توثيق القرآن الكريم حفظًا في الصدور ورسما في السطور

الله أنزل أحسن الحديث على أكرم خلقه، قرآنًا عجبًا أتمَّ به على عباده نعمته، وأقام به عليهم حجَّته، ومقتضى تمامِ النعمة على الناس دوامُها على مرِّ الدهور، وقيامِ الحجَّة بقاؤُها مدى العصور؛ وهذا ما تهيَّأ للقرآن الكريم، ودلَّ عليه البرهان الساطع، ولا أدلَّ عليه أقوى من الواقع. ومن عجب أمر هذا الكتاب أن يستودعه منزِّله سبحانه قلب النبيء الأمِّي، ويستحفظه أمَّة أمِّية لا تقرأ ولا تكتب إلاَّ قليلاً منها.
ولقد وصف القرآن الكريم مدى حرص النبيء صلى الله عليه وسلم واهتمامه بحفظ ما يتنـزَّل عليه منه؛ قال عزَّ وجلَّ {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(1). وكان الصحابة رضوان الله عليهم ينقلون عن النبيء فيبذلون غاية جهدهم في سبيل حفظ ما يتلى عليهم واستذكاره، إذ كان اعتمادهم وتعويلهم على حوافظهم، وكانوا يتنافسون في جمعه ويتدارسونه فيما بينهم، ويتلونه في صلاتهم بالليل والنهار، وحيثما كانوا في ظعنهم وإقامتهم. وبهذا يتحقَّق لهذا الكتاب أعلى صور التحقيق والتوثيق،وتظافر على حفظه الحوافظ والأقلام، وتحقَّق وعد الله الذي لا يُشكُّ في وعده إذ قال {إِنـَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنـَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(2).

ويجمل بنا بعد هذه التوطئة أن نذكر مراحل توثيق القرآن مرحلة مرحلة، من مبدإ نزوله على قلب رسول الله إلى يوم الناس هذا ـ مع الإشارة إلى بعض ما صاحب هذه المراحل من أخطار ـ وإلى بعض ما زُرع من شُبه لتشكيك ضِعاف العقول فيه وصدِّهم عنه، ويأبى الله إلاَّ أن يبقى كتابه أبد الدهر محفوظًا من كلِّ تحريفٍ، محفوفًا بعناية منزِّلِه فلا تصل إليه أيدي العابثين المغرضين.

المرحلة الأولى: توثيق القرآن في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم :
أ ـ الحفظ في الصدور:

كان اعتماد الصحابة رضوان الله عليهم في نقل القرآن ـ في المقام الأول ـ على الحفظ في الصدور، ولن يزال الأمر كذلك إلى يوم الدين. قال الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري: «إنَّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتبن،وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمَّة (…) كما جاء في صفة أمَّته ”أناجيلهم في صدورهم“ وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلاَّ في الكتب، ولا يقرءونه كلَّه إلاَّ نظرًا لا عن ظهر قلبٍ، ولـمَّا خصَّ الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمَّة تقاتٍ تجرَّدوا لتصحيحه، وبذلوا أنفسهم في إتقانه، وتلقَّوه من النبيء صلى الله عليه وسلم حرفًا حرفًا، لم يُهملوا منه حركة ولا سكونًا ولا إثباتًا ولا حذفًا، ولا دخل عليهم في شيءٍ منه شكٌّ ولا وهمٌ، وكان منهم من حفظه كلَّه، ومنهم من حفظ أكثره، ومنهم من حفظ بعضه، كلُّ ذلك في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم»(3).

ب ـ الحفظ بالكتابة:

ورد في كتب السنَّة وفي كثير من كتب علوم القرآن أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قد أتَّخذ كُتَّابًا للوحي، ومن أشهرهم زيد بن ثابت، غير أنَّه ليس بأوَّلهم، لأنَّه أسلم بعد الهجرة، وقد كتب للنبيء قبله أُبـيُّ بن كعب وهو أوَّل من كتب له بالمدينة. وأوَّل من كتب له بمكَّة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وممَّن كتب للنبيء صلى الله عليه وسلم الخلفاء الأربعة وغيرهم، وكان إذا أملى على أحد كُتَّابه شيئًا من القرآن يستقرئه ما كان كتب بين يديه. قال زيد بن ثابت رضي الله عنه : «كنتُ أكتب الوحي عند النبيء صلى الله عليه وسلم وهو يُملي عليَّ، فإذا فرغتُ قال: إقرأ، فأقرِؤُه فإذا كان فيه سقطٌ أقامه ثمَّ أخرُج به إلى الناس»(4).

ولا شكَّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أدرى الناس بمن يصلح لكتابة الوحي لا سيما القرآن، فلقد كان كتَّاب الوحي على رتبة عالية من الأمانة والحذق بقواعد الكتابة، وقد دلَّت المصادر أنَّ القرآن كان يكتب في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم وتُرتَّب آياته بتوقيف من جبريل عليه السلام، وبإخبار من النبيء صلى الله عليه وسلم، فلم ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى كان القرآن كلُّه مكتوبًا على العُسُب (العسُبُ جمع عسيب؛ وهو الطرف العريض من جريد النخل)، واللخاف وهي صفائح الحجارة، والرقاع وهي قطعٌ من جلدٍ أو ورق، وعظام الأكتاف وغير ذلك ممَّا تهيَّأت للصحابة الكتابة عليه.

وبهذا الذي ذُكر من وسائل الكتابة يترجَّح أو يتأكَّد أنَّ القرآن ـ في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم ـ لم يُجمع في مصحف ولا صُحف (أوراق)، لكنَّه لم يُفلت من كتابته وتدوينه آية ولا حرفٌ. ولعلَّ أحدًا يعترض فيقول كيف يصف الله الصحابة بالأميَّة مع العدد غير القليل من كتبة الوحي من المهاجرين والأنصار؟ فلا يعزبنَّ عن ذهنك صنيع رسول الله بأسرى بدر من المشركين، إذ جعل فدية من يحسن القراءة والكتابة أن يعلِّم عشرة من صبيان المسلمين، وبمثل هذا وغيره انتشرت القراءة والكتابة في المسلمين.

المرحلة الثانية: توثيق القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه :

لـمَّا تولَّى أبو بكر رضي الله عنه إمارة المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجهته مهام جسامٌ ومشاكل عدَّة، ومن أخطرها انتشار الردَّة في جهات شتَّى من الجزيرة العربية، وقد استبسل الصحابة ومن معهم في مقارعة أهوال هذه الحروب، وكان من أشدِّها عليهم حرب اليمامة حيث ظهر مسيلمة الكذاب واشتدَّت محنته، وقد حاربه المسلمون أشد محاربة حتى خذله الله وقتِل وجمعٌ كبيرٌ من أنصاره، غير أنَّه قتل من الصحابة جماعة كثيرة، قيل سبعمائة وقيل أكثر(5).

وإزاء هذا خشى الصحابة ذهاب كثير من القرآن بسبب موت القرآن، روى البخاري بسنده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «أرسل إليَّ أبو بكر الصدِّيق مقتل أهل اليمامة (أي عقب قتل من قتل من الصحابة في وقعة اليمامة) فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبوبكر رضي الله عنه : إنَّ عمر أتاني فقال إنَّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإنِّي أخشى إن استحرَّ القتل بالقرَّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنِّي أرى أن تأمر بجمع القرآن…» الحديث(6).

وقد اشترط أبو بكر على زيد بن ثابت أن لا يكتب شيئًا من القرآن عن أحدٍ إلاَّ إذا جاء بشاهدين على أنَّ ذلك كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ «أخرج ابن أبي داود (في كتاب المصاحف) أنَّ أبا بكر قال لعمر وزيدٍ: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيءٍ من كتاب الله فاكتباه»(7).

قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يُكتب إلاَّ من عين ما كُتب بين يدي النبيء صلى الله عليه وسلم لا من مجرَّد الحفظ، قال ولذلك قال في آخر سورة التوبة: ”لم أجدها مع غيره“، أي لم يجدها مكتوبة مع غيره، لأنَّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة(8).

قال جلال الدين السيوطي: «وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آيةً إلاَّ بشاهدي عدلٍ، وإنَّ آخر سورة براءة لم يوجد إلاَّ مع أبي خزيمة بن ثابت فقال: ”اكتبوها فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين“ فكتب»(9).

هذا ما تحقَّق لجمع القرآن الكريم على يد زيد بن ثابت ورفقته الكرام؛ جمعه من المحفوظ في الصدور ومن المخطوط فيما تيسَّرت عليه الكتابة، حتَّى يتمَّ لكتاب الله تواتر نقله وحفظه من كلا الطريقتين.

ولا يشكلن عليك بعد هذا، ما قاله زيد في آخر الحديث «… حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحدٍ غيره: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} حتى خاتمة سورة براءة»(10).

قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في توجيه كلام زيد بن ثابت الآنف الذكر؛ «أي لم يجدها مكتوبة إلاَّ مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أنَّ زيدًا كان يحفظها، وكان كثيرٌ من الصحابة يحفظونها، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة زيادةً في التوثيق، ومبالغةً في الاحتياط، وعلى هذا الدستور الرشيد تمَّ جمع القرآن بإشراف أبي بكرٍ وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمَّة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيدٍ في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار»(11).

المرحلة الثالثة توثيق القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفَّان رضي الله عنه :

إنَّ الذي حصل من الخوف على القرآن الكريم في العام الثاني عشر من الهجرة ـ في خلافة أبي بكر ـ حصل أيضًا في حدود عام خمسة وعشرين من الهجرة ـ في خلافة عثمان بن عفَّان(12) ـ غير أنَّ الخوف هذه المرَّة لم يكن على ضياع القرآن ولكن على الخوف على المسلمين أن يتشتَّت شملهم وتتفرَّق كلمتهم بسبب الخلاف في قراءة القرآن والفتنة أشدُّ من القتل وأكبر(13).

لقد سمع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بعضًا مـمَّن حضر مغازي المسلمين في بلاد ”أرمينية“ و”آذَرْبَيْجان“ يقول للآخر: ”قراءتي أصحُّ من قراءتك“، فأفزعه ذلك، وبلَّغ الأمر خليفة المسلمين عثمان، وقال له: ”أدرك هذه الأمَّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى“. لم يتردَّد عثمان في جمع القرآن الكريم مرَّة أخرى، فبعث إلى حفصة ـ أمِّ المؤمنين ـ أن أرسلي إلينا بالصحُف ننسخها ثمَّ نردُّها إليك، فأرسلتها إليه، وكلَّف بالنسخ من كتبها أوَّل مرَّة ـ زيد بن ثابت الأنصاري ـ وأمدَّه بثلاثة كتَّابٍ قُرشيِّين؛ عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال لهم: ”إن اختلفتم أنتم وزيدٌ في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنَّه إنَّما نزل بلسانهم“. أتمُّوا الكتاب الأوَّل المعروف بـ ”المصحف الإمام“، ثمَّ استنسخوا منه مصاحف روعي في كلٍّ منها أن يوافق رسمه قراءة الصحابي الذي وُجِّه معه ذلك المصحف إلى أحد الأمصار. كما جُرِّدت جميعها من النقط والشكل ليحتملها ما صحَّ نقله وثبتت تلاوته عن النبيء صلى الله عليه وسلم.

هذا شأن المصحف في صدر الإسلام ـ عصر الصحابة والتابعين ـ وقد كثر الحفَّاظ والقرَّاء من بعدهم وتلاحقت طبقاتهم ـ على تفاوت بينهم ـ وقيَّض الله لكتابه علماء جهابذة ضبطوا الحروف والقراءات،وأصَّلوا قواعد تلاوة القرآن ورسمه وفصَّلوا، وألَّفوا في مختلف علومه وصنَّفوا، نصيحةً لله ولكتابه {وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبـِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(14) وصدق وعد الله {إِنـَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنـَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(15).

في ختام هذا البحث لا يفوتني أن أشير إلى أنَّ جوانب منه جديرة بمزيد من الكلام فيها، لكن لا يتَّسع لها هذا البحث، من ذلك تحقيق ما ينسب إلى عثمان من أنَّه حمل الناس على القراءة بحرف واحدٍ من الأحرف السبعة أو تفنيده، وما طبيعة المصاحف التي حرَّقها أو أمر بتحريقها..؟ وما عدد المصاحف العثمانية..؟ وما مآلها..؟ إلى غير ذلك…

هذا ما سيتناوله البحث المقبل إن شاء الله، نسأله تعالى أن يمدَّ في أعمارنا ويبارك في أعمالنا ويتقبَّلها منَّا بقبول حسن. آمين.

فرغت من تبييض هذا البحث صبيحة يوم السبت 12شعبان 1423هـ / 19 أكتوبر 2002م.

والحمد لله أولاً وآخرًا.

الشيخ بالحاج بكير بن محمد باشعادل

الهوامش

1 ـ سورة القيامة، الآيات: 16 ـ 19.

2 ـ سورة الحجر، الآية: 09.

3 ـ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». ج1، ص: 06.

4 ـ رواه الطبراني.

5 ـ راجع شرح الحديث الأول من باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن، «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، مج9، ص: 12.

6 ـ «فتح الباري»، مج9، ص: 10، 11.

7 ـ ذكره السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن»، مج1، ص: 166.

8 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

9 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

10 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

11 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان في علوم القرآن»، ج1، ص: 245.

12 ـ من الكتَّاب من حدَّد ذلك بعام ثلاثين للهجرة، وقد رجَّح القول الأول ابن حجر.

13 ـ العبارة مقتبسة من الآية 191 من سورة البقرة، وفيها أيضًا إشارة إلى الآية 217 من نفس السورة.

14 ـ سورة الأنعام، الآية: 115.

15 ـ سورة الحجر، الآية: 09.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك