الجاهلية.. حالة موضوعية أم فترة تاريخية؟

لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، فلم يُسمع لدى العرب إلا بعد نزوله ثم استخدم في السنة النبوية، فكان له حينئذ معنى واضح ومحدد؛ ولئن شابَهُ الكثير من الغموض والاضطراب في الفكر الإسلامي الحديث. فلعل ذلك يرجع في كثير من جوانبه إلى افتقاد التأصيل المنهجي الواضح لهذا المفهوم؛ انطلاقًا من دلالته في اللغة العربية أولا ثم في الأصول المنزلة بعد ذلك.

وفي محاولتنا لتحديد هذا المفهوم يبرز تساؤل على جانب كبير من الأهمية وهو هل الجاهلية حالة موضوعية أم فترة تاريخية:

انقسم الفكر الإسلامي في الإجابة على هذا التساؤل إلى تيارين:

– الأول: نظر إلى الجاهلية باعتبارها فترة انقضت ولا يمكن تكرارها، فهي تصف حالة مكانية زمانية محددة، وتنطبق فقط على المشركين من القبائل العربية قاطني الجزيرة العربية قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) دون أهل الكتاب من العرب المعاصرين لهم في الزمان.

بعبارة أخرى فإن الجاهلية وفقا لهذا التيار هي الحال التي كان عليها مشركو العرب قبل الإسلام من الجهل بالخالق سبحانه وتعالى، ومن المفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر، وما كان أهل الجاهلية يعتمدونه من أخذ الجار بجاره، والحليف بحليفه ونحو ذلك.

– الثاني: وهو اتجاه في الفكر الإسلامي المعاصر والحديث يذهب إلى اعتبار الجاهلية حالة موضوعية تقوم متى توافرت مجموعة من السمات والخصائص في فرد أو مجتمع أو نظام؛ بصرف النظر عن مكانه أو زمانه.

وقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (1115-1206هـ/1703-1791) أول من استخدم المفهوم بهذا المعنى في رسالة صغيرة الحجم سماها مسائل الجاهلية، وليس أبا الأعلى المودودي كما هو شائع. ويلاحظ على هذا الطور من مسيرة المفهوم ما يلي:

1 – سعة المفهوم بدرجة كبيرة، فقد بلغت مسائل الجاهلية عند ابن عبد الوهاب مائة مسألة، وقد كانت كلها بمثابة بدع عقدية وعملية، وبدع عبادية.

2 – كما أن وصف الجاهلية لحق الكتابيين بالإضافة إلى مشركي العرب أيضا.

3 – فمفهوم الجاهلية في هذا الطور قد طُرح تعبيرا عن واقع الانحراف في حياة المسلمين عن دينهم، وظل أصحاب هذا الطور يطلقون مسمى الإسلام على من اتصف بصفة من صفات الجاهلية، ولا يجعلون منها وصفا يشمل جميع المسلمين، فالألوسي في مؤلفه نهاية الأرب في معرفة أحوال العرب يميز بين نوعين من الجاهلية: الجاهلية المقيدة والجاهلية المطلقة، ويجعل من الأولى وصفًا يمكن أن يقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص المسلمين، أما الجاهلية المطلقة فقد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار غير الإسلام، وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم، وأما في زمان مطلقا فلا جاهلية بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.

4 – وإذا كان منشأ “الجاهلية” كحالة موضوعية في الفكر الإسلامي الحديث عربيًا، فإن تطويراتها التالية قد جاءت من الهند، والذي أُرجحه أن المفهوم قد انتقل إليها من خلال طبع رسالة ابن عبد الوهاب في فترة مبكرة بها.

اعتبر المودودي (1321-1399هـ-1903-1979م) الجاهلية -منذ فترة مبكرة- منهج حياة يضاد ويتناقض مع منهج الإسلام في الحياة، ونظرته لله وما وراء الطبيعة والكون والإنسان والحياة أو بتعبيره “مسائل الحياة الأساسية”.

الجاهلية في هذا الطور طرحت ليس فقط لوصف حال المسلمين الذين انحرفوا عن الإسلام، وإنما أيضا لمواجهة الحضارة الغربية الغازية بفلسفتها وقيمها وتصوراتها الكلية لله والإنسان والكون والحياة، ومن ثم فقد كان هناك تمييز للمودودي بين أنواع من الجاهلية: الجاهلية المحضة وهي جاهلية الحضارة الغربية، وجاهلية الشرك وهي جاهلية مشركي العرب وبعض المسلمين الذين يأتون ببعض المظاهر الشركية كالتوسل بالمقبورين وغير ذلك، وأخيرًا تأتي جاهلية الرهبانية لوصف انحراف وضلال أهل الكتاب، وبعض متصوفي المسلمين.

ويمكن أن يكون كتاب أبي الحسن الندوي “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” والذي صدر بالعربية (1950م) تعبيرًا عن ذلك الطور أيضًا، فقد استخدم الجاهلية لوصف الحال التي كانت عليها الإنسانية قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم وسمى ذلك “العصر الجاهلي”، ثم تحدث عن استمرار النزعات الجاهلية في رجال الحكومة في عصر الانحطاط الإسلامي، ثم يختتم كتابه بالحديث عن اتجاه العالم بأسره إلى الجاهلية ومنه العالم الإسلامي أيضًا.

ثم تأتي المدرسة القطبية لتدخل المفهوم في بنية الفكر الإسلامي الحديث أو لتجعله مثار معركة بين المؤيدين له أو المعارضين أو المتحفظين عليه، وذلك يعد في جزء كبير منه لما رتبته وتبنته هذه المدرسة على مفهوم الجاهلية من نظرية متكاملة في النظر إلى الواقع: واقع المسلمين وواقع العالم وكيفية تغييره، أو بتعبير آخر فان النظرية القطبية تحولت إلى منهج في العمل الإسلامي له قسماته الفكرية وسماته الحركية التي مازالت تأثيراتها إلى يومنا هذا مسيطرة على بعض الحركات الإسلامية وأفرادها.

وقد طرح الشهيد سيد قطب مفهوم الجاهلية في فترة الخمسينات والستينات من هذا القرن لمواجهة المشروع السياسي العلماني لدول الاستقلال بعد رحيل الاستعمار المباشر وموقف الجماهير المسلمة غير الرافضة صراحة لهذا المشروع، بالإضافة إلى مواجهة الحضارة الغربية بمعسكريها، ووفقًا له “فإن العالم يعيش اليوم كله في “جاهلية” من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهامة، وهذا الإبداع المادي الفائق.

مستويات الجاهلية

يمكن التمييز بين مستويين يتوزع عليها تقويم الواقع: واقع الأفراد والنظم والمجتمعات:

( أ) جاهلية الفسوق والعصيان:

فهناك أولا جاهلية الفسوق والعصيان ويطلق عليها البعض “جاهلية الأعمال”، وهي تلك التي لا تخرج صاحبها من الملة، فقد عَنْوَن البخاري بابًا في كتاب الإيمان بـ”باب المعاصي من أمر الجاهلية”، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، وقوله تعالى: “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” (النساء: 48).

(ب) جاهلية الاعتقاد:

أما المستوى الثاني فهو الذي يعتقد فيه الجاهلية ويختص بالكفر، ويطلق عليه البعض “جاهلية الاعتقاد” وهي تلك التي يخرج بها صاحبها من الملة، لأنه لا يصدر عن مجرد سلوك وإنما عن عقيدة تستحل ذلك السلوك.

التفرقة بين نوعي الجاهلية (جاهلية السلوك وجاهلية الاعتقاد) تسمح بالقول إن الفرد المسلم أو الأمة المسلمة (المجتمع) والنظام الإسلامي (سياسي أو اقتصادي أو قانوني…) قد يكون في أي منهم خصلة من خصال الجاهلية، ومع ذلك فلا ينتفي عن أي منهم مسمى الإيمان، ويكون الحكم في هذه الحالة متعلقا بالدرجة لا بالطبيعة.

فالفرد المسلم يمكن أن يرتكب عملا من أعمال الجاهلية “يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية” وهو بذلك يكون قد خرج على أحكام الدين، باعتبار الجاهلية: كل خروج على أحكام الدين، أما تحديد ما إذا كان هذا الخروج قد بلغ الردة عن الإسلام أم لا فيرجع فيه لأحكام الشريعة التي تحدد الفرق بين المعصية التي يعتبر مرتكبها مرتدا وبين تلك التي لا تعتبر كذلك.

ويصير الجوهر الذي يمنحه الناس الولاء والانتماء هل هو التوحيد أم الشرك؟ ولأيهما الغلبة.. قيم التوحيد أم قيم الشرك، يصير هذا الجوهر هو معيار التفرقة والتمييز بين الجاهلية بالنسبة للأمة والمجتمع.

وتصبح الفلسفة والمقومات أو القيم الحاكمة التي تبنى عليها النظم المختلفة هي التي تميز تلك النظم التي تتصف بجاهلية الاعتقاد من تلك التي تتصف بجاهلية السلوك.

إن هذه التفرقة والتمييز بين الممارسة والسلوك، وبين العقيدة التي يصدر عنها هذا السلوك وتلك الممارسات تعد معيارًا هامًا في التفرقة بين نوعي الجاهلية، ومن ثم نجد في أحيان كثيرة سلوكا للأفراد وممارسات مجتمعية وسياسات للنظم تخرج عن أحكام الدين، ولكن أصحابها في ذلك لا يخرجون عن الملة إلا إذا صدروا في سلوكهم وممارساتهم وسياساتهم تلك عن عقيدة تناقض عقيدة الإسلام ومقتضياتها.

كما تصير التفرقة بين الفرد والمجتمع والنظام عند إطلاق الأحكام أو تحديد الأوصاف أمرا بالغ الأهمية بهذا الصدد فالحكم أو الصفة التي تلحق بالمجتمع أو النظام لا تلحق بالضرورة بالفرد، كما أن اتصاف جزء من النظام أو النظام كله بوصف يغلب عليه ليس معناه بالضرورة أن هذا الوصف يلحق بالمجتمع وأفراده.

وهذا لا ينافي بالضرورة التأثير المتبادل الذي يحدث بين الأطراف الثلاثة (الفرد والمجتمع والنظام) باعتبار أن عدم الاتساق بينها سيترك أثره ولا شك- عليها جميعها، كما أن التغير فيها له آثاره على الأطراف الأخرى، فالاستعمار الغربي في هجمته الشرسة على العالم الإسلامي في القرن الماضي قد بدأ بتغيير النظم التي يحتكم إليها الفرد المسلم في حياته اليومية مما كان له آثاره الخطيرة على سلوكه وممارساته بل وتصوراته بما ترك أثره على المجتمع ككل.

الكاتب/ أ.هشام جعفر

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك