الهبة والهدية

لقد ميز الله البشر بما جعل فيهم من الخصائص الاجتماعية التي تشد كل إنسان إلى بني جنسه ، ويتجلى ذلك واضحاً في التداخل بين المصالح المشتركة للجنس البشري ، لذلك كان كل فرد من أفراد هذا الجنس يحس في أعماق نفسه أنه لا غنى له عن سائر أفراد بني جنسه ، وبما أن الإسلام دين الفطرة ، فقد تضمن في تشريعه المتقن الدقيق كل ما يكون من أسباب الألفة والمودة بين الناس ، ومن بين هذه الأسباب التهادي ، لما للهدية من أثر في استلال الأحقاد وتطهير النفوس من أدران السخائم .
الحث على الهدية :
لذلك جاءت الروايات عن النبي – صلى الله عليه وسلم – حاضةً أمته على التهادي ، ومن بينها ما أخرجه الترمذي من طريق أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : “تهادوا يذهب عنكم وحر الصدر ولا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة” [أخرجه الترمذي في كتاب: الولاء والهبة، باب: في حث النبي على التهادي (2130) ، أخرج الجزء الأخير منه البخاري في كتاب: الأدب ، باب: لا تحقرن جارة لجارتها (6017) ، ومسلم في كتاب: الزكاة ، باب: الحث على الصدقة ولو بالقليل (1030) .، والجزء الأخير من الحديث أخرجه الشيخان من طريق أبي هريرة أيضاً .
وجاء في رواية عند البخاري في أدبه ، وعند البيهقي وغيرهما من طريق أبي هريرة أيضاً أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : “تهادوا تحابوا” [أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب: قبول الهدية (593) ، والبيهقي في كتاب: الهبات ، باب: شرط القبض في الهدية (169/6)] ، وهذا يعني أن الهدية تورث المودة بين المتهادين .
الفرق بين الهدية والهبة :
والهدية غالباً تكون للتكريم ، وهي في مدلولها تتفق مع الهبة ، إلا أنها تكون من الأدنى إلى الأعلى ، فقد يهدي الضعيف إلى القوي ، والمحكوم إلى الحاكم، والصغير إلى الكبير ، وأما الهبة فتكون من الأعلى إلى الأدنى ، كيف والله سبحانه تعالى هو الوهاب ، وإنما سُمي وهاباً لما يهبه عباده من الآلاء الكثيرة والنعم الواسعة .
تعريف الهدية :
واللغويون قالوا بأن الهدية هي ما ينقل من المنافع من أحد إلى غيره ، واصطلح الفقهاء على أنها ما يدفع من غير عوض ، ورأى القطب – رحمه الله – أن يكون التعريف مقيداً بأنها ما كان بغير عوض مذكور ، لأجل دخول هدية الثواب ، وهي الهدية التي يهديها الإنسان المستضعف – غالباً – إلى من هو أقوى منه ، تعرضاً لمثوبته عليها ، وهدية الثواب حصلت في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – ، فقد أُهدي إليه وأثاب على الهدية ، كما ثبت ذلك في سنن الترمذي من حديث عائشة – رضي الله عنها – .
أقسام الهدية :
وبناء على هذا فإن الهدية تنقسم إلى أقسام : منها هدية الثواب : وهي التي يهديها الفقير إلى الغني تعرضاً لجدواه ، وهي مشروعة عند أكثر الفقهاء ، لأجل ما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من التعامل بها ، إذ عَوَّض – عليه أفضل الصلاة والسلام – كثيراً ممن أهدوه على هداياهم بعدما قبلها، وقد جاء من طريق ابن عباس – رضي الله عنهما – أن أعرابياً أهدى إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بعيراً فعوضه عنه ستة أبعرة ، ولكنه لم يرضه هذا العوض ، فأخذ يتشكى ويتسخط ، حتى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – خطب في الناس أنه لن يقبل هدية إلا من مهاجر أو أنصاري أو قرشي أو ثقفي أو دوسي تجنباً لهذا الإحراج ، وروي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – جاء إليه أحد من الناس بهدية فعوضه عنها ، وقال له : هل رضيت ؟ فقال له : لا ، فزاده النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال له : هل رضيت ؟ فقال له: لا ، فزاده ثالثة ثم قال له : هل رضيت ؟ فقال له : نعم ، فخطب النبي – صلى الله عليه وسلم – وبيّن أنه رأى أن لا يتقبل هدية إلا من تلكم الجهات [أبو داود في كتاب: الإجارة ، باب: في قبول الهدايا (3537) من طريق أبي هريرة] .
ورأى الإمام الشافعي بطلان هدية الثواب ، لأنها شبيهة بالبيع أو أنها بيع مغلف ، ومع ذلك لا يكون قدر الثواب معروفاً ، وهذا هو الغرر ، والغرر غير جائز في البيوع ، بل يبطل به البيع .
ومنها هدية القربة إلى الله تعالى ، لا لأجل منفعة دنيوية ، وهذه شبيهة بالصدقة .
ومنها ما يكون بين الأقارب من أجل حسن الصلة بينهم ، ويدخل في ذلك إهداء الرجل إلى أصهاره من أجل تقوية علاقته بهم وكذلك المرأة .
وقد تكون الهدية من الخاطب إلى المرأة التي تقدم لخطبتها ، من أجل تيسير مراده، وقد تهدي المرأة الرجل تودداً إليه لتنعم بالزواج منه ، ومن المعلوم أن مثل هذا التهادي يجب أن يكون قبوله من المرأة أو الرجل مصحوباً بالرغبة في موافقة الآخر على ما في نفسه من الرغبة ، أما عندما يقرر أي واحد منهما في نفسه رفض هذا العرض فعليه أن يرد الهدية ، اللهم إلا أن يعوض عنها عوضاً هو خير منها .
أركان الهدية :
وللهدية ثلاثة أركان لا تتحقق بدونها وهي : المهدي والمهدى إليه ، والعين المهداة، ولكل منها أحكامه في الفقه الإسلامي .
المهدي :
أما المهدي فيشترط فيه أن يكون إنساناً بالغاً عاقلاً حراً مالكاً لما يهديه ، ويجوز أن تكون الهدية من مال اليتيم عندما يرى الخليفة القائم على مصالحه أن مصلحة ماله تتوقف على الإهداء ، وذلك مما يدخل فيما دل عليه قول الله سبحانه : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة : 220] ، ولئن جاز في مال اليتيم فأحرى أن تجوز في مال غيره من الصغار والذين لا يملكون التصرف في أموالهم ، وذلك من قبل الوالد أو الولي أو الوصي أو الخليفة ، على أن يكون ذلك مراعاةً لما يترتب على هذا الإهداء من مصلحة متيقنة لهم ، تفي بقدر الهدية أو تزيد عليها .
وقد أجاز العلماء قبول هدية الصغير فيما يتسامح فيه الناس عادة ، كما أجاز من يرى أن الرقيق يملك قبول هديته مما ملكت يده ، وذلك يتضح فيما لو أهدي إلى الرقيق شيء أو أوصي له به ، أو استحق ملكه بأي وجه من الوجوه المشروعة .
المهدى إليه :
وأما المهدي إليه فيشترط فيه أن يكون صالحاً للتملك ، ويدخل فيه الصغير والمجنون ، وكل من لا يباح له التصرف في ملكه ، كما يدخل الرقيق بناء على جواز تملكه كما تقدم .
ويجوز الإهداء إلى المؤسسات والمرافق العامة ، التي تعود منفعتها على الناس ، فإن الإهداء إلى هذه المؤسسات بمثابة الإهداء إلى من يملك ، لما لها من الشخصية الاعتبارية ، كالمساجد والمعاهد والمدارس والمستشفيات وملاجئ الأيتام ومنازل الأضياف والفقراء والمساكين واليتامى وجميع المؤسسات الخيرية ، كما يجوزالإهداء إلى المؤسسات التي لا يملكها أناس بأعيانهم ، وإنما هي للعامة ، على أن يكون هنالك من يتقبل هذه الهدية ويحرزها نيابةً عن هؤلاء جميعاً ، كوالد الطفل وولي أمر اليتيم ومالك الرقيق والخليفة الشرعي والوصي الشرعي ومن خُوِّل إليه تمثيل المؤسسة في معاملاتها .
الهدية :
أما الركن الثالث وهو ما يهدى فسيأتي – إن شاء الله – الحديث عنه فيما بعد لأجل تشعبه .
اشتراط القبول في الهدية :
هذا ويشترط في الهدية بذل مهديها لها – وهو مما لا خلاف فيه بين العلماء – ، وقبول من أهدي إليه – على رأي الأكثرين منهم – ، وهو القول الراجح لاعتضاده بالكثير من الروايات ، منها ما رواه البخاري من طريق أبي هريرة مرفوعاً “لو أهدي كراع أو ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت” [أخرجه البخاري في كتاب: الهبة ، باب: القليل من الهبة (2568)] وفي رواية الترمذي “لو أهدي إليّ كراع لقبلت ، ولو دعيت إليه لأجبت” [أخرجه الترمذي في كتاب: الأحكام ، باب: ما جاء في قبول الهدية (1336)] ، والكراع هو ما كان دون المرفق ، أصله في غير ذوات الأظلاف، وإنما يطلق على ذوات الأخفاف ، ولكن استعمل حتى في الشاة ، واشتهر ذلك حتى صار من الأمور الشائعة المعروفة.
وذكر بعض العلماء – ومن بينهم الحافظ ابن حجر العسقلاني – أن ذكر الكراع والذراع هنا من باب التنبيه على الأدنى وعلى الأعلى ، فالذراع أعلى ، والكراع أدنى ، إذ كان النبي – صلى الله عليه وسلم – أحب اللحم إليه لحم الذراع ، ورد بأن ذلك كله إنما هو تنبيه على الأدنى ، إذ الذراع وحده لا يسد جوع أحد إن لم يكن معه أعلى ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – ما أراد بهذا إلا الحض على قبول الهدية وإن كانت شيئاً قليلاً يسيرا ، لما في قبولها من تطييب خاطر المهدي ، وما في ردها من الجفاء ، وهو من مكارم أخلاقه – عليه أفضل الصلاة والسلام ، إذ لم يكن عظم شأنه باعثاً له على احتقار ما يهدى إليه ، ويؤكده ما جاء في حديث “لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة” [أخرجه البخاري في كتاب: الأدب ، باب: لا تحقرن جارة لجارتها (6017)، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بالقليل (1030)] ، والمراد به ظلفها أو ما يكون مع ظلفها ، وفي رواية الإمام الربيع بن حبيب – رحمه الله – “لا تحقرن جارة لجارتها ولو كراع شاة محرق” [أخرجه الأمام الربيع في كتاب : الزكاة والصدقة ، باب جامع الصدقة (359)].
وذكر القبول في حديث أبي هريرة دليل على أنها لا تنتقل إلى ملك من أهديت إليه إلا بقبوله لها ، ومما يؤكده ما أخرجه أبو داود من طريق أم كلثوم بنت أبي سلمة – وهي ربيبة النبي – صلى الله عليه وسلم – أن النبي – عليه الصلاة والسلام – أهدى إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ، وكان ذلك عندما تزوج – صلوات الله وسلامه عليه – أمها أم سلمة – رضي الله عنها – فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأم سلمة : “إني أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة إليّ فإن ردت إليّ فهي لك” [أخرجه أحمد في مسنده (404/6)] ، فردت إليه – صلوات الله وسلامه عليه – كما قال ، فأعطى منها كل واحدة من أزواجه أوقية من مسك وأعطى الحلة وبقية الأواقي لأم سلمة – رضي الله عنها – ، ودلالته ظاهرة أن الهدية لم تنتقل إلى ملك من أهديت إليه لخروجها عنه – عليه الصلاة والسلام – ، وإلا لما كان للنبي – صلى الله عليه وسلم – أن يقبل رجوعها إليه بعدما خرجت عنه ، ومن العلماء من فرق بين أن يسلمها المهدي إلى رسوله أو إلى رسول من أهديت إليه ، فإن سلمها إلى رسوله فهي لم تزل على ملكه حتى يتقبلها المهدى إليه، وإن سلمها إلى رسول المهدى إليه فاستلمها منه كان ذلك قبولاً لها نيابةً عمن أرسله ، وبناءً على هذا الشرط فإن أهديت لصبي أو من لا يملك أمره فإن قبول والده أو وليه أو الخليفة القائم بأمره يكفي ، أما إن لم يكن قبول من أحد هؤلاء فإنها تكون معلقة حتى يبلغ الصبي أو يرتفع المانع من اعتبار قبوله ، فإن قبلها بعد ذلك فهي له وإلا فهي لصاحبها وله أن يرجع فيها قبل ذلك ، وذلك بخلاف ما لو مات الصبي أو من لا يملك أمره .
اشتراط القبض :
اشترط كثير من العلماء من أصحابنا ومن غيرهم القبض للهدية من قبل المهدى إليه أو من يقوم مقامه من وكيل أو غيره ، ولذلك اشترط هؤلاء في الإهداء إلى الصبيان قبض أوليائهم أو وكلائهم أو الخليفة القائم بأمرهم أو من يقوم بمراعاة مصالح المسلمين من إمام أو محتسب ، وفي مقدمة الأولياء الآباء ، وهكذا حكم كل من لا يملك أمره كالمجانين أو الغياب ، وإنما يقوم وكيل الغائب مقامه سواء كان توكيله من قبله أو من قبل ولي أمر المسلمين ، ومن العلماء من لا يشترط القبول رأساً لثبوتها وانتقالها إلى المهدى إليه ، ومنهم من اشترطه دون القبض وهو الذي رجحه صاحب النيل وتابعه شارحه قطب الأئمة – رحمهما الله – ، ومن العلماء من فرق بين هدية الوالد وغيره ، فاشترط القبض في هديته دون هدية غيره .
وقد استدل من اشترطه – سواء في هدية الوالد إلى أولاده فحسب أو على الإطلاق- باسترجاع أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ما أهداه ابنته أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – وهو عشرون وسقاً من جاد النخل مما ينبته بالمدينة المنورة ، ولم تقبض ذلك حتى مرِض مرض موته ، فقاله لها: “وددت لو قبضته وإنما هو الآن مال الوارث وإنما هما أخواك وأختاك”[أخرجه مالك في الموطأ (576/2)، والبيهقي في السنن الكبرى (170/6)] ، واعتذر إليها بأنه ما من أحد بعده أحب إليه غناه منها ، وما من أحد أبغض إليه فقره منها ، ولكنها بعدم قبضه فاتها ، فكان لكل وارث حقه منه ، وهي – رضي الله عنها – لم تتردد في التسليم لذلك بل ذكرت بأنه لو كان ما كان لما شرهت نفسها إليه ، وأيد ذلك بما روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه حذَّر الآباء الذين ينحلون أولادهم نحلاً ولا يسلمونها لهم ، بل يبقى أحدهم قابضاً لنحلته حتى إذا مات الولد قال : هذا مالي ولم أنحله أحداً ، وإن حضره هو الموت قال : هذا مال ولدي نحلته إياه ، وبيَّن – رضي الله عنه – أن ما لم يقبضه المنحول فهو ملك للناحل ويقع فيه الميراث ، وروي مثله عن علي – كرم الله وجهه – ، وقال بعض أهل العلم بأنه لا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة ، فهو في حكم الإجماع ، ويعني به الإجماع السكوتي، وهو وإن كانت حجته ظنية إلا أنه إن لم يعارض بحجة أقوى فلا مانع من الاستدلال به .
والمستدلون بهذا على التفريق بين ما أهدي للولد وما أهدي إلى غيره راعوا مورد كل ما حكي عن الخليفتين أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – ، إذ ما قاله أبو بكر إنما كان فيما بينه وبين ابنته ، وما روي عن عمر إنما هو في نحل الآباء لأولادهم، أما جمهور الذين اشترطوا القبض فإنهم لم يقصروا هذا الحكم على مورده فحسب ، وإنما نظروا إلى نفس اشتراط القبض فجعلوه حكماً مطرداً في كل ما يهدى سواء كان لولد أو لغيره ، لأن العلة واحدة ، ولا معنى لتخصيصها بالولد دون غيره ، وقولهم هذا من القوة بمكان ، إذ لا معنى للتشديد فيما بين الوالد والولد وعدم التشديد فيما بين الآخرين ، لأن ما بين الوالد وولده من الانسجام والصلة داعٍ للتسامح أكثر مما بينه وبين غيره ، على أنهم راعوا ذلك فيما بين الزوجين ، فلم يشترط أكثرهم القبض فيما يهديه أحدهم للآخر ، وعللوا ذلك بأن ما بينهم من الألفة والمودة والانسجام في شؤون الحياة كاف لجعل ماليهما كالمال الواحد ، وهذا الذي ذهب إليه مشترطوا القبض في ثبوت الهدية ماعدا ابن بركة إذ لم ير وجهاً لاستثناء الزوجين .
حكم رجوع المهدي في هديته :
عندما تنتقل الهدية إلى ملك من أهديت إليه حكماً سواء بمجرد الإهداء عند من يقوله ، أو مع القبول عند من يشترطه ، أو معه ومع القبض عند من يشترطهما جميعاً فلا يجوز للمهدي رجوعه فيها ، لما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : “مثل من أهدى إلى أحدٍ هدية ثم رجع في هديته كمثل الكلب يرجع في قيئه” ، وفي رواية “ليس لنا مثل السوء ، مثل الراجع في الهدية كمثل الكلب يقيئ ثم يرجع في قيئه” [أخرجه البخاري في كتاب: الهبة وفضلها، باب : لا يحل لأحد أن يرجع في هبته (2479)]، وتضافرت بهذا الروايات من طرق شتى يشد بعضها بعضا ، وكلها تدل على سوء المثل فيمن يرجع في هديته ، واستدل ابن بركة لهذا بأن الهدية قد انتقلت إلى ملك المهدى إليه وأخذها منه بغير إذنه يعد تعدياً على مال الغير ، سواء كان ممن أهداها أو من غيره ، والعدوان على مال الغير ظلم ترتب عليه الوعيد الشديد في القرآن والسنة ، ومما جاء منه في القرآن قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)} [النساء : 29 – 30] ، ومما جاء منه في السنة ، قوله – صلى الله عليه وسلم – “القليل من أموال الناس يورث النار” [أخرجه الإمام الربيع باب: في الوعيد والأموال (690) من طريق ابن عباس] .
والقول بحرمة الرجوع في الهدية هو الذي عليه أصحابنا والجمهور ، وذهبت الحنفية إلى جواز ذلك ونسب إلى الهادوية ، واستدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – شبه ذلك بحالة الكلب الذي يأكل حتى يشبع ثم يقيئ ثم يرجع إلى قيئه ، والكلب غير مكلف ، فمن وقع في ذلك لم يترتب على فعله هذا إثم ، وهذا من عجيب الاستدلال ، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – ما ضرب لذلك هذا المثل الذي تتقزز منه النفوس وتنفر منه الطباع إلا لأجل التنفير منه . ولذلك قال “ليس لنا مثل السوء” ، ومعناه أن على كل منا أن يحذر انطباق هذا المثل عليه، فإن مثل السوء لا يكون للنبي – صلى الله عليه وسلم – ولا لأتباعه ، وإنما لمن انحرف عن الجادة وضل عن سواء السبيل ، وناهيك ذلك حجة واضحة على حرمة ما ضرب له المثل ، ومن رضي لنفسه ذلك فعلى من حوله نصحه وإرشاده وتبصيره بسوء هذا المثل الذي ينطبق عليه ، فإن أصر وأبى إلا أن يتبع هواه فإنه ينبغي أن تعاد إليه هديته إذ لا خير في هدية أمثاله .
هذا ومما يؤيد الجمهور فيما ذهبوا إليه أن الهدية من أقوى أسباب التراحم والتلاحم بين الأقربين والأصدقاء ، وما الرجوع فيها إلا مهيج للسخائم ومؤجج للأحقاد ، وذلك ما لا جواز له في شرع الله تعالى ، فإن جميع ما شرع في الإسلام مما يكون في العلاقات بين الناس مطفئ لنار الفتن وقاطع لدابر الشقاق والخلاف .
وأجاز أهل العلم الرجوع في هدية الثواب إن لم يعوض مهديها لأنها كانت من أجل العوض فإن شح به المهدى إليه كان للمهدي أن يرجع فيها ، بل من العلماء من ذهب إلى أنها حكمها حكم البيع بحيث ترد بظهور العيب فيها ، وتجوز التولية والإقالة فيها ، بل قيل إن الشفعة تترتب عليها بخلاف ما ابتغي به وجه الله فإنه في حكم الصدقة ، وقد جاء في الحديث تشبيه المتصدق الذي يرجع في صدقته بالكلب أيضاً .
هذا وبما أن الولد وماله لأبيه – كما جاء في الحديث – فإن إهداء الوالد لولده لا يعد خروجاً لما أهداه عن ملكه ، فلذلك أجيز استرداد الوالد له ، وهذا مما جاء استثناؤه في الحديث ، ففي السنن عنه – صلاة الله وسلامه عليه – “لا يعود أحد في هديته إلا ما أهداه والد لولده” [أخرجه النسائي في كتاب: الهبة ، باب: رجوع الوالد فيما يعطي ولده (3692)، وأبو داود في كتاب: البيوع والإجارات، باب: الرجوع في الهبة (3539)، والترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الرجوع في الهبة (2131) ، وابن ماجه في كتاب: الهبات، باب: من أعطى ولده ثم رججع فيه (2377)] ، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم ، وذهب أحمد وأبو ثور إلى عدم استثناء ذلك ، وبناء على قولهما فإن الوالد كغيره في هذا الحكم ، إلا أن النص على هذا الاستثناء في الحديث مع ما جاء في الروايات الأخرى من أن للوالد أن ينتفع بمال ولده كماله يدل على أن رأي الجمهور أرجح ، وعلى رأي الأكثرين فإن للأم في ذلك ما للأب لانطباق وصف الوالدية عليها ، بل حقها على ولدها أعظم من حق أبيه ، ومن العلماء من ألحق بهما في ذلك الجد والجدة من قبل الأب أو من قبل الأم ، لأن وصف الوالد ينطبق عليهم جميعاً .
العدل بين الأولاد في العطية :
مع ما أوتي الوالد من سلطة في مال الولد إلا أنه شدد عليه في نحلته لأولاده فمنع أن يؤثر أحداً منهم على غيره ، وفرضت عليه العدالة فيما بينهم جميعاً، لما في محاباة بعضهم وتخصيصه بالعطية أو إعطائه أكثر مما أعطى غيره من إيغار لصدورهم وإيقاد لنار الحسد والبغضاء في نفوس المحرومين منهم، فإن جميع أولاده هم بحاجة إلى حنانه وبره، وجميع الأحكام الشرعية تدور حول المصلحة وتقتضي أن تكون الصلات بين الناس – لا سيما الأقارب – قائمة على الود والتفاهم والوئام والانسجام ، وإن من أبرز سماتها سد ذرائع الفساد وقطع دابر الشقاق والخلاف ، وهذا ما دل عليه حديث النعمان بن بشير أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : “اعدلوا بين أبنائكم ، اعدلوا بين أبنائكم ، اعدلوا بين أبنائكم” [أخرجه النسائي في كتاب: النحل، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان (3689)، وأبو داود في كتاب: الإجارة، باب: في الرجل يفضل بعض ولده في النحل (3544)، وأحمد في مسنده (2586)] ، وجاء من طريقه – أيضاً – أن والده بشير بن سعد نحله نحلة بطلب من امرأته عمرة بنت رواحة – وهي أم النعمان – وقالت له : أشهِد عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فذهب إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال له : يا رسول الله إني نحلت ابني غلاماً – وفي رواية نحلت ابني هذا نحلة من مالي – وأشهدك على ذلك ، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – : “أكل ولدك نحلت مثله قال له: لا ، قال له : فارجعه” [أخرجه البخاري في كتاب: الهبة ، باب: الهبة للولد (2586)] ، وفي بعض الروايات “لا تشهدنا إلا على حق” [أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الأحكام (595)، ومسلم في كتاب: الهبات، باب: تفضيل بعض الأولاد في الهبة (1624)، وأبو داود في كتاب: الإجارة ، باب: الرجل يفضل بعض ولده (3545)] ، وفي بعضها “هذا جور”، وفي أخرى “لا تشهدني على جور” [أخرجه النسائي في كتاب: النحل ، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان (3685)]. وفي غيرها “أشهد على هذا غيري” [أخرجه النسائي في كتاب: النحل ، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان (3687)] إلى غير ذلك من الألفاظ المروية ، وهي جميعاً تدل على عدم إقرار هذا الأمر ، وهذه الروايات بعضها في مسند الإمام الربيع بن حبيب ، ومنها ما هو في الصحيحين ، وبعضها عند أصحاب السنن وغيرهم .
من أجل هذا قال أصحابنا وطائفة من أهل العلم – منهم طاوس وأحمد وإسحاق – بأنه يتحتم العدل بين الأولاد، وذهب جمهور أهل العلم من المذاهب الأخرى إلى أن العدالة مستحبة وليست واجبة ، وهو بعيد من الصواب لمخالفته هذه الأدلة الصريحة بوجوب العدالة ، كيف وقد أمر بها النبي – صلى الله عليه وسلم – في قوله: “اعدلوا بين أبنائكم” مكرراً ذلك ثلاثاً لأجل تأكيده ، وأمره – صلى الله عليه وسلم – من أمر الله تعالى لوجوب طاعته وحرمة معصيته ، فيحمل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة ، وليست هنا قرينة صارفة له إلى غير الوجوب ، بل القرائن بأسرها متضافرة دلالاتها على تأكيد الوجوب ، وكفى بالتكرار حجة على ذلك ، فإنه لا يقصد به إلا التأكيد ؛ بجانب كون النبي – صلى الله عليه وسلم – امتنع من الشهادة على ذلك ، وسماه جوراً ، ومفهوم ذلك أن هذا ليس بحق ، وقال “لا تشهدنا إلا على حق” ، ومفهوم ذلك أن هذا ليس بحق ، ونقيض الحق هو الباطل ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ، والباطل مردود على فاعله .
الرد على أجوبة الجمهور على حديث النعمان بن بشير :
وقد حاول الجمهور التخلص من هذا الذي يدل عليه الحديث من المنع بالعديد من الأجوبة التي لا تفيد شيئاً ، وقد أورد كل من الحافظ ابن حجر والشوكاني عشرة أجوبة لهم ، حاولوا بها صرف حديث النعمان بن بشير عما يدل عليه من المنع .
منها : أنه أتاه أبوه جميع ماله فلذلك امتنع النبي – صلى الله عليه وسلم – من الشهادة على هذه العطية وشدد في ذلك ، وهو مردود بأنه جاء في بعض الروايات أنه نحله غلاماً ، ولم يكن الغلام كل ما يملكه ، وفي بعضها أنه قال: نحلت ابني هذا نحلة من ماليس وهو نص على أنه أعطاه شيئاً من ماله ولم يعطه جميع المال ، على أنه لم تأت رواية قط تدل ولو من بعيد على أنه نحله جميع ماله .
ومنها : أن للإنسان أن يعطي غير أولاده جميع ماله ، ولئن جاز ذلك في غير ولده فلم لا يجوز في ولده ، على أنه لا يعطيه جميع المال وإنما بعضه ، وهو مردود بكونه قياساً في مقابل النص ، ولا يسوغ القياس مع النص – كما أفاد ذلك الحافظ ابن حجر – ، على أن هناك فارقاً بيناً بين عطيته للأولاد وعطيته لغيرهم ، إذ لا يخشى من عطيته لغير الأولاد أن يثير عداوة وبغضاء بين الذين أعطوا وبين غيرهم ، أما الأولاد فبخلاف ذلك – كما سبق – فإن إيثار بعضهم على بعض لا يترتب عليه إلا ثوران الغيرة في نفوس المحرومين فإن قيل : إن عطيته لغيرهم – أيضاً – قد تسبب لهم الاستياء والكراهية ، لأنهم يحسبون أن أباهم آثر غيرهم بما يملك ، والجواب أن ذلك وإن كان مما يتوقع إلا أن أثره أقل ضرراً من أثر ما يكون من الكراهية والقطيعة بين الإخوة، فإن غيرتهم من الأجنبي ليست كغيرة بعضهم من بعض ، والصلة التي تجب أن تكون بينهم أنفسهم أبلغ مما يجب أن يكون بينهم وبين غيرهم.
ومنها : أن من القرائن التي تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب صنيع أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – ، فقد نحل أبو بكر – رضي الله عنه – عائشة – رضوان الله عليها – ما نحلها ، ونحل عمر – رضي الله عنه – ابنه عاصماً ، وأجيب: بأن صنيع أبي بكر كان بموافقة سائر أولاده وطيب نفوسهم، كما نص على ذلك عروة ، وهو لا يقول إلا عن دراية فإنه ابن أخت عائشة ، وعلى هذا يحمل صنيع الفاروق – رضي الله عنه – ، ومن المعلوم أنه يجب ما ينسب إلى الخليفتين الراشدين – رضوان الله عليهما – على موافقة السنة لا على مخالفتها ، على أنه لو ثبت خلاف ذلك فإن الحجة فيما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا فيما ذهب إليه غيره .
ومنها : أن النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام – ذكر لبشير ما يدل على أن هذا من باب الإرشاد لا من باب الإلزام ، إذ قال له : “ألا تريد أن يكونوا في برك سواء؟” ، قال له : نعم ، قال له : “فرجعه إذن” ، وهو مردود بأن هذه الرواية لا تقوى دلالتها على رد ما دلت عليه الروايات الأخرى من كون ذلك جوراً وليس حقاً، إذ لا مسوغ على حمل ذلك على الإرشاد ، مع كون الروايات الأخرى صريحة في دلالتها على خلاف ذلك ، وإنما غاية ما تدل عليه هذه الرواية هو بيان الحكمة من هذا التوجيه النبوي الشريف ، فإن الأب مطالب بتربية أولاده جميعاً على ما يحفزهم على بره والإحسان إليه ، وهذا مطلب فطري تتطلع إليه نفس كل والد فضلاً عن كونه مطلباً شرعياً .
ومنها : أن هذه العطية لم تكن عطية منجزة ، لأنها كانت بدون قبض ، وأجيب بأن القبض حاصل ، لأن العطية كانت ماضية من قبل ، فإنه قال : “نحلت” وهو يدل على أن العطية قد أمضاها ، وإنما جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – لطلب الشهادة منه على ذلك للاستيثاق بشهادته – عليه أفضل الصلاة والسلام – .
ومنها : أن هذه العطية كانت ماضية ولكنه – صلى الله عليه وسلم – أراد إرشاده إلى الأولى ، ويدل على أنها نافذة شرعاً أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمره بارتجاعها ، ولا يكون الارتجاع إلا للذي نفذ ، وهو مردود لأن أمره بالارتجاع ما كان إلا بسبب عدم موافقة العطية للأمر الشرعي .
ومنها : أن امتناعه – صلى الله عليه وسلم – عن الشهادة ما كان إلا لأنه هو الحكم بين الناس ، ولا ينبغي لمثله أن يشهد ، وإنما يسمع الشهادة من غيره، فلذلك أرشد بشيراً إلى أن يشهد غيره كما هو واضح في قوله : “أشهد غيري”، وما كان ليأمره بإشهاد غيره لولا أن ذلك جائز ، وهو مردود بأن قوله :”أشهد غيري” غير خارج مخرج الإرشاد والتوجيه ، ولكنه وارد مورد التهديد والتغليظ ، استنكاراً لفعله ، وكيف يحمل هذا المحمل والروايات الأخرى تدل على أنه بعيد عن قصده – عليه الصلاة والسلام – كقوله : “لا تشهدنا إلا على حق” ، وقوله : “لا تشهدني على جور” ، وقوله : “هذا جور” ، وهي دالة على أنه – عليه الصلاة والسلام – لا يمتنع عن الشهادة إن استشهد على حق ولو كان هو الحكم بين الناس .
فهذه صور من الاعتراضات الموجهة إلى الاستدلال بالحديث على المنع ، وهناك اعتراضات أخرى وهي كلها ساقطة متهالكة إذ لا يعدو أي منها أن يكون فراراً من الواضح إلى المشكل .
حكم ما لو اختص الوالد بعض أولاده بالعطية :
هذا وإذا ثبت عدم جواز اختصاص الوالد بعض أولاده دون بعض بالعطاء أو إيثار بعضهم على بعض فيه ، فكيف لو فعل ؟ هل يقر فعله مع تحميله وزر ما فعل ؟ أو يرد لمخالفته الحق ؟ ، ذهب أكثر القائلين بالمنع إلى أن فعله – وإن كان محجوراً يبوء بوزره – لا يرد في الحكم وهو المروي عن أحمد ، وذكر الإمام السالمي – رحمه الله – أنه ظاهر المذهب .
ولئن كانت الأقوال – وإن جلت منزلة قائلها – لا تعدو أن تكون دعاوى أعوزتها البينات ما لم تساندها الأدلة ، فإني لا أرى لهذا القول وجهاً لقيام الأدلة على خلافه، فليت شعري كيف يقر غير الحق مع دلالة صريح الحديث أنه جور ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ، وأدلة الكتاب والسنة شاهدة على أن كل ما خالف الحق فهو منقوض من أساسه ومردود على من جاء به ، كيف وقد قال تعالى : {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء : 18] ، وقال : {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء : 81] ، وقال: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} [الأنفال : 8] ، وفي الحديث الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – : “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد” ، وفي حديث آخر : “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” ، فكيف يسوغ مع ذلك أن يقرّ في الحكم الشرعي أمر جاء مخالفاً لحكم الشرع الثابت بصريح السنة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – مع أن الله تعالى قد أمر بطاعته – صلى الله عليه وسلم – وحذّر عن معصيته حيث قال : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ } [النور : 54]، وقال تعالى : {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور : 63]، وبيّن تعالى أن طاعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – من طاعته عز وجل حيث قال : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء : 80]، وأمر مع التنازع أن يحتكم إليه وإلى رسوله حيث قال: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء : 59].
ولله در العلامة أبي محمد بن بركة – ما أصوب رأيه وأعمق نظره- حيث قال: بأن من فعل هذا فقد خالف الحق الذي جاء به شرع الله ومن خالف الحق رد إليه كارهاً.
ولئن كانت المقاصد الشرعية تراعى في ترجيح الأقوال فإن مقصد الشارع من هذا واضح وهو إقرار العدالة بين الأولاد ورفع الحيف في التعامل معهم لإبقاء العلاقات بينهم قائمة على الود والوئام ، فلا مجال عن العدول عما يقتضيه هذا المقصد .
هذا وقد أرجأنا فيما تقدم بيان الركن الثالث من أركان الهدية وهو العين المهداة ونختتم – إن شاء الله – حديثنا هذا ببيان ذلك .
العين المهداة :
قد اتضح مما سبق في بيان حكم الركن الأول أن المهدي لابد من أن يكون مالكاً لما يهديه متمكناً شرعاً من التصرف فيه ، وبهذا يتضح أن ما يهدى يشترط فيه أن يكون مملوكاً لمن أهدى .
وتتنوع الهدية إلى نوعين ، لأنها إما أن تكون تمليكاً للرقبة ، وإما أن تكون تمليكاً للمنفعة ، فإن كانت تمليكاً للرقبة ، فإن العين المهداة تنتقل ملكيتها بجميع منافعها إلى من أهديت إليه ، فلا تمنع يده أن يتصرف فيها أي تصرف يباح شرعاً لمن ملكها ، وإن كانت تمليكاً للمنفعة فإن ملكية عينها تبقى لصاحبها الأول وهو مهديها، وإنما يملك من أهديت إليه منفعتها تلك المنفعة وحدها، وهذا يتصور في كثير من الأشياء ، منها المنيحة وهي الشاة اللبون ، تمنح أحداً لينتفع بلبنها إلى أمد ، وذلك مما يعد من القربات ، كما في مسند الإمام الربيع بن حبيب – رحمه الله – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : “خير الصدقة المنيحة الصفي تروح بإناء وتغدو بآخر” ، ومن المعلوم أن رقبة الشاة لا تنتقل ملكيتها بذلك إلى من أهديت إليه ، فليس له بيعها ولا ذبحها ولا إهداؤها لغيره ، وإنما ينتفع بما تدره من اللبن ، وذلك هو ملك المنفعة ، ومثل ذلك ما لو أعطى أحد غيره دابة ليركب على ظهرها أو يحمل عليها متاعه أو يستخدمها في الحرث أو السقي أو نحو ذلك ، ومثل ذلك حكم السيارة وسائر المركبات والآلات ، فإن العين في هذه الأحوال كلها تبقى ملكاً لصاحبها ، ولا يملك المعطى إلا المنفعة التي أبيحت له .
العمرى والرقبى :
ومثل ذلك العمرى والرقبى ، والعمرى هي أن يعمر أحد غيره عقاراً كبيت يسكنه أو أرض يحرثها أو حديقة يستغلها ، بحيث يقول له : أعمرتك أو عمرتك هذا المال مدة حياتك فإن مت رجع ذلك إليّ ، وقد وقع خلاف أهل العلم في حكمها ، فمنهم من قال بأنها لا تسترد من قبل صاحبها ، وهؤلاء استدلوا بحديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – عند مسلم أن الأنصار – رضي الله عنهم – كانوا يعمرون إخوانهم المهاجرين – رضي الله عنهم – أموالهم فقال لهم النبي – صلى الله عليه وسلم – : “أمسكوا عليكم أموالكم فإن من أعمر أحداً عمرى فهي للمعمر ولعقبه أبدا” ، والحديث يفيد أن العمرى تنتقل إلى ورثة من أعمرها كسائر تركته ، ولكن هذا الإطلاق فيه قيّد في حديث آخر ، فعنه – صلى الله عليه وسلم – “من عمّر – وفي رواية من أعمر – عمرى له ولعقبه فهي للذي أعمرها أبدا” ، وهو يفيد أن حكم العمرى بأنها للمعمر ولعقبه إنما هو مشروط بأن تكون مقرونة بالتعقيب ، وذلك بأن يقول المعمِر للمعمَر: أعمرتك لك ولعقبك ، وقد قال بهذا طائفة من أهل العلم وهو أرجح لوجوب حمل المطلق على المقيد ، وذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن العمرى ترجع مع التعقيب وعدمه إلى المعمِر وهو المالك الأول ، وهذا القول هو من الضعف بمكان لمخالفته الأدلة الشرعية وهي نصوص الحديث التي ذكرناها، ولئن كانت الهدية مشروطة بالقبول – كما سبق – فإن العمرى لا تكون نافذة إلا إذا قبلها المعمَر .
وأما الرقبى فكالعمرى وإنما تختلف صيغة الإهداء فيها ، وذلك أن المهدي يقول للمهدى له : قد أعمرتك كذا على أني إن مت قبلك فهو لك ، وإن مت قبلي فهو لي، وذلك أن كلاً منهما يكون مراقباً لموت الآخر .
هذا ومسائل الهبة والهدية أوسع مما ذكرنا ، وإنما أوردت في هذا المقام(١) ما سنح للذاكرة واتسع له الوقت ، والله ولي التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
(1) كان هذا تلخيصاً لمحاضرة ألقاها سماحته ثم أعاد صياغتها.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك