القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة

إنَّ التشريع الإسلامي فيما وُضع له من ضبطٍ لحياة الإنسان يندرج ضمن التدبير الإلهي للكون الذي بمقتضاه يتحرَّك هذا الكون بكلِّ ما فيه، على أساس الحكمة والقصد في اتجاهٍ غائي هادف، وهو ما صوَّره قولُه تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} (الأنبياء 16).
إذا كانت الحكمة الإلهية تبدو في تدبير الكون عامَّة فيما ركِّب عليه من نظام وتناسق يدلان عن مقاصد بيِّـنة في دفعه إلى تحقيق غايته، فإنَّها في التشريع الذي وضعه الله تعالى لضبط حياة الإنسان تبدو فيما ركِّب عليه ذلك التشريع من مقاصد تنتهي بالإنسان إلى أن يحقِّق ما خُلق لأجله من مُهمَّة عمارة الأرض والخلافة فيها.

وكما تبدو الحكمة الإلهية في كلِّ الكائنات بالنظر إلى ذاتها وبالنظر إلى حركتها ضمن الحركة الكونيَّة، فإنها أيضا تتحقَّق في كل تشريع من التشريعات الإلهية، فما من حكم من الأحكام الشرعية إلاَّ وهو مُنطوٍ على حكمة مُوصِلة إلى الغاية من الوجود الإنساني، مجموعُ تلك الحِكم هي المعبَّر عنها في الدراسات الفقهيَّة الأصولية بمقاصد الشريعة.
فالشريعة الإسلامية شريعة منـزَّلة، ولكنَّها في جانبها الموحى تعطي من خلال الاجماع والاجتهاد استمرارًا للنص في الزمان والمكان.
ولأنها أُنزلت للبشرية، وتستمرُّ في حياتهم عبر القرون والأجيال فإنها تتضمَّن قواعد تعتبر منهجًا يرسم للمجتهد أُسُس الاستنباط ضمن المقاصد الكبرى للشريعة، ويحاوِل هذا البحث بيان علاقة القاعدة الشرعيَّة بمقاصد الشريعة، ولقد قسَّمت الموضوع إلى مبحثين أساسيين الأوَّل حول القواعد الشرعية في خمسة مطالب. أمَّا المبحث الثاني فكان بيان القاعدة الشرعية وعلاقتها بالمقاصد في أربعة مطالب، مع تخصيصي المطلب الرابع لقاعدة شرعية ومقصدها التشريعي نموذجًا.
فهذه خطَّتي للبحث عامة، فإن وفقت في تحليل هذا الموضوع وإظهاره جليا واضحا فمن الله سبحانه، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، ولله الحمد والمنة أوله وآخره.
المبحث الأول: القواعد الشرعية
المطلب الأول: التعريف بالقاعدة:
قال الكَفري: «يطلق الأصلُ على القاعدة المناسِبة المنطبقة على الجزئيات، فالقاعدة هي الأصل»(1).
جاء أنَّ القاعدة هي القانون، وقال صاحب دستور العلماء: «القانون في الاصطلاح هو القاعدة، قضيَّة كلية تعرف منها بالقوة القريبة من الفعل أحوال جزئيات موضوعها مثل: كل فاعل ومرفوع.
وفرَّق بعضهم بأنَّ القانون هو الأمر الكلِّي المنطبق على جميع الجزئيات التي سيتعرف أحكامها منه.
والقاعدة هي القضيَّة الكلية المذكورة»(2).
وجاء في دور الحكام: «القاعدة لغةً: أساسُ الشيء، وفي اصطلاح الفقهاء: هو الحكم الكلِّي أو الأكثري الذي يُراد به معرفةُ حُكمِ الجزئيات»(3).
وجاء في حاشية الحمودي على الأشباه والنظائر: «القاعدة: حكمٌ أغلبي ينطبق على معظم جزئياته(4)، بمعنى أنَّ كلَّ قاعدة منها تندرج تحتها فروع كثيرة متناثرة، في مختلف أبواب الفقه، وهي تتميز بالإيجاز في العبارة، وصقل الصياغة والإستيعاب الواسع للفروع، وإن كانت لا تخلو كلُّ قاعدة من مستثنيات يقتضي الاستحسان تطبيقها على قواعد أخرى»(5).
المطلب الثاني: نشأة القواعد الأصولية:
إنَّ الترتيب المنطقي للأمور يقضي بأنَّ القواعد الأصولية سابقة في الوجود على الفقه، كما يسبق أساس البناء في وجود البناء نفسِه.
وإذا أمعنَّا النظر في ما دُوِّن من الفقه الإسلامي وأصوله .. وجدنا أنَّ الفقه مسبوقٌ بقواعد أصوليَّة كان يبني عليها الفقهاء من الصحابة – ومَن بعدهم – أحكامهم، ويلاحظونها عند الاستنباط وإن لم تكن هذه القواعد آنذاك مدوَّنة في كتُب.
ومن ذلك قول علي (: في عقوبة شارب الخمر: أنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فيجبُ أن يحدَّ حدَّ القذف.
يفهم من هذا الاستنباط النهج الأصولي.. وهو الحكم بالمآل أو الحكم بسدِّ الذرائع، وهي قاعدةٌ من قواعد الأصول.
وكذلك قول عبد الله بن مسعود: بأنَّ عدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجها بوضع الحمل، مستدلاًّ بالآية الكريمة: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(6). ويقول: أشهدُ أنَّ سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى. أي أن سورة البقرة التي جاءت فيها: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}(7).
نلحظ في هذا القول منشأ قاعدةٍ أصولية: أنَّ ”المتأخر ينسخُ الـمتقدِّم“.
وكذلك الأمر عندما نرى حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بإبقاء أراضي سوادِ العراق في أيدي أصحابها، وجعل الجزية على رقابهم والخراج على أراضيهم، حيث قال: قد رأيتُ أن أحبس الأرضين بعلوجِها وأضع على أهلها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلين والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه المدن العظام – الشام والجزيرة والكوفة ومصر – لابد لها من أن تُشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قُسِّمت الأرضون والعلوج.
في التعليل نلمح قاعدة أصولية وهي: ”إناطة الحكم بالمصلحة“(8).
المطلب الثالث: نشأة القواعد الكليَّة:
إن القواعد الكلية شأنها شأن المصطلحات الفقهية لم تُوضع زمن الصحابة رضي الله عنهم، لعدم حاجتهم إلى ذلك، ولسلامة فِطَرِهم وقدرتهم على فهم المراد، ومعاني الكلمات، وبُعدَهم عن التلاعب بالألفاظ، ولكون العلم في بَدءِ تكوُّنه.
والحلول التي كانت تصدر عنهم، كانت حلولاً جزئية غير مسبوقة بوضع المناهج، ولم تتَّصف اجتهاداتهم بصفة علمية من ذكر الأحكام بأدلتها، وإرجاع الجزئيات إلى الكليات، أي بصورة واضحة تُعرِب عمَّا يتبعونه من الأسلوب الاجتهادي.
إنَّما اصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية، ووُضِعت الاصطلاحات، واستُخرِجت القواعد ومناهج الاستنباط في القرن الثاني والثالث تقريبًا(9).
المطلب الرابع: استنباط القواعد:
لـمَّا كان أساس الأحكام الأول هو كتاب الله وما جاء مبيِّـنًا له ومتمِّما من سنَّة رسول الله (؛ فقد راعى الشارع في تشريعه إعطاء النظير حكم نظيره، كما لاحظ نتائج الأفعال، وما يترتَّب عليها من منافع ومضار، وأدار الأحكام عليها، فأباح أو أقر بكلِّ ما يترتَّب عليه منفعة راجحة ومنع كلَّ ما يترتب عليه مضرة كبيرة، قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}(10). والمجتهد الذي يستنبط الأحكام لا يستطيع الوصول إلى ما يريد بمجرَّد النظر في تلك النصوص الجزئية، بل لابدَّ له من ضوابط يضبط بها اجتهاده، فهو ينظر أوَّلا في تلك الأساليب ويستقرئُ مواضعها في كتاب الله وسنَّة رسوله مستعينًا في ذلك بما نُقل عن العرب، فيخرج من هذا الاستقراء بقواعد كليَّة ويجعلها أساسًا لتطبيق جزئياتها.
فمثلا إذا نظر في الأمر، وتتبَّع صيغه وموارده في الكتاب والسنَّة، وعرف ما تدلُّ عليه تلك الصيغة حال تجرُّدها من القرائن الصارفة له من الحقيقة إلى المجاز، وما تدلُّ عليه مستهديًا في ذلك بما فهمه فقهاء الصحابة منها بعربيتهم الخالصة، ووقوفهم على سرِّ التشريع، خلص من ذلك إلى أنَّها تدلُّ على إطلاقها على الوجوب، قرر قاعدة عامة تقول: ”الأمر المطلقُ يُفيد الوجوب“، وكذلك في النهي؛ إذا انتهى المجتهد من استقرائه إلى أنَّه يدل على التحريم عند تجرُّده من القرائن، قرر قاعدة أخرى تقول: ”النهي المطلق يفيد التحريم“.
وكذلك إذا استعرض صيغ العموم وما تدلُّ عليه في موادها انتهى إلى وضع قاعدة: ”العام الذي لا يلحقه التخصيص يتناول جميع أفراده قطعًا“.
المطلب الخامس:الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية:
1/ القواعد الأصولية: هي الأسس والخطط والمناهج التي وضعها المجتهد نصب عينيه عند البدء والشروع في الاستنباط.
وبمعنى آخر: هي القانون الذي يلتزمه الفقيه ليعتصم به من الخطأ في الاستنباط.
2/ القواعد الفقهية: فهي مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياسٍ واحد يجمعُها، وإلى ضابطٍ فقهي يربطها كقواعد الملكية في الشريعة، وكقواعد الضمان، وكقواعد الخيارات، وكقواعد النسخ بوجه عام، فهي ثمرةٌ للأحكام الفقهية الجزائية المتفرِّقة.
يجتهد فقيه مستوعبٌ للمسائل فيربط بين هذه الجزئيات المتفرِّقة برباط هو القاعدة التي يحكمُها أو النظرية التي يجمعها، كما ترى في قواعد الأحكام، لعز الدين بن عبد السلام، وفي الفروق للقرافي..
فالقواعد الفقهيَّة، دراستها من قبيل دراسة الفقه، لأنَّها مبنية على الجمع بين المسائل المتشابهة من الأحكام الفقهية.
فأصول الفقه يبني عليه استنباط الفروع الفقهية، حتى إذا تكونت المجموعات الفقهية المختلفة أمكن الربط بين فروعها وجمع اشتاتها في قواعد عامَّة لهذه الأشتات، وتلك النظريات الفقهية(11).
إنَّ لاستنباط الأحكام الشرعية ركنين:
1/ علم لسان العرب.
2/ علم أسرار الشريعة ومقاصدها.
أمَّا الركن الأول: فقد كان وصفًا غريزيا في الصحابة والتابعين من العرب الخلَّص، فلم يكن في حاجة لقواعد ضبطه لهم، كما أنَّهم كسبوا الاتصاف بالركن الثاني من طول صحبتهم لرسول الله ( ومعرفتهم الأسباب التي ترتَّب عليها التشريع، حيث كان ينزل القرآن وترِدُ السنَّة نجومًا بحسب الوقائع مع صفاء الخاطر، فأدركوا المصالح، وعرفوا المقاصد التي راعاها الشارع في التشريع، وأمَّا ما جاء بعدهم ممن لم يحرز هذين الوصفين فلابد له من قواعد تضبط له طريقة استعمال العرب في لسانها(12)، وأخرى تضبط له مقاصد الشارع في تشريعه للأحكام.
وقد انتصب لتدوين هذه الأحكام جملة من الأئمَّة، بين مُقلٍّ ومُكثِر، وسـمَّوها بأصول الفقه.
أمَّا القسم الأوَّل: وهو الحذق في اللغة العربية، فقد نال حظًا وافرًا من البحث في أصول الفقه، في مباحث الكتاب والسنَّة، بينما لم ينل الركن الآخر اهتمامًا مماثلاً، فلم يتكلَّموا على مقاصد الشرع اللهم إلاَّ إشارات وردت في باب القياس، عند تقسيم العلَّة بحسب مقاصد الشارع، وبحسب الإفضاء إليها، وبقي الأمر في ذلك تقريبًا حتى قيَّض الله تعالى: أبا إسحاق الشاطبي – في القرن الثامن الهجري – فتدارك هذا النقص في كتابه الشهير: الموافقات.
حلَّل فيه المقاصد إلى أربعة أنواع، ثم أخذ يفصل في كل نوع منها، في اثنتين وستين مسألة، وتسعة وأربعين فصلاً(13).
قال القرافي: «إن الشريعة المحمَّدية اشتملت على أصول وفروع».
وأصولها قسمان:
1/ المسمَّى بأصول الفقه: وهو في غالب أمره ليس فيه إلاَّ قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصَّة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحوه.
2/ قواعد كلية فقهية جليلة: مشتملة على أسرار الشرع وحكمه ولكلِّ قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، وقال في أهمية القواعد الفقهية والتي من أجلها صنف كتابه قائلا: «ومن ضبط الفقه بقواعد استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات»(14).
المبحث الثاني: علم أصول ومقاصد الشريعة
إنَّ معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة التشريع ومقاصده، ولئن قيل لماذا؟ فالجواب: لأنَّ مسائل أصول الفقه إنَّما تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع – كتابا أو سنَّة – وذلك بواسطة قواعد معيَّنة تمكِّن المتضلِّع فيها من تأييد فروعٍ انتزعها الفقهاء قبل ابتكار علم الأصول.
وبيانه: أنَّ مسائل الأصول تؤول إلى مباحث دلالات الألفاظ وفروقها من عموم وإطلاق ونص وظهور حقيقة، وأضداد ذلك.
وكمسائل تعارض الأدلَّة من تخصيص وتقييد وتأويل ونحو ذلك، وكلُّ هذه المباحث بمعزل عن بيان حكمة الشريعة ومقاصدها العامَّة الخاصَّة في أحكامها(15).
فالأصوليون: قصروا أبحاثهم على ألفاظ الشريعة وعلى المعاني التي عليها الألفاظ، وهي علل الأحكام القياسية أنبتت.
وإذا أردنا أن ندوِّن أصولا قطعية للتفقُّه في الدين، حقَّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد إذابتها في بوتقة التدوين، ونعيِّرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء القريبة التي علقت بها، ونضع فيما أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة(16).
المطلب الأول: طرق إثبات المقاصد:
يمكن الوقوف على مقاصد الشريعة بالوسائل التالية:
أولا: استقراء الأحكام المعروف عللها، وبالتالي الوقوف على تلك العلل واستنباط الحكم التي من أجلها شرع الحكم.
مثاله: إنَّنا نعلم النهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه المسلم، والنهي عن أن يَسُومَ المسلم على سَوْمِ أخيه، وندرك أنَّ علَّة ذلك ما يترتَّب على هذا التصرُّف من الوحشية التي تنشأ عن السعي في الحرمان من منفعة مبتغاة..، فنستخلص من ذلك مقصدًا هو: ”دوام الاخوَّة الإسلامية بين المسلمين“، فنستخدم ذلك المقصد لإثبات الجزم بانتفاء حِرمَة الخطبة على الخطبة، والسَّوم على السَّوم.
ثانيا: استقرار أدلَّة الأحكام التي اشتركت في علَّة بحيث يحصل لنا اليقين بأنَّ تلك العلَّة مقصود الشارع(17).
مثاله: النهيُ عن بيع الطعام قبل قبضِه، علَّتُه: طلب رواج الطعام في الأسواق، والنهيُ عن بيع الطعام بالطعام نسيئَةً .. علَّتُه أن لا يبقى الطعام في الذمَّة فيفوت رواجه.
والنهي عن احتكار الطعام لحديث مسلم عن معمر مرفوعا: «من احتكر طعاما فهو خاطئ خاطئ»(18). علَّته إقلال الطعام قي الأسواق، فبهذا الاستقرار يحصلُ العلم بأنَّ رواج الطعام وتيسير تناوله مقصدٌ من مقاصد الشريعة، فنعمد إلى هذا المقصد فنجعله أصلاً.
تـتبُّع الآيات القرآنية صريحةِ الدلالة على المراد، من ذلك قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(19)، وقوله سبحانه: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ}(20). وقوله سبحانه: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(21)، ففي كلِّ هذه الآيات تصريح شرعي أو تنبه إليه السنة المتواترة، سواء كان متواترًا معنويا أو لفظيا، بحيث يُستخلَص من مجموعها مقصدا شرعيًا.
المطلب الثاني: بم تعرف مقاصد الشارع؟:
أجاب الشاطبي على هذا السؤال بقوله: «إنَّ النظر هنا ينقسم بحسب التقسيم العقلي إلى ثلاثة أقسام(22):
1/ أن يُقال إنَّ مقصد الشارع غائب عنَّا حتَّى يأتينا ما يعرفنا به، وليس ذلك إلاَّ بالتصريح الكلامي.. إلى أن قال: وحاصل هذا الوجه على الظاهر مغلقًا، وهو رأي الظاهرية الذين يحصرون مظان العلم بمقاصد الشرع في ظواهر النصوص.
2/ على خلاف الأوَّل له ضربان:
أ : أنَّ مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يُفهم منها.. إنَّما المقصود أمرًا آخر وراءه، ويطَّرد هذا في جميع الشريعة، حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك يمكن أن يلتمس منه معرفة رأي مقاصد الشرع. وعقب على هذا الرأي بقوله: هذا رأي كلِّ قاصد لإبطال الشريعة، وهم الباطنية.
إنَّ مقصود الشارع الالتفات إلى معاني الألفاظ بحيث لا تعتبر الظواهر والنصوص إلاَّ بها على الإطلاق، فإن خالف النص المعنى النظري طرح وقدم المعنى النظري[كذا].
وهو إمَّا بناء على معنى مراعاة المصالح على الإطلاق، أو على عدم الوجوب، لكن مع تحكيم المعنى جدا، حتى تكون الألفاظ الشرعية تابعة للمعاني النظرية وهو رأي المتعمقين في القياس، المقدمين له على النصوص، وهذا طرف آخر من القسم الأول.
3/ أن يقال باعتبار الأمرين جميعًا على وجه لا يُخِلُّ فيه المعنى بالنص، ولا العكس، لتجري الشريعة على نظامٍ واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهذا الرأي هو الذي أمَّه أكثر العلماء الراسخين، وعليه الاعتماد والضابط الذي يعرف به مقصد الشارع.
ومن هذا المنطلق، يقول الشاطبي: إنَّ مقصود الشارع يُعرَف من جهات:
1/ مجرَّد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي(23):
فإنَّ الأمر معلومٌ أنَّه إنما أُمِر، لاقتضائه الفعل، ووقوع الفعل – عند وجود الأمر به – مقصد الشارع.
وكذلك النهي: معلومٌ أنه مقتضى لنفي الفعل أو الكفِّ عنه، فعلم وقوع الفعل مقصود لنهي الشارع وإيقاعه مخالف لمقصوده، كما أنَّ عدم إيقاعه المأمورية مخالف لمقصوده.
2/ اعتبار علل الأمر والنهي: لماذا أمر بهذا الفعل؟ ولماذا نهى عن هذا الآخر؟ والعلَّة: إن كانت معلومة اتبعت، كالبيع لمصلحة الانتفاع بالمقصود عليه، والحدود لمصلحة الردع.
فإذا تعيَّنت علم أن مقصود الشارع ما اقتضته تلك العلل من الفعل أو عدمه، ومن التسبُّب أو عدمه.
وإن كانت غير معلومة، فلا بد من التوقُّف عن القطع على الشارع أنَّه قصد كذا وكذا.. وله مسالِكُ تُعرَف في مكانها(24).
المطلب الثالث: المقاصد الشرعية:
المقاصد الشرعية تنقسم إلى قسمين:
ـ منها ما يرجع إلى قصد الشارع. ـ ومنها ما يرجع إلى قصدِ المكلَّف.
1/ ما يرجع إلى قصد الشارع: هو ما وُضِعت له الشريعة ابتداء يمكن حصره في مطالب ثلاثة:
أ ـ الضروريات.
ب ـ الحاجيات.
ج ـ التحسينات.
والضروريات ما أمكن حصرُها في أمور خمسة هي: حفظ الدين، النفس، النسل، المال، العقل. والسبب في تسميتها ضروريات: لأنَّها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج واختلال توازن الحياة، والحفظُ لها يكون بأمرين(25):
أ ـ ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها: أي من جانب الوجود.
ب ـ ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها: أي من جهة العدم.
ويزيد الشاطبي تفصيلا فيقول:
فأصول العبادات: راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود كالإيمان بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصيام، الحج، وما أشبه ذلك.
والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا، كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات وما أشبه ذلك.
والمعاملات: راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود، وإلى حفظ النفس والعقل أيضا لكن بواسطة العادات – والجنايات – ويجمعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وترجع إلى حفظ الجميع من جانب العدم(26).
وقال وأمَّا الحاجيات: فمعناها أنها مفتقرٌ إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقَّة اللاحقة بفوت المطلوب، وهي جاريةٌ في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات.
وأمَّا التحسينات: فمعناها الأخذُ بما يليق من محاسن العادات، تجنب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات، يجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق وهي جارية فيما جرت فيه الأولويات(27).
المطلب الرابع: قاعدة رفع الحرج – نموذج-
من القواعد الشرعية المعتبرة، دفع الحرج(28)، وقعت الإشارة إليها في القرآن الكريم والسنَّة النبوية.
فمن ذلك قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يـُّرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(29). وقوله تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(30). وقوله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الاَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}(31).
ومن السنة قوله (: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»(32).
وقوله (: في المناسك: «اذبح ولا حرج، اِرمِ ولا حرج، افعل ولا حرج»(33).
وقوله (: «إنَّ الدين يُسرٌ ولن يشاد الدين أمد إلاَّ غلبه، فسدِّدوا وقارِبُوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيءٍ من الدلجة»(34).
والحرجُ المعبَّر عنه في القاعدة هو: ما أوقع على العبد مشقَّة زائدة عن المعتاد على بدنه أو نفسه، أو عليهما معًا في العاجل أو الآجل، غير مُعارضٍ بما هو أشدَّ منه، أو بما يتعلَّق به حق الغير مساوٍ له أو أكثر منه(35).
وهذا رفع الحرج من الوجهة الشرعيَّة، هو منعُ وقوع أو ابقاء الحرج على العباد بمنع حصوله ابتداء، أو بتخفيفه، أو تدارُكِه بعد تحقُّق أسبابه(36).
ومن الأدلة على حُجِّية هذه القاعدة، أيضًا الإجماع لما ثبت من استقرار علماء المسلمين من عهد الصحابة على أنَّ ”لا حرج في الشرع“.
1 ـ رفع الحرج في الأحكام الفقهية:
إنَّ تعليل الأحكام بعبارة ”رفع الحرج“ شائعٌ على ألسنة الفقهاء، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر(37):
قول ابن الهمام: إنَّ تكرار القراءة مُحتاجٌ إليه للحفظ والتعليم والاعتبار فلو تكرَّر الوجوب لحرج الناس زيادة حرج، فإنَّ أكثر الناس لا يحفظ من عشر مرات بل أكثر، فيلزم الحرج، ومن ذلك تعليلُهم عدم تنجُّس الآبار بالبعر القليل، سقوط غسل العين بالتأذي والحرج. (38)
وتجويز إقامة الجمعة في أكثر من موضع، حيث إذا تباعد موضعين أو ثلاثة في الحصر، لأنَّ الحصر إذا بعدت أطرافه شقَّ على أهله المشي من طرف إلى طرف فيجوز دفعًا للحرج(39).
2 ـ هل رفع الحرج قاعدة فقهية أم أصولية؟:
عبارة رفع الحرج وردت على ألسنة الفقهاء وضمن القواعد الفقهيَّة، كما وردت باعتبارها دليلاً وأصلاً، فتتنازعها جهتان، الأصوليون والفقهاء فإلى أيِّهما أقرب وأمس رحمة؟
الظاهر أنَّها قاعدة أصولية، لأنَّها حكمٌ كلي أكثري، ويستدلُّ بها في غير باب من أبواب الفقه.
ولـمَّا كان الدليل على لسان الأصوليين، ما يمكن التوصُّل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري.
وهو دليل إجمالي لا تفصيلي، وأيًّا كان الأمر فإنَّ رفع الحرج أصليٌّ تُبنى عليه الأحكام الشرعية، سواء أكان ذلك ابتناءًا على قاعدة أم على دليل(40).
3 ـ قاعدة رفع الحرج والمقاصد:
إذا كات المصالح هي مقصد الأحكام التكليفية والأحكام الوصفية، فإنَّ الأحكام الشرعية كلَّها يُلاحظُ فيها أن تكون مصلحة الشخص لها اعتبارها، ولا تترك إلا إذا كانت معارضة لمصلحة أكبر.
ولأجل ذلك قرَّر الإسلام أنَّه عندما تكون ضرورة أن يكون الشخص في حالٍ تهدد مصلحته الضرورية ولا تُدفع إلاَّ يتناول محضور لا يمسُّ حقَّ غيره، فإنَّه يجب عليه أن يتناول ذلك المحضور، وقد قرَّر الفقهاء: ”أنَّ الضرورات تُبيحُ المحظورات“.
كما لاحظ الإسلام مصلحة الناس في دينهم ألاَّ يُكلِّفَهم إلاَّ بما يستطيعون، وما يؤدونه باستمرار، فالتكليفات الشرعية في جملتها مما يمكن احتمالُ مشقَّتها باستمرار، لأنَّ المصلحة التي تحقق بها لا تكون إلا بالاستمرار، وكان الاستمرار على التكليفات التي تكون مشقتها محتملة مقصدًا من مقاصد الشرع لأنَّ في ذلك استمرارًا على الطاعة، وأنَّ الاستمرار على اليسير يؤدِّي إلى القدرة على الكبير(41).
قسَّم الشاطبي – رحمه الله – هذا النوع من تقسيماته: قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها ثم حددها في نوعين:
1 ـ التكليف بما لا يطاق.
2 ـ التكليف بما فيه مشقَّة.
فالأوَّل منفيٌّ عن الشريعة إجماعًا، أمَّا التكليف بما فيه مشقَّة فهو الموضوع الأهم لما يكثر فيه الغموض والالتباس و الحيرة(42).
أمَّا ما قاله الشاطبي في هذا الموضوع أنَّ الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشقَّة والاعنات فيه، وما يدلُّ عليه النصوص الكثيرة النافية للحرج والمصرِّحة باليسر والسماحة في الأحكام الشرعية ومقاصدها، وكما يدل عليه: الرُّخَص الكثيرة الورادة في تكاليف الشرع، فلو كان الشرع قاصدًا إلى المشقَّة لما وضع الرُّخص والأمر بعد هذا وذلك محلُّ إجماع.
ثم قرَّر في المسألة السابعة: أنَّ الشارع قاصدًا للتكليف بما يلزم فيه كلفة أو مشقة ما، ولكن لا تُسمَّى في العادة مشقَّة ، كطلب المعاش بالتحرُّف، وسائر الصنائع، لأنَّه ممكنٌ معتاد لا يقطع ما فيه الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدُّون المنقطع عنه كسلان ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف(43).
ورغم أنَّ معظم التكاليف الشرعية لا تخلو من قدر من المشقَّة وأنَّ الشارع قد قصد وضع هذا النوع من التكاليف، فإنَّ الشارع غير قاصدٍ نفس المشقَّة التي فيها، ففي جميع الحالات، الشارعُ لا يقصد المشقَّة بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة للمكلَّف.
ويترتب على هذا أصلٌ آخر:
وهو أنَّ المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظرًا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل.
وكلما كانت المشقَّة غير عادية وفادحة كان القصدُ إليها أبلغ في البطلان ومضادَّة قصد الشارع، لأنَّ الله لم يضع تعذيب النفوس سببًا للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده، وهذا طبعًا فيما إذا كان المكلَّف هو الذي يسعى إلى المشقَّة وقصد الدخول فيها، أمَّا إذا كانت من لوازم العمل فيصحُّ الدخول فيها، وحكمُها حكمُ ذلك العمل، كما في مشقَّة الجهاد مثلاً.
وعلَّة الحرص الشرعي على رفع الحرج تتلخَّص في أمرين(44):
1 ـ الخوفُ من الانقطاع عن الطريق وبغض العبادة وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى، الخوفُ من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أن ماله أو حاله.
2 ـ خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلِّقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده ، إلى تكاليف أخرى تأتي في الطريق، فربما كان التوغُّل في بعض الأعمال شاغلا عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما.
ثم انتقل الإمام الشاطبي في المسألة الثامنة إلى حكم نوع آخر من المشقَّة وهي مشقة: ”مخالفة الهوى“: ذلك أنَّ مخالفة ما تهوى الأنفس شاقٌّ عليها، وصعبٌ خروجها عنه، فقرَّر أن الشرع لا يقيم وزنا ولا يعطي اعتبارًا لهذه المشقة، لأنَّ الشارع إنَّما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلَّف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله، فإذًا مخالفة الهوى ليست من المشقَّات المعتبرة في التكليف وإن كانت شاقَّة في مجاري العادات(45).
فالمشقَّة الواقعة بالمكلف خارجة عن معتاد المشقَّات في الأعمال العادية، حتى يحصل حرج ديني أو دنيوي، فمقصود الشرع فيها :الرفع على الجملة..
فمشقَّة الصلاة والصوم، قد لا يعدُّ مثلها في الحج، ومشاقُّ الحج قد لا تُعتبر شيئًا في الجهاد، فقياسُ المشاقِّ أمرٌ نسبي، يُنظر فيه إلى طبيعة العمل، وضرورته ومصلحته، وإلى حال المكلَّف، وبناءًا على هذا كلِّه يكون الترخيص أو لا يكون(46).
ثم ختم الإمام هذه المباحث بالمسألة الثانية عشر: التي تنمُّ عن سمو فقهه في الشريعة، فقال: «فإذا نظرتَ في كلِّية الشريعة، فتأمَّلها تجدها حاملة على التوسُّط، فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقعٍ أو متوقع في الطرف الآخر، فطرف التشديد – وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر – يؤتى به في مقابلة من غَلَبَ عليه الانحلالُ في الدين.
وطرف التخفيف – وعامَّة ما يكون في التوجيه والترغيب والترخيص – يؤتى به في مقابلة من غَلَبَ عليه الحرجُ في التشديد.
فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، رأيتَ التوسُّطَ لائحا، ومسلكَ الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمعقل الذي يُلجأ إليه(47)».
الخاتمة:
قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عن كتاب ”الموافقات“: «لقد بنى الشاطبي – حقًّا – بهذا التأليف هرمًا شامخا للثقافة الإسلامية، استطاع أن يُشرِف منه على مسالِكَ وطرقٍ لتحقيق خلود الدين وعصمته قَلَّ من اهتدى إليها قبله، فأصبح الخائضون في معاني الشريعة وأسرارها عالةً عليه، وظهرت مزيَّة كتابه ظهورًا عجيبًا في قرننا الحاضر والقرن قبله، لما امتلكت على العالم الإسلامي – عند نهضته من كبوته – أوجُه الجمع بين أحكام الدين ومستجدَّات الحياة العصرية، فكان كتاب ”الموافقات“ للشاطبي هو المفزَع وإليه المرجع».
والشاطبي لم يكتفِ بالتوسُّع والتعمُّق في مقاصد الشريعة، وبناء نظرية متكاملة في ذلك، وشقِّ مسالك البحث والكشف عن المقاصد، لم يكتف بهذا ليترك أمر الاستفادة من ذلك لفهم الفاهمين ومبادرة المتفقِّهين، بل حرص بنفسه على أن يُوصِل الأمر إلى غايته، وينتهي به إلى ثمرته، فلم يبرح حتى أدخل المقاصد في عالم الاجتهاد، وأدخل الاجتهاد في عالم المقاصد، فأحيى صِلَة الرحم ووثَّقها بينهما…
فلا بد للمجتهد عند الكشف عن المقاصد أن يستحضر قواعد وكلِّيات الشريعة المبنية على الجزئيات، ولا بد من مراعاة هذه وتلك في آن واحد، ولا بد أن يكون الاجتهاد مبنيا على هذه وتلك معًا؛ أعني القواعد والكليات مع الأدلة الجزئية.
وقد نبه الشاطبي – غير ما مرَّة – على هذا المسلك الاجتهادي المنسَّق بين قواعد الشريعة، وجزئياتها، ولكنَّ الموضع الجامع الأهم الذي عالج فيه هذا الموضوع هي المسألة الأولى: فالشريعة كلُّها مبنية على قصد المحافظة على المراتب الثلاثة: من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وأنَّ هذه الكليات تقضي على كلِّ جزئي تحتها، إذ ليس فوق هذه الكليات كلِّيٌ تنتهي إليه، بل هي أصول الشريعة.
والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

الكاتب/ أ. عيسى بن محمد بوراس

الهوامش

1 ) ـ الكليات، ج1/188 ط، دمشق، أصول السرخسي، ج1/301.
2 ) ـ دستور العلماء، ج3/51، 52.
3 ) ـ علي حيدر، دور الحكام شرح مجلة الأحكام ط/17.
4 ) ـ الحموي علي: الأشباه/1/19طبع الهند.
5 ) ـ مدكور: مدخل الفقه الإسلامي،112.
6 ) ـ سورة الطلاق، الآية: 04.
7 ) ـ سورة البقرة، الآية: 234.
8 ) ـ الدكتور مصطفى الخن: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء. أصول السرخسي، 1/302.
9 ) ـ البزدوي: كشف الأسرار، 3/246. عبد الوهاب خلاف: خلاصة التشريع، 12.
10 ) ـ سورة البقرة، الآية: 219.
11 ) ـ امحمد أبو زهرة: أصول الفقه، 10.
12 ) ـ ابن نجيم: الاشتباه والنظائر،15.
13 ) ـ الريسوني: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي.
14 ) ـ القرافي: الفروق ط /2، 3.
15 ) ـ ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص6.
16 ) ـ ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص:8.
17 ) ـ ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص:36.
18 ) ـ السيوطي: الجامع الصغير رقم:8930، 8332.
19 ) ـ الحج، الآية: 78.
20 ) ـ البقرة، الآية: 185.
21 ) ـ الأنعام، الآية: 164.
22 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/6.
23 ) ـ قوله الابتدائي تحرزا عن وجه احتمالات كل من الأمر والنهي الوارد تفصيلا في كتاب الأصول.
24 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/394.
25 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 10.
26 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/9.
27 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/11.
28 ) ـ لها إطلاقات عدَّة، تختلف عباراتها مثل: ”وضع الحرج“، ”ونفي الحرج“.
29 ) ـ سورة المائدة:06.
30 ) ـ الحج: 78.
31 ) ـ النور، 61.
32 ) ـ ابن الأثير، النهاية، ج 1، ص:361.
33 ) ـ البخاري عن عمرو بن العاص، فتح الباري، ج1، ص:147.
34 ) ـ البخاري، والأربعون النووية،فتح الباري،1/79.
35 ) ـ الباهين: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ص 32.
36 ) ـ نفس المصدر، ص 48.
37 ) ـ شرح فتح القدير، ج1، ص:389.
38 ) ـ الاختيار، 1/75.
39 ) ـ الاختيار، ج 1، ص: 89 باب الجمعة.
40 ) ـ الباهين: رفع الحرج:119.
41 ) ـ أبو زهرة، أصول الفقه: 377.
42 ) ـ الريسوني، نظرية المقاصد عند الشاطبي، 131.
43 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/25.
44 ) ـ الريسوني، نظرية المقاصد، ص: 132.
45 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/26.
46 ) ـ الريسوني، نظرية المقاصد، 2/9.
47 ) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/37.

نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 07، 1424هـ/2003م، ص41.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك