بيع العينة

أما بعد، فبتحية الإسلام الخالدة التالدة أحيِّيكم أيها الإخوة الكرام : فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته ..
إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق عباده هملاً ، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم ليتحملوا أمانة ، وهم مجزيون بأعمالهم ، ومحاسبون عليها، وقد أقام عليهم الحجة بما أرسل إليهم من رسله ، وأنزل عليهم من كتبه ، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة ، وقد بيّن لهم ما أحله لهم وما حرمه عليهم ، ولم يجعل لأحدٍ منهم أن يقدم بمجرد هواه على تحليل ما يريد تحليله ، وتحريم ما يريد تحريمه ، فإن أمر التحليل والتحريم إلى الله تبارك وتعالى ، وقد قال عزَّ من قائل : {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل : 116]، فالحلال ما أحله الله سبحانه وتعالى، ولو راق للناس تحريمه، والحرامُ ما حرَّمه عليهم ولو أنهم اختاروا لأنفسهم تحليله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب : 36] ، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه على عبده ورسوله – صلى الله عليه وسلم – ، فيه تبيان كل شيء ، ولكن في تضاعيف آياته وأحكامه مبهمات ، هذه المبهمات فصَّلتها سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه أن من مهام الرسول – صلى الله عليه وسلم – التي اضطلع بأمانتها تبيين مجملات هذا الكتاب ، فهو تعالى يقول : {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل : 44]، وجاءت سنته – صلى الله عليه وسلم – مفصلة لمجملات القرآن الكريم ، ومُخصصة لكثير من عموماته ، ومُقيدة لكثير من مطلقاته ، وبما أن هذه السنة هي من وحي الله تعالى ، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا ينطق عن الهوى : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم : 3 – 4]، ليس لأحد الاختيار في القبول والرفض فيما جاء عنه – صلوات الله وسلامه عليه – ، بل يلزم التسليم التام لذلك ، وذلك هو عنوان الإيمان يقول الله سبحانه وتعالى : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء : 65]، فما كان لأحد يؤمن بالله وبرسوله – صلى الله عليه وسلم – أن يعترض على شيء من أمر الرسول – عليه أفضل الصلاة والسلام – ، كما أنه لم يكن له أن يعترض على شيء من أمر الله سبحانه وتعالى ، فالتسليم التام هو شأن المؤمن الذي رضي بالله رباً ، وبمحمدٍ – صلى الله عليه وسلم – رسولاً ، وبالقرآن الكريم هادياً ودليلاً ، وسوف يكون حديثنا هنا منصباً حول بعض البيوع الممنوعة في الإسلام ، وهو موضوع جديرٌ بالاهتمام ، فكم هي البيوع المحرمة في الإسلام التي يتعامل بها الناس الآن ، إما لجهلهم بأحكام الله وبأحكام رسوله – عليه أفضل الصلاة والسلام – ، وإما لجشعهم المالي ، بحيث استولى هذا الجشع على نفوسهم ، حتى لم يبق للإيمان أثرٌ فعلي في هذه النفوس ، فانقادوا للشهوات المالية انقياداً .
إن الله سبحانه وتعالى بين للناس ما يأتون وما يذرون ، ولذلك شاع في الناس الكثير من الأحكام الشرعية ، فتبين لهم الحلال والحرام ، ولكن بقيت هناك شبهات متعددة ، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : “الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه ، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحِمى ، يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل ملك حِمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد لمضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب” [أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان ، باب: فضل من استبرأ لدينه (52)، ومسلم في كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات(1599)] ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يبين هنا أن الحلال بيّن والحرام بيّن ، ولكن هنالك مساحة ما بين الأمرين ، وهي مساحة الشبهات التي يجهلها الكثير من الناس ، فهذه الشبهات يجب أن تُتَّقى ، لأن من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، ومثله كمثل الذي يرعى حول الحمى ، فإنه قد يندفع إلى أن يدوس ذلك الحمى ، ويتجاوز ذلك الحجر ، ولكل ملك حمى ، وحمى الله تبارك وتعالى محارمه ، ثم إن النبي – صلى الله عليه وسلم – أتبع ذلك بيان المضغة التي في الجسد يترتب عليها صلاح الجسد وفساده ، فإن صلحت صلح الجسد كله ، وإن فسدت فسد الجسد كله ، وهي القلب ، ذلك لأن للوقوف عند حدود الله تبارك وتعالى بالاقتصار على ما أحلَّ دون ما حرم تأثيراً في إصلاح القلب ، وكذلك لتعدي حدود الله وانتهاك محارم الله سبحانه وتعالى تأثيراً في إفساد القلب، فالقلب يتأثر بالمعصية تأثراً بالغاً ، فكيف للإنسان الذي يعيش على الحرام، يأكل الحرام ويشرب الحرام ، ويلبس الحرام ، وقد جاء في الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ذِكرُ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يرفع يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذِّي بالحرام فأنى يُستجاب لذلك(١) . وجاء في حديث أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن جرير الطبري ما يدل على تأثر القلب بأية معصية يرتكبها الإنسان ، عندما يُسْلِسُ لها القياد ولا يقاومها حتى يتخلص من آثارها ، وفيه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : “إن العبد إذا أذنب الذنب نُكتت في قلبه نُكتةٌ سوداء ، فإن هو تاب ونزع واستغفر صقل ، وإن هو عاد عادت حتى تملأ قلبه ، فذلك الرَّان الذي ذكر الله في قوله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين : 14] ” [أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة ، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب (1015) من طريق أبي هريرة] ، وهكذا شأن معصية الله تعالى – والعياذ بالله – ، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يتحرى الحلال ، وأن يحرِصَ عليه ، وأن يقتنع به ، وأن يكف عن الحرام وعن الشبهات ، حرصاً على إصلاح قلبه الذي هو سلطان جوارحه ، تنقاد له الجوارح ، وتتبعه في فساده وصلاحه ، وقد أحل الله تبارك وتعالى من فضله لعباده البيع ، وحِلِّية البيع أمرٌ ضروريٌ تتوقف عليه مصالح العباد جميعاً ، وهو أمرٌ تُعورف عليه في الأوضاع البشرية جميعاً ، ذلك لأن الناس محتاجون إلى الانتفاع بالمطعم والمشرب والملبس والمسكن وغير ذلك مما تتوقف عليه منافعهم ، ولم تكن هذه الأمور ميسرة لكل أحد يستقل بتيسيرها لنفسه بنفسه ، وإنما يحتاج الإنسان إلى ما في يد غيره ، والنفوس جُبلت على الشر ، فلو لم يشرع لهم البيع ، ولو لم يتعارفوا على البيع ، لكانت مشكلةٌ كبيرة ، لأنه إما يبقى الإنسان محروماً مما يحتاج إليه ويفتقر من المنافع التي جعلها الله تبارك وتعالى في أيدي غيره من الناس ، وإما أن يتناولها بالعدوان، وذلك مما يؤدي إلى التدافع ، وتكون عندئذٍ الفتن ، وتحصل الكوارث التي تأتي على الطارف والتليد ، وتهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد ، فلذلك شرع الله سبحانه وتعالى أحكام البيع ، وجعل البيع مما تميل إليه نفوس العباد من أجل قضاء المصالح وتبادل المنافع ، ويسَّره لهم تيسيرا ، ولكن بجانب ذلك فإن الله تبارك وتعالى لم يكل أمر البيع إلى أهواء العباد ، وإلا لتصرفوا تصرفاً يؤدي إلى الضرر فيما بينهم ، وإنما ضبط الله سبحانه وتعالى في أحكامه التي أنزلها في كتابه وبينها رسوله – صلى الله عليه وسلم – البيع بضوابط أخلاقية ، هذه الضوابط كلها تنم عن الرحمة ، وتدعو إلى البر والإحسان بين الناس ، وتحدُ من جشع النفوس وحرصها على المال ، فالبيع في الإسلام مضبوطٌ بهذه الضوابط ، ولذلك نُهي عن كل بيع يترتب عليه فساد ، لأن الله تبارك وتعالى جعل الإسلام رحمة للعباد {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 107] .
ونحن عندما نرجع إلى الأوضاع البشرية القديمة والحديثة ، والأنظمة التي تتعلق بهذا الأمر المهم الحيوي في حياتهم ، نجد أن ما جاء به العباد ظلمٌ في ظلم ، فالعباد لم يشرعوا لأنفسهم القانون الأخلاقي في معاملاتهم فيما بينهم ، بل نجد الاستغلال البالغ والوحشية التي تتجاوز الحدود ، وهذا مما هو معروفٌ في جميع الحضارات التي تعاقبت على المحيط الإنساني منذ عهود قديمة ، فجميع الأمم الموصوفة بالحضارات منذ أقدم العصور ، كانت معروفة بالمعاملات الربوية ، وعدم التورع عن الربا ، واستغلال حاجة المحتاج ، وكذلك عندما ننظر إلى الأوضاع المالية البشرية في العصر الحاضر فإننا نجد أن الأنظمة البشرية لم تأت بخير ، فهي تستغل حاجة الإنسان استغلالاً دنيئاً خطيراً ، فها هي هذه الأمم المتحضرة الآن التي تنادي باسم الحضارة الإنسانية وبحقوق الإنسان وترفع عقيرتها لتزعم بأنها راعية لهذه الحقوق نجدها منغمسة انغماساً غريباً في هذا الأمر، والمسلمون – مع الأسف الشديد بسبب عدم استقلالهم في المناهج الاقتصادية- هم تبعٌ لغيرهم ، متأثرون بهذه المناهج تأثراً أتى على كل دقيقةٍ وجليلةٍ من معاملاتهم ، فهم منساقون وراء غيرهم انسياقاً ، وقد اعتبروا المعاملات الربوية مظهراً من مظاهر الحضارة ، حتى أن الذي ينادي بحرمة الربا ومنعه وأنه حربٌ بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى يعدونه متخلفاً ، وأنه ينزع منزعاً رجعياً في فكره ، وعندما ننظر إلى الوضع في المجتمع الشيوعي نجد أن الشيوعية في مجتمعاتها حرمت الربا ، ولكن بجانب ذلك لم تمتنع عن التعامل بالربا فيما بين دولها وما بين سائر الدول ، بل هي تتعامل بالربا كما تتعامل المؤسسات الرأسمالية من غير فرق ، وليس تحريم الربا في المجتمعات الشيوعية رفقاً بالعباد أو رحمةً بهم ، ولكن لأن الأنظمة الشيوعية أتت على كل ما كان للناس من أموال وحقوق ، فالدولة هي مالكةٌ للجميع ، وليس البشر الواقعون تحت سلطاتها إلا كالدمى التي تتحرك بضغطٍ على الأزرار ، فهي لم تأت بخير ، ولكننا عندما ننظر إلى الإسلام دين الله سبحانه وتعالى الحق ، وإلى منهجه الاقتصادي ، وإلى حكمه في التعامل ، نجد الرحمة والأخلاق ، ونجد التربية للضمير الإنساني ، هذه التربية التي لم يعرفها مجتمعٌ من المجتمعات ، ولا فلسفة من الفلسفات ، ولا نظامٌ من الأنظمة ، هذه التربية للضمير الإنساني من خلال بعث الناس على التعاون فيما بينهم ، تعاوناً يفيض بالرحمة وينضح بالإحسان ويتدفق بالمعروف .
إن الله سبحانه وتعالى شدَّد في أمر الربا تشديداً بالغاً ، فقد قال عز من قائل: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة : 275] ، ويقول سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)} [البقرة : 278 – 280] ، والله تبارك وتعالى يبين في كتابه كيف يتدرج التعامل بالربا في أكل أموال الناس حتى تبقى أكفهم صفراً مما كانوا يملكون ، فالله تعالى يقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران : 130] ، فالربا مع مرور الزمن يؤدي إلى أن يكون أضعافاً مضاعفة ، ذلك كله مما يدل على الرحمة العظمى التي جاء بها هذا الدين الحنيف ، وأن العمل به فيه السلامة والسعادة ، وفيه الرحمة والبر والإحسان، وعندما يهجر الناس العمل بهذا الدين تكون الكارثة الكبرى ، وأحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – تضافرت بما يدل على التشديد في أمر الربا ، فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : “اجتنبوا السبع الموبقات” [أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا، باب: قوله الله تعالى :(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظالما (2766)، ومسلم في كتاب : الإيمان، باب: الكبائر وأكبرها (89)]. ، وذكر من بينها أكل الربا ، فجعل أكل الربا من الموبقات أي المهلكات ، ويقول – صلى الله عليه وسلم – : “لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه” ، وقال : “هم سواء” [أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: لعن آكل الربا ومؤكله (1598) من طريق جابر ابن عبدالله] واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى ولا يكون الطرد من رحمة الله إلا بسبب مقارفةٍ كبيرةٍ من الكبائر ، فإن اللعن لا يكون إلا على كبيرة ، فإذا ترتب على أي معصية من المعاصي لعن دل على أن تلك المعصية من كبائر الذنوب ، وقد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مشددة في أمر الربا ، وإن طُعن في أسانيدها إلا أنها صالحة للاستشهاد بها والاعتضاد بها في التنفير من الربا ، من ذلك الحديث الذي رواه الحاكم وصححه [أخرجه الحاكم في كتاب: البيوع ، باب: إن أربى الربى عرض الرجل المسلم (230)] عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : “الربا ثلاثة وسبعون باباً ، أيسرها في الإثم مثل أن ينكح الرجل أمه” ، والحديث رُوي بمعناه من طريق أبي هريرة عند ابن جرير الطبري “في الربا اثنان وسبعون باباً” ، وجاء من رواية البراء – رضي الله عنه -“الربا سبعون باباً” ، وذكر هذه الأبواب لا يدل على الحصر، وإنما يدل على أن أبوابه كثيرة ووجوهه مختلفة ، وشعبه متعددة ، فعلى الإنسان أن يتقي الحَوْمَ حول الربا .
نحن لا نريد هنا أن نتناول موضوعات الربا التي هي معلومةٌ للعباد ، ولكننا نريد أن نبين بعض الأشياء التي يتذرع بها الناس إلى أكل الربا ، فإنها من الخطورة بمكان، وهي محاربةٌ بين هؤلاء الذين يأكلون الربا بهذه الأساليب الملتوية والطرق المتخفية، وبين ربهم سبحانه وتعالى ، بل هم في قرارة نفوسهم يظنون أنهم بلغوا مآربهم ووصلوا إلى الأمن من العقاب بسبب هذه الطرق المتخفية التي يسلكونها ولا يدرون أن الله تبارك وتعالى يعلم السر وأخفى ، وأنه عز وجل يحاسب الناس على ما في طوايا ضمائرهم ، فهو العليم بذلك ، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع – رحمه الله – في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس – رضي الله عنهما – : “إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى”[أخرجه الإمام الربيع في باب: في النية(2)] ، وأخرج الحديث الشيخان وغيرهما من طريق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بلفظ : “إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه” [أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان ، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة(54) ومسلم في كتاب: الإمارة ، باب: قوله -صالى الله عليه وسلم- “إنما الأعمال بالنية” (1907)] .
ومن المعلوم أن الفقهاء عندما يترخصون في بعض الأمور ، إنما يتحدثون عن الظاهر الذي يتجلى لهم ، ولكن النوايا يعلمها الله ، وهو المتكفل بمحاسبة العباد عليها : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق : 16 – 18] ، والفقهاء وإن وُجد فيما بينهم المترخص في بعض الأمور لا في جميع الأمور ، فإنهم يقولون : بأنه إذا اتضح تواطؤ الجانبين على الحرام ، فإن ذلك مما يمنع حكماً بدون خلاف .
هذا وإن من بين الطرق الملتوية التي يسلكها الناس من أجل أكل الربا ما عُرف ببيوع الذرائع وهي البيوع التي تسمى بيوع العينة ، لأن أحد المتعاملين بها إنما يريد العين ، فهو يريد بهذه الصورة الظاهرة للبيع التوصل إلى العين التي يقصد اقتراضها ، ولكن بطريقةٍ فيها تمويه حتى تتجلى للناس وكأنها بيع، هذه البيوع بيوعٌ محرمة ، وقد جاء في الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما يدل على هذه الحرمة ، فقد أخرج أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان من طريق ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : “إذا ضن الناس بالدرهم والدينار ، وتبايعوا بالعينة ، واتبعوا أذناب البقر ، وتركوا الجهاد ، أصابهم الله بذلٍ لا يرفعه عنهم إلا أن يراجعوا دينهم، وفي رواية أخرى: إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد أصابكم الله بذلٍ لا ينزعه عنكم إلا أن ترجعوا إلى دينكم” [أخرجه أبو داود في كتاب: الإجارة ، باب: في النهي عن العينة (3462) وأحمد في مسنده (28/2) والطبراني في الكبير (13583)] ، فالمبايعة بالعينة هي المبايعة بهذه الطرق الملتوية التي تسمى بالذرائع ، وسُميت بالذرائع لأن الناس اتخذوها ذريعة من أجل التوصل إلى المعاملات الربوية المتفشية بطرق مختلفة ، طرقٍ قد يحسبها الإنسان في الظاهر آخذةً وجهاً من الوجوه الشرعية ، ولكنها في الحقيقة ما أُريد بها إلا الربا .
وقد ذهب أصحابنا وجمهور الأمة إلى تحريم بيوع الذرائع وعدم جواز التعامل بها بأي حالٍ من الأحوال ، وهذا مما يدل عليه الحديث الشريف ، ويعضده ما رُوي عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – كما أخرج ذلك الدارقطني: أن أمَ ولدٍ لزيد بن أرقم – رضي الله عنه – ذكرت لها بأنها باعت لزيد غلاماً بثمانمائة درهم نسيئة واشترته منه نقداً بستمائة ، فقالت لها عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – بئس ما شريت واشتريت ، أبلغي زيداً بأنه أبطل جهاده مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – [أخرجه الدارقطني في كتاب: البيوع (2982)] ، وليس مثل هذا الكلام من الممكن أن يُقال من قبل أحد إلا بتوقيف من الشارع ، فما كان لأم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – بأن تقول بأن زيداً أبطل جهاده مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمجرد مخالفتها له ومخالفته هو لرأيها الذي تراه ، فلو كان هذا مجرد خلاف بين صحابيين لما أمكن بأن تقول مثل هذا القول ، ولكنها أدركت أن الأمر فيه خطورة ، وأنه ربما خفي الحكم على زيد ، ولذلك أرادت أن تقوم عليه الحجة بإبلاغ أم الولد التي كان بينه وبينها التبايع لذلك حتى يتراجع عما هو عليه ، ومن المعلوم أن بطلان الجهاد هو أن يحبط ثوابه، ولا يكون إحباط ثواب العمل إلا بارتكاب كبيرة من الكبائر ، ولا عبرة بما قاله ابن حزم بأن هذا الحديث مما يدل على ضعفه أن يوجه مثل هذا الخطاب إلى زيد وهو أحد صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وقد كان معروفاً بمناصرته الإسلام ، فإن الله تبارك وتعالى وجه مثل هذا الخطاب أيضاً إلى صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات : 2] ، فمن المعلوم أن الذين وجه إليهم هذا الخطاب هم صحابة ، فإن الذين يمكنهم أن يرفعوا الصوت فوق صوت النبي – صلى الله عليه وسلم – من المؤمنين هم الصحابة إذ لم يكن مؤمنٌ في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يمكن أن يلتقي به ويتحدث إليه حتى يتمكن من رفع صوته على صوته إلا وهو من الصحابة ، والذين جاءوا من بعده – صلى الله عليه وسلم – وإن كان خطاب الذين آمنوا يشملهم إلا أنهم يتعذر ذلك عليهم ، لأنه لا يمكن أن يكون بينهم وبين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خطابٌ في هذه الدنيا .
وقد أطال ابن قيم الجوزية في الجزء الرابع من كتابه “أعلام الموقعين” في بيان خطورة الذرائع ، وأن كثيراً من الأحكام الشرعية جاءت من أجل سد ذرائع الفساد، وكثيراً من الخطاب الذي جاء في كتاب الله تعالى ، وجاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم – موجهاً إلى المؤمنين جاء من أجل سد ذرائع الفساد ، فلربما يُنهى عن الشيء ، ولكن لم يُقصد من النهي النهي عن ذات ذلك الشيء ، إلا أنه نُهي عنه بسبب ما يؤدي إليه من الفساد ، وقد استظهر القرطبي في تفسيره تحريم بيع الذرائع من قول الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة : 104] ، فإن هذه الكلمة من أجل كونها يمكن أن تستغل من قبل أعداء الإسلام للتنقيص من حق النبي – صلى الله عليه وسلم – نُهي عنها ، فإذاً ما كان فعلاً هو أحرى بأن يُنهى عنه عندما يترتب عليه ما يترتب من الفساد ، وبيوع الذرائع بيوعٌ خطيرةٌ جداً .
وقد بلغني أن جماعة من الناس يتعاملون بها ، فعندما يريد أحدهم اقتراضاً، ولكن لا يجد من يقرضه بالطريق الشرعي القرض الحسن الذي أباحه الله سبحانه وتعالى وحض عليه ، يسلك مع صاحب المال مسلكاً ملتوياً من أجل أخذ القرض بطريقٍ ربوي غير مكشوف ، فيأتي أحدهم إلى التاجر ويقول له أريد منك كذا ، فيبايعه – مثلاً – كيساً من الأرز ، وقيمة ذلك الكيس تقريباً عشرون ريالاً ، فيبيعه له إلى أجل بخمسة وعشرين ريالاً ، ثم على الفور يشتريه منه بعشرين ريالاً بقيمته ، فتكون العشرون في مقابل خمسة وعشرين، هذا هو عين الربا ، الذي لا يجوز أبداً، ومن المعلوم أن العلماء شددوا في ذلك ، ولم يجيزوا بحالٍ من الأحوال هذا البيع ولو لم يكن تواطؤٌ بين الجانبين ، ولو قبض المشتري السلعة التي اشتراها ، فكيف – حسبما بلغني – بأن ذلك الكيس الذي يباع لا ينتقل من مكانه ، ولا يقبضه المشتري من البائع ، بل يبيع له على الفور ، ولربما لم يره بعينه ، وهذا أمرٌ فيه من الخطورة ما فيه ، وهو من المحرمات على أي حال .
ومن المعلوم – أيضاً – أن العلماء اتفقوا على عدم جواز بيع الطعام حتى يُكال، فمن اشترى من أحدٍ طعاماً كالقمح والشعير والأرز ونحو ذلك من الأطعمة فإنه لا يجوز له أن يبيعه لغير ذلك الذي اشتراه منه إلا بعد أن يمسكه ويكيله ، وهذا مما دل عليه حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -[أخرجه البخاري في كتاب: البيوع ، باب: بيع الطعام قبل أن يقبض (2135) ومسلم في كتاب: البيوع ، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض (1525) من طريق ابن عباس] ، والمسألة في غير الطعام مختلفٌ فيها ، وفي الطعام مجتمعٌ عليها لا خلاف في ذلك ، والخلاف – في غير الطعام – على أقوالٍ بلغت ثلاثة عشر قولاً ، فمن العلماء من يجعل حرمة ذلك سارية في أي شيء كان كما هو رأي ابن عباس – رضي الله عنهما – ، ذلك لئلا يكون هذا البيع مقصوداً به أن تشترى دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير ، فلذلك قالوا لابد من القبض ، ولو كان ذلك البيع لغير ذلك المشترى منه ، فكيف إذا كان المشتري الثاني هو البائع ، فإن في هذا من التذرع إلى الربا ما لا يخفى ، ولا حجة فيما قاله بعض الناس ، من أن قول النبي – صلى الله عليه وسلم – “لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا” [أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع ، باب: قي الربا والانفساخ والغش (579) من طريق أبي سعيد الخدري] دال على جواز مثل هذه ، إذ قالوا : بأن في هذا الحديث ما يدل على كون مثل هذه الحيل جائزة ، والجواب : إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : “بع الجمع بالدراهم” ، ولم يقل بع ذلك للذي تشتري منه ، وإنما: بعه في سوق المسلمين ليشتري منك أي أحد ، مع أن هذه المعاملة ليست فيها معاملة بتأخير الثمن ، وإنما يبيع كل واحدٍ منهم بالثمن ، ويمسك الثمن ثم يبتاع ما يريد أن يبتاعه بذلك الثمن ، فلا دليل في هذا الحديث على ذلك قط .

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك