وحي السنة في خطبتي الجمعة

الحمد الله وكفى ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المصطفى ، وعلى آله وصحبه وسائر عباده الذين أصطفى أما بعد. فإن خبر قدرة عرفه التأريخ ، وأفضل إمام سار على هديه الراشدون هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم ، باب الهداية ومفتاح السعادة ، لذلك كان التأسي به – عليه أفضل الصلاة والسلام – آية الإيمان وكمال التصديق ، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب : 21]، ومن ثمَّ كانت سنته – صلى الله عليه وسلم – مصدراً هاماً من مصادر التشريع فإنها مرآة تعكس معاني التنزيل ، ومعالم يهتدى بها إلى حقائق التأويل ، وما أحوج العالم والعامل إلى جعل السنة نصب أعينهما ، يستوحيان بها الدراية ، ويستمدان منها الهداية، وهذا شأن كل من أراد السلامة لنفسه ولكن السنة قد تشتبه أحيانا بالبدعة ، بسبب التباس بعض الروايات ببعض ، حتى يعرض الناس عنها حرصا على سلامة دينهم من المحدثات ويلوموا من عملها كأنما ارتكب فجورا أو أخل بلازم ومن ذلك سنة تثنية الخطبة يوم الجمعة والجلوس بين الخطبتين ، فقد ظنها بعض أصحابنا – رحمهم الله – من محدثات معاوية بن أبي سفيان ، فتركوها ولم يعملوا بها ، بينما هناك فريق آخر عرف المسألة حق المعرفة ، فحض على اتباع السنة فيها ، وكلا الفرقين من أهل نحلة الاستقامة .

وفي هذا العصر وقع الاختلاف فيها بين مشائخ العلم بقطرنا ، حتى بقي في نفوس بعض الناس خواص وعوام حرج على من عمل بها لعدم ايلافهم إياها ، ولا غرو ، فإن الطباع تشمئز مما لم تألفه ، والقلوب لا تطمئن إلا إلى ما كان معروفا عندها ، ومن حيث إن إظهار الحجة ودرء الشبهة في هذه الحالة مما يلزم القادر ، رأيت ضرورة كشف الستار عن حقيقة الموضوع ، بنصب الأدلة وإظهار العلة ، فإن الأقوال إن لم يؤيدها الدليل وتصدقها الحجة – وإن جلت منزلة من قالها – لا قيمة لها عند من رام التحقيق ، فما هي إلا كالهياكل التي فقدت الأرواح ، أو كالمصابيح التي نضب منها الوقود وما أبلغ قول من أجاب وقد سئل فيم لذتك ؟ فقال في حجة تتبختر اتضاحاً ، وشبهة تتضاءل افتضاحاً ، هذا وإلى القارئ الكريم ما فتح الله على عبده في المسألة والله ولي التوفيق .
حكم الخطبتين يوم الجمعة والجلوس بينهما:
إن الخطبتين في الجمعة والجلوس بينهما مما ثبت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وعمل به أصحابه – رضي الله عنهم – ، فقد روى البخاري عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: (كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب خطبتين يقعد بينهما) ، وروى النسائي والدار قطني من هذا الوجه (كان يخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس) ، وروى الجماعة ابن عمر أيضا قال (كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب قائما ثم يقعد ، ثم يقوم كما تفعلون اليوم) ، ولفظ البخاري (كما تفعلون الآن) ، وهو يدل على أن ذلك قد استقر عليه عمل الصحابة – رضي الله عنهم – وقوله: (ثم يقوم) يعني يقوم خطيبا مرة ثانية ، كما تدل عليه الروايات الأخرى ، وأقوى ما يوضح ذلك حديث جابر بن سمرة – رضي الله عنه – الذي أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن سماك قال أنبأني جابر بن سمرة (أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يخطب قائما ثم يجلس ، ثم يقوم فيخطب قائما ، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب ، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة) ، وروى مسلم وغيره عن سماك عن جابر بن سمرة أيضا قال: (كانت للنبي – صلى الله عليه وسلم – خطبتان يجلس بينهما ، يقرأ القرآن ويذكر الناس) ، هذا كلام من صلى مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أكثر من ألفى صلاة كما أخبر بنفسه ، ويعني بقوله يقرأ القرآن ويذكر الناس حال الخطبة لا حال الجلوس بين الخطبتين ، لما جاء في رواية ابن عمر التي أخرجها أبو داود قال: (كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب خطبتين ، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب) ، فقد استفيد من هذا الرواية أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يتكلم بشيء حال الجلوس بين الخطبتين ، ورواية أبي داود لحدث ابن عمر هذا – وإن ضعفت بعبدالله العمري – فهي صالحة للتقوى بها على إيضاح إبهام الرواية الصحيحة، وأيضا فإن ذلك يتأيد بما ألف عند الجميع أن قراءة القرآن والتذكير إنما يكونان حال الخطبة لا حال الجلوس بين الخطبتين. هذا ما ثبت عن الهادي الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام في الصحاح والسنن وكفى به حجة ودليلا لمن أراد التأسي به عليه صلوات الله وتسليماته امتثالا لأمر الله سبحانه الذي يحض على اتباعه – صلى الله عليه وسلم – ، وينص على جعل ذلك من مقتضيات الإيمان برسالته ، فالله تبارك يقول {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب : 21]، ويقول سبحانه {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء : 65] ، ويقول عز شأنه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر : 7] ، وقد أتت في هذا المعنى أحاديث صحيحة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، منها قوله: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا ، كتاب الله فما لم تجدوه في كتاب الله ففي سنتي) ، وقوله (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد……إلخ). ومن هنا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان – رضي الله عنهم وأرضاهم – أحرص الناس على التأسي به – عليه أفضل الصلاة والسلام – واتباع سنته والاستضاءة بنوره واستمداد المعارف من فيضه وهذه هي طريقة أهل الاستقامة ، في الدين إذ لم يكونوا يعدلون بسنته – صلى الله عليه وسلم – سنة أحد من الناس ، ولا يرضون بتقليد غيره في أمور دينهم ، فهذا الإمام شمس الدين أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني – رضوان الله عليه – حكى عنه أنه لما حج وزار قبره – صلى الله عليه وسلم – قال مشيراً إلى القبر الشريف – : لا تقليد إلا لصاحب بهذا القبر ، وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال ، حكى هذه القصة العلامة ابن أبي نبهان نقلاً عن والده البحر الزاخر الإمام أبي نبهان – رضي الله تعالى عنهما – ، وناهيك بما قرره في ذلك حامل لواء السنة إمامنا نور الدين السالمي – رضوان الله تعالى عليه – في غير ما وضع من مؤلفاته الفائقة ، ومن ذلك قوله في أنوار العقول:
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار
والاجتهاد عند هذي منعا وهنالك من كان فيها مبدعا
وهذه مقتطفات مما قاله في جواهره الموضوع:
نقدم الحديث مهما جاء على قياسنا ولا مراء
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الاَثارا
فنحن حيث أمر القرآن لا حيثما قال لنا فلان
لأنني أقفو الدليل فاعلما لم أعتمد على مقال العلماء
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل والحق ممن جاء حتما يقبل
وهكذا شأن فحول العلماء ، الذين لا يأسرهم التقليد ولا يمتلكهم الهوى فكيف يلام بعد هذا من عمل بسنة ثابتة لأجل مخالفة فلان أو فلان ، على أنك تعلم أن الحديث إذا ورد عمل به على الصحيح في خصوصه وعمومه ، وإن خالف مذهب الصحابي الذي رواه ، لأن الحجة في روايته لا في مذهبه ، مع احتمال أن يطرقه الذهول والنسيان وإذا كانت مخالفته الصحابي الراوي للحديث لا تلغي شيئا من دلالة الحديث ، ولا تسقط العمل بموجبه ، مع أن الصحابي أدري بموجب الرواية وملابساتها ، فكيف بمخالفة من عداه ولعمري لا أعجب ممن يرضي بتقليد من يخطئ ويصيب ، ويعروه الذهول والنسيان ، ويدع تقليد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المؤيد بالموحي ، المحفوف بالعصمة الموصوف بقول الله عز وجل {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم : 3 – 4] ، وهل عرف الدين إلا به ، أم هل برزت الشريعة إلا من بابه – عليه أفضل الصلاة والسلام – وهل يكون غيره – صلى الله عليه وسلم – وإن امتطى السماء أو ناطح الجوزاء – إلا مدينا له ومتعبد باتباعه ، إذا لا يمكن أن يهتدي إلا بهداه ولا أن يستضيء إلا بشمسه، فكيف يعارض قوله – صلى الله عليه وسلم – بقول غيره أو عمله بعمل سواه ، ولله در نور الدين السالمي – رحمه الله – حيث قال:
ولا تناظر بكتاب الله ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيرا ولو يكون عالما خبير
وحكم فعله في ذلك كحكم قوله، فإن أقواله – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله وتقريراته تشريعات لأمته ، على أنَّا نقول ليس في الخطبتين ولا في الجلوس بينهما ما يخالف طريقة أسلافنا – رحمهم الله – ، فهذه آثارهم – بحمد الله – ناطقة بأن للجمعة خطبتين، وممن نص على ذلك الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي – رحمه الله – في مختصر الخصال حيث قال : والذي يستحب فيه خطبتان أربع خصال إحداها الجمعة……إلخ ، وتابعه الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله تعالى – في مدارجه حيث قال :
لجمعة عرفة عيدين يخطب فيهن بخطبتين
وتستحب سكتة بينهما حتى تكون تلك فصلا لهما
وبمثل هذا صرح في الحجج المقنعة ، ونحو ذلك للشيخ إسماعيل في القواعد والقناطر ، والشيخ عامر في الإيضاح ، والإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني في النيل – رحمهم الله تعالى جميعا – ، غير أن الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله – حكى عن أصحابنا أن المفروضة هي الخطبة الأولى ، والثانية سنة يجوز تركها ، وهو ظاهر كلام الإمام أبي إسحاق – رحمه الله – في خصاله، وهو الذي حكاه العراقي في شرح الترمذي عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي واسحق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل في رواية ، قال وإليه ذهب جمهور العلماء ، كذلك في نيل الأوطار للشوكاني ، وذهب الشافعي وأحمد في أشهر الروايات ومالك في رواية ابن المجاشون عنه إلى اشتراط الخطبتين ، وحكاه القاضي عياض عن عامة العلماء ، وليس هذا موضع بحث أدلة القولين ، وأما الجلوس بين الخطبتين فقد اختلف فيه أصحابنا – رحمهم الله – ، منهم من استحنه ومنهم من كرهه ، والخلاف مذكور في «المذهب» و«النيل» و«القواعد » و«الإيضاح» ونص عبارة «الإيضاح» قد اختلف أصحابنا في الجلوس بين الخطبتين قال بعضهم يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة وقد روى عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه خطب خطبتين وجلس جلستين ، ولعله ذكر الجلسة قبل أن يخطب منتظرا لفراغ الأذان ، ولذلك ذكر الجلستين والله أعلم. وما ذكر احتماله في الرواية عن ابن عباس – رضي الله عنهما – هو عين ما صرح به حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – في بيان خطبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على حسب رواية أبي داود المتقدم ذكرها ، وعلى القول بالجلوس بين الخطبتين اقتصر الشيخ إسماعيل – رحمه الله تعالى – في «القناطر» حيث قال: (وهما خطبتان بينهما جلسة خفيفة) ، ولم يذكر قولا آخر ، وأنت إذا أوسعت المسألة بحثا لم تجد للقول بكراهة الجلوس بين الخطبتين مستندا إلا توهم بعض السلف أن ذلك أمر محدث ، لم يفعله رسول الله – صلى اله عليه وسلم – ولا أبو بكر وعمر وعلي ، وإنما أحدثه عثمان حينما كبر وشق عليه الاستمرار على أداء الخطبة قياما ، ومنهم من نسب ذلك إلى معاوية حينما كثر شحم ولحمه فشق عليه القيام ، وقد صار هذا الظن متداولا في الأسفار ينقله الآخر عن الأول ، وهذا ما قاله الإمام ابن بركة – رحمه الله – في جامعه : ولم يرفع إلينا أن أبا بكر ولا عمر ولا عليا كانوا يجلسون ، وإنما فعل ذلك عثمان في آخر سنه للكبر ، وقال بعض معاوية هو الذي أحدث الجلوس اه. وقد حذا حذوه في ذلك جميع العلماء الذين لم يروا الجلوس ، وهذا نص كلام الإمام نور الدين السالمي – رضي الله عنه – في «الحجج المقنعة » بعد أن ذكر الاختلاف فيمن أحدث الجلوس هل هو عثمان أو معاوية قال وأنت خبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثا فالمندوب تركه ، أما أولا فالتأسي بالسنة أولى من العدل إلى البدعة وإن كانت جائزة ، وأما الثانية فلأن عثمان أو معاوية إنما أحدث الجلوس لما حصل له من العذر، فلا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسى بالمعذور ، وإن كان فعل المعذور جائزا مثلا ، إذا كان المشروع خلافه والفضل في غيره اهـ.
فأنت ترى أن مدار احتجاجهم في عدم استحباب الجلوس على ظن حدوثه ، ولكن من طلب الحقيقة من مظانها بالرجوع إلى كتب الحديث وتتبع الروايات الواردة في الموضوع ظهرت له بخلاف ما ظنوه وعرف منشأ هذا الظن الذي تداولته الألسنة وتناقلته الأقلام ، حتى جرى من أفهام بعض مشائخ عصرنا مجرى اليقين وخلاصة الأمر أن الجلوس بين الخطبتين قد سنه الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يحدثه عثمان ولا معاوية ، وقد أسلفنا ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك ، ولكن قد التبس الأمر على بعض العلماء بسبب ما أحدثه عثمان وما أحدثه معاوية ، أما عثمان فإنه لما تقدم في العمر استرخت قوائمه فلم يقدر على القيام حال أداء الخطبة فكان يتخلل خطبته جلوس غير الجلوس المشروع بين الخطبتين ، وأما معاوية فإنه لما كثر شحم بطنه ولحمه شق عليه القيام فخطب جالساً ، واقتدى به في ذلك بعض عماله وقد استجر ذلك إنكار أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عليه وعلى من اقتدى به من عماله وبفعل هؤلاء يعرض جابر بن سمرة حينما قال بعد ما وصف خطبة النبي – صلى الله عليه وسلم – : (فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب ، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة) ، وروى مسلم عن كعب بن عجرة – رضي الله عنه – أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، وقال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة : 11] ، وفي رواية ابن خزيمة (ما رأيت كاليوم قط إماما يؤم المسلمين يخطب وهو جالس) يقول ذلك مرتين ، ولعل بعض الروايات التي وردت في قصة معاوية كانت سببا للبس الحاصل ، لعدم وضوح ألفاظها ، كرواية ابن أبي شيبة عن طاوس : خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم قائما وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من جلس على المنبر معاوية ، فقد يوهم قوله (وأول من جلس على المنبر معاوية) أن مراده به الجلوس بين الخطبتين ، ولكن الرواية الأخرى تدفع هذا الإيهام ، فقد روى ابن أبي شيبة عن طاوس أيضا (وأول من خطب قاعدا معاوية حين كثر شحم بطنه)، قال إمام المحدثين الحافظ بن حجر في الفتح هذا مرسل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال : (أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان ، وكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم ، وأول من خطب جالسا معاوية) ، وروي عن معمر عن قتادة (أن النبي – صلى اله عليه وسلم – وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياما ، حتى شق على عثمان القيام ، فكان يخطب قائما ثم يجلس ، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسا والأخرى قائما) ، هذه الروايات تجلو الحقيقة وتكشف اللبس مع أن المبصر إذا رأى رواية طاوس الأولى طالعته الحقيقة من ثناياها بعد دقة الإمعان ، فإن قوله (وأول من جلس على المنبر معاوية) مسبوق بقوله (خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائما وأبوا بكر وعمر وعثمان ) ، وهي تقتضي أن جلوس معاوية حال الخطبة لا بين الخطبتين ، فإنه بذلك يكون التضاد بين فعله وفعلهم ، وبهذا كله تعلم لأن ما نقله الإمام نور الدين السالمي- رحمه الله- عن طاوس أنه قال (الجلوس يوم الجمعة بدعة ، وأول من فعله معاوية ، ثم ردوه من بعد) يريد به الجلوس حال الخطبة لا بين الخطبتين – كما حمله عليه الإمام – ، وهو ظاهر فيما نقله عن الشافعي أنه قال إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه . ثم إن الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله – بعد ما قرر في حججه أن الجلوس بين الخطبتين محدث التفت إلى قول من يراه سنة وإلى رأي من استحبه من أصحابنا – رحمهم الله – ومن خلال ذلك استشف حقيقة ما أحدثه معاوية ، وإليك عبارته بتمامها قال : وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث هو عين ما صرح به الأصحاب – رحمهم الله – وقيل إنه غير محدث وأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد فعل ذلك ففي كشف الغمة (أنه كان – صلى الله عليه وسلم – يخطب قائما ويجلس بين الخطبتين ويقرأ القرآن ويذكر الناس) ، ولعل الشافعي استدل بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين ، وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين ، مع قوله إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه ويجمع بين قوليه بأن يقال : أن الذي حكاه عن معاوية هو الجلوس في حال الخطبة وأن الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين والله أعلم . وذكر صاحب القواعد عن بعضهم استحباب الجلوس بين الخطبتين ، ولعله لأجل ما روى من الحديث المتقدم ذكره، ففي استحباب الجلوس حينئذ قولان لأصحابنا ، وعلى القول باستحبابه فهو جلسة خفيفة لا يتكلم فيها الخطيب بشيء والله أعلم اه. كلامه رحمه الله .
وإذا استقر أن في المذهب قولين في المسألة ، فهل الأجدر بالعاقل أن ينساق وراء القول العاري من الدليل إلا مجرد وهم اصطبغت به أفكار بعض العلماء ، أو الوقوف مع السنة الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، إني لا أخال أحدا ممن يريد السلامة لنفسه يختار الوجه الأول ، إلا إذا آثر الرجوع من البصيرة إلى العمى ، ومن الحقيقة إلى الوهم ، وأما قول ابن بركة – رحمه الله- ولم يشاهد مشائخنا بحضرموت يجلسون فنحن على فعلهم ، فمردود بأن السنة هي الحجة على فعلهم ، وليس فعلهم حجة على السنة ، ونحن معشر أهل الحق والاستقامة أولى الناس بتتبع السنة واتباعها ، وإيثارها على كل حجة بعد كتاب الله تعالى ، وإحياء ما اندرس من رسمها ، وما أحوجنا اليوم – ونحن في عصر هبت فيه عواصف الزيغ والإلحاد ، فأطفأت مشاعل الحق ، وطمست معالم الحقيقة ، ونشرت أوبئة الفساد – أن نحرص على اتباع هدى نبينا – صلى الله عليه وسلم – وتطبيق سنته وعدم التساهل في شيء منها.
هذا ولا ريب أن كثيرا من الناس يقولون : كيف تخفى هذه السنة على جهابذة العلماء المتبحرين ، وتظهر لأمثالكم من الضعفاء ، وشتان بين الأرض والسماء، وأين الغزالة من الذبابة ؟ والجواب : أن من استقرأ أحوال العلماء لم يدر بباله هذا الأشكال ، فكم رأينا عالما خفي عليه ما ظهر لمن هو أقل منه علما بمراحل ، والإحاطة بسنته – صلى الله عليه وسلم – مستحيلة حتى على أكابر المحدثين ، كما بينه العلامة ابن تيمية في دفع الملام عن الأئمة الأعلام ، كيف وهؤلاء أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذين كانوا أكثر الناس التصاقا به واطلاعا على أحواله ، وحفظا لسنته ، قد كانوا بحيث يخفى على أحد كبرائهم من سنته – صلى الله عليه وسلم – ما يرويه له من هو أقل منه صحبة ، وأدنى منه مرتبة وأيسر منه علما ، وناهيك بالعمرين اللذين كانا رضي الله عنهما – بحيث لا يجهل قدرهما علما وعملا وملازمة للرسول – صلى الله عليه وسلم – ، وعدم الانفكاك عن صحبته ، ومع ذلك فقد خفي عنهما كثير من سنته – صلى الله عليه وسلم – ، مما حفظه غيرهما ممن لا يعتبر من كبار الصحابة ، وقد اضطرا إلى البحث والسؤال عما حفظ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – مرارا عديدة ، فوجدا ضالتهما عند من لا يقاس ما عنده بعشر ما عندهما ، ولم يكن في ذلك حط لقدرهما ولا خفض لمنزلتهما ، وأيضا فإن الذهول والنسيان مما جبل عليه البشر ، فقد يطلع العالم على حديث ثم ينساه ويعمل بخلافه ، ولذلك تجد كثيرا من أئمة الحديث تخالف آراؤهم ما رووه وصححوه عن سيد البشر – عليه أفضل الصلاة والسلام -، ومن بين هؤلاء بعض كبار أئمتنا فهذا الإمام المحدث أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي – رضوان الله تعالى عنه – نجد له في المدونة وغيرها من الأسفار من الآراء ما يخالف ما ثبت من طريقه في المسند الصحيح من أحاديث لا مرية في صحتها ، كتحديد مدة الحيازة بعشرين عاما ، مع أنه روى تحديدها بالعشر بإسناد صحيح ، وكقوله بكراهة التنزيه في ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير ، مع أنه روى عن جابر بن زيد عن أبي هريرة – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال (أكل ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير حرام) ، ومثل ذلك وقع لتلميذه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب – رضوان الله عليه – فيما رواه في المسند الصحيح من الأحاديث ، ونقل عنه من الآراء ، فهل يظن بهما أنهما يتعمدان مخالفة السنة، أو أنهما يدلسان في روايتها ، كلا والله ، بل هما أورع من ذلك وأنزه ، وأحرص على اتباع الحق وأبعد من الحوم حول الباطل ، وما علينا إلا أن نحملهما على حسن الظن ، وأن لاشك في صحة ما روياه وفي وجوب العمل به.
وباستقراء هذه الحقائق يتجلى إمكان خفاء سنة الجلوس بين الخطبتين على بعض أسلافنا – رحمهم الله – ، وأن ذلك لا يخل بمقامهم ولا ينقص من أقدارهم ، كما أن ذلك لا يقتضي ترك هذه السنة عند من ثبتت عنده ، ولا يقتضي القدح في رواية من رواها ، فإن الإحاطة بجميع السنة – أمر مستحيل- كما قلنا والله سبحانه وتعالى قال في كتابه { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء : 85]، ومن رجع إلى آثار السلف وجد فيها رداً لأحاديث رواها الإمام الربيع بن حبيب – رحمه الله – بأصح إسناد عندنا ، فهذا العلامة ابن مداد – رحمه الله تعالى- قال : إن حديث العرنيين غير صحيح مع أن الحديث في المسند الصحيح للإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك – رضي الله عنهم – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وقد تجاسر ابن مداد – عفى الله عنه – على إنكاره لعدم إطلاعه عليه فالله المستعان ، ووقع مثل ذلك لكثير من العلماء كالإمام ابن أبي نبهان الذي أنكر حديث سنة الزوال الثابت في المسند الصحيح وغيره من كتب الحديث المعتبرة ، وقد جره إنكار الحديث إلى القول بكراهة هذه السنة الشهيرة ، وعزا ذلك إلى أبيه العلامة الكبير أبي نبهان – رضي الله تعالى عنه – ، وكالإمام ابن بركة الذي قال : إن أبا عبيدة ومالكا كانا متعاصرين وكانا يطعنان في حديث أبي هريرة في تحريم ذوات الناب من السباع ، وهو الحديث المتقدم ذكره مع أنك تعلم أن أبا عبيدة هو الذي روى هذا الحديث بإسناد أشهر صحة من الشمس في رابعة النهار ، وكذلك رواه أئمة الحديث عند قومنا من طرق صحيحة ، حتى أن بعضهم وصفه بأنه متواتر ، وإنما أوهم ابن بركة أن هذين الإمامين يطعنان في الحديث ما روى عنهما من القول بكراهة السباع فقط ، مع أن ذلك لا يعني طعنهما في الحديث ، على أن الإمام مالكا قد صدر كلامه في هذه المسألة في المدونة بالتحريم حسبما جاء به الحديث ، وقد تابع ابن بركة على هذا الظن الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله – في المشارق ، مع جلالة قدره وعلم كعبه في علم الحديث وسائر علوم الشريعة ، ثم أنه – رضي الله عنه – انتبه لهذا الخطأ فرده في شرحه الحافل على مسند الإمام الربيع بن حبيب – رحمه الله – ، ومثل هذا يقع كثيراً من العلماء المحققين للدلالة على نقص البشر وعلى انفراد الله بالكمال.
وبعد : فإني لا أظن شكا يبقى في مسنونية الخطبتين للجمعة والجلوس بينهما، لذلك أهيب بمشائخ العلم وأئمة الجمع أن يحيوا هذه السنة ، ليحرزوا أجرين: أجر أحيائها وأجر إرشاد الناس إليها ، وإبادة الشك الذي لابسهم فيها ، وإن كنت لا أقول بوجوبها إلا أن في اتباعه – صلى الله عله وسلم – ما لا يجهل من الفضيلة التي يجب الحرص عليها والمسابقة إليها ، ولا يظنن أحد أنني أردت بما كتبت الرد على أحد أو النيل منه ، فتالله لم يكن ذلك من مقصدي، ولكنني أردت إزالة الحرج الذي وجده بعض إخواننا في صدورهم على من عمل بهذه السنة ، والنصيحة لهم ليعيدوا ويمعنوا النظر فيها ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك