مقارنة في المقاصد الشرعية بين الفقهين الإباضي والمالكي

مقارنة في المقاصد الشرعية بين الفقهين الإباضي والمالكي، بين القرنين السابع والعاشر الهجريين، من خلال كتابي الإيضاح للشماخي، وبداية المجتهد لابن رشد

إن الحديث عن الفقه الإسلامي، حديث عن علم أصيل من علوم الإسلام، تصدّر تراث المسلمين، ونال نصيب الأسد في إنتاجهم الفكري، باعتبار الفقه صورة لواقع المجتمع المسلم، ورائدا لسلوك الفرد والجماعة في مختلف ميادين الحياة. ذلك أن الغاية من علم الفقه “انتظام المعاش والمعاد، مع الفوز بكل خير دنيوي وأخروي”1.

وقد أسهمت كل المدارس الفقهية في إثراء هذه المنظومة إسهاما طيبا، وأورثتنا كنوزا ثمينة تعدّ مفخرة خالدة بين الأمم، ومعينًا لا ينضب منه نستمد المناهج والأحكام لمسايرة العصر، واستنباط ما يلبي حاجتنا التشريعية المتجددة، اتساقا مع تطور الحياة المتسارعة.

وتتجه الدراسات الحديثة إلى تناول التراث الفقهي في إطار المقارنة التي تستهدي بمنهج الموازنة بين الآراء والتعرف على مناهج المجتهدين في الاستدلال والاستنباط، واعتماد أرجح الأقوال دليلا، وأهداها سبيلا، وأقومها استدلالا، وأوفقها بتحقيق مقاصد الشريعة.

وفي هذه المقاربة يتجه الاهتمام لبيان جوانب من إسهام مدرستين من المدارس الإسلامية الأصيلة في ميدان الفقه الإسلامي لتأصيل وتجسيد مقاصد الشريعة في مناهجهما الاجتهادية، وهما المدرسة الإباضية والمدرسة المالكية. وينحصر النظر أساسا في كتابين بارزين في نتاج هاتين المدرستين، هما كتاب الإيضاح لأبي ساكن عامر بن علي الشمّاخي (ت792هـ)، وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد(2)، لأبي الوليد محمد بن رشد الأندلسي (ت595هـ).

وسنتناول الموضوع من خلال المباحث الآتية:
مقاصد الشريعة تأصيلا وتقسيما
التعريف بالشماخي وكتابه الإيضاح.
التعريف بابن رشد وكتابه بداية المجتهد.
محتوى الكتابين، وعلاقة المحتوى بالمقاصد
مقاصد الشريعة في كتابي الإيضاح وبداية المجتهد

مقاصد الشريعة، المفهوم والتقسيم:
برز الاهتمام بالمقاصد بصورة جلية في العصر الحديث لدى الدارسين والمهتمين بالتراث الإسلامي؛ سواء في نتاجه الفقهي والأصولي، أم في منهجه المعرفي والاستدلالي، بيد أن الكتابات في علم المقاصد كانت منذ بواكير التأليف الأصولي في القرن الخامس الهجري، على يد الجويني (ت478هـ) والغزالي (ت505 هـ) ، ومن تلاهما من علماء الأصول، كالفخر الرازي (ت606 هـ)، وسيف الدين الآمدي (ت631 هـ)، ثم خطا خطوة متميزة على يد العز بن عبد السلام، (ت660 هـ) وتلميذه شهاب الدين القرافي (ت685 هـ)، ونجم الدين الطوفي (ت716 هـ)، حتى استقام بنيانه علما مستقلا على يد أبي إسحاق الشاطبي (ت هـ)، ليخفت إشعاعه لأمد طويل، إلى أن أشرقت شمسه من جديد، وتجدّد النظر إليه على يد رجال الإصلاح في عصر النهضة، وفي مقدمتهم الإمام محمد عبده (ت1905م) والشيخ الطاهر ابن عاشور (ت1973 هـ).

بيد أن تناول علم المقاصد كان في بداياته إشارات عابرة في ثنايا مباحث أصول الفقه، ضمن مسالك العلة كالمناسب والإخالة والمصلحة، ثم أخذت كتابات الأصوليين توليه عناية أكبر حتى أقام الشاطبي دعائمه، وجعله مقدما على سائر العلوم، وحاكما على مناهج الاجتهاد، وبسط الأدلة على ذلك وخصص لها الجزء الثاني من كتابه الموافقات.

أما من حيث مفهوم المقاصد، فلم يُعن السابقون بوضع تعريف واضح ودقيق لمقاصد الشريعة، استنادا إلى جلاء معناها في الأذهان باعتبارها غايات الشريعة، ومراد الشارع من إنزال الشرائع ووضع الأحكام.

بيد أن المتأخرين تداركوا هذا الإغفال، وسعوا لتحديد مفهوم المقاصد بصورة دقيقة، إيمانا بأن تحديد المفاهيم خطوة أساسية لبناء المعرفة العلمية الموثوقة.

وقد تولّى الطاهر ابن عاشور تحديد مقاصد الشريعة العامة بأنها «المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا ما في الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معاني من الحِكَم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام؛ ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها»(3).

وإذا تأملنا تعاريف علماء الأصول للمقاصد وجدناها تتضمن دلالات أساسية، يفيدها فعل “قصد” في معناه المعجمي، إذ يتضمن معنى الفائدة والمعقولية، لأنه ضد اللغو. كما يفيد معنى العمد الذي يضاده السهو، ومن جهة ثالثة نجده يحمل معنى الحكمة التي تنافي اللهو والعبث.

وقد اجتهد الدكتور طه عبد الرحمن في كشف هذه المعاني الثلاثة من مفهوم المقاصد، استقاها مما بسطه الشاطبي، في فصول خاصة ضمّنها كتابه “الموافقات”.

فالمعنى الأول يستعمل الفعل قصد بمعنى ضد الفعل “لغا” “يلغو”. ولما كان اللغو هو الخلو من الفائدة أو صدق الدلالة فإن المقصد يكون على عكس ذلك “هو معلول الفائدة أو معقول الدلالة”، وهذا المضمون الدلالي يعود إلى الفصل الذي وضعه الشاطبي تحت عنوان “مقاصد وضع الشريعة للإفهام”، وقد ناقش فيه قضيتين أساسيتين حاول فيهما إثبات صفة العربية والأمية للشريعة الإسلامية.

والمعنى الثاني “يستعمل الفعل “قصد” أيضا بمعنى ضد فعل “سها” “يسهو”. ولما كان السهو هو فقدان التوجه أو الوقوع في النسيان، فان المقصد يكون على خلاف ذلك، وهو حصول التوجه والخروج من النسيان. وهو ما تعكسه “مقاصد وضع الشريعة للامتثال” و”مقاصد المكلف”.

وفي المعنى الثالث” يستعمل فعل “قصد” ضد الفعل “لها ” “يلهو”، ولما كان اللهو هو خلو من الغرض الصحيح و فقدان الباعث المشروع، فان المقصد يكون على العكس من ذلك حصولَ الغرض الصحيح و قيام الباعث المشروع”، وهو ما تناوله الشاطبي في فصل “مقاصد وضع الشريعة ابتداء”»(4).

ولئن قسم الشاطبي المقاصد إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، فإن ابن عاشور قسمها إلى مقاصد عامة ومقاصد خاصة. وعني ببيان أن هذه المقاصد نوعان، معان حقيقية تتحقق في نفسها، و معان عرفية عامة تدل عليها مجريات الناس، وتألفها النفوس وتستحسنها استحسانا ناشئا عن تجربة ملائمة لصلاح الجمهور. ويشترط في النوعين معا أن تتوفر فيهما صفات أساسية أربعة، هي: الثبوت، والظهور، والانضباط والاطراد(5).

بيد أن تقسيم الشاطبي كان دقيقا من حيث شمولية النظرة إلى هذه المقاصد من مختلف الزوايا، حيث قسمها إلى نوعين:
فالأول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة إبتداءا، ومن جهة قصده في وضعها للأفهام، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده دخول المكلف تحت حكمها”.

أما النوع الثاني فيتمثل في مقاصد المكلف التي بينها في “أن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات، من العبادات والعادات”، و”قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع”.

بهذه النظرة الشاملة استطاع الشاطبي أن يستوعب المقاصد بنظرته الشاملة، ويمنحها الانسجام بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف.

وقد اعتمد الشاطبي تقسيم هذه المقاصد في حد ذاتها إلى مراتبها الثلاثة الشهيرة، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وهو أمر أساسي للترتيب بينها عند التعارض، ضمانا للانضواء تحت مظلتها في كل الظروف، وعدم إغفالها في عملية الاجتهاد، تنظيرا وتطبيقا.

ولتحقيق هذا الهدف وضبط معيار المفاضلة أو الترتيب بينها، وضع خمس قواعد أساسية؛ هي:
القاعدة الأولى: أن الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي.
القاعدة الثانية: أن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقين بإطلاق.
القاعدة الثالثة: أنه لا يلزم من اختلال الباقين اختلال الضروري.
القاعدة الرابعة. أنه قد يلزم لاختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي اختلال الضروري بوجه ما.
القاعدة الخامسة: أنه ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري(6).

أهمية المقاصد في عمل الفقيه:
يؤكد ابن عاشور أهمية المقاصد للفقيه في مختلف صنوف الاجتهاد، سواء في فهم نصوص الشارع ودلالاتها، أم في البحث عن معارض للدليل والوصول إلى راجح الأدلة عند التعارض، أم في الوصول إلى العلة الصحيحة خلال عملية القياس، أم في الكشف عن المصلحة في الوقائع المستحدثة مما لم يرد فيها نص ولا يجري فيها قياس، أم في التعرف على الأحكام التعبدية الصرف. «فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها، أما في النحو الرابع فاحتياجه فيه ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا»(7).
وبيّن ابن عاشور أن إثبات معظم الأدلة الاجتهادية يندرج تحت هذا النوع؛ كالمصالح المرسلة والاستحسان، وكذا مراعاة الكليات الشرعية الضرورية(8).

ومن جهة ثانية فإن دور المقاصد لا ينحصر في ضبط مسالك الاجتهاد السديد، بل في تقريب شقة الخلاف بين المجتهدين، فإن الاختلاف الفقهي كان من بين أهم العوامل التي دعت الشاطبي إلى الاهتمام بعلم المقاصد، حين رأى كيف استنـزفت ظاهرة الاختلاف جهودا فكرية جبارة، واقتطعت المناظرات والجدل الفقهي أوقاتا ثمينة من عمر المشتغلين بعلم الفقه، ولم يصلوا إلى رأي يحسم الخلاف؛ أو يضيق من شقته جهد المستطاع، بسبب تباين مناهج الاستدلال، أو التقيد بدلالات الألفاظ الصرفة، بعيدا عن مقصود الشارع وحكمته التشريعية.

وقد وصف الشاطبي هذه المرحلة وصف مجرب عانى منها عنتا، وضاق منها ذرعا، فقال: «لقد كنا قبل شروق هذا النور نتخبط خبط عشواء، وتجري عقولنا في اقتناص مصالحنا على غير السواء، لضعفها عن حمل هذه الأعباء، ومشاركة عاجلات الأهواء؛ على ميدان النفس التي هي من بين المنقلبين مدار الأسواء، فنضع السموم على الأدواء مواضع الدواء، طالبين للشفاء كالقابض على الماء، ولا زلنا نسبح بينها في بحر الوهم فنهيم، ونسرح من جهلنا بالدليل في ليل بهيم، ونستنتج القياس العقيم، ونطلب آثار الصحة من الجسم السقيم، ونمشي أكباباً على الوجوه ونظن أننا نمشي على الصراط المستقيم»(9).

وعندما اهتدى إلى معالم المقاصد تجلت له الشمس في رأد الضحى، واستبان له الميزان القسط للموازنة بين الآراء، ومعرفة السليم منها من السقيم، واطراح الشاذ منها لمنافاته مقاصد الشارع الحكيم.

وكان هذا السبب نفسه دافعا لابن عاشور إلى تجديد علم المقاصد «والتمثيل لها والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراسا للمتفقهين في الدين، ومرجعا بينهم عند اختلاف الأنظار، وتبدل الأعصار، وتوسلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لأتباعهم على الإنصاف، في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الاختلاف»(10).

ويمكن اعتبار تقريب الآراء، والوصول إلى الرأي الراجح هدفا رئيسا لعلم الفقه المقارن، وهو ما لا يتأتى تحقيقه دون توظيف مقاصد الشريعة، ومعرفة غايات الشارع من تشريع الأحكام.

موقع المصلحة في علم المقاصد:
ومن باب التذكير نشير إلى أن مقاصد الشريعة العامة التي ثبت بالاستقراء أن أحكام الشريعة تمحورت حولها، وسعت لتحقيقها هي الكليات الخمس، الشهيرة بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فلا يخرج حكم من أحكام الفقه عن تحقيق واحدة من هذه الكليات إما إيجادا لها ابتداء، وإما حفاظا واستدامة، ودفعا لما ينقضها ويفسدها.

وهذه الكليات تتجسد في ما اصطلح عليه بتحقيق المصالح، أو جلب المنافع ودرء المفاسد.
وقد عرف الشاطبي المصلحة بقوله: «وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه، ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق، حتى يكون منعما على الإطلاق»(11).

علما بأن مفهوم المصلحة في الشريعة ليس مطاطا، ولا ذاتيا يخضع لتقلبات الأمزجة، ويتبع الأنظار الفردية القاصرة، بل هو منضبط بضوابط محكمة، تجعل منه مفهوما واضح المعالم، متسقا على وتيرة واحدة لا تغيره ضغوط الواقع وضرورات المواقف، ولا نزوات النفس، وفورة العواطف(12).

وللشاطبي أيضا إشارة إلى انضباط هذه المصلحة، إذ يقول: «المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء المفاسد العادية»(13).
وهذا ما وقع الإجماع عليه من قِبل العلماء، وقرّروا قاعدة جوهرية تقضي أنه “حيث توجد المصلحة فثَـمَّ شرع الله”، لكن مع مراعاة الضوابط والحدود التي رسمتها الشريعة” وفي نطاق ما يسمح به النص دلالة وإشارة.

وقد اختزل ابن عاشور هذه الضوابط حين جعل مقاصد الشريعة قائمة على وصف الشريعة الأعظم وهو الفطرة، واعتبر السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها.

وليست الفطرة إلا مجموع خصائص الإنسان العقلية والجسدية التي جاء الشرع متمشيا معها، سواء في أصوله أم فروعه. وهو ما يضمن لهذه الشريعة العموم والخلود.

والضابط في ذلك أن كل فعل يحب العقلاء أن يتلبس به الناس وأن يتعاملوا به، فهو من الفطرة، وكل فعل يكرهون أن يقابلوا به، ويشمئزون من مشاهدته فهو انحراف عن “الفطرة”.

وقال أيضا: «فالأصول الفطرية هي التي خلق الله عليها الإنسان المخلوق لعمران العالم، وهي إذن الصالحة لانتظام هذا العالم على أكمل وجه، وهي إذن ما يحتوي عليه الإسلام الذي أراده الله لإصلاح العالم بعد اختلاله»(14).

إسهام الإباضية في علم المقاصد:
عُني الإباضية وسائر أهل القياس القائلين بتعليل الأحكام، ببيان مقصد الشارع من التكليف في الجملة، وفي تفاصيل العبادات والمعاملات. وسعوا لضبط هذه المقاصد وترتيبها للموازنة بينها عند التعارض.

ويعتبر الترتيب بين المقاصد خطوة منهجية في غاية الأهمية للنظر الفقهي المتبصر، وبخاصة في حالات الضرورة.
وتجلّي مصادر الفقه الإباضي في تناولها لتصرفات الإنسان اليومية في عباداته، وفي معاملاته، عنايَةً بالغة بمعرفة الباعث، حتى يكون دليلا للمجتهد للوصول يبني عليه الحكم الشرعي على هذا الفعل أو ذاك بالجواز أو الحظر، وعلى التصرف بالصحة أو البطلان وفق الباعث على إنشائه. إذ قد يكون القصد غير مشروع، فيُحال دون صاحبه وغايته، ولو كانت الوسيلة مشروعة. وهذا ما تَجَلّى واضحا في إعمال مبدإ سد الذرائع.

وإذا استقرأنا مصادر الإباضية المتقدمة، وجدناها تتناول مقاصد الأحكام، وفق تقسيمات مختلفة، فقد ذكر ابن بركة أن التكليف ثلاثة أقسام:
قسم أُمر المكلفون باعتقاده، وقسم أُمروا بفعله، وقسم أٌمروا بالكف عنه.
فما أُمروا باعتقاده، فإثبات التوحيد وصفات الكمال لله، وتنـزيهه عن النقص.
وما أمروا بفعله فعلى أقسام، قسم على أبدانهم كالصلاة والصيام، وقسم في أموالهم كالزكاة والكفارة، وقسم فيهما كالحج والجهاد.

وما أمروا بالكف عنه، فعلى ثلاثة أقسام كذلك:
قسم لإحياء نفوسهم، كالنهي عن القتل وأكل الخبائث والسموم، وشرب الخمور المفسد للعقل.
وقسم لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه عن الغصب والظلم والشر المفضي إلى القطيعة والبغضاء.
وقسم لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم، كنهيه عن الزنى ونكاح ذوات المحارم.
فكانت نعمته فيما حرمه عليهم كنعمته فيما أباحه لهم، وتفضله فيما كفّهم عنه كتفضلهم فيما أمرهم به(15).
أما أبو يعقوب الوراجلاني فقد سلك سبيلا أخرى في تقسيمه للمقاصد.

إذ سماها قواعد الشرع، وحصرها في:
1= أحكام الحدود والقصاصات والتباعات في الأموال، والتعاوض بالأبدال؛ لأن حاجة الاجتماع البشري وتعارض المصالح تفضي إلى التنازع والصراع، فردعهم بهذه الأحكام.
2= النكاحات والإجارات والقراضات والمساقاة، لضمان سير مصالح الأنام على خير ما يرام.
3= النظافات والطهارات، وهو تخليص الإنسانية من البهيميات.
4= ما يؤول إلى مكارم الأخلاق والشيم ومحاسن الأفعال والهمم، من الصدقات والزكاة والهدايا والعتاقات، لتخليص النفوس من البخل إلى البذل والفضل.
5= العبادات البدنية وما فيها من مصالح لا يدركها العقل، ولا يصل إليها بالقياس(16).

وبالنظر إلى نتاج المتأخرين نجد السالمي قد سلك النهج الذي سار عليه جمهور الأصوليين، وتناول تقسيم هذه المقاصد إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، بما تتضمنه من الكليات الكبرى للتشريع، متمثلة في حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال(17).

وقد خص بعضُهم، ومنهم أبو العباس أحمد الشماخي حفظَ العرض وجعله مقصدا سادسا، بينما اعتبره الجمهور ضمن كلية حفظ النسل(18).

وتأكدت عناية الفقه الإباضي بتأصيل المقاصد أيضا ضمن قواعد الفقه الكلية.
وأشار السالمي في كتابه “طلعة الشمس” إلى أن قدماء الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بنوا الفقه على خمسة قواعد:
= الأولى: اليقين لا يزيله إلا يقين مثله. وهو نوع من الاستصحاب؛ فالشك في الطهارة لا ينقضها.
= الثانية: أن الأمور بمقاصدها. ومنها وجوب النية في العبادات.
= الثالثة: الضرر يزال. ومنه وجوب رد المغصوب وضمانه بالتلف.
= الرابعة: المشقة تجلب التيسير. ومنه جواز الفطر والقصر والجمع في السفر.
= الخامسة: العادة محكَّمة. ومنه بيان أقل الحيض وأكثره، ومسائل العرف(19).
وهذه أمهات القواعد الفقهية، وعليها فرّع الأصوليون بعض المصادر الاجتهادية. وهي لا تعدو أن تكون قواعد فقهية، أو فروعا من هذه القواعد.
= فالاستصحاب تندرج فيه القاعدة الأولى، اليقين لا يزول بالشك.
= وقاعدة الأمور بمقاصدها تتفرع عنها نظرية الباعث، وقاعدة سد الذرائع.
= والمشقة تجلب التيسير، تتفرع عنها أحكام الرخص، وأحكام الضرورة والإكراه.
= والعادة محكَّمة، بُني عليها دليل العرف .

ولا ريب أن الشيخ عامرًا الشماخي قد استفاد من نتاج المدرسة المتقدم، وبنى عليه جانبا من كتابه الإيضاح، وهو ما تجليه النماذج المنتقاة في هذه الدراسة بإذن الله

إعداد: د.مصطفى بن صالح باجو

(1) – السدويكشي، حاشية على الإيضاح، ج1، ص1.
(2) – يرى بعض الدارسين أن اسم الكتاب الأصح، هو “بداية المجتهد وكفاية المقتصد”. وهو ما نص عليه ابن رشد في آخر كتاب “الكتابة”، ج2 ص291.
(3) – ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية،الشركة التونسية للتوزيع، 1978، ص51.
(4) – طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث،ط1،دار الكتب العلمية،1991، ص 98. – الشاطبي، الموافقات، ط1، دار الكتب العلمية، ج2، ص76.
(5) – ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص52.
(6) – الشاطبي، الموافقات، ج2، ص4.
(7) – ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص15
(8) – ينظر: ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص15-16.
(9) – الشاطبي، الموافقات، ج1، ص13.
(10) – ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص5.
(11) – الشاطبي، الموافقات، ج2، ص6.
(12) – ينظر في تفصيل ضوابط المصلحة، الدراسة الوافية لها في أطروحة دكتوراه الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، “ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية”، وقد طبعت الدراسة طبعات متعددة.
(13) – الشاطبي، الموافقات، ج2، ص27.
(14) – ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص58.
(15) – ابن بركة، المبتدأ، 127/128.-الأصم، النور، 177.-الجيطالي، القواعد، 1: 41/42.
(16) – الوارجلاني، العدل، 3: 349/350.
(17) – السالمي، طلعة، 2: 118. فما بعد. – ينظر أيضا الزحيلي، أصول الفقه، 2: 101 فما بعد.
(18) – السالمي، طلعة الشمس، ج2، ص120.
(19) – السالمي، طلعة الشمس، ج2، ص191.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك