مشروعية تثمير أموال الزكاة

الزكاة عبادة مالية اجتماعية ، ومدلول لفظها من حيث اللغة إما النماء والبركة، وإما الطهارة والصلاح ، ففي اللسان ((مادة زكا)) : (الزكاء ممدود النماء والريع، زكا يزكو زكاء وزكوا ، وفي حديث علي كرم الله وجهه ((المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق)) ، فاستعار له الزكاء إن لم يكن ذا جرم ، وقد زكاه الله وأزكاه ، والزكاء ما أخرجه الله من الثمر). [ابن مظور، لسان العرب ، دار بيروت للطباعة والنشر]
وفيه أيضاً (والزكاة الصلاح ، ورجل تقي زكي أي زاك من قوم أتقياء أزكياء ، وقد زكا زكاء وزكوا – إلى أن قال – فالزكاة طهرة للأموال ، وزكاة الفطر طهرة للأبدان ، وفي حديث الباقر أنه قال : ((زكاة الأرض يبسها)) ، يريد طهارتها من النجاسة كالبول وأشباهه ، بأن يجف ويذهب أثره ) انتهى.
ومن أصول دلالات لفظها تتبين الحكمة الربانية في مشروعيتها ، فهي تحقق النماء والطهارة ، وتعود فائدتها على معطيها وآخذها وعلى مجتمعهما .
أما معطيها فإنه يستفيد بها طهارة نفسه ونماء فضائلها ، لأنها تخلصه من حب الأثرة والاستبداد بالمال ، والشهوة المالية الجامحة ، التي لا تلبث عندما تستحكم في النفس أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها ، وتستولي على جميع تصرفاتها وأعمالها ، حتى يتحول الإنسان إلى سبع ضار لا يبالي بما يأتي به من الإجرام في سبيل إشباع هذه الشهوة المسعورة ، وما جرائم قطاع الطرق والعصائب الإرهابية التي تشيع الذعر وتهدد الأمن إلا نتائج استحكام شهوة المال في الأنفس ، ولا تقف خطورتها عند حد ، بل كثيراً ما تؤدي إلى نضوب العواطف وجفاف المشاعر ، حتى لا تراعى حرمة للحمة القرابة والنسب ، فكم سمعنا باغتيال ولد لوالده ، وعدوان قريب على قرابته ، طمعاً في الاستئثار بما في أيديهم من المال ، وما من علاج لهذا الداء أنجح وأجدى من تربية النفس على إنفاق المال فيما يعود بالخير والإحسان على الأمة ، ونجد في نظام الزكاة المشروعة في الإسلام المرهم النافع والمبضع المستأصل لهذا الداء ، وبتعود الإنسان إيتاءها تتفجر في نفسه مشاعر الرحمة ، وتغمرها عواطف الإحسان، فلا يشعر بهدوء بال ولا استقرار نفسي مع تصاعد أنات الفقراء والبؤساء حتى يفيض عليهم من صلاته ، ويغمرهم بشفقته وحنانه ، وهذا هو ما أشار إليه الحق تعالى في قوله {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة : 103] .
وأما آخذها فإنها – مع دفعها لخصاصته وسدها لعوزه ، وتمكنه بها من مقاومة لأواء الحياة ومواجهة عسر مطالبها تطفىء في نفسه سعير الحقد ولهيب الحسد ، اللذين تؤججهما مشاهدته للتباين الكبير بين وضعه ووضع الغني المستأثر بالثروات ، الذي يتقلب في أعطاف النعيم ، غير مبال بصيحات أولي المسغبة التي تصعدها حاجتهم الملحة إلى ضرورات الحياة ، إلا أنه عندما تردم هذه الهوة السحيقة بالزكاة التي تجسد المشاركة المالية الإجتماعية بين طبقتي الأغنياء والفقراء يتلاشى ما في نفوس الفقراء من حقد وكراهية لطبقة الأغنياء ، فلا تلبث قلوبهم أن تفيض بالمودة لهم ، وألسنتهم أن تلهج بالثناء عليهم والدعاء لهم ، وباجتماع هاتين الطبقتين على كلمة سواء يجتمع الشمل وتتألف القلوب ، وتتوحد المشاعر والأحاسيس ، وينعم المجتمع بأسره بالهدوء والاستقرار ، والراحة والسكينة والرحمة والمودة ، ويتجسد فيه معنى قول النبى – عليه الصلاة والسلام – : ((ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر))[روى بنحوه ، البخاري عن طريق النعمان بن بشير في كتاب الأدب ، الباب 27 ، رقمه 60011 ومسلم بعدة طرق من طريق النعمان أيضاً في كتاب البر والصلة والآداب]، وقوله ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)). [رواه البخاري عن طريق أبي موسى في كتاب الأدب ، الباب 36 ، وقمه 6026 ، وفي كتاب المظالم والغضب ، الباب 5 رقمه 2446 ومن نفس طريق أبي موسى رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب]
ولئن كان الإنفاق في جميع وجوه الخير وسبل الإحسان مطلباً من مطالب الإسلام ، حضت عليه آيات جمة من الكتاب العزيز ، وتظافرت على العناية به أحاديث الرسول – صلوات الله وسلامه عليه – ، فإن الزكاة – وهي على رأس ضروب الإنفاق المأمور به – ركن من أركان هذا الدين ، التي يقوم عليها صرحه ويشمخ بها بنيانه ، كما نص على ذلك حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – : ((بني الإسلام على خمس)) ، ويؤكده اقترانها في الآي القرآني بأهم ركن عملي من أركانه وهو الصلاة .
ويلحظ أن الزكاة في الإسلام لم توكل إلى ضمائر الأغنياء ، فتتفاوت قلة وكثرة بقدر ما في نفوسهم من قوة الدوافع على السخاء أو ضعفها ، بل بين الشارع مقاديرها ليتساوى الناس كلهم فيها ، ولا يكون بينهم تفاوت إلا بقدر تفاوتهم في الأملاك التي فرضت فيها ، كما يلحظ أن الأصناف التي أجمعت الأمة على تعلق حق الزكاة بها هي من صنوف المال الذي تتوقف عليه ضرورات حياة الإنسان ، من أنواع الحبوب المدخرة المقتاتة ، والأنعام والتجارة ، والنقدين اللذين هما أهم وسيلة لتبادل منافع الحياة ، كما أنهما المعيار لقيم الأشياء .
وباستقراء ذلك يتبين أنه يتنازع فرضية الزكاة حقان ، حق رباني وحق إنساني، فالحق الرباني هو حق التعبد الذي هو صلة بين العباد وربهم ، يتميز – بحسن أدائه لوجه الله – الطائع من العاصي ، ومن هذه الناحية لا فرق بين الزكاة وبين سائر العبادات كالصلاة والصيام والحج .
وأما الحق الإنساني ، فهو عون الأقوياء للضعفاء على القيام بمطالب العيش ولوازم الحياة ، وما يستلزم ذلك من جيشان القلوب بالشفقة والرحمة والحنان، وما يستتبعه من تكافل الأمة ، وتراص صفوفها ، وشيوع المودة بينها ، وانحسار البغضاء عنها ، وقد تتفاوت أنظار الفقهاء في الأصل الذي يبنون عليه اجتهادهم في فروع مسائل الزكاة الجزئية من هذين الأصلين ، ولذلك يختلفون تسامحاً وتشددا في بعض المسائل الفرعية من هذا الباب ، كما سيتضح ذلك – إن شاء الله – من خلال تعرضنا لأقرب المسائل شبها بموضوع البحث ، فإن من راعى الحق الإلهي أحجم عن التوسع ، لأنه عد الزكاة كالصلاة والصيام في وجوب الالتزام فيها بقيود الأدلة الشرعية النصية ، ومن راعى الحق الإنساني توسع في النظر في حدود مصلحة الفقراء وسائر المستحقين للزكاة، نظراً إلى أنها شرعت من أجل سد خلتهم وقضاء مأربهم في الحياة .
إخراج الزكاة من غير جنس المزكى:
لا خلاف بين الأمة في أن الأصل في إخراج الزكاة أن يكون المخرج من جنس ما يزكى ، اللهم إلا فيما دون الخمس والعشرين من الإبل ، حيث تدفع شاة عن كل خمس منها ، فإن بلغت خمسا وعشرين وجبت فيها بنت مخاض ، وكذلك البقر عند من يجعل حكمها كالإبل في الزكاة ، وإنما اختلفت الأمة في العدول عن هذا الأصل بحيث يكون الثمن بديلاً عن العين الواجب أداؤها بالنص ، وهذا الخلاف إنما يعود إلى اختلاف الأنظار في ترجيح أحد الأصلين اللذين أشرنا إليهما من قبل على الآخر ، فمن ترجح عنده جانب التعبد على جانب المصلحة شدد في المسألة ، وألزمه أن يكون المدفوع من جنس المال الواجبة زكاته ، كما يتقيد في أداء الصلاة بمواقيتها وعدد ركعاتها وسائر ما فرض فيها من قول وعمل ، وكما يتقيد في الصيام بزمنه المحدود وأحكامه المشروعة ، وكما يتقيد في الحج بمشاعره المعلومة وسائر أحكامه المرسومة ، كيف والمال نفسه إنما هو مال الله ، ولئن أضيف إلى من أورثه الله إياه فليست تلك الإضافة إلا مجازا ، إذ غاية ما في ذلك أن الإنسان مستخلف فيه ومؤتمن عليه ، قال تعالى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور : 33] ، وقال : {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ } [الحديد : 7] ، ولئن كان الشارع الحكيم بين للناس كيفية هذا الإنفاق ، فإن التقيد بما بينه أمر لا مناص منه ، ومن ترجح عنده جانب المصلحة التي من أجلها شرعت الزكاة ، ورأى أنها تتحقق بدفع البديل عن الجنس كما تتحقق بدفعها من الجنس ، تتحقق بهذا العطاء سواء روعي في ذلك جانب المعطي ، وهو تطهير نفسه من رجس الشح ، وتخليصها من آثار حب المال ، وغرس الفضائل والقيم فيها بالتعويد على البر والإحسان ، أو روعي جانب المعطى ، وهو ذو الخصاصة ، والمصلحة في جانبه هي دفع الخصاصة عنه وإذهاب آثار الحقد والحسد والكراهية عنه .
ولعلماء الإباضية كغيرهم رأيان في المسألة ، فبعضهم قال بعدم الجواز كما هو مذهب الأئمة ، مالك والشافعي وأحمد ، والأكثرون منهم يرون الجواز كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة [نور الدين السالمي ، معارج الآمال على مدارج الكمال ، ج16 ص209 ، ط وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان- ]، قال الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله – ((ثم اختلف هؤلاء ، فقال بعضهم لا يعطى فيها غير الذهب والفضة ، وقال الأكثر منهم يعطى باعتبار القيمة والعروض وغيرها كالتمر والزبيب عن الحب)) [معارج الآمال على مدارج الكمال -نور الدين السالمي] .
وأعاد الإمام السالمي الخلاف إلى اختلافهم في ترجيح أحد الأصلين المتقدم ذكرهما ، قال ((فمن قال إنها عبادة ، قال : إن أخرج من غير تلك الأعيان لم تجزئ لأنه أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة ، ومن قال هي حق للمساكين لا فرق عنده بين القيمة والعين))[معارج الآمال على مدارج الكمال -نور الدين السالمي] .
وذكر الإمام السالمي إثر هذا مناقشة للمانعين ملخصها ، أنه بثبوت مشروعية الزكاة لأجل الأصلين المذكورين ، لا ينبغي أن ينسى أدقهما من أجل أجلاهما، فلعل الأدق هو الأهم ، فإن سد خلة المحتاج أسبق الاعتبارين إلى الأفهام ، وجانب التعبد في اتباع التفاصيل مقصد شرعي ، وباعتباره صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج في كونها من مباني الإسلام ، وما من شك أن على المكلف جهداً في تمييز أجناس ماله وإخراج حصة كل مال من نوعه وجنسه وصفته ، ويدل على أن التعبد مقصود بتعيين الأنواع أن الشرع أوجب في خمس من الإبل شاة ، فعدل عن الإبل إلى الشاة لا إلى النقدين أو التقويم ، وإن قدر أن ذلك لقلة النقود في أيدي العرب فهو مدفوع بذكره عشرين درهماً في الجبران مع الشاتين ، فلم لم يذكر في الجبران قدر النقصان من القيمة ، وما الداعي لتقديره بعشرين درهماً والشاتين إن كانت الثياب والأمتعة في معناها .
ونسب الإمام السالمي إلى أصحاب هذا الرأي قولهم : فهذا وأمثاله من التخصيصات يدل على أن الزكاة لم تترك خالية عن التعبدات كما هو الشأن في الضحايا والهدايا ، فإنه لا تجزيء القيمة فيهما ، لأن الشرع أوجب ذلك علينا، والواجب ما لا يسع تركه ، ومتى ساغ غيره وسع تركه فلا يكون واجباً .
وأجاب الإمام السالمي عن هذا كله : بأن تخصيص الزكاة بأعيان الأموال إنما هو تسهيل على أرباب الأموال ، لأن كل ذي مال يسهل عليه الإخراج من النوع الذي في يده ، ثم إن الأمر بالأداء إلى الفقير إيجاب للرزق الموعود ، بخلاف الهدايا والضحايا فإن المستحق فيه إراقة الدم ، وهي لا تُعقَل ، ووجه القربة في المتنازع فيه سد خلة المحتاج وهو معقول ، على أن ذكر الدراهم في الجبران يدل على جواز إعطاء القيمة عن الغير ، إذ لولا ذلك لكان الجبران من جنس المال، كما وجب في الخمس من الإبل شاة))[معارج الآمال على مدارج الكمال، 210- 211] .
وهذا الجواب ينم عن ميل الإمام السالمي إلى مذهب القائلين بجواز دفع القيمة، وإلى هذا جنح الإمام البخاري ، وأفرد لذلك بابا في صحيحه وهو ((باب العرض في الزكاة)) ، ذكر أوله الأثر الذي رواه طاوس عن معاذ – رضي الله عنه – أنه قال لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة.
قال ابن رشيد : وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل[الحافظ ابن حجر، فتح الباري ، ج3 ص312 ، ط دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت . البدر العيني ، عمدة القاري ، ج9 ، ص4 ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان] .
وقال الحافظ ابن حجر في أثر معاذ : (هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع ، فلا يغتر بقول من قال ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه، وأما باقي الإسناد فلا ، إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده ، وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب ، وقد روينا أثر طاوس المذكور في كتاب الخراج ليحيى بن آدم من رواية ابن عيينة عن إبراهيم ابن ميسرة وعمرو بن دينار فرقهما كلاهما عن طاوس .[ابن حجر ، فتح الباري ، ج3 ، ص312].
وأجاب الإمام السالمي في معارجه عما ذكره الحافظ من انقطاع سند هذا الأثر – لأن طاوسا لم يسمع من معاذ – بما حكاه الحافظ بنفسه في التلخيص عن الإمام الشافعي أنه قال : طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه ، لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذاً ، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافاً[ابن حجر ، (33) تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرفاعي الكبير ، ج2، ص152، ط دار المعارف -بيروت – لبنان] .
وأجاب البدر العيني عما قيل من انقطاع سند الأثر – وسماه إرسالاً – بأن المرسل حجة عندهم أي الحنفية [البدر العيني ، عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، ج9 ، (41) ص4].
وحمل بعض المانعين هذا الأثر على أنه في الجزية لا في الصدقة ، كما ذكره البيهقي وقال : هذا هو الأليق بمعاذ والأشبه بما أمره به النبي – صلى الله عليه وسلم – من أخذ الجنس في الصدقات ، وأخذ الدينار أو عدله من ثياب اليمن في الجزية ، وأن يرد الصدقات إلى فقرائهم لا أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فيء لا أهل صدقة [نور الدين السالمي ، معارج الآمال ج16 ، ص212 نقلاً عن البيهقي] .
قال الحافظ : فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال ، لكن المشهور الأول ، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن معاذ كان يأخذ العروض في الصدقة [فتح الباري ، ج ص312] .
ونقل الحافظ عن عبد الوهاب المالكي قوله : كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة فلعل هذا منها [فتح الباري ، ص313].
وأجاب البدر العيني على من حمل الصدقة على الجزية بأربعة أوجه :-
أولها : أنه قال مكان الشعير والذرة ، وتلك غير واجبة في الجزية بالإجماع ، وهذا الوجه سبقه إليه الحافظ ابن حجر [المرجع السابق] .
ثانيها : أن المنصوص عليه لفظ الصدقة كما في لفظ البخاري ، والجزية صغار لا صدقة ، ومسميها بالصدقة مكابر .
ثالثها : أنه قاله حين بعثه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأخذ زكاتهم ، وفعله امتثال لما بعث من أجله وسببه وهو الزكاة ، فكيف يحمل على الجزية.
رابعها : أن الخطاب مع المسلمين ، لأنه يبين لهم ما فيه من النفع لأنفسهم وللمهاجرين والأنصار ، فلولا أنهم يريدون المهاجرين والأنصار لما قال خير لأصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة وهم المهاجرون والأنصار ، لأن الكفار لا يختارون الخير للمهاجرين والأنصار [العيني ، عمدة القاري ج9 ، ص504] .
ثم إن العلامة العيني ذكر بعض الإيرادات التي تعقب بها على الاستدلال بأثر معاذ وأجاب عليها .
منها : قولهم مذهب معاذ عدم جواز نقل الصدقات ، أجاب عليه بأنه لا أصل له ، لأنه لا ينسب إلى أحد من الصحابة مذهب في حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
ومنها : ما نسب إلى الإسماعيلي من أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة ، وقد أمره – صلى الله عليه وسلم – أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم .
وأجاب عليه العيني : بأن ذلك ليس على إطلاقه ، وإنما هو خير للفقراء منهم، وهو من باب حذف المضاف وإقام المضاف إليه مقامه ، وما كان نقل الزكاة إلى المدينة إلا بأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي بعثه لذلك ، ولأنه يجوز نقلها إلى قوم هم أحوج من الفقراء الذين هم هناك ، وفقراء المهاجرين والأنصار أحوج للهجرة وضيق حال المسلمين في ذلك الوقت [المرجع السابق ص5] .
وذكر الحافظ بأنه أجيب هذا الإعتراض : بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها ، وقد احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد ، وهي مسألة خلافية أيضاً [فتح الباري ، ج3، ص313] .
ثم قال العيني : فإن قلت قد قيل إن الجزية كانت يومئذ من قوم عرب باسم الصدقة ، فيجوز أن يكون معاذ أراد ذلك في قوله في الصدقة . قلت : قال السروجي قال هذا القاضي أبو محمد ، ثم قال : ما أقبح الجور والظلم منه ، وما أجهله بالنقل ، إنما جاءت تسمية الجزية بالصدقة من بني تغلب ونصارى العرب بالتماسهم في خلافة عمر – رضي الله تعالى عنه – ، فقال هي جزية فسموها ما شئتم ، وما سماها المسلمون صدقة قط .
فإن قلت قال الطرطوشي قال معاذ للمهاجرين والأنصار بالمدينة ، وفي المهاجرين بنو هاشم وبنو المطلب ولا تحل لهم الصدقة ، وفي الأنصار أغنياء لا تحل لهم الصدقة ، فدل على أن ذلك جزية ، قلت : قال السروجي ركة ما قاله ظاهرة جداً ، وهو تعلق بحبال الهوى وخبط

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على مشروعية تثمير أموال الزكاة مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف