وادي ميزاب

يحكى أن بعض الشباب في وادي ميزاب قديما كانوا يتزوجون نساء طمعا في امتلاك مكتباتهن التي يرثنهن والاستفادة من قراءة ما تحتويه من كتب ومخطوطات!… و يحكى أن رجلا من نفس المنطقة كان له أربع أولاد سبّل ثلاثا منهم للعلم والتفقه بينما وجه الرابع للتجارة لأجل أن ينفق على الباقين؛ لكن ومع ذلك أحس الوالد في آخر عمره أنه قد أجحف في حق ولده التاجر!! روايتان تلخصان معنى تعجب مالك بن نبي من حضارة تلك المنطقة فقال عنها أنها خلية حية وسط جسم ميت.

يعرف وادي ميزاب بميزات عدة…منها مرجعيته الدينية المتمثلة في نظام حلقة العزابة… كذلك من سماته التضامن الآلي القوي الذي يحكمأفراد مجتمعه… وأيضا يشتهر بفعاليته في الميدان الاقتصادي خاصة جانب التجارة… إلى آخره من الخصائص والمميزات التي أوهمت الجنود الفرنسيين يوما ما قبل دخولهم إلى المنطقة أن وادي ميزاب جنة خضراء مليئة بالقصور ومظاهر الحضارة الراقية، لكنهم عندما رأوها لم يستوعبوا المفارقة التي تجلت بين الصورة التي رسمها الميزابيون ون خارج وطنهم عن أنفسهم وبين ما كانوا يتصور العسكر الفرنسيين أنهم تربوا ونشأوا في كنفه.

فالخلل الذي حدث في أذهان الفرنسيين تكوّن من النمط التصوري الدارج عندهم عن أن التحضر إنما هو سليل المجال البيئي المادي دون غيره؛ وهذا لا يعني أن منشأ الحضارة الأوروبية كان أساسه ماديا بقدر ما يشي بالغفلة التي اكتنفت بعض أفرادها وعدم وعيهم بدور تلازم العلم بالأخلاق في تشييد الحضارات الراقية.

فما من أمر يمكن أن يصدق في تفسير مبدأ حضارة القرى السبع غير شيء واحد ووحيد هو الاهتمام والشغف بالعلم وتناقله من جيل إلى جيل إلى أن اجتمع في وادي ميزاب حاليا أكثر من خمسين ألف مخطوط بما يجعل منه مكتبة ؛ أما باقي المظاهر الأخرى فليست سوى تجليات ظرفية لقيمة**مطمورة حسب وصف العلماء العلم وانتشارها بين أهل المنطقة وهو الأمر الذي يجعلنا نحكم أن زوال تلك المظاهر مهما كانت متجذرة لا يعني بحال بداية نهاية تحضر هذا المجتمع، لكن العد التنازلي يبدأ من فقدانه الولع والانشغال بالعلم أو تحوله إلى مسألة ظاهرية ليس للباطن فيها شيء؛ ولتوضيح وبيان سبب حصانة المجتمع من الطرق الخرافية ليس لنا إلا أن نركن لإبراز العلاقة بين العلم والمجتمع داخل هذه الحضارة المصغرة.

فلم يقم أبو عبد الله بن بكر الفرسطائي بتأسيس حلقة العزابة إلا لغرض التعليم والتوجيه التربوي، لذلك ليس من الغريب أن نعلم أن نظام العزابة كان قائما أساسا على نظرية “إروان” وهي إحدى الهيئات المكونة للحلقة، فمعنى “إروان” الإرتواء بالعلم، فكان أبو عبد الله يقوم بتعليم الشباب (إروان) ليرسلهم إلى مختلف مناطق المغرب العربي أن يمتد المذهب الإباضي في كل من جربة بتونس وجبل نفوسة بليبيا ووادي ميزاب بالجزائر بل ويمتد كذلك إلى أدغال إفريقيا في زنجبار بكينيا فضلا عن كونه يشكل المرجعية الفقهية والسلوكية لغالبية المجتمع العماني؛ هكذا كان العلم تدب أوصاله في عمق المجتمع إذ لم يكن مقتصرا ومحتكرا لدى نخبة معينة أو أن النخبة كانت في معزل عن الحراك الاجتماعي المستمر.

كما كان واحد من بين أربعة أعضاء من العزابة يقوم بالعناية بالتعليم، لذلك لا يمكن عد الحلقة إلا انعكاس لقيمة العلم التي كانت رفيعة الشأن لدى أهل المنطقة، وبالتالي تشيدت ضمنه مرجعية دينية أبعد ما تكون عن الخرافة ولو أن ذلك لم يمنع من تحجر فكري وديني خلط أصحابه بين العلم كقيمة مطلقة في تمدن الإنسان وتحضره ضمن المرجعية الدينية الإسلامية، وبين الحلقة كشكل اجتماعي يقوم بخدمة تلك الفكرة… لكن وعلى كل حال يبقى ذلك التحجر نفسه دليلا على سبب عدم سقوط المجتمع في مهاوي الخرافة والشرك عن طريق الدين… ونحن نعلم أن الحركة الإصلاحية لم توجد إلا للإبقاء على مفهوم العلم حيا بين أفراد المجتمع، وبالتالي فالخروج عن الشكل للحفاظ على أهمية العلم هو عين المحافظة على جوهر التراث في كل زمان ومكان.

ختاما، إن الأساس الرئيس بل والأوحد لقيام المجتمع المسجدي في وادي ميزاب ما كان سوى الأساس الروحي

——–

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك