يتنافى مع حفظها.


وفيما يلي إيضاح ذلك:

1.        اعتبار سلامة البيئة مقصداً شرعياً بذاته:

ينطبق على (سلامة البيئة وحفظها) لأنه يتوقف عليه التمكن من تحقيق الهدف من أداء التكاليف الشرعية، وهو “إخراج المكلف من داعية هواه، ليكون عبداً لله اضطراراً”([50])، فإن البيئة إذا لم تكن سليمة نقية خالية ستعوق المكلف عن أداء ما أوجبه عليه الله من حقوق لربه تعالى ثم لنفسه وأهله ومجتمعه ومن يشاركون في الحياة.

2.        اعتبار سلامة البيئة مقصداً متمماً للواجب:

بالتأمل في الأثر يترتب على سلامة البيئة وحفظها يتبين أنه يرجع إلى حفظ البيئة وحفظ النفس والنسل، فإنَّ أكثر العبادات والواجبات الدينية والدنيوية لا يمكن أداؤها أصلا، أو على الوجه الصحيح إلا إذا توافرت البيئة التي يعيش فيها الإنسان ويتعامل مع عناصرها من ماء نقي طاهر، وجو صحي يبقي على قوة بدنه وغذاء نافع لا يضعف بدنه، ويلحق به الأمراض والأعراض السيئة التي يورث بعضها لسلالته.

ويقرر أحد الفقهاء المعاصرين أن صحة الإنسان التي تهدف الشريعة إلى حفظها وصونها تقتضي أن كل تصرف سلبي في البيئة يؤثر سلباً على صحة الإنسان غير مقبول شرعاً؛ لأنه يتنافى ومقاصد الشريعة ([51]).

وإذا كان الطرح المعاصر السابق لمكانه حماية البيئة على أنها من مجالات التعاون لتحقيق مقصد الاستخلاف في الأرض، فإنَّ هناك طرحاً أقوي لموقع حفظ البيئة وهو أنه مقصد أساسي (ضروري) من مقاصد الشريعة، وذلك ما قرره الدكتور عبد المجيد النجار، وفيما يلي جوانب من بياناته لتقرير تلك الدعوى، فهو بعد أن أشار إلى أن على الإنسان أن ينجز مهمة الخلافة في الأرض، متمثلاً في كل ما له علاقة بالحياة الإنسانية من أرض وما عليها من حيوان ونبات وجماد، وما يحيط بها من غلاف جوي ومن سماء وما فيها من كواكب وإجرام تبين أن لها علاقة بالحياة وتأثيرا فيها قال([52]):

” المتأمل في أحكام الشريعة يجد أن كثيراً منها إنما شرع لتحقيق مقصد حفظ البيئة الطبيعية أن تعمل فيها يد الإنسان بتصرفات تخل بنظامها، أو تعطل مقدراتها على أن تكون صالحة للحياة منمية لها، أو تربك توازنها الذي تقوم عليه عناصرها المختلفة، وقد جاءت تلك الأحكام متضافرة كلها على منع الإنسان من ذلك، وأمره بان يبقى على الطبيعة صالحة كما خلقها الله، وأن يمارس عليها مهمة الخلافة على ذلك الوجه من الصلاح، وما فتئت تلك الأحكام تظهر أهميتها وتتأكد الحكمة في أوامرها ونواهيها، وذلك كلما أسفرت الأزمة البيئية عن وجهها الكالح، وتعالت نذرها بالمصير البائس للحياة، وذلك هو مبرر أن نفرد هذا المقصد الضروري بفصل مستقل من فصول المقاصد الضرورية للشريعة الإسلامية.

وجماع ما جاء في الدين من أمر بحفظ البيئة ونهي عن أي ضرر بها ما جاء في القرآن والسنَّة من نهي مغلظ عن الفساد في الأرض، ومن تشنيع كبير على هذا الصنيع، وذلك في مواطن متعددة ومواقف مختلفة مما يدلّ على أن حفظ البيئة من الفساد مقصد ضروري من مقاصد الشريعة الإسلامية، ومما جاء في ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾([53]).

وانطلق فيما ذهب إليه من مدلول الآيات بأن الفساد هنا لا يقتصر على الفساد الديني والأخلاقي والاجتماعي، وإنما يشمل الفساد الذي يطال البيئة الطبيعية وهو مقصد أساسي فيها وليس ثانوياً ملحقاً بذلك

واستشهد بما ذكره الطبري عن السدّي في تفسير ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾([54]) بأن الذي نزلت فيه هذه الآية إنّما نزلت في قتلة حُمُرا لقوم من المسلمين، وإحراقه زرعا لهم، وذلك وإن كان جائزاً أن يكون كذلك، فغير فاسد أن تكون الآية نزلت فيه، والمراد بها كلّ من سلك سبيله في قتل كل ما قتل من الحيوان الذي لا يحل قتله بحال، والذي يحل قتله في بعض الأحوال إذا قتله بغير حقّ، بل ذلك كذلك عندي؛ لأنّ الله تعالى لم يخصص من ذلك شيئا دون شيء بل عمّه” أي: وهذا التعميم يشمل بصفة أساسية الإفساد البيئي.

وفي تفصيل الحفاظ على البيئة من هذا الفساد، جاءت أحكام شرعية كثيرة تهدف إلى تحقيق هذا المقصد الشرعي، وهي أحكام تلتقي كلها عند ذات المقصد وإن كانت تصل إليه من زوايا مختلفة، فمن حفظها من التلف إلى حفظها من التلوّث، إلى حفظها من السرف الاستهلاكي، إلى حفظها بالتنمية المستديمة، علماً بأنّ الأحكام الشرعية الواردة في هذا الشأن لم تكن مفصلة بصفة مباشرة بما قد يتصور البعض أنّه قوانين قد وضعت خصيصاً لمعالجة الأزمة البيئية الراهنة، وَإِنَّمَا هي إشارات وتنبيهات وتوجيهات تنحو أحيانا منحى التعميم، وتنحو أحيانا أخرى منحى التفصيل، ولكنها تهدف كلها إلى تأسيس ثقافة بيئية تعصم التصرف الإنساني من الاعتداء إلى المحيط الطبيعي بالفساد في أي وضع كان فيه، وفي أي مستوى حضاري وصل إليه([55]).

عناصر البيئة

يمكن تقسيم البيئة وفق توصيات مؤتمر استوكهولم([56])، إلى ثلاثة عناصر هي:

1ـ البيئة الطبيعية:

وتتكون من أربعة نظم مترابطة ترابطاً وثيقاً هي: الغلاف الجوي، والغلاف المائي، واليابسة، والمحيط الجوي، بما تشمله هذه الأنظمة من ماء وهواء وتربة ومعادن، ومصادر للطاقة بالإضافة إلى النباتات والحيوانات، وهذه جميعها تمثل الموارد التي أتاحها الله تعالى للإنسان كي يحصل منها على مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء ومأوى.

2ـ البيئة البيولوجية:

وتشمل الإنسان “الفرد” وأسرته، وكذلك الكائنات الحية في المحيط الجوي، وتعد البيئة البيولوجية جزءاً من البيئة الطبيعية.

3ـ البيئة الاجتماعية:

ويقصد بالبيئة الاجتماعية ذلك الإطار من العلاقات الذي يحدد ماهية علاقة حياة الإنسان مع غيره، ذلك الإطار من العلاقات الذي هو الأساس في تنظيم أي جماعة من الجماعات سواء بين أفرادها بعضهم ببعض في بيئة ما، أو بين جماعات متباينة أو متشابهة معاً وحضارة في بيئات متباعدة، وتؤلف أنماط تلك العلاقات ما يعرف بالنظم الاجتماعية، واستحدث الإنسان خلال رحلة حياته الطويلة بيئة حضارية لكي تساعده في حياته فعمّر الأرض واخترق الأجواء لغزو الفضاء.

وعناصر البيئة الحضارية للإنسان تتحدد في جانبين رئيسين هما:

أولاً: الجانب المادي:

كلّ ما استطاع الإنسان أن يصنعه كالمسكن والملبس ووسائل النقل والأدوات والأجهزة التي يستخدمها في حياته اليومية.

ثانياً: الجانب غير المادي:

فيشمل عقائد الإنسان وعاداته وتقاليده، وأفكاره، وثقافته، وكل ما تنطوي عليه نفس الإنسان من قيم وآداب وعلوم تلقائية كانت أم مكتسبة([57]).

 

مبادئ شرعية تطبيقية في الحفاظ على سلامة البيئة: ([58])

1- حفظ البيئة من التلف:

من المنهيّ عنه نهياً مغلظاً في التعاليم الإسلامية الإتلاف للبيئة الذي يتمثل في أحد نوعين:

الإتلاف الذي يفضي إلى عجز البيئة عن التعويض الذاتي لِما يقع إتلافه، فيؤول إلى الانقراض والإتلاف في استخدام مواردها ولو كان ذلك الإتلاف استهلاكا في منفعة.

وَإِنَّمَا طلبت الشريعة الإسلامية صيانة البيئة من هذين النوعين من التلف لما يفضي إليه كل منهما من خلل بيئي يعطل كفاءة البيئة عن أداء مهمتها في إعالة الحياة، إذ كل شي فيها قدر تقديرا في سبيل تحقيق تلك الإعالة، ومن النصوص الناهية عن إتلاف البيئة بنوعيه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾، وقوله صلعم في النهي عن إتلاف الحيوان «من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة، يقول: إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني في منفعة»([59])، وقوله صلعم : «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض»([60])، وكذلك الأمر بالنسبة لإتلاف النبات، فقد قال صلعم في هذا الشأن: «من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار»([61]).

2- حفظ البيئة من التلوّث([62]): 

لا يكون الفساد في الأرض بإهلاك عناصر البيئة الطبيعية إهلاكا عبثياً أو إهلاكا قارضا فحسب، وَإِنَّمَا يكون الفساد أيضاً بتلويث البيئة بما يقذف فيها من عناصر مسمومة، أو بما يغير من النسب الكمية أو الكيفية لمكونات البيئة التي قُدِّرَت عليها في أصل خلقتها، فإنَّ ذلك يفضي إلى تعطيل العناصر البيئية في ذاتها أو في كيفياتها عن أن تؤدي دورها النفعي للإنسان، بل قد تحولها هي نفسها إلى عناصر وكيفيات مسمومة، وإذا أداؤها البيئي يتحول من نفع للحياة ولحياة الإنسان خاصة إلى إضرار بهما، وقد وجدت البيئة أصلا من أجل إعمار الحياة، وتمكين الإنسان من أداء مهمة الخلافة.

ومن أبين الأحكام المتعلقة بصيانة البيئة من التلوّث ما جاء من تشريع يوجب على الإنسان الطهارة في حياته كلها، ابتداءً من طهارة الجسم إلى طهارة الثوب والآنية والمنزل، وانتهاء بطهارة الشارع والحي والأماكن العامة. وقد ارتقت الأوامر الشرعية في هذا الشأن إلى أن أصبحت تمثل مبدأ أساسيا من مبادئ السلوك، بل إنها ارتبطت بمفهوم العبادة ارتباطا أصبح معه التطهر بمفهومه العام جزءا من عبادة الله عالٍ، وناهيك عن ذَلِك أن الصلاة وهي رأس العبادات تتوقف في صحتها على تحقق الطهارة في الجسم والثوب والمكان، وقد قال تعالى في التطهر بمعنى عام: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾([63]).

ومن هذه الأحكام ذات الدلالة في صيانة البيئة من التلوّث ما جاء في تشريع يوجب التطهير للأماكن الخاصة والعامة، وصيانتها من كلّ ما عسى أن يلوثها من مختلف الملوثات، فقد قال صلعم: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله»([64])، وذلك على معنى أن يتخير لتصريف بوله موقعا تمحى فيه آثاره بسرعة، فلا يكون له تلويث يضر بما حوله، كما قال صلعم أيضا: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظلّ»([65])، ففي هذه المواضع يكون البراز أكثر تلويثا للبيئة إذا هي مواقع حركة من شأنها أن تزيده انتشارا، فورد النهي عنها منعاً للتلوّث، وفي هذا السياق قال النبيّ صلعم أيضا «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثُمَّ يغتسل فيه»([66])، وذلك لِما يتسبب فيه هذا الصنيع من تلوّث المياه وعفونتها.

3- حفظ البيئة من فرط الاستهلاك: (وقوف)

إنّ كل كائن حي في البيئة حياته أن يكون من مواردها استهلاك مقدرة بالدورة الكبرى، محسوب في قيام توازنها ودوامه، والإنسان لا يخرج عن هذا القانون البيئي إلا أن المهمة التي كلف بها لتكون غاية لوجوده تقتضي لكي ينجزها أن يكون استهلاكه من مقدرات البيئة أوفى من الاستهلاك لمجرد الحفاظ على الحياة، مثل سائر الكائنات الحية الأخرى، إذ هو مكلف بالتعمير في الأرض وهي غير مكلفة بشيء، وهذا الاستهلاك الزائد الذي تقتضيه مهمة الإنسان في الحياة هو أيضا مقدر في التكوين البيئي، محسوب في قيام توازنها ودوامه.

والنصوص الشرعية كثيرة في ذم التبذير والإسراف وهو الإنفاق في غير حق سواء في الماء أو الشجر أو سائر موارد البيئة، وفي الاقتصاد والتوسط بين الإسراف والبخل ولاسيما فيما هو محدود الكمية غير قابل للتكاثر.

حفظ البيئة بالتنمية:

لَمّا كانت بعض الموارد تصير بالاستهلاك إلى نفاد ليس له جبر، فإنَّ التشريع الإسلامي جاء يصونها بالترشيد في ذلك الاستهلاك وعدم التبذير كما بيناه آنفا. ولكن تلك الموارد التي تصير هي أيضا إلى النفاذ ولكنها تقبل الجبر لذا جاء التشريع الإسلامي يوجه إلى صيانتها من النفاد بترشيد الاستهلاك فيها أيضا، فإنَّه جاء يوجه إلى صيانتها بطريقة أخرى أكثر فعالية في الصيانة، وهي طريقة التثمير والتنمية، وذلك ليكون ما يستهلك منها مخلوفا على الدوام بما ينمي ويثمر.

وفي هذا السياق جعلت الشريعة الإسلامية زرع الزروع وغرس الأشجار بابا عظيما من أبواب الأجر لا ينقطع ن فقد قال صلعم: «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير منه فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة»([67])، وكفى بذلك دافعا إلى التنمية البيئية في المجال النباتي.

ومن التشريعات الإسلامية في تنمية البيئة ما جعل في ملكية الأرض إذا كانت مهملة من أن إحياءها بالزرع هو السبب الذي يبتغى منه ملكيتها، فقد قال صلعم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»([68])، وما جعل من أن تعطيل تلك الأرض عن دورها الإنمائي للثروة النباتية قد يكون سببا في نزع ملكيتها من صاحبها، قد قال صلعم: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه»، وحينما يعتبر إنماء البيئة النباتية سببا لملكية الأرض فإنَّ ذلك يكون دافعاً قويا لتحقيق هذا الإنماء لفطرية ما في النفوس من حب التملك عامة وتملك الأرض بصفة خاصة.

وسائل إسلامية معاصرة لرعاية البيئة

ذكر الدكتور القرضاوي في كتابه “رعاية البيئة في شريعة الإسلام” أهم الوسائل التي يجب أن ننتبه إليها إذا كنا ننشد بيئة صالحة خالية من كل صور الفساد والإفساد، فقال: “للإسلام وسائل عدة لحماية البيئة، وتنميتها وتحسينها، وعلاج مشكلاتها التي أمسى العالم كله يشكو من آثارها. وهذه الوسائل كلها تتعلق بدور الإنسان في البيئة، إذا الطبيعة من حولنا بشمسها وقمرها، وليلها ونهارها، وبحارها وصحاريها، لا نستطيع أن نتحكم فيها من ناحية؛ ولأنها لا مشكلة منها ولا خطر في ذاتها، إنما المشكلة تنبع من صلة الإنسان بها، ونظرته إليها، وتصرفه فيها، وتعامله معها.

فإذا أصلحنا الإنسان، فقد صلحت الحياة كلها من حوله، وإنما صلح الإنسان من داخله، لا من خارجه، ومن باطنه لا من ظاهره، ومن نفسه التي بين جنبيه لا من غلافه البدني، وهذه سنة ثابتة قررها القرآن الكريم حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾([69])، ومن المؤكد: أنه لا يصلح الأنفس شيء مثل الإيمان، فهو سبيل الخلاص، وطوق النجاة.

هذه الوسائل الإسلامية تتمثل فيما يلي:

1- تربية الناشئة:

أولى هذه الوسائل هي التربية والتعليم، وخصوصًا للناشئة في الحضانات والمدارس، بمستوياتها المختلفة حتَّى الجامعة.

فمن الواجب غرس فكرة العناية بالبيئة والمحافظة عليها، والتعامل معها بـالإحسان، الذي أمر الله به، وكتبه على كل شيء، كما جاء في الحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» وبـالرفق الذي يحبه الله تعالى في الأمر كله، وما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.

وبالاعتدال الذي يجعل الإنسان ينتفع بخيرات البيئة بلا شح ولا إسراف، انتفاع عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾([70]).

وبشكران النعمة الذي يجب أن يتصف به كل مؤمن، فهو الذي يحفظها عليه، بل يزيدها وينميها، وعلى المؤمن أن يقول ما قال سليمان: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾([71]).

كما عليه أن يتعامل مع البيئة ومكوناتها بتقوى الله تعالى، وهي الشعور برقابته عزّ وجل، وأنه لا يضيع عنده عمل عامل من ذكر أو أنثى، وأنه سبحانه سيجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

هذه المعاني يجب أن نغرسها في عقول أطفالنا، وفي وجدانهم منذ نعومة أظفارهم، فإنَّ التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وهذه السن هي التي تتكون فيها العادات، وتكتسب الفضائل أو الرذائل، وقد قال الشاعر:

    إن الغصون إذا قومتها اعتــدلــــت     ولن تلين إذا قومتها الــخــشـــــب!

ومن اللازم هنا: أن يدخل جزء من (علم البيئة) وضرورة رعايتها والمحافظة عليها في المناهج، والكتب الدراسية بالقدر الملائم، وبالأسلوب المناسب لسن الطالب ومداركه، وبالطريقة المشوقة التي تشده إلى هذا اللون من الثقافة، الذي يجب أن يرتبط بالدين، باعتباره المؤثر الأول في حياة الإنسان عامة، والمسلم خاصة.

ولا يجوز للآباء والأمهات أن يلقوا كل العبء على المدرسة، ويتخليا عن واجبهما في الرعاية التربية، بل ينبغي أن يتعاون البيت والمدرسة في هذه التربية المنشودة، بحيث يكمل كل منهما الآخر، في تنشئة جيل المستقبل، الذي يؤدِّي واجبه كما يعرق حقه، ولا يقتصر على طلب الحقوق، مع التقصير في الواجبات.

2- التوعية والتثقيف للكبار:

والوسيلة الثانية، هي: التوعية والتثقيف للكبار، وللجماهير بصفة عامة، وذلك عن طريق المؤسسات الثقافية التي تعمل على الرقي بفكر الأمة، وتسمو بأذواقها واتجاهاتها العقلية والنفسية، وتصحح مفاهيمها الخاطئة، وتقوم أفكارها المنحرفة، متعاونة مع أجهزة الإعلام الواعي الهادف، الذي يبني ولا يهدم، ويصلح ولا يفسد، بحيث ينشئ تصورًا معرفيا بيئيًا جديدًا منبثقًا من التصور الإسلامي العام لله سبحانه وللإنسان وللكون وللحياة، والوجود.

فالثقافة هي التي تغير الأفكار والأذواق والميول، وتكون اتجاهات الأفراد، خيرة كانت أم شريرة.

كما لا بد أن يدخل إصلاح البيئة، والحرص على سلامتها ونمائها، وأداؤها لما يطلب منها على الوجه الأكمل، في مناهج الإعلام مقروءًا، أو مسموعًا، أو مرئيًا، وأن تعد برامج ثقافية ملائمة، على شتى المستويات، بعضها أكاديمي يصلح للخاصة، وبعضها جماهيري ينفع العامة.

بل لا بد أن تدخل هذه المعاني والمفاهيم البيئية ضمن الأعمال الدرامية من التمثيليات والمسلسلات ونحوها، لما فيها من تشويق، وما لها من تأثير بالغ على الناس.

ولا بد للإعلام الديني أن يقوم بمهمته في التوعية والترشيد والتوجيه، المعتمد على القرآن والسنَّة، وهدي السلف الصالح، عن طريق خطبة الجمعة، ودرس المسجد، والمحاضرات الدينية، فلا ريب أن للمسجد تأثيره الكبير على عقول المسلمين، وضمائرهم، إذا تهيأ له الخطيب الصالح الذي يفقه دينه ويفقه عصره.

3- رقابة الرأي العام:

والوسيلة الثالثة: هي رقابة الرأي العام، الذي يمثل (الضمير الجماعي) للأمة، بمقتضى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي ميّز الله بها هذه الأمّة ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾([72]).

وهو من الأوصاف الأساسية لمجتمع المؤمنين والمؤمنات، كما وصفه الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾([73]).

فقدّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الفرائض المعروفة: الصلاة، والزكاة، ليشعر بأهميته في الدين، وبهذا يتكون الضمير الاجتماعي للأمة، وتقرر رقابة الرأي العام الواعي على أوضاعها، والسهر على استقامتها.

ولا ريب أن إصلاح البيئة ورعايتها من المعروف، وأن إفسادها وتلويثها والاعتداء عليها من المنكر.

ومعنى هذا: أنّ كلّ مسلم مسئول مسئولية تضامنية عن سلامة البيئة وصلاحها، وإذا رأى من يجور عليها بتلويث أو إتلاف أو إفساد، وجب عليه أن ينهاه عن ذلك، بل المطلوب أساسًا أن يغير هذا المنكر بقدر استطاعته، بيده إن كان ذا سلطة، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

وبهذا يحاصر المنكر والفساد حصارًا أدبيًا، ويبقى في أضيق نطاق ممكن، ويدخل في هذا المجال: إنشاء (الجمعيات الأهلية) للمحافظة على البيئة، وهذا من التعاون على البر والتقوى، وهذه الجمعيات هي البديل الشعبي عن دور (المحتسب) في عصور الحضارة الإسلامية.

وقد كان (المحتسبون) قديمًا يقومون بهذا الواجب الاجتماعي، وكانوا يفرضون رقابة قوية ـ بسلطان الشرع ـ على أفراد المجتمع وطوائفه المختلفة، ومؤسساته المتنوعة، بما لهم من كفاية وأعوان، وسلطة فيها طرف من هيبة القضاء، وطرف من قوة الشرطة، وقدرتهم على التنفيذ.

4- سلطة التشريع والعقاب:

وتبقى الوسيلة الرابعة، وهي: التشريع وسلطة القانون، الذي يلزم ويعاقب من لا يلتزم، عن طريق ولي الأمر، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾([74])، فمن لم يصلحه الكتاب والميزان أصلحه الحديد ذو البأس الشديد، وفي الحديث: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته»([75]).

ولقد قال الخليفة الثالث عثمان بن عفان t: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، فإذا كان القرآن ينمي حوافز الإيمان وينشئ الضمائر الحية، فإنَّ السلطان يقف بالمرصاد لكلّ من يتجاوز الحدود.

ولهذا كان لا بد من دخول المحافظة على البيئة، ومعاقبة من يجور عليها في التشريعات الملزمة للأمة.

وعندنا من عمومات النصوص، ومن المصالح المرسلة، وسد الذرائع، ومن القواعد الفقهية ما يعيننا على إنشاء قانون للبيئة، وفق هذه القواعد الشرعية:

لا ضرر ولا ضرار، الضرر يزال، والضرر يدفع بقدر الإمكان، يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، يرتكب أخف الضررين، درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما أدى إلى الحرام فهو حرام، الضرورات تبيح المحظورات، ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، الحاجة تنزل منزلة الضرورة، ما بني على باطل فهو باطل، الأمور بمقاصدها، العادة محكمة، ما قارب الشيء يأخذ حكمه، النادر لا حكم له، للأكثر حكم الكل.

وعلى الدولة أن تتخذ من الإجراءات الإدارية والاقتصادية ما يحفظ البيئة، ويرمم ما خرب منها، ويصلح ما فسد، إلى جوار الإجراءات الوقائية التي تمنع الفساد قبل وقوعه.

بالإضافة إلى عقوبة من يعتدي على أي مكون من مكونات البيئة بأبي صورة من الصور: بالتلويث أو بالإسراف في الاستهلاك، أو بالإخلال بالتوازن، أو غير ذلك من أشكال الإفساد في الأرض.

ومن المعروف فقهًا: أن العقوبات نوعان: نصية كالحدود، واجتهادية كالتعزير، وهو عقوبة على كل معصية لا حد فيه ولا كفارة، ولا شك أن منها قضايا العدوان على البيئة.

وعلى أولي الأمر الشرعيين واجبات كثيرة نحو حماية البيئة وتنميتها، وإلزام الأفراد والشركات والمؤسسات بواجبهم نحوها، وإلزامهم بإزالة الأضرار الناشئة عن أعمالهم، وإصلاح المواقع التي تسببوا في تدهورها، ودفع تعويضات عن الأضرار التي يحدثونها في الطبيعة، ولا يمكن إزالتها أو معالجتها.

وعلى أولي الأمر كذلك إيقاف المشروعات المضرة بالبيئة، وإن كان فيها بعض النفع لأن العبرة بالأغلب، فما كان إثمه أكبر من نفعه فهو محرم، وعليهم عقاب كل من يتعدى أو يقصر في تنفيذ العقود المتعلقة بالبيئة؛ لأن من أمن العقوبة أساء الأدب.

5- التعاون مع المؤسسات الإقليمية والعالمية:

والوسيلة الخامسة هي: التعاون مع الجماعات والمؤسسات الأهلية والرسمية الإقليمية والدولية، للحفاظ على البيئة، ومقاومة كل ما يهددها من الاستنزاف والتلوّث والإفساد، والإخلال بالتوازن الطبيعي والكوني، وهو ما دعا أحد الباحثين أن يؤلف كتابًا جعل عنوانه: “يا سكان الأرض اتّحدوا” أي ضدّ الأخطار الكبرى التي تنذر البشرية بشر مستطير إذا لم يتداركهم الله برحمته، ويسارعوا إلى العمل معًا لسد الخلل، وترميم الخراب، وإصلاح الفساد ويد الله مع الجماعة.

ولقد خاطب الله الناس جميعًا بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ﴾([76])، فعندما يكون العدو واحدًا، يجب أن يتحد الموقف ضده، وشيطاننا اليوم يتمثل في الذين يفسدون البيئة، ويخربونها بقصد أم بغير قصد، فهم أعداء الإنسانية جميعًا، وعلينا أن نجند كل القوى لمقاومتهم، وردهم إلى رشدهم.

هذه هي الوسائل الأساسية التي يتخذها الإسلام للمحافظة على البيئة وصلاحها، وهو يرحب بكل وسيلة يبتكرها البشر في هذا المجال، إذا لم يكن فيها ما يخالف قيم الإسلام وشرائعه، فالحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو أحق الناس بها.

 

التربية البيئية في الإسلام

مفهومها ــ أهدافها

لما كانت التربية أثرها بعيد المدى في تنشئة وإعداد الأجيال إعدادا تربويا يتفق والقيم الأصيلة، ويؤصل لدى الأجيال مفاهيم خلقية، واجتماعية تحض على احترام البيئة وتقديرها، فهذا يلقي على المؤسسات التربوية (المدارس، والجامعات، والمساجد، والنوادي… الخ) العبء الأكبر في تحقيق هذا الهدف الأسمى.

ولعل الواقع الذي نحياه يملى علينا من المشكلات البيئية بأبعادها (المادية، والمعنوية) ما يجعل المؤسسات التربوية عاجزة عن القيام بمهامها، وقد يرجع السبب إلى عدم وجود منهج واضح وخطة واضحة ذات أهداف يسهل تحقيقها، وكذلك غياب مفهوم التربية البيئية لدى تلك المؤسسات.

 وفي ضوء ما سبق يمكن تعريف التربية البيئية في الإسلام بأنها: “النشاط الإنساني الذي يقوم بتوعية الأفراد بالبيئة وبالعلاقات القائمة بين مكوناتها، وبتكوين القيم والمهارات البيئية وتنميتها على أساس من مبادئ الإسلام وتصوراته عن الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، ومطالب التقدم الإنساني المتوازن”.

وفي ضوء هذا التعريف للتربية البيئية من منظور إسلامي يجب أن يكون هناك تفاعل إيجابي بين الإنسان والبيئة، وأن يكون ذلك التفاعل شاملا ولا يقتصر على زمان معين أو مكان معين، وليصبح جهد الإنسان موحدا وموظفا توظيفا حضاريا وتاريخيا في ضوء العقيدة الإسلامية.

وتتضح حاجتنا الماسة إلى وجود التربية البيئية بصورة تطبيقية وليست نظرية في عصرنا الحالي، خاصة إذا تعرفنا على مظاهر سوء استخدام البيئة في العالم، ونذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر: في المؤتمر العالمي الثاني للأمم المتحدة حول البيئة والتنمية عام 1992م والذي عقد في ريودي جانيرو في البرازيل، اجتمع ثلاثون ألف مشارك بما فيهم مئة زعيم ليواجهوا مجموعة حقائق رهيبة منها:

- انخفض إنتاج الحبوب في إفريقيا لكلّ فرد بمعدل 28% في السنوات الخمس والعشرين الماضية.

- فقدت إثيوبيا 90% من غاباتها منذ عام 1900م، الأمر الذي مكّن مليار طن متري من التربة الفوقية من الانجراف سنويا.

- تواجه حيوانات أستراليا الأصلية الانقراض، وكان قد انقرض 28% من حيواناتها الأصيلة.

- تحتاج الحياة البحرية في الخليج العربي 180عاما كي تتخلص من عشرة ملايين برميل من النفط التي انسكبت أثناء حرب الخليج.

- تعد 10% من الأنهار المنتشرة في أنحاء العالم ملوثة، كما تلتقط المحيطات 6.5 مليون طن من النفايات سنويا.

وهكذا تتنافس هذه القضايا الملحة على الاهتمام من قبل صناع القرار في العالم، وبالإضافة إلى ذلك تتوقع الدراسات أنه بحلول عام 2025م ستنفث البلدان النامية في الهواء أربعة أضعاف كمية ثاني أكسيد الكربون التي تنفثها الدول المتقدمة اليوم، كما يتوقع أن تفقد الأرض أكثر من 25% من الأجناس الموجودة حاليا.

إن الإنسان في دول الشمال يستهلك من المياه ويولد من الملوثات بما يزيد عن عشرين ضعفا عن المواطن في دول الجنوب.

إن التلوّث الذي يسببه مواطن أمريكي واحد يزيد على ذاك الذي يسببه مواطن عادي من دول العالم الثالث بعشرين إلى مائة مرة، ويماثل استهلاك الأمريكي الواحد للطاقة ما يستهلكه ثلاثة يابانيين، أو ستة مكسيكيين، أو 13 صينيا أو 35 هنديا أو 153 بنغلادش أو 499 إثيوبيا.

كما تشير الإحصاءات إلى أن العالم قد خسر في عام واحد فقط حوالي 36 نوعا من الحيوانات الثديية، 94 نوعا من الطيور بالإضافة إلى تعرض 311 نوعا آخر للخطر، أما الغابات فهي في تناقص مستمر بمعدل 2% سنويا نتيجة الاستنزاف وتلوّث الهواء المنتج للأمطار الحامضية، وكذلك التربة فإنَّها تتناقص باستمرار بمعدل 7% من الطبقة العليا كلّ عقد، وذلك بسبب الانجراف والتآكل بشكل مستمر نتيجة الإنهاك المستمر بالزراعة الكثيفة أو الريّ الكثيف، مِمَّا يؤدِّي إلى ملوحة التربة وتصحرها.

كذلك تسود استخدامات المياه ممارسات خاطئة تؤدّي إلى ندرة المياه ونضوبها، عدا عن الانخفاض الطبيعي الحاصل في منسوب المياه في باطن الأرض، الأمر الذي يهدّد البشرية بخطر حقيقي.

إنّ هذه الحقائق والإحصاءات توضح مدى خطورة الوضع الذي وصلت إليه الأرض نتيجة سوء استخدام البيئة من قبل الإنسان، وهي مظاهر تستلزم التدخّل السريع للإنقاذ، ولا إنقاذ للبشرية إلا بالإسلام.

وتأتي أهمية وحتمية وجود أهداف للتربية البيئية من منظور إسلامي لتؤكد للجميع أن الإسلام دين يؤكد على احترام وتقدير البيئة انطلاقا من أهداف عدة منها:ـ

1ـ تنمية الوعي البيئي لدى الإنسان المسلم عن طريق تزويده بالرؤية الصحيحة عن البيئة ومكوناتها بما يحقق دوره المطلوب في الأرض باعتباره خليفة الله فيها.

2ـ تنمية وتكوين القيم والاتجاهات والمهارات البيئية الإسلامية لدى الإنسان المسلم، حتَّى يستطيع على ضوئها مواجهة مختلف صعابها بإرادة قوية، ومن ثم استغلالها بصورة نافعة بما يحقق أهداف الإسلام.

3ـ تنمية قدرة الإنسان المسلم على تقويم إجراءات وبرامج التربية والتعليم المتصلة بالبيئة من أجل تحقيق تربية بيئية أفضل.

4ـ إيجاد التوازن وتعزيزه بين العناصر الاجتماعية والاقتصادية والبيولوجية المتفاعلة في البيئة لِما فيه صالح الإنسان المسلم.

5ـ فهم الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية والطبيعية وعلاقة الإنسان المسلم بالقضايا والتلوّث.

 

القيم البيئية الإسلامية:

هي: “مجموعة الأحكام المعيارية المنبثقة من الأصول الإسلامية، التي تكون بمثابة موجهات لسلوك الإنسان تِجاه البيئة، تمكنه من تحقيق وظيفة الخلافة في الأرض”.

أقسام القيم البيئية الإسلامية:

أولا ـ قيم المحافظة.

ثانيا ـ قيم الاستغلال.

ثالثا ـ قيم التكيف والاعتقاد.

رابعا ـ قيم الجمال.

1ـ قيم المحافظة: وتختص بتوجيه سلوك الأفراد نحو المحافظة على مكونات البــيئة وتشمل:

-المحافظة على نقاوة الغلاف الجوى.

-المحافظة على نظافة الثروة المائية.

-المحافظة على رعاية الثروات النباتية.

-المحافظة على رعاية الثروات الحيوانية.

-المحافظة على استخدام الثروات المعدنية واللامعدنية.

-المحافظة على نظافة الطرقات.

-المحافظة على نظافة بيوت الله والبيوت العامة.

-المحافظة على الصحة البدنية.

-المحافظة على الهدوء وتوفيره.

2 ـ قيم الاستغلال: هي تلك القيم التي تختص بتوجيه سلوك الأفراد نحو الاستغلال الجيد لمكونات البيئة. وتتضمن عدم الإسراف،وعدم التبذير، والبعد عن الترف،الاعتدال والتوازن في كل شيء، حيث يدعو الإسلام إلى الاعتدال في استهلاك موارده البيئية بحيث تكفى ضرورته وحاجاته، بدون إفراط ولا تفريط.

3 ـ قيم التكيف والاعتقاد: هي تلك القيم التي تختص بتوجيه سلوك الأفراد نحو التكيف مع بيئتهم، ونحو تصحيح معتقداتهم السلبية تجاهها وتشمل الآتي:

التكيف مع التغيرات الطبيعية مثل: قسوة الظروف المناخية، طبيعة الأرض، وكذلك الابتعاد عن المعتقدات الخرافية مثل: التعاويذ والتمائم، والتبرك بالشجر، والكهانة، والتشاؤم.. الخ.

4 ـ قيم جمالية: وهى تلك القيم التي تختص بتوجيه سلوك الإنسان نحو التذوق الجمالي لمكونات البيئة.. قال صلعم: «إن الله جميل يُحبّ الجمال، الكبر بطر الْحَقّ وغمط الناس»([77]).

قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾([78]).

﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾([79]).

﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾([80]).

وتبيّن الآيات عظيم صنعه وروعة وجمال الصنعة وعظمة الصانع ـ سبحانه وتعالى ـ، الذي خلق كلّ شيء جميل.

 

الخاتمة

الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن الحفاظ على البيئة ورعايتها هو واجب ديني تفرضه تعاليم الإسلام التي تحثّ على حماية البيئة والاهتمام بها، والتي تنهى عن الفساد والإفساد في الأرض، كما أنّه حماية البيئة والمحافظة عليها هو واجب اجتماعي، يجب أن تتكاتف من أجله الجميع المؤسسات والأفراد على حد سواء.

وما أحدقت الأخطار بالبيئة من حولنا إلاَّ حين تجاوز الإنسان حده وهو يتعامل معه؛ ولذلك فإنَّ خير ضمانة للمحافظة على البيئة هو أن نحيي مبدأ الوسطية ونحن نتعامل مع بيئتنا، فقد أقام الإسلام بناءه كله على الوسطية والتوازن والاعتدال والقصد، وهذا ما أرشدنا إليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا﴾([81])، كما نهى عن الإسراف في غير آية في كتاب الله عزّ وجل، فقال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يحبّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وقال عزّ من قائل: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، بل إنّه دعا إلى الاعتدال حتَّى في الإنفاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾([82]).

فالوسطية الرشيدة إذن هي مسلك المسلمين ودعوة الإسلام لأتباعه في كلّ الأحوال وعموم الأوقات، ومن ثمَّ فإنَّها خير ضمان لحماية التوازن البيئي الذي سنّه الخالق ـ جلّ وعلا ـ لاحتضان الحياة واستمرار الوجود على كوكب الأرض، ولقد أجمعت الدراسات التي أجريت حول مشكلات التلوّث البيئي على وجود علاقة وثيقة بين إسراف الإنسان في تعامله مع مكونات البيئة المختلفة وبين التلوّث البيئي بجميع أشكاله، كما أن الإسراف يفضي إلى مشكلات بيئية أخرى لا يقتصر تأثيرها على الإنسان وحده بل يَمتدّ ليشمل باقي الأحياء التي تشاركه الحياة على كوكب الأرض.

وفي ختام هذه الورقة يمكن أن نستخلص أهمّ التوصيات التالية:

1-   غرس فكرة العناية بالبيئة والمحافظة عليها لدى الناشئة من خلال المناهج والكتب الدراسية، ولكن لا يجب أن يلقى العبء على المؤسسات التعليمية فقط، بل يجب أن تتكاتف الجهود فتقوم الأسرة ومؤسسات المجتمع المدني بدورها التوجيهي والتربوي.

2-   إصلاح البيئة لن يتحقّق إلاّ إذا صلح الإنسان، لذا لا بد من تنمية الوعي البيئي بتثقيف الجماهير بصفة عامة، من خلال المؤسسات الثقافية والمنابر الدعوية والإعلامية.

3-   مناشدة الدول بسنّ القوانين والتشريعات الداخلية المتسمة بالصرامة في ملاحقة ملوّثي البيئة، وعدم التراخي في توقيع العقوبات عليهم، وملء الفراغ التشريعي في بعض البلدان النامية.

4-   اتِّباع آلية أفضل لتبادل المعلومات بين الدول والمنظمات الدولية الحكومية منه وغير الحكومية بشأن المشاكل البيئية تتّصف بالسرعة والدقّة، وبعيدة عن الجوانب الإجرائية والشكلية، وذلك للانتفاع بها واستخدامها في مواجهة أيّ خطر يهدد البيئة.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.


[1]) سورة الأعراف: آية 85.

[2]) سورة البقرة: آية 60.

[3]) سورة القصص: آية 77.

[4]) القاموس المحيط للفيروز آبادي، والمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية القاهرة.

[5]) سورة الحشر: 6.

[6]) البيئة والإنسان، علي رضا أبو زريق، ص7، 1 سلسلة دعوة الحق إصدار رابطة العالم الإسلامي، 1416هـ.

[7]) البيئة والمناهج الدراسية، أحمد إبراهيم شلبي ص16 الرياض، مؤسسة الخليج العربي 1984م.

[8]) سورة الأعراف: آية 85.

[9]) رواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، صحيح الجامع ، رقم 4155.

[10]) متفق عليه من حديث أبي هريرة، اللؤلؤ والمرجان، رقم492.

[11]) رواه ابن ماجه، الطهارة باب 7، حديث رقم 289. المسند 6/121.

[12]) رواه أبو داود، 4163.

[13]) رواه الترمذي وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح.

[14]) سورة البقرة: 222.

[15]) رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وضعفه الألباني.

[16]) محمَّد السيد أرناؤوط، التلوث البيئي وأثره على صحة الإنسان، مكتبة الأسرة، سلسلة العلوم والتكنولوجيا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007م ص232-233.

[17]) رواه البخاري 1/ 428 في المساجد، باب كفارة البزاق في المسجد، ومسلم رقم (552) في المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، وأبو داود رقم (474) و(475) و(476) في الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد، والترمذي رقم (572) في الصلاة، باب ما جاء في كراهية البزاق في المسجد، والنسائي 2/ 50-51 في المساجد، باب البصاق في المسجد. «البصاقُ في المسجد خطيئة، وكفَّارتُها دَفْنُها» أخرجه الجماعة إلا الموطأ، [195]. وفي أخرى لأبي داود قال: «التَّفْلُ في المسجد خطيئة، وكفَّارتُه أن يُواريَه». وفي أخرى له: «النخاعةُ».

[18]) سورة البقرة: 30.

[19]) سورة ص71-72.

[20]) سورة الأحزاب: 72.

[21]) الإسلام والبيئة، محمَّد مرسي، ص64، 65، الرياض، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، 1420هـ/1999م.

[22]) سورة البقرة: 112.

[23]) سورة البقرة: 60.

[24]) سورة الأعراف: 56.

[25]) سورة الروم: 41.

[26])      تلوث البيئة فساد في البر والبحر، محمَّد فيض الله الحامدي، بحث منشور في مجلة نهج الإسلام، العدد (63) رمضان 1416هـ/ 1996م،ص160.

[27]) سورة البقرة: آية 36.

[28]) سورة البقرة: 36.

[29])      الإسلام والبيئة: محمَّد مرسي محمَّد مرسي ص59، الرياض، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، 1420/1999.

[30]) سورة البقرة: 195.

[31]) رعاية البيئة في شريعة الإسلام، للدكتور القرضاوي، ص54، ط: دار الشروق.

[32]) رواه البخاري، واللفظ له في كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه برقم (2152)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب فضل الغرس والزرع برقم (2901)، والترمذي في كتاب الأحكام عن رسول الله، باب ما جاء في فضل الغرس برقم (1303)، وأحمد في مسند أنس بن مالك برقم (12038)، والدا رمي في كتاب البيوع، باب في فضل الغرس برقم (2496).

[33]) أخرجه الإمام عبد الرزاق في مصنفه، 4/450، رقم (8414)، البيهقي في السنن الكبرى 3/163، باب إباحة أكل العصافير، الحديث رقم 4860، والحاكم في المستدرك 4/261، كتاب الذبائح، الحديث رقم (7574)، وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”.

[34]) أخرجه الإمام البيهقي في السنن الكبرى 3/73، من قتل عصفوراً بغير حقها، الحديث رقم (4535)، وابن حبان في صحيحه، 13/214، ذكر الزجر عن ذبح المرء شيئاً من الطيور عبثاً دون القصد في الانتفاع به، الحديث رقم (5894)، الطبراني في المعجم الكبير 22/245، رقم (638)، قال الهيثمى في مجمع الزوائد 4/30: “رواه الطبراني في المعجم الكبير، وفيه جماعة لم أعرفهم”.

[35]) أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد 1/168، رقم (479)، والإمام أحمد في مسنده 3/183، رقم (12925)، قال الهيثمى في مجمع الزوائد 4/63: “رواه البزار ورجاله أثبات ثقات”.

[36]) أخرجه الإمام أبو داود في سننه، 3/278، كتاب الإجارة، باب في منع الماء، الحديث رقم (3477)، وابن ماجه في سننه 2/826، كتاب الرهون، باب: المسلمون شركاء في ثلاث، الحديث رقم (2472)، البيهقي في السنن الكبرى 6/150، كتاب المزارعة، باب ما لا يجوز إقطاعه من المعادن الظاهرة، الحديث رقم (11612)، قال البوصيرى في مصباح الزجاجة، 3/80: “إسناده ضعيف”.

[37]) أخرجه مسلم في صحيحه، 1/140، باب فضل الوضوء، الحديث رقم (556).

[38]) البخاري، كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، الحديث رقم236، 1/94. ومسلم، باب فضل الوضوء، باب النهى عن البول في الماء الراكد، الحديث رقم282، 1/235.

[39]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 20/216، رقم (502)، عن المستنير بن الأخضر بن معاوية عن أبيه، قال الهيثمى في مجمع الزوائد، 3/136: “قال المزي: صوابه عن المستنير بن أخضر بن معاوية بن قرة عن جده، كما رواه البخاري في كتاب الأدب، فإن كان كما قال المزي فإسناده حسن ـ إن شاء الله ـ وإن كان فيه: عن أبيه أخضر فلم أجد من ذكر أخضر”.

[40]) صحيح البخاري، 1/233، كتاب الجماعة والإمامة، باب فضل التهجير إلى الظهر، الحديث رقم (624)، وصحيح مسلم، 3/1521، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، الحديث رقم (1914).

[41]) سورة النحل: 97.

[42]) سورة طه:124.

[43]) الموافقات للشاطبي، 1/38.

[44]) الموافقات للشاطبي، 2/ 8.

[45]) الإنسان والبيئة والتنمية من منظور إسلامي، د. أحمد فؤاد باشا، المجلة العالمية الخيرية، العدد (208)، السنة التاسعة عشر، رجب 1428هـ، أغسطس 2007م.

[46]) ابن قيم الجوزية (ت 751هـ/1291م): الطبّ النبوي، تحقيق: سيد إسماعيل الطبعة الأولى، دار المنار، القاهرة، 1992م، ص40.

[47]) أحمد فؤاد باشا، أساسيات العلوم المعاصرة في التراث الإسلامي، دراسات تأصيلية، مكتبة الأسرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007م، ص218.

[48]) رواه البخاري في كتاب الشركة برقم (2493)

[49]) البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي، للدكتور عبد الستار أبو غدة، بحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي في دورته التاسعة عشرة.

[50]) الموافقات للشاطبي، 2/100.

[51]) الإسلام والبيئة خطوات نحو فقه بيئي، للشيخ حسين الخشن، 23، نشر دار الهادي بيروت، 2000.

[52]) مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة: د. عبد المجيد النجار، 209.

[53]) الأعراف: 56، وأورد بعدها الآيتين في النهي عن الإفساد في الأرض. البقرة 60، والقصص 77، وتفسير الطبري.

[54]) سورة البقرة:205.

[55]) مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة: د.عبد المجيد النجار، 2/1.

[56]) مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية، الذي عقد في مدينة استوكهولم بالسويد عام 1973م، وحضره ممثلون عن “113″ دولة، وممثلون من جميع المنظمات الدولية، والحكومية وغير الحكومية. انظر: أحكام البيئة في الفقه الإسلامي، للدكتور/ عبد الله بن عمر بن محمَّد السحيباني، ص56، قانون حماية البيئة في ضوء الشريعة، د/ ماجد راغب الحلو، ص18.

[57]) البيئة والحفاظ عليها، للدكتور عبد القادر أبو العلا.

[58]) البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي، د. عبد الستار أبو غدة.

[59]) أخرجه النسائي، كتاب الضحايا، باب من قتل عصفورا.

[60]) أخرجه البخاري من كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في طعام أحدكم.. وخمس من الدواب يقتلن في الحرم.

[61]) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب قطع السدر، وقد اتَّجه بمعناه إلى أن القطع المتوعد فيه هو الذي يكون عبثا وظلما بغير حقّ.

[62]) التلوث البيئي: كلّ تغير كمي أو كيفي في مكونات البيئة الحية وغير الحية، لا تقدر الأنظمة البيئية على استيعابه دون خلل (البيئة ومشكلاتها، رشيد الحميد ومحمَّد سعيد صباريني، 156ط الفلاح الكويت 1986، وقد عرف (خبث الوسط البيئي) بأنه تغيير في الخواص الطبيعية والكيميائية والبيولوجية المحيطة بالإنسان من ماء… الخ والذي قد يسبب أضرارا لحياه الإنسان وغيره من الكائنات الحية (من موقع وزارة الأوقاف الكويتية).

[63]) سورة البقرة: 222.

[64]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الرجل يرتد لبوله.

[65]) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبيّ e عن البول فيها.

[66]) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم وينظر عن دور الماء الملوث في نقل الأمراض حيث (الماء والإصحاح في الآلام د. عبد الفتاح الحسيني الشيخ) منظمة الصحة العالمية 1988، وعن التلوث بسبب الماء والعوامل الحية والأسمدة والكيماويات العضوية بحث “صحة البيئة في الإسلام”، د.هيثم الخياط (سلسلة الهدي الصحي) منظمة الصحة 1995، وبحث الغذاء والبيئة نزار النصف وبحث لأمراض والوراثة والبيئة، د.أحمد محمَّد الصباريني.

[67]) أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، فصل الغرر.

[68]) أخرجه الترمذي.

[69]) سورة الرعد: 11.

[70]) سورة الفرقان: 67.

[71]) سورة النمل: 40.

[72]) سورة آل عمران: 110.

[73]) سورة التوبة: 71.

[74]) سورة الحديد: 25.

[75]) متفق عليه عن ابن عمر.

[76]) سورة فاطر: 6.

[77]) أخرجه مسلم.

[78]) سورة فاطر الآية: 27 – 28.

[79]) سورة فصلت الآية: 9 – 11.

[80]) سورة الحجر: 16.

[81]) سورة البقرة: 143.

[82]) سورة الفرقان: 67.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (7)

7 تعليقات ل “البيئة والحفاظ عليها في الشريعة الإسلامية”

  1. زهوره says:

    جميـل ,, بارك الله فيكم
    نتمنى يكون في اهتمام اكثر بالبيئه .

  2. boualem says:

    إن البيئة من المواضيع المهمة في التي يجب الاعتناء بها أكثر مما هي عليه، خاصة بعد النظر إلى الواقع-المؤسف-الذي نعيشه من إضرار صارخ بها.
    و كفل شرعنا الحنيف الرعاية اللازمة للبيئة،وهو في ذات الوقت دليل على شمولية الشريعة الإسلامية، وتعتبر نوذج فريد يحتذى -أو يجب- الاحتذاء به على شتى المجالات القانونية الإقتصادية والتعليمية..
    فشكرا جزيلا على الموضوع المتميز

  3. اسراء says:

    لوسمحت ياجماعه مفيش غير الموضوع ده؟
    Please

  4. بثينة says:

    مشاريع للبيئة فقط حبيت احكي

  5. بثينة says:

    مشاريع للحفاظ على البيئة فقد حبيت احكيلكم

  6. ضنقضك says:

    أعجبني

  7. nour says:

    c’est beau

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك