يا أصحاب الفضيلة اقرؤوا

حضرات السادة الأئمة والخطباء والمدرسين:
أنا صاحب فضيلة مثلكم، ولست غريبا عنكم، ولا دخيلا عليكم، ولا خصما لكم، وإنما هي نصيحة أهمس بها في أذنكم، هادئة، خاشعة، وأحسبكم ممن تحبون الناصحين. وإنكم لتذكرون للناس قولة عمر: مرحبا بالناصح غدوا وعشيا، وكلمته: رحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي، فما أجدركم أن تطبقوها على أنفسكم.

يا أصحاب الفضيلة: إن الناس يعيبون عليكم -وبعبارة أدق- إن كثيرا من الناس يعيبون على كثير منكم: أنكم لا تقرءون، ولا تطالعون، ولا تجددون، وأنكم تركبون الدابة في عصر استبطأ الطائرات، وضاقت بطموحه الأرض فغزا الفضاء، وتطلع إلى سكنى السماء.

حدثني بعض المستنيرين من أهل الريف: أن لمسجدهم الكبير إماما لا يحضرون له درسا، ولا يذهبون إليه يوم الجمعة إلا في الخطبة الثانية، فقد حفظوا كل خطبه، ووعوا جميع دروسه، فلا يكاد الشيخ يفتتح الخطبة حتى يعرفوا وسطها وخاتمتها، والحق: أنه لا ينقلها من ديوان، ولكنها مجموعة من نصوص وحكم، وأسماع شبه موسمية، وصارت من التكرار كأنها قوالب متحجرة و(أكليشهات) جامدة.

حتى الآيات التي يتلوها في صلواته، إنها الأخرى عرفت وحفظت، إنها قصار السور، من الضحى إلى المعوذتين، فيما عدا سورة البينة، فإذا عطف مرة على الطوال فحسبه آيات معروفة من أواخر سورة البقرة، أو الكهف، أو الأحزاب، وما شابهها!.

قصدت يوم الجمعة مسجدا فخما أنيقا، وكان غاصا بالمصلين من طبقات مختلفة، أكثرهم مثقفون، وصعد الخطيب المنبر، واستمعت إلى خطبة في ذكرى ميلاد الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، وانتهى الخطيب من خطبته، وحاولت أن أجد لها أثرا من حرارة في قلبي، أو معرفة في ذهني، أو مددا لإرادتي، فلم أحس بشيء من هذا.

كل ما عرفته: أن إيوان كسرى قد انشق، ونار فارس خمدت، وبحيرة ساوة غاض ماؤها، إلى آخر تلك الحكايات التي لا سند لها من دين ولا علم، ولا علاقة لها بعظمة النبي الكريم في شخصيته أو سيرته أو رسالته.

وعلى قدر غثاثة الأفكار، وابتذال المعاني؛ كانت غرابة الألفاظ، وتكلف العبارات، وكان الخطيب -الفقير في فكره وعلمه- ثريا في السجع والمترادفات، كان يقول: جدير بنا، حري بنا، خليق بنا في جملة واحدة، إي والله!!.

فما سر هذه الضحالة والسطحية؟

ليس سر هذا أن الموضوع صعب معقد، ولا أن مراجعه بعيدة المنال، ولا أنه يحتاج إلى عبقرية لم توهب له، فإن الموضوع سهل يسير، والكتب التي كتبت عن محمد صلى الله عليه وسلم في القديم والحديث عشرات وعشرات.

ولكن العيب: أن الشيخ لا يقرأ، ولا يخصص من وقته كل يوم جزءا للمراجعة والاطلاع، مكتفيا بما حصل من علم، وما حاز من شهادة، ناسيا أن الرسالة التي اضطلع بها تحتاج إلى أفق رحب، وثقافة واسعة، وعلم غزير، وعرض جيد، وتصوير جميل، وهذا يحتاج من صاحبه إلى طول القراءة، ومداومة الدراسة، وشغل الفكر والوجدان بالمهمة التي انتدب نفسه أو انتدبته الأقدار لها.

ولنا في تراث سلفنا، وتقاليد علمائنا وحكمائنا منارات هادية، وقدوة حسنة، كان منهم من يدرس كل النهار وبعض الليل، فإذا أوى إلى فراشه نام مشغول العقل والقلب ببعض المشكلات الفكرية، يهتدي إلى حلها في نومه، كما حكي عن الشيخ الرئيس ابن سينا.

وكان منهم من يجوب القفار، ويركب البحار في سبيل حديث يسمعه، أو حكمة ينشدها، وقد رحل أبو أيوب الأنصاري من الحجاز إلى مصر ليسمع من عقبة بن عامر حديثا واحدا في ستر المسلم على المسلم، وما إن سمعه حتى ركب راحلته، وانصرف، وما حل رحله.

وقال الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة، ما رأيت سفره قد ضاع، وقد حدث رجلا آخر بحديث ثم قال له: أعطيتكه بغير شيء، وإن كان الراكب ليركب فيما دونه إلى المدينة.

وقال سعيد بن المسيب: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.

ذلك لنعلم مدى الجهد الذي بذله أسلافنا لخدمة العلم، ورعاية الدين، وها نحن اليوم قد مهد الله لنا سبل العلم، ويسر لنا أسبابه، فأصبح منا داني القطوف، قريب المنال، ولكنا شغلنا عنه بلهو الحديث، وسفاسف الأمور، ومتع الحياة.

العلم عندنا للحصول على الشهادة، والشهادة عندنا جواز مرور إلى الوظيفة، والوظيفة -كما قال أحد العلماء- هي الدار الآخرة، سقط فيها التكليف، وانتهى زمن العمل، فلا قراءة ولا مراجعة، ولا بحث ولا اطلاع.

فهل نسيتم -يا أصحاب الفضيلة- أن العلم بحر واسع عميق، لا يبلغ بحار شاطئه، ولا يصل غواص إلى غوره، ولا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل.

هل نسيتم ما قصه القرآن عن موسى الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه، لم يكتف بما عنده من علم، وقال للعبد الصالح: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) [الكهف:66].

وما خاطب به محمدا صلى الله عليه وسلم: (وقل رب زدني علما) [طه: 114].

إن النبي عليه السلام قال: “كل يوم لا أزداد فيه علما يقربني من الله، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم”، وكذلك كان أصحابه، ومن تبعهم بإحسان.

وقال حبر الأمة عبد الله بن عباس: منهومان لا تنقص نهمتهما: طالب علم، وطالب دنيا.

وقيل لابن المبارك المحدث الجليل: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله، وقيل له مرة أخرى مثل ذلك، فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد، وسمع مرة سكران يتغنى ببيت من الشعر فأعجبه، وأخرج صحيفته، وقيده فيها، فقيل له: كيف تكتب عن سكران؟! فقال: أما سمعتم المثل القائل: رب جوهرة في مزبلة.

وسئل الإمام المحدث سفيان بن عيينة: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟ قال: أعلمهم؛ لأن الخطأ منه أقبح، فيالروعة الجواب!!.

وقيل للمأمون: أيحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كان الجهل يعيبه، فالتعلم يحسن به.

تلك تقاليد علمائنا الذين لم يكن العلم عندهم وسيلة لشهادة، ولا آلة لارتزاق، ولكنه كان فرضا دينيا لإسلامهم، وواجبا اجتماعيا لأمتهم، وكان -فوق ذلك- لذة عقلية، وسعادة روحية، تتضاءل بجانبها لذات الحس، ومتعة الحياة الدنيا.

قيل لأحدهم: فيم لذتك؟ قال: في حُجة تتبختر اتضاحا، وفي شُبهة تتضاءل افتضاحا.

وقيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعا تتنعم، مثلما تتنعم أذناي.

قيل له: كيف حرصك عليه؟

قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال.

قيل له: كيف طلبك له؟

قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.

وكانوا يجدون في صحبة الكتاب أنسا ينسيهم الطعام والشراب، والأهل والولد، ويعلو بهم على مجالسة الأمير والوزير.

نظرت امرأة الزهري إليه -وهو مشغول عنها بصحائفه وكتبه- فقالت في غيظ وحنق: لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر.

وبعث أحد الأمراء إلى أحد العلماء غلامه يستدعيه، فقال العالم: إني مشغول ببعض الحكماء، فإذا قضيت أربي معهم أتيت، ولم ير الغلام معه أحدا، إلا أن بين يديه كتبا ينظر فيها، فعاد وأخبر سيده الخبر، وبعد حين حضر العالم، فقال الأمير: غبت عنا، وحرمنا الأنس بك، وقد قال الغلام: إنه ما رأى عندك أحدا.

فأنشد العالم يقول:

لنا جلساء ما نمــــل حديثهم ألباء مأمونون غيبا ومشهدا

يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا

بلا فتنة تخشى ولا سـوء عشرة ولا يتقى منهم لسانا ولا يدا

فإن قلت: أموات فلا أنت كاذب وإن قلت: أحياء فلست مفندا

الكاتب/ د. يوسف القرضاوي

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك