قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني

إنَّ دراسة الفكر والشعر ممتزجين شيء ممتع ومفيد؛ لأنَّها تتيح الفرصة لمعرفة التلاقح والتناغم، اللذين يكونان بين قطبين يمثلان جانبين مهمَّين في الحياة الأدبية والمعنوية في الإنسان. وتُقدِّم النموذج أو الدليل على التلاؤم بين الفكر والشعر، بين العقل والوجدان، و تبيِّن أنَّ الإنسان السويَّ هو الذي يصدر في سلوكه وتعبيره عن أصول فكرية، ويتحرَّك طبقا لمبادئ يؤصِّلها فكرٌ متميِّز خاص. ودراسة أثر الفكر في الشعر تُسهم في توضيح الرؤى، وتأصيل المفهومات. والشعراء خير من يعطي المثال لهذا التطبيق العمليِّ لهذه النظرية أو النظرة.

في هذا السياق تندرج الدراسة المهمَّة التي تفضَّل بها الدكتور ”محمود بن مبارك السليمي“ لنيل درجة الدكتوراه في الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا، قسم اللغة العربية. وقد نُوقشت الرسالة في شهر تَموز سنة2001م. ثم طبعت سنة 1423هـ/2003م في سلطنة عمان، ونشرتها مكتبة ”الجيل الواعد“ بمسقط.
تأتي هذه الدراسة لتجسِّد الحقائق التي أشرنا إليها، ولتؤصِّل هذا التناول، ولتعرض وتناقش محاولات الشعراء التعامل مع الفكر، ولتبين مدى توفيقهم أو عدم نجاحهم في هذا المجال.
حاول الباحث في المقدمة تقديم صورة عن دراسته؛ بداية من التأكيد على خصوصيَّة الفكر الإباضي: انتماءً إلى بيئة محدَّدة، وصدورًا عن أفكار قد تبدو متميزة – في بعض الأحيان – عن بقيَّة ما عُرف عند غير الإباضية، وتأكيدًا على ريادته في خوض هذا الموضوع، الذي يتناول الفكر والشعر ممتزجين في إطار المذهب الإباضي. يقول الباحث : “يتميز الشعر العماني بسعة عطائه وقوة انتمائه وخصوصية تفاعله. والشعر العماني على وجه الخصوص مرتبط أشد الارتباط بالبيئة العمانية وخصوصيتها الفكرية وغير الفكرية. والجانب الفكري يعدُّ أحد جوانب العمل الشعري، وذلك إذا استطاع الشاعر أن يصهر الفكرة عبر القيم الشعورية والتعبيرية.
وهذا البحث لم يسبق معالجته من هذه الزاوية، وقد يكون في ذلك شيء من الصعوبة، لكن الباحث يرجو أن يوفق في العمل على إخراجه مقبولا، فإنَّ استيضاح أثر الفكر في الأدب عمومًا وفي الشعر خاصة أمر يستدعي مزاوجة بين شيئين يبدوان متباعدين”. (ص: 7)
أشار بعد ذلك وأكَّد أنَّ الشعر مرتبط كل الارتباط بثقافة الشاعر ومنطلقاته الفكرية. والباحث يبرر بذلك تناوله التعريف بالفكر الإباضي، وعرض بعض أصوله، وتوضيح بعض منطلقاته؛ حتى يسهل فهم ما ورد في نظم الشعراء، ومعرفة درجة تأثرهم بهذا الفكر، ولماذا تأثروا به: “وبما أنَّ الشعر مرتبط أشدَّ الارتباط بثقافة الشاعر ومنطلقاته الفكرية، فإن مثل هذه الدراسة تُعدُّ مهمة للتعرف عن قرب إلى هذا الفكر من جهة ومدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه وقاموسه من جهة أخرى.
والأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم الفكر الإباضي وملامحه الكلية، واتخاذها مدخلا عريضا لاستشرافها في الشعر العماني على وجه التعيين بزمانها المحدد، دون إغفال الجانب الفني والأسلوبي.” (ص: 7)
وتبعا لذلك ولمزيد من توضيح الرؤى وتقديم المساعدة للقارئ كي يعي ما تضمَّنه شعر الشعراء من أفكار، ويفهم حقيقة ما تناولوه، وطبيعة معالجتهم له، الذي يتميز كل ما فيه بالخصوصية، فإن الباحث يقول إنه يعرج على الأحداث الجسام التي حدثت في عصر الفتنة، التي كانت لها إفرازات خاصَّة، ونتائج متميزة: “ولذلك لابد لهذه الدراسة من أن تطوف بالأحداث الجسام، التي شهدتها الأمَّة في عصر الفتنة، إذ كانت هذه الأحداث تمثل تيارات سياسية ودينية انبثق منها الفكر الإباضي. وليس في مقدور الباحث أن يحيط بهذا الفكر من جميع جوانبه، ولكن عليه أن يسعى إلى الإلمام بأهمِّ الأصول الفكرية للمذهب قبل الشروع في دراسة أثر الفكر في الشعر العماني”. (ص 7، 8)
إذن من جملة هذه الإفرازات والنتائج ظهور المذهب الإباضي. من هذا المنظور رأى الباحث ضرورة التعريف بهذا المذهب وفكره؛ حتى تتضح الرؤية، وتتحدَّد المعالم، وتتبـيَّن الأمور للقارئ الذي يتابع ويتأمل ما يعرضه الباحث من أشعار الشعراء المتأثرة بهذا الفكر: “ومن أجل ذلك سيركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هويَّة المذهب، كما تمثل رمز أصالته؛ بما يهيئ لإدراك عمقها التاريخي، لما تتركه من سمات بارزة في إبداع المبدعين.” ثم يضيف الباحث “إنَّ الفكر الإباضي مرتبط بفكر إسلاميٍّ شامل، فهو جزء من نسيجه، يخضع لمجموعة من الأنساق الفكرية، تختلف أو تتَّفق في رؤاها وتوجهاتها مع الآخر، لكنها تبقى محكومة بالمنظومة الفكرية العليا التي تنطلق من خلالها”. (ص: 8) التعليق الأخير يقدِّم توضيحا مهمًّا، وهو أن هذا الفكر ولو كان متميزًا؛ بسبب الظروف التي أوجدته، والأحداث التي مرَّت عليه، والنظرة التي كان ينظر بها إليه الآخرون أو بعضهم، فإنه ليس مبتورًا من الفكر الإسلامي، ولا بعيدا عن منطلقاته وأصوله، إنما هناك جوانب ينفرد بها مما سيكشف عنها الباحث من خلال عرضه شعر الشعراء المتأثر بهذا الفكر.
بما قدمه الباحث من توضيحات حول طبيعة دراسته يكون قد أعلن عن المسوِّغات أو الدوافع لبحث هذا الموضوع. ثم عرض بعد ذلك مجموعة من الأسئلة، التي تمثل إشكالية البحث؛ قال إنه سيجيب عنها في أثناء الدراسة. هذه الأسئلة هي: من هم الإباضية؟ ومن هو إمامهم ومؤسس مذهبهم الحقيقي؟ وما الضير في أن ينسب المذهب إلى عبد الله بن إباض، وهو واحد منهم؟ ولماذا لم ينسبوه إلى جابر بن زيد، في حين إنَّهم يرونه المؤسس الأول لمذهبهم والمقعِّد لفكرهم؟ ثم هل الإباضية فرقة من الخوارج كما تورد ذلك كتب المقالات؟ ولماذا يرفض الإباضيون إلحاقهم بالخوارج، وينفرون من الانتساب إليهم؟ وما الفرق بين الإباضية والخوارج؟ ومن هم الخوارج في نظر الإباضية؟ وما أهم أصول الفكر العَقَدي والسياسي عند الإباضية؟ وإلى أي مدى أثَّر الفكر عند الشاعر العُماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين؟.
وقد حدَّد فترة دراسة الموضوع بعقدين من الزمن: الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. مصادره كانت متنوعة، بين مصادر خاصَّة بالفكر وأخرى معنية بالمادة الشعرية: مطبوعة، ومخطوطة، ومجموعات قصائد، ومختارات شعرية… ومراجع متخصِّصة في النقد، ونظرية الأدب، ودراسات في الأدب، والدراسات العامة…
خطة البحث توزَّعت على خمسة فصول، وكانت كالآتي: المقدمة، الفصل الأول: حول نشأة المذهب الإباضي وأصوله. الفصل الثاني: الظواهر الكبرى في الشعر الإباضي، أثر الفكر العقدي. الفصل الثالث: أثر الفكر السياسي. الفصل لرابع: ظواهر أخرى. الفصل الخامس: السمات الفنية. الخاتمة.
ذكر الباحث بعد ذلك مجموعة من الصعوبات التي واجهته في أثناء الدراسة، التي منها : “وإذا كان جمع المادة الشعرية المتَّصلة بالبحث أحد الصعوبات التي أخذت وقتا وجهدا من الباحث، فإن تلك الصعوبة تهون في مقابل الصعوبات الأخرى، المتمثلة فيما تقتضيه منهجية الدراسة بفصولها ومباحثها…” (ص : 12).
ليس لنا ما نقوله عن الفصل الأوَّل الخاص بنشأة المذهب الإباضي وأصوله، فهو عرض تاريخي وتأصيلٌ لجذوره، وتقديم لأصوله ومبادئه ومرتكزاته، قدمها بين يدي البحث لتُلقِي ضوءًا على ما يتناوله في الدراسة, وتفتح للقارئ بعض المغاليق في هذا الفكر الذي سيتعامل معه الباحث ممتزجا بالشعر.
* الظواهر الكبرى في الشعر العُماني، أثر الفكر العقدي:
غلب على عرض هذا الفصل الجانب النظري، على حساب جانب الأثر في شعر الشعراء، أو بمعنى آخر إن الباحث ركَّز على تقديم رأي الإباضية في القضايا المتعلقة بالعقيدة، وسرد أقوال العلماء وأدلَّتهم المعتمدة في الموضوع. بينما ما ظهر من أثر للفكر في شعر الشعراء، فإن الباحث لم يأت له إلاَّ بنزر قليل. مثلا في مسألة الإيمان والعمل وبيان حقيقة التوحيد لم يذكر سوى نموذج واحد لأبي مسلم البهلاني:
بِيضُ العمائِمِ لا تُجدِي إذا انكَدَرَتْ بِيضُ القُلُوبِ وللإِيمانِ عُنــوانُ (ص: 64)
وهذه القضية هي الوحيدة التي مثل لها بمثال واحد، مما سماه “جملة التوحيد” كما تنصُّ على ذلك العقيدة عند الإباضية. وقد وردت هذه المسألة في هذه الدراسة تحت عنوان “التوحيد والتنـزيه” . بينما أورد مسألة الرؤية في العنصر الثاني من المبحث, وهي في الحقيقة تتعلَّق بالتنـزيه، كان عليه أن يدرجها تحت عنوان التنـزيه.
المهم إنَّ رأي الإباضية أنَّ رؤية الله تبارك وتعالى مستحيلة في الدنبا والآخرة. فبعد أن عرض الباحث رأي الإباضية وأتى بالشواهد، من أقوال العلماء وسرد الأدلة، وأفاض في العرض والتحليل والمقارنة، قال: “وقد تركت هذه المسألة صدى واسعا عند الشعراء الإباضيين عبر ما جاء على لسان مجموعة منهم، سواء أكان ذلك من خلال تخصيص قصائد بعينها، من أمثال العلامة البطاشي والخليلي والبهلاني، أو ما انعكس في شعرهم، ضمن أغراض مختلفة، تأثروا فيها بهذا البعد”. (ص : 69)
دلَّل على تأثر الشعراء بهذا الفكر في هذه المسألة بأبيات مـمَّا نظموه، بخاصة شعر ”سعيد بن خلفان الخليلي“ و”أبي مسلم“ وغيرهم، وذكر محموعة من العناصر التي تتعلق بمسألة الرؤية، أثارها الشعراء، قال الباحث : “هذا بعض التأثير الذي تجلَّى ضمن متفرقات انعكس فيها البعد الفكري العقدي. أمَّا أن يعمد الشاعر إلى بناء قصيدة عمادها الفكر الديني، ويعالج فيها جانبا عقديا بحتا، فلا ريب أنَّها كانت مقصودة قصدًا موظَّفا ، ليغدو الفكر العقدي غاية في حد ذاته، وبذلك ينتقل الشاعر بشعره من المجال العاطفي والشعوري إلى الجانب العقلي، لا سيما ما يوافق الخطاب فيه من استدلالات عقلية، واستنتاجات فلسفية، ومقولات جدلية, فهل ينجح الشاعر في ذلك ؟”(ص: 74)
وقد أشار بخاصة إلى قصيدة ”أبي مسلم البهلاني“ التي ردَّ فيها على شاعر، رمى الإباضية بفساد معتقدهم وسوء تأويلهم في مسألة الرؤية : “الناظر في قصيدة أبي مسلم البهلاني (طمس الأبصار) يجد أنها تميزت بأسلوب الحوار، وخروج الفكر من خلال العاطفة المتقدة، وقد ظهر عليها الجانب الفلسفي والجدلي، ممتزجا بالحرص على عرض الأدلة، وتفنيد حجة الخصم، وهي من القصائد القليلة التي تشي بحالة أبي مسلم النفسية وهو ينشئها، إذ عكست شدَّة في المواقف، وعنفًا في الخطاب، وتعصُّبًا للرأي، وإن كان تعصبا قائما على إيمان راسخ بصدق المعتقد”. (ص: 75) قال أبو مسلم :
نزه إلهك أن يرى كي تعرفه أتراك تعرفه وتثبت ذي الصفه
واعرف مقامك دون ما حاولتَه إن التي حاولتها لك متلفـه
أتعبت نفسك في ظنون قلب والحق أنَّ ظنون وهمك مُخلَفه
عجبا توحده وتجعله لأعـ ـراض الطبيعة عرضة مستهدفه
وفررت من تحديده ونصبتـه غرضا لعينك من وراء البلكفه
أتى الباحث بهذه الأبيات ليعرض من خلالها رأي الإباضية في نفي الرؤية. في الحقيقة، إنَّ هذه القصيدة تمثل نموذجا من الدفاع المستميت عن الرأي. وتكشف عن الصراع والجدل الذي كان يظهر من حين إلى آخر على الساحة.
لقد وفق الباحث في عرض المسألة، كما بدت على ألسنة الشعراء. كما نجح في اختيار الشاهد الذي مثل الشاعر الذي يعرض الفكر من دون المساس بفنية الكتابة الشعرية، وعرف كيف يقدم الشعر من دون أن يسيء إلى الفكر، قال الباحث : “لقد جاءت قصيدة أبي مسلم مخاطبة ومناظرة، مشحونة بالمنطق من ناحية والعاطفة من ناحية أخرى، وقد استطاع البهلاني توظيف الشعر للحديث عن القضايا الدينية والعقدية دون أن يثقل الفكر كاهل القصيدة، وذلك راجع إلى قدرة الشاعر على المواءمة بين فنه ومعتقده كما يقول الأستاذ إحسان عباس(1) مع أنَّ موضوع القصيدة أقرب إلى روح الفلسفة والمنطق منها إلى الشعر. (ص: 79)
– الصفات
بينما يعلن الباحث أنَّه يقصد إلى تحليل أثر الفكر في الشعر، نجد هذا المبحث يتحوَّل إلى عرض مسألة الصفات ورأي الإباضية فيها، بعيدًا عن بيان أثر هذه الآراء والنظرات في الشعر. فقد خصَّص الباحث تسع صفحات للجانب النظري، أي سرد رأي الإباضية في الموضوع، وأربع صفحات فقط للكشف عن أثر ذلك في الشعر.
تناول في الجانب النظري صفات الله: حقيقة صفات الذات وصفات الفعل، تأويل الصفات، ودفع الشبهات، والردِّ على المشبهة، وتنـزيه الله عن التشبيه والتجسيد والتجزئ. قال الباحث : “ولا ريب أنَّ مجيء هذه الألفاظ إنما هي للتقريب إلى الأذهان ، وعليه ينبغي الابتعاد عن الحرفية المباشرة في التفسير؛ خشية الوقوع في التشخيص والتجسيم، والعدول عن التصريح إلى الكناية عن بعض الحقائق من الأساليب المحببة، لما فيها من حسن وجمال.” ( ص : 87 )
في الجانب التطبيقي أو في مجال الأثر انتقل الباحث ليقول : “وقد ترسخت هذه النظرة العقدية عند شعراء الإباضية، فانعكست آثارها في شعرهم. فالشاعر ”خلفان بن جميل السيابي“ يخاطب مولاه متوسلا بعظمته وكبريائه. قيقول :
تعالَيْتَ عن كيفَ وأينَ وعن متىَ ومالَكَ كفءٌ أو نظيرٌ ولا مِثْـلُ
تَعالَيْتَ عن كيفَ وكيَّفتَ كيفَنَا وقُدِّستَ عن أينَ نعوتًا لِمن حلُوا (ص : 88)
ثم قدم نماذج من شعر أبي مسلم الرواحي؛ دليلا على أثر هذا الفكر على الشعر العماني، بعد أنَّ قال : “وأكثر هؤلاء الشعراء تأثرًا بهذا البعد العقدي أبو مسلم البهلاني، فقد انسابت أفكار المذهب في شعره عبر دعواته الإلهية وجاءت عفوية في مقام خلواته، وفي مقام التذلل والمديح النبوي، وفي غمرة الخضوع والاستكانة لمولاه، بعيدا عن روحة الجدل والحجاج…” ( ص : 89 ، 88) وأنهى النماذج التي مثل بها من شعر أبي مسلم بما يقر به الشاعر من تسجيل عجزه عن إدراك مقام صفات الله الجليلة .
المهم إن الباحث وقف عند شاعرين هما: خلفان بن جميل السيابي بمثال واحد. وبمجموعة من الأمثلة مع أبي مسلم البهلاني. نتساءل هل يكفي هذا لبيان أثر هذه المسألة في الشعر العماني؟ وإذا كان هذا كل ما عثر عليه الباحث فإنَّنا نستفسر لماذا لم نجد للمسألة أثرًا في الشعر؟ أو نقول لا يمكن الحديث عن أثر هذه المسألة في الشعر العماني، ما دامت الأمثلة محدودة. فلنقل إن أثرها محدودٌ جدًّا.
هناك ملاحظة شكلية على هذا المبحث. وهي يمكن أنَّ بكون توزيع العناصر فيه كالآتي:
الذات الإلهية : 1 – التوحيد . 2 – التنزيه : أ – الرؤية . ب – الصفات
– المعاد واليوم الآخر:
1 – حكم مرتكب الكبيرة
عرض الباحث في هذا المبحث ثلاث عناصر فقط مـمَّا يشتمل عليه اليوم الآخر، وهي: مرتكب الكبيرة والشفاعة والصراط والميزان، لست أدري لِمَ لَمْ يتعرض لبقية مشمولات يوم المعاد، هل يعني ذلك أنَّ الشعراء لم يكتبوا عنها؟
كما يبدو لي أنَّ حشر عنصر مرتكب الكبيرة في اليوم الآخر غير صحيح. هي – طبعا – من مسائل العقيدة، ولها أثر وعلاقة بسلوك المؤمن، من حيث الالتزام أو عدم التقيد بالأصول وقواعد الإيمان؛ وذلك حسب ما يعتقد من خلود مرتكب الكبيرة في النار أو عدم خلوده فيها، إذا مات قبل التوبة. مع ذلك أنا أرى أنَّها ليست من مسائل يوم المعاد، لأنَّ يوم المعاد يبدأ بالموت، و اعتقاد ما يتعلق بهذه المسألة يبدأ في الدنيا.
تناول الباحث في هذا الموضوع مفهوم الصغيرة والكبيرة وتحديد الإباضية لهما. مع عرضٍ موجَز لرأي غيرهم. كما سرد مفهوم الكفر وتقسيمه عند الإباضية، وحاول توضيح الرؤية في هذه النقطة، وتصحيح المفهومات: “إنَّ مسألة الكفر عند الإباضية وإطلاقه على مرتكب الكبيرة ، ينبغي أن يدرس ضمن سياقه التاريخي واللغوي. والمتتبع لهذه القضية عندهم يجد أنَّ الإباضية قد قسَّموا الكفر إلى قسمين، بينهما بونٌ شاسع، وهما كفر جحودٍ وكفر نعمة، ولعلَّ حكم عبد الله بن إباض على نافع بن الأزرق وبراءته منه، يشير إلى الفرق الكبير بين الإباضية والخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة من جهة، وفي تفريقهم بين كفر النعمة وكفر الجحود من جهة ثانية.
ومفهوم كفر النعمة عندهم مرادف لمفهوم الفجور والعصيان، ويقترب من ذلك قول ابن تيمية (ومرتكبو الكبيرة لا ينطبق عليهم وصف الإيمان المطلق، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.) ” (2).(ص : 93)
هذا التوضيح مهمٌّ لتفسير المصطلحات الغامضة، التي سبَّب عدم فهمها من غير الإباضية مشاكل كثيرة لهم ومتاعب كبيرة، فاتخذوا مواقف سلبية نحوهم؛ نتيجة تأويل خاطئٍ لما يتبناه الإباضية من آراء في الموضوع.
ثم عرض مسائل متعدِّدة في هذه النقطة، كمفهوم المنـزلة بين المنـزلتين، ودلالتهما المختلفة عند الإباضية والمعتزلة، والوعد والوعيد، والخلود في النار لمرتكب الكبيرة إذا مات مُصرًّا على كبيرته. عرض كل ذلك مع مقارنة بسيطة بين ما يراه الإباضية وما يتبناه غيرهم. ثم قال بعد ذلك وهو يعلل رأي الإباضية في القول بخلود مرتكب الكبيرة أو العاصي إن لم يتوبا قبل موتهما : “ويقصد الإباضية من وراء ذلك إلى سدِّ الذرائع على من يجترئون على محارم الله فيرتكبون معاصيه، ولذلك يقول أحدهم (الحكمة من خلود أهل النار أنَّ العاصي إذا عصى ربًّا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، لأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا ينقطع ولا يزول، فلو كان لثوابه وعقابه نهاية لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم).”(3) (ص: 96).
حاول الباحث بشكل جيد وواع ربط حلقات العقيدة عند الإباضية، كما أرادوها أن تكون؛ لتؤثِّر في سلوك المؤمن، وبيان وتوضيح أسس بناء أصول الإباصية التي لم يفهمهم فيها غيرهم، فرموهم بأنواع من الشذوذ والتباين عن الجماعة الإسلامية : “ومما ينبغي الإشارة إليه أنَّ الإباضية برؤيتهم تلك يوجدون ترابطا وثيقا وتماسكا قويا بين مكونات فروع التوحيد. فالإيمان قولٌ وعمل، مرتبطٌ ارتباطا جوهريا بمبدإ الوعد والوعيد. وعليه فلا بد من احترام من يلتزم بمقتضيات إيمانه فَيُتولى، ومن يُخِلُّ بشيء منه فيُتبرأ منه، ضمن سلسلة متصلة الحلقات، مرتبطة بوشائج العقيدة، التي ينبغي أنَّ تتحول إلى واقع معيش، وتطبيق عملي لمقتضيات العقيدة. فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل”. (ص: 96، 97).
بعد هذا العرض عمد الباحث إلى الكشف عن أثر هذه المسائل في الشعر العماني. فبدأ – كعادته في كثير من الأحيان – بأبي مسلم البهلاتي . فأتى بنماذج من شعر هذا الشاعر، ذكر فيها سؤاله ربه أن يتداركه برحمته، مستعينا به من خلود الفجار في دار عدله، ودعوة الإنسان الذي أحاطت به سيئاته ألا يقنط من رحمة الله. كما أشار إلى أنَّ ما أصاب الأمة الإسلامية من هوان وذلٍّ وتعاسة، سببُه استمراء المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب. وأكَّد الباحث أنَّ ذلك الذي جاء في شعر أبي مسلم هو انعكاس مباشر لأثر العقيدة في نفسه. قال الشاعر:
فما من وعيد الله يمنع عاصـم إذا لم يزع من حرمـة الله وازع
نضج ضجيج النيب مما ينوبـنا ونحن إلى ما يقتضيه نســارع
نطاوع أسواء المغبة رغبــة ولسنا لمحمود الجزاء نطـــاوع
وما هذه الأوقار فوق رقـابنا يدافع عقباهن عنا مدافـــع ( ص : 98 )
وبعد أن سرد أبياتا، بين فيها الشاعر أنَّ عذاب الله وثوابه عدل، وشدَّد على عاقبة الإصرار على ارتكاب الذنوب، حذَّر من مغبَّة الاتكال على وهم خلف الله وعيده والشفاعة للمصرِّين من أهل الكبائر :
وعاقبة الإصرار إنفاذ عدلـه (4) حذارِك مما قيل خلف وشافـع
فقم نحو ما يدعو إليه بفضلـه فداعيك قيوم برحماه واســـع
ستعلم إن خالفته كيف بطشه فمالك إلا صحة التوب نافــع (ص: 98)
بعد ذلك استشهد بأبيات لأثر مسألة مرتكب الكبيرة في الشعر. اختار عامر بن خميس المالكي نموذجا لذلك. عرض له أبياتا تحدَّثت عن الخطر الذي يُحدق بالعاصين الذين لا يبادرون بالتوبة؛ فعدَّهم هلكى؛ مستعملا مصطلح الإباضية “كفر النفاق” وهو بمعنى “كفر النعمة” الذي لا يخرجه من الملَّة، ما لم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. قال الشاعر:
إنَّ المصرَّ على العصيان في خطر إن لم يتب، ما له مأوى سوى سقر
إن المصرِّين هُلكٌ لا نجاة لهـم قد جاء في محكم القرآن و الأثــر
وسمِّه كافرًا كفر النفـاق ولا تركن إلى الوقف إن الله منـه بري (ص: 99)
ومنه ينتقل الباحث إلى شاعر آخر، هو ”سعود بت سعيد القصابي“، ليذكر له أبياتا تحذِّر مرتكب المعصية المتَّكل على مغفرة الله وخلف وعيده، من دون أن يعمل لهذه المغفرة بالتوبة منها قبل الفوت وحلول الموت ، مقيما حجته على معطيات ونتائج ، ناهجا الأسلوب الكلامي في الخطاب. قال الشاعر :
تقولُ مع العصيان ربِّي غافــرٌ صدَقتَ ولكن غافرٌ بعد توبــة
وربُّك رزَّاق كما هو غافـــرٌ فلِمْ لا تَصدُق فيهما بالســوية
فإنَّك ترجو العفو من غير توبـةٍ ولستَ ترجي الرزقَ إلا بحيلــة
على أنَّه بالرزق كفل نفسَــهُ لكلٍّ ولم يكفَل لكلٍّ بجنَّــــة (ص: 99)
نسجِّل أيضا أنَّ أثر الفكر في الشعر في هذه القضية كان قليلا بالاحتكام إلى ما قدمه الباحث من نماذج، ولشعراء ثلاثة، بقياسا إلى ما عرضه من مسائل في الموضوع في القسم النظري، وبالنظر إلى ما تشتمل عليها القضية من فروع حسبما هي معروضة في كتب العقيدة. من هنا نقول إنَّ الأسئلة التي عرضناها في الصفحات السابقة عن أثر الفكر العقدي في الشعر تظل قائمة، التي تتمثل في حقيقة ورود نماذج قليلة من هذا الأثر في هذه الدراسة، بمعنى إنَّ الأثر لم يتَّضح بشكل مكثَّف، كما قدَّم ذلك الباحث.
– الشفاعة
بين الباحث أنَّ موضوع الشفاعة مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بقضايا الوعد والوعيد ومرتكب الكبيرة الذي يموت مصرًّا على معصيته، غير تائب منها. واضح من ذلك أنَّ الباحث يريد أن يبين نظرة الإباضية التي تحرص على تفهيم الناس بضرورة العمل على تحسين السلوك والالتزام بشرع الله التزاما كاملا، وعدَّ الاتكال والاتكاء على منساة الشفاعة المهترئة، والتعلق بأوهام باطلة، والركون إلى الأماني الكاذبة خورًا في التفكير وخطلا في التدبير. يقول الباحث : “وموقف الإباضية من الشفاعة مرتبط ارتباطا وثيقا بموقفهم من مفهوم الإيمان والعمل، والوعد والوعيد وما يترتَّب على ذلك من مآل، فهم يرون أنها (ليست لمن استوجب العقاب، فيصير بها إلى الثواب، ولكن الشفاعة للمؤمنين، زيادة لهم في الثواب، وتشريف في المنازل)”.(5) (ص: 100)
عمد الباحث إلى توضيح رأي الإباضية في الموضوع؛ بمناقشة المسألة بعمق، من خلال ذكر جانب من الحوار غير المعلن بين الإباضية وغيرهم، الذين يخالفونهم الرأي في هذا القضية ، ثم خلص إلى النتيجة الآتية : ” ولا يخفى ما في هذه النظرة من احتراز في الوقوع في المعاصي، والانهماك في المخالفة الربانية، ما دام يعتقد الإنسان أنه غير داخل في دائرة من يشفع له، مهما عمل واقترف من المعاصي والآثام.” ( ص : 101 )
ليدعم رأي الإباضية ذكر قولا للشيخ محمد رشيد رضا : “العجب للمسلمين ، يصابون بهذه اللوثة، وهم يقرؤون قول الله تعالى :?لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلآَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يـَّعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيـًّا وَلاَ نَصِيرًا? “(6) (ص: 102).
ثم ذكر الباحث تأكيد الشيخ محمَّد رشيد رضا على انتفاء وجود نصٍّ قطعي في القرآن الكريم يثبت حصول الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة، مدعِّما رأيه بآيات قرآنية تنفي ذلك. قصدُ الباحث كان واضحا هو التدليل على أنَّ الإباضية ليسوا وحدهم الذين يقولون بهذا الرأي.
ثم أتى بأبيات للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، لا تتعدًّى كونها تقرير حقائق، غير كاشفة عن الأثر الذي تركته القضية في الشعر، بدليل تعليق الباحث على هذه الأبيات بقوله : “ففي هذه الأبيات يرى الخليلي أنَّ في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر مخالفة لدلالة آيات الكتاب العزيز، ومن ثم بين الشاعر معنى شفاعة رسول الله ( عند الإباضية، وهي شفاعة يقصد بها رفع منزلة للمُوفِّين، ودفع كرب المؤمنين لطول الوقوف يوم القيامة، وهي إحدى كراماته (” (ص: 104).
ولم يأت الباحث بمثال واحد يوضح من خلاله أثر المسألة في الشعر العماني.
– الصراط والميزان:
عرض الباحث رأي الإباضية في مفهوم الصراط والميزان، وذكر التفسيرات المختلفة لهما، وحاول أن يُقارن ذلك بما وجده عند غيرهم؛ ليدعم رأي المذهب الإباضي في المسألة. ومن جملة ما ذكر: “ويبدو أنهم (أي الإباضية) رأوا أنَّ هذه المسألة ليست من المسائل ذات الشأن الخطير في تفسيرها الاعتقادي، فيكفي المسلم جملة الإيمان بالصراط والميزان، وأنهما حق، ويكل أمرهما إلى الله، لا سيما وأنهما (ليسا من المسائل القطعية، لعدم ورود القطع فيهما، وإنما هما من المسائل الظنية… ولا يخطأ القائل فيهما برأيه)”(7). (ص : 105)
هذه النظرة إلى هذه المسألة انعكست على الشعر، فلم يرد لها ما يمكن أن يعدُّ أثرًا، وأقرَّ الباحث أنَّ الشواهد في الموضوع قليلة، فهي لم تكن من المسائل التي كانت تشغل بال الشعراء، ما وجده الباحث لا يتعدى أراجيز ومتونا، بلورت رأي الإباضية في المسألة. ونحن نتساءل لماذا أتى بها ضمن ما كان له أثر في الشعر؟ إلاَّ أنَّ التفسير الذي يمكن لنا أن نعطيه لذلك هو حرص الباحث على التعريف بأصول المذهب الإباضي، واغتنام الفرص لتصحيح الأخطاء ودفع الإيهام. إن هذا ينسيه المسار الذي اختطَّه لنفسه في هذا البحث، وهو بيان أثر الفكر في الشعر.
– الولاية والبراءة ” الجانب الاجتماعي والبعد العقدي “:
العنوان الذي وضعه الباحث لهذا العنصر يفصح عن الأهمية التي أعطاها لهذه المسألة، ويكشف عن الهدف من إيرادها في دراسته، وتبين عن انشغال علماء الإباضية بها. إنهم يرونها عاملا كبيرا ومهمًّا في ضبط السلوك ومراقبة النفس… إنها الكفيلة بردع الناس عن الانحراف، وتنبيه الغافل عن السدر في الغي يقول الباحث : “من منطلق الصلة بين العقيدة والعمل، يذهب الإباضية إلى أنَّ التعامل مع الناس يجب أن تكون مرجعيته هذه العقيدة، التي تتحدَّد العلاقة بموجبها، ولذلك عَدُّوا الولاية والبراءة أصلاً من أصولهم العقدية، وقاعدة من قواعد الإسلام، فوضعوا لها شروطا، وحددوا لها مواصفات، وتشدَّدوا في تطبيقها في مجتمعاتهم، حتى قيل : (إنه من لم يَدِنْ بها لا دِينَ له)”. (ص : 108)
عرض الباحث بعد ذلك مفهوم الولاية والبغض، كما يراه الإباضية؛ مدعِّما بالأدلة النقلية. ثم أتى بأبيات لأبي مسلم البهلاني؛ للتدليل على أثر هذه المسألة في الشعر العماني. قال أبو مسلم:
والحب والبغض فرضان استحقهما خصمان في الله من بَرٍّ ومن فَجِرِ
والأمر يبنى على الأعمال كيف جرت والمدحُ والذمُّ بحتًا غير معتــبر
ومن هذا المنطلق أعلن أبو مسلم ولايته وحبَّه لأهل النهروان، انطلاقا من مبدإ عقدي، حين يقول:
جزى الله أهلَ النهروانِ رضَــاءَهُ وما فوق مرضاة الإله أجـــورُ
ندين لوجه الله طوعًا بحبِّهِـــم وما شنآن الملحدين مُضِيــــرُ
همُ القومُ بلتهم مخافةُ ربهِـــم ودارَت عليهِم أبطُنٌ وظهُــورُ(ص:109)
ثم سرد الباحث مجموعة من آراء علماء الإباضية وغيرهم في بيان الهدف أو النتيجة التي تحصل من تطبيق هذا الأصل، للشيخ علي يحي معمر والدكتور محمد ناصر والدكتور عوض خليفات، الذين لَمحوا إلى غاية الردع والرجوع إلى جادة الإسلام. وأشاروا إلى بعده العقدي والاجتماعي والتربوي والسياسي “وغدا فكرًا متميزًا لا يتساوى فيه الطائع والعاصي، وهذا ما جعل أحد كتابهم يفخر بهذه المنقبة قائلا :(هذه القضية يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة)”.(8) (ص: 110)
أردف ذلك وشفعه بأبيات لأحمد بن سعيد الخليلي وأبي مسلم البهلاني؛ دليلا على تطببق ما جاء في الولاية والبراءة من منظور إباضي، أو بيانا لأثر الفكر في الشعر. ونقرأ فيها نظرة الإباضية إلى مسألة الولاية والبراءة حيث يحرصون على تطبيق ذلك بما لا يسيء إلى العلاقات، ولا ينال من كيان المجتمع. فلا توجَّه وسيلة البراءة بشكل خاطئ، كالسعي إلى تتبع عورات الناس، وتصيد أخطائهم، والتعجل في إعلان البراءة، ولأدنى سبب… إن هذا يدلُّ على التروِّي والأناة والتثبت، والقصد في استعمال هذا الأسلوب، إذ لا يلجا إليه إلاَّ في حالة الضرورة القصوى، وينبئ عن الإرادة إلى الإصلاح وليس إلى التشهير والشماتة.
متابعة في تفصيل القول في المسألة وتوضيح بعض الجوانب منها، ذكر شيئا من شعر سعيد بن خلفان الخليلي وابن شيخان السالمي وأبي مسلم البهلاني. ويبدو واضحا مما ورد في هذه الأبيات التأثر الفكري بما نادى به الإباضية في قضية الولاية والبراءة، التي منها الحذر من موالاة أعداء الله؛ لأنَّ الالتزام بهذا المبدأ العقدي يضمن المحافظة على استقلالية الشخصية، ويساعد على الحفاظ على مقوماتها، ويعين على معرفة الحدود الفاصلة بين التعاون والتنازل، ويدفع إلى ضمان الهيبة…
إنَّ الباحث كان موفقا في عرض هذه المسألة وبيان أثرها في الشعر، وكان ناجحا في تقديمها للقارئ تقديما جيدا: حيث مزج بين الجانب النظري والتطبيقي في عرضها، وقد اعتمد على الشعراء كثيرا في تقرير حقيقتها، وعلى أقوال بعض الدارسين، الذين ركزوا على الأهداف والنتائج الإيجابية التي تحصل من تطبيق أصل الولاية والبراءة. وبذلك يكون قد ركز منذ البداية على الجانب العملي في القضية؛ إشارة منه إلى إيلاء الموضوع أهمية كبيرة، لأن الناس غفلوا عنه كثيرا، ولم يعوا دور هذا الأصل في ضبط المسيرة وتحسين السلوك. وقصدًا منه أيضًا لفت الانتباه إلى إدراك مدى تميُّز المذهب الإباضي بها ولماذا.
كل هذه المعاني وهذه الأفكار وغيرها يمكن للمتأمل المدقق في عرض الباحث أن يستنتجها أو يقف عليها بجلاء، مما يبين أنَّ الباحث كان موفقا في عرض مسألة الولاية والبراءة.
– خلق القرآن
كشف الباحث عن وجهة نظر الإباضية في القضية، وقد عدها منذ البداية غير ذات أهمية، أو ليست من مقتضيات العقيدة، ولا من أمهات مسائل الدين، ولا أثر لها في السلوك. فهي من قضايا علم الكلام التي كان المسلمون في غنى عنها؛ حتى إن الإباضية لم يعيروا لها اهتماما، حين عرضت في أوَّل الأمر، لكنهم بعد ذلك ناقشوها خوفا على عوام الناس : “ولكنهم رأوا أنَّه بعد طرحها لابد لهم من اتخاذ موقف، خشية على عوام الناس من الوقوع في مغبة الفتنة، لا سيما أنه موقف يتعلَّق بكتاب الله…” (ص : 116)
رأى الباحث أنَّ المسألة قابلة للاجتهاد، وما يتوصل إليه فيها هو بعيد أن يكون قولا فصلا، إنما يعد استنباطا واستنتاجا، يمثل وجهة نظر قابلة للنقاش. وقرر أنَّ موقف الإباضية يتسم بالاعتدال واحترام وجهات النظر التي برزت وتبرز في المسألة.
من بين العلماء الذين استدل بأقوالهم في المسألة الشيخ خلفان بن جميل السيابي، ونقل عنه قوله : “مسألة خلق القرآن ليست من مسائل الدين التي تعبد الله بها عباده، ولا ألزمنا إياها، كما ألزمنا صنوف العبادة، وليس على وجوبها من دليل. والتحقيق إنه أريد بالقرآن الحروف الملفوظة المتلوَّة المخطوطة، فإنها حادثة قطعا، وإن لوحظ منها علمه تعالى بالمعاني المطروحة فيها، فإنَّ علمه سبحانه وتعالى لا شك أنه قديم، لأنَّ العلم من صفات الذات العلية”(9) (ص: 118 ، 119)
ما نقرؤه فيما أتى به الباحث شواهد من شعر الشعراء في المسألة أنَّ أثرها لم يظهر إلاَّ في كون هؤلاء الشعراء عبَّروا عن وجهة نظر الإباضية. إنَّ هذا يعطيها صفة تقرير الحقيقة، أو عرض المسألة، وليس بيان أثرها في الشعر.
الفصل الثالث : أثر الفكر السياسي
عرض فيه مباحث عن الإمامة وأثر الفكر السياسي في قصيدة المديح، وموقف الإباضية من التكسب بالشعر، وأثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء…
بالنسبة للإمامة أكَّد الباحث أنها ذات أهمية كبيرة في الفكر الإباضي، وقد أخذت حيزا كبيرا من تفكيرهم : “يقوم فكر الإباضية السياسي على أصول فكرية مرتبطة بمعطيات الإسلام في منابعه الأولى، وهو تجسيد حي لمبدأ أساسي، يقوم عليه الفكر السياسي الإسلامي، وهو مبدأ الشورى والاختيار والمساواة بين الناس على أساس ?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ?(10)، وهو تفاضل يقوم على ميزان دقيق قائم على القيم الخلقية، لا على الانتماء في النسب. وعليه فإنهم لا يرون القرشيَّة شرطًا في الإمامة، إذا توفرت الشروط في غير القرشي، فهم يرون (كما يقول الشيخ أحمد ين حمد الخليلي) أنَّ الحكم أمانة في الأعناق، وأنَّ الناس أسمى وأشرف من أن يكونوا قطعانا من الأغنام يحكمون بالقهر والاستبداد، فتتوارثهم قبيلة معينة. فالناس قد خُلِقوا أحرارًا، ويجب أن يبقوا أحرارًا، والذي يبايعونه لابد أن يستخلفوه من تلقاء أنفسهم. ولا يرى الإباضية أي شرط من تاحية النسب”. (ص : 127)
أثر هذا الفكر كان واضحا بارزا في الشعر العماني، فابن شيخان السالمي يقول عن مسألة الشورى التي آمن بها الإباضية واشترطوها على الإمام وهو يمدح الإمام سالم بن راشد الخروصي :
أمره شورى فلا خلف لمـا يرتضيه العلماء النقبـــا
ويقول عبد الرحمن الريامي داعيا الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إلى الاهتمام بالشورى:
يا من يريد طريقة دينيــــة عوِّل على أكفائها وسراتهــا
لا تحسب الشورى عليك غضاضَةً كم في الزوايا من كنوزٍ هباتهـا
فلربما رأي يقهقر جحفـــلا ويدكُّ عليا الشم من ذرواتهــا
قد جاء من مستحقَرٍ مستضعَـفٍ وهو القمينُ بها للمِّ شتاتـها (ص:128، 129).
يرى الإباضية أنَّ تنصيب الإمام واجب؛ إذ لا يمكن أن يبقى المسلمون من دون إمام. وأنَّ هذا الإمام لا يتم تنصيبه إلا بعقد. وقد وضعت نصوص تحدِّد نوعية العقد الذي يبرم لتعيين الإمام ؛ بما يبين مسؤولية الإمام، وتعهده بتطبيق شرع الله. يقول الباحث : “وقد أضحت تلك النصوص بمثابة الدستور المحدِّد لنوع المسلك الذي يتخذه الإمام، ويسير بموجبه في علاقته بالأمة. وعقد الإمامة عندهم تختلف صيغته باختلاف نوع الإمامة, وباختلاف الظروف، التي بويع الإمام في ظلها. وهنا تلحظ أنَّ هذه العقود السياسية تنظم العلاقة بين الحاكم ورعيته، ويُعدُّ كلٌّ منهم ملزمًا بالوفاء بموجب العقد الذي وصل الإمام بمقتضاه إلى ذلك المنصب، وعليه تترتَّب أحكام الوفاء والمناصرة والقيام بالواجب تجاهه، ما كان عاملا بمقتضى العقد، وإلا ترتَّب عند الإخلال به أحكام من مثل العزل والخروج عليه وعدم مناصرته. وكل ذلك يدخل ضمن تنظيم وثيق للعلاقة بين الإمام والأمة، وهي فلسفة تعدُّ امتدادًا لعقود البيعة التي كانت تتمُّ مع الخلفاء الراشدين”. (ص : 129، 130)
ثم ذكر مسالك الدين عند الإباضية التي تتحدَّد حسب الظروف السياسية، وهم يعنون بهذا المصطلح “الطرق التي يتوصَّل بها إلى إنفاذ الأحكام الشرعية”(11) (ص:131) ومسالك الدين عند الإباضية أربعة، هي: (الظهور، الدفاع، الشراء، الكتمان).
وتحدثوا عن الإمام وصفاته، التي منها أن يكون أفقه ممن هو موجود وأعلمهم وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقدرهم على الحكم وإقامة العدل والقيام بشؤون المسلمين… وغيرها من الصفات التي يحتاج إليها من يقود المسلمين ويسيرهم.
وتكلموا عن العلاقة بين الإمام والرعية؛ طاعة وامتثالا لأوامره، واحتراما لرأي الرعية، تولية وعزلا وخلعا… ولم يغفلوا عن الإشارة إلى الكيفية التي تحصل بها بيعة الإمام، وهي تتم عندهم على مرحلتين:
1- بيعة الخصوص، وهي البيعة التي يقوم بها العلماء وأهل الحل والعقد.
2- بيعة العموم، وهي البيعة التي يتلقَّاها الإمام من عموم الأمة.
– أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح الفردي:
حاول الباحث أن يبين أثر الفكر السياسي في الشعر، الذي أبرز مدى تطبيق الشعر لما قرر في مسألة الإمامة، وقد استنتج هذا الأثر وهذا الالتزام من خلال الأفكار التي ذكرها الشعراء، وهم يمدحون الأئمة، الذين حكموا عُمان، وهم قد اختيروا بالمواصفات التي ذكرت في النصوص التي حدَّدت من يتولى هذه المسؤولية. قال الباحث: “وقد امتزجت مدائح الأئمة لدى الشعراء الإباضيين بمشاعر صادقة ناشئة عن قناعة بمبدأ ديني، وتوجه إيماني بوجوب المشاركة، والتعبير عن حبِّ الأئمة، والدعوة إلى مناصرتهم، ويتجلَّى ذلك عبر جملة من القصائد التي أرسلها منشئوها ترجمة عن مشاعرهم من مهجرهم في زنجبار، كما فعل الشاعر أبو وسيم الأزكوي في مدائحه للإمام عزان بن قيس وأبو مسلم البهلاني في مدائحه للإمام سالم بن راشد الخروصي”. (ص: 137)
قال أبو وسيم الأزكوي يمدح الإمام عزان بن قيس ذاكرا صفاته:
فأصبح عزان بن قيس مملكـــا إمام هدى لله يغزو ويفتـــح
مليك به ترضى الإمامة قائمـــا وما كل ملك للإمامة يصلــح
تقلد سيفين المهند والتــــقى لأن كلا السيفين في الخطب منجح (ص: 138)
حرص الباحث من خلال النصوص التي استشهد بها على بيان مدى تعلق الشعراء بالإمامة، والتأكيد على أنَّ منطلقهم في هذا المدح كان دينيا؛ إذ كانوا يرون ضرورة التمكين لدين في الأرض، ولضمان تطبيق شرع الله لابد من إمام تتوفر فيه الشروط المطلوبة شرعا. ولذلك حين يمدحون إماما فإنما يمدحون الصفات الحسنة المتوفرة فيمن يتولى هذه المسؤولية الكبيرة. ففي مدحهم وفاء للمبادئ، وتسجيل للمآثر، وتقرير للحقائق، واعتراف بالفضل، ودعوة للالتفاف حول القائم بالحق والواجب، ونداء إلى السير في النهج القويم… وقد ذكر الباحث مجموعة أبيات لأبي مسلم البهلاني وأخرى لشعراء آخرين في مدح الإمامين سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبد الله الخليلي.
لقد خلع الشعراء على الأئمة صفات نبيلة، وذكروا لهم شمائل عالية وفضائل راقية، وهم بذلك يثبتون ولاءهم للمكارم والعظائم. بين الباحث ذلك، وهو يسجل الرسالة التي حملها الشعراء بهذا السلوك. وبعد أن عرض مجموعة من النصوص في مدح الإمامين الخروصي والخليلي قدم السؤال الآتي: “ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: ما الصفات التي خلعها الشاعر الإباضي على أئمته، وتصوَّر مكانة الإمام الدينية؟ الناظر في صفات مديح الأئمة عند الشاعر الإباضي يجد أنه قد أضاف إلى نعت المديح الذي وضعه قدامة بن جعفر، المتمثِّل في الصفات الأربع عنده وهي: العقل والشجاعة والعدل والعفة، ما يتفرع عن كل منها، وما يتركب من جميع بعضها مع الصفات الأخرى.
عبر قراءة إنتاج شعراء هذه الفترة ومدائحهم للأئمة يتضح أنَّ الشعراء قد منحوا الأئمة بعدًا دينيا، انعكس فيه تأثُّرهم بالبعد الفكري الإباضي في خصوصيته، والبعد الإسلامي في عمومه…” (ص:150)
– المديح الجمعي للأئمة:
من المديح الفردي انتقل الباحث ليتحدَّث عن المديح الجمعي، قال : “وصف الشاعر الأئمة وصفا عاما في موضع التذكر لسيرتهم. هو ما يمكن أنَّ نطلق عليه (المديح الجمعي) وذلك حين يسوق الشاعر مجموع صفات الأئمة الإباضيين ومناقبهم، محاولة منه بان يضع متكأ يعتمد عليه للحديث عن الانطلاقة الجديدة؛ ربطا بين الأصالة السياسية لهذا المنهج ومحاولة بعثه”. (ص : 155)
وصف الشاعر الأئمة بالصفات الراقية: الشجاعة والإقدام، والتبتل والعبادة الخالصة، وصفاء الطوية والإخلاص والزهد في الدنيا، والدفاع عن الدين…
علق الباحث على أبيات لأبي مسلم البهلاني مدح بها الأئمة : “…وبسبب ذلك استحقوا مديح القرآن فيهم، حين تمسكوا بالحنيفية الزهراء، وتأسوا بسيرة العُمرين، متعطشين لنيل الشهادة في سبيل الله، أو ما سماه الشاعر (شربة النهروان) ولا يخفى ما في هذه الأبيات من ملامح تاريخية تتَّصل بتعاقب الأئمة في عمان، ولمسات فكرية، تنطق برأي المذهب في سيرة الخلفاء الراشدين، حينما يجعلون من سيرة العُمرين السيرة التي تحتذى؛ لأنها سيرة لم يكدر صفوها مكدر”. (ص : 156)
إنَّ هدف الباحث واضح من هذا العرض وهذا السرد، هو بيان فضل هؤلاء الأئمة على الحياة العامة في عمان، وقد اعتمد في إظهار ذلك على دور الشعراء في تسجيل مشاعرهم نحو الأئمة؛ مما يبرز تأثير الفكر السياسي في الشعر.
– صورة الإمامة في قصيدة المديح:
واصل الباحث الكشف عن التفاف الشعراء نحو الإمامة، وتعلُّقهم بالفكر السياسي الإباضي، فانتقل إلى تقديم صورة عن الإمامة في مديح الشعراء. فتتح هذه الإطلالة بأبيات لأبي مسلم الرواحي:
عادت إلى جذلها من طول غربتها خلافة الله والإسلام جـــذلان
عناية الله تحدوها لموطنهـــا وللخلافة في الإسلام أوطـــان
تنحو ابن بجدتها العَليا وبؤبؤَهـا وشأنها لِمُصاص المجد خَلصـــان
تقلد العقدَ منها صدرُقيمــها صدرٌ بخالصة الإيمان مــــلآن
همامها العاصم الكافي لعصمتـها له على حملها جد وأقـــران (ص: 160)
لقد أطلق الشاعر على هذه الإمامة خلافة الله التي عادت بعد غربة طويلة، أو انقطاع دام طويلا، عادت على يد الإمام سالم بن راشد الخروصي، بعد أن انقطعت بوفاة عزان بن قيس، عادت بعد أن وجدت كفءًا يتقلَّدها ويقودها إلى حيث الخير والفلاح، يسوسها سياسة خلفاء الله الحقيقيين. وفي القصيدة وردت صفات كثيرة لهؤلاء الأئمة المهديين الشرفاء.
حتى يثبت الباحث صدور الشعراء عن أصول المذهب الإباضي والتزامهم بفكره السياسي ذكر مجموعة من النماذج لشعراء مختلفين، كان فيها أصحابها يوجهون نصحهم إلى الأئمة، ليتقيدوا بشرع الله في الحكم، والاجتهاد في نصرة الدين، والاستقامة في السلوك. قال وهو يقدم لأبيات لأبي الوليد سعود بن حميد، يمدح الإمام سالم بن راشد الخروصي: “فقد تخلل مدحه للإمام جملة من النصائح. فدعاه إلى نهج منهج الأئمة العدول الذين سبقوه، فيقتفي آثارهم. وهو تأثر بالفكر السياسي الإباضي، الذي لا يرى الإمام معصوما، ولذلك يجب على الأمَّة النصح لأئمَّتها، ويدعو الشاعر الإمام إلى التأسي بسيرة رسول الله مذكرا إياه بسيرة سلفه من الأئمة”. (ص: 163، 164)
– وصف جهاد الأئمة:
تابع الباحث ذكر آثار الفكر السياسي في الشعر العماني، وبخاصة صدى الإمامة فيه، فقدم وصف جهاد الأئمة كما ورد في شعر الشعراء. قال: “والناظر في القصائد التي واكب بها الشعراء هذه الأحداث يلحظ أنها كانت تمثل شعرًا حربيا، تتخلله السياسة، وتنطلق من فكر إباضي، يدور حول وجوب طاعة الإمام، ومقاتلة من يخرج عن هذه الطاعة”. (ص: 166)
عرض الباحث نماذج من الأشعار التي ذكرت الوقائع التي دارت بين الإمام وغيره، ثم علق قائلا: “وتتمثل في تلك القصائد صورة الشاري الإباضي الذي يقتحم الأهوال”. (ص: 167).
كان الباحث حريصا على ربط جهاد هؤلاء الأئمة ومن لف حولهم، ربطه بجهاد الشراة، سلف الإباضية؛ ليبين شدة بأسهم وقوة شكيمتهم، وحقيقة تمسكهم بالدين الإسلامي، وإصرارهم على رد الظلم، وصد العدوان، ونصرة الحق، مهما كلفهم ذلك. قال الباحث: “ويدعو الشاعر عبد الرحمن الريامي إلى الجهاد، ويذكر بالشراة الأوائل، ومعلوم أنَّ الشراة والشراء صفتان ملازمتان للفكر السياسي عند الإباضية، بقول الشاعر:
شُراةُ الحقِّ هُبُّوا للجهـــاد وذُبُّوا بالصوارم والصعـــاد
شُراةُ الحقِّ إنَّ الحورَ نــادت ألا هُبُّوا إلى تقــــديم زاد (ص:171،170)
ساق الباحث ذلك ليؤكد أنَّ هؤلاء الشعراء كانوا ملتزمين بالخط الذي سار عليه أسلافهم من قبلهم، وأنهم كانوا أوفياء لهم، ولهذا النهج. والأهم من ذلك كله التأكيد على التأثر بالفكر السياسي الإباضي.
ولمزيد من بيان بعض أحكام السياسة الشرعية التي كان يحتكم إليها الإباضية، وكان الشعراء حريصين على الإشارة إليها. بل كانوا يلومون من لا يلتزم بها، كموقفهم من تحريم الخروج على الإمام العادل. سرد للتدليل على ذلك نماذج من شعر خالد بن هلال الرحبي وأبي مسلم البهلاني.
وفي المقابل فإن الشعراء تبنوا رأي المذهب وموقفه من الحاكم الجائر، والتعامل معه: خروجا وطاعة، متى يجب الخروج ومنى يجوز، ومتى لا يجوز… وقد حاول الباحث الإتيان بأمثلة لأثر هذا الفكر في الشعر العماني، لكن حسب نظري إن تلك الشواهد لا تحدِّد خصوصيةً لهذا الفكر، بالمقارنة مع غيره.
بالنظر إلى النماذج المقترحة من الباحث، لا نجد فيما ذكر إلاَّ عبارات تعمد إلى الربط بين ما نظمه الشعراء شعرًا والفكر السياسي الإباضي(12).
يبدو أنَّ الباحث كان ملزما نفسه بإثبات أثر الفكر الإباضي، السياسي منه بخاصة في الشعر العماني؛ إذ نجده يجهد نفسه لإيجاد رباط متين بين الفكر وما نظمه الشعراء، فيكون عنده كل ما يقوله الشعراء هو انعكاس للفكر على شعرهم. مثلا في موضوع الموقف من التكسب بالشعر وأثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء، سواء في رثاء الأئمة أم رثاء الإمامة أم رثاء الشيوخ والزعامات الدينية, لا نجد في النماذج التي أتى بها ما يكشف عن انعكاس الفكر على الشعر سوى تعلق الشعراء بالإمامة وبالأئمة العدول الأخيار، وسوى التأسف والحسرة على فقدان هؤلاء، كقول الباحث وهو يذكر أبياتا لعبد الله الخليلي، يرثي الإمام محمد بن عبد الله الخليلي: “وبموت الإمام تموت الحرية وتهان الملة، ويزول الإباء ويسود الظلم، ويعمُّ الكون ظلامٌ رهيب، وهي تمثِّل نظرة سوداوية لما يمكن أن تسفر عنه الأمور بعد فقد هذا الإمام، في إشارات أرسلها الشاعر، يعبر فيها عن رؤيته للمستقبل”. (ص: 192)
ولا نقرأ سوى تسجيل مشاعر الحزن والأسى على الفقد والحرمان والضياع، وسوى التعبير عن الأحداث التي سببت تقويض الإمامة، كقول الشاعر سعيد بن أحمد بن سليمان الكندي، وهو يرثي الجبل الأخضر؛ رامزًا بذلك إلى رثاء الإمامة الموؤودة:
ماذا أقولُ وأدمعي منهلـــةٌ حزَنًا وعيني كُحلَت بسُهَـــادِ
لهفًا وما يُغني التلهُّـف والأسى ولا أسطيع ردَّ عـــــوادي
لكنَّها نفثاتُ مصدورٍ بهـــا جاشت لواعجُ حسرةِ الوقَّـــادِ
يرجُو بها حقَّ الوفاء لمعشَــرٍ سادُوا بعدلٍ إذ رَعَوا وَرَشَـــادِ (ص: 194)
نسجِّل في ختام قراءة ما جاء في هذا الفصل أنَّ الباحث بذل جهدًا كبيرًا في تقديم رؤية جيدة عن الفكر السياسي المتميز عند الإباضية؛ بتناول جزئيات دقيقة في الموضوع، مع مزج ذلك في كثير من الأحيان بما نطق به الشعراء في شعرهم من هذا الفكر، مما عد تعريفا به، وتأثرا في آن واحد. وهو جهد كبير حالف فيه الباحث التوفيق إلى جد كبير؛ سواء في نقل أقوال العلماء، أم تقديم نماذج من الشعر، أم تحليل بعض الدارسين لهذا الفكر، أم تعليقات الباحث نفسه على بعض المواقف وبعض الآراء و النماذج. وهذا ما أعطى أهمية كبرى للموضوع، وقد كانت رسالة الباحث واضحة في هذا العرض الذي أفاض فيه، وهو ما يقدم الدليل على قيمة الفكر السياسي الإباضي. ولهذا أفرد له الباحث فصلا كاملا.
– الفصل الرابع: ظواهر أخرى:
عرض الباحث مجموعةً من الظواهر التي استوقفته في الشعر العماني المتأثر بالفكر الإباضي. وقد أسهب كثيرا وتوقف طويلا في شعر الزهد والسلوك. سبب هذا الإسهاب والإطالة هو الغموض والإبهام والإيهام الذي أحاط به.
إن المطلع على الشعر العماني تستوقفُه ظاهرة ورود مصطلحات صوفيَّة فيه، ويقرأ أثر بعض الشعراء المتصوفِّة في هذا الشعر، وحين يقابل هذا بموقف المذهب الإباضي الذي يرفض التصوُّف، تمتلكه الحيرة، ويبقى عاجزًا عن تفسير الظاهرة، ويظل واجما عن التوفيق بين الحالين.
هذا ما دفع الباحث إلى عرض الموضوع؛ محاولة منه لإزالة هذا الغموض، ودفع هذا الإبهام، والتخلص من هذا اللبس. وفي الوقت نفسه كان يهدف إلى تنـزيه الشعراء من مخالفة مذهبهم والتخلِّي عن مبادئهم. قال الباحث: “من القضايا اللافتة للنظر عند الشعراء الإباضيين في هذه الفترة وجود وفرة واضحة فيما يسمونه (شعر السلوك) فقد انتشرت في قصائدهم ظاهرة التأثُّر ببعض التوجهات الصوفية في أشعارهم، وهي مسألة جديرة بالتأمل والدراسة.
أطلق الشعراء الإباضيون على القصائد ذات الطابع الصوفي (شعر السلوك) ولم يطلقوا عليها (شعر التصوف)، ومن الجدير بالإشارة إليه أنَّ الإباضية يتشدَّدون تجاه التصوف. وقد انعكس ذلك التأثر في موضوعات تصوفية بعينها كالزهد في الحياة والتحذير من الدنيا، والتخويف من النار وعذابها الأبدي، وطلب المغفرة من الله والتوبة إليه، والمناجاة والإقبال على الله سبحانه، ومخاطبة النفس وتبكيتها، والدعوات التي من شأنها أنَّ تؤكد التربية النفسية، ضمن رغبة جامحة للتخلص من علائق الذنوب”. (ص: 207).
حاول الباحث أن يبين أنَّ الفكر الإباضي لا يقر بالتصوف، وقد ذكر ذلك في النقاط الآتية:
– الفكر الإباضي في عمومه فكر تنـزيهي، لا يلتقي مع الفكر الصوفي في فلسفته.
– الإباضية لا يدعون إلى اتخاذ الأذكار مجرَّد جلسات وطقوس وتجمُّعات وأناشيد تُتلَى.
– عقيدة الإباضية في التنـزيه لا تروم الوصول إلى رؤية الله سبحانه، فضلا عن التوحد معه.
ثم قال بعد ذلك: “على أنَّه لا يمكن التنكر لتأثير المتصوفة في شعر السلوك عند الإباضية، لكنه بقدر ما تأثروا في جوانب تصوفية بعينها، فإنهم قد جاء نتاجهم الشعري في هذا المضمار محافظا على معطيات الفكر الإباضي في عمومه، وإن استفاد جملة من الشعراء بنوازع التصوف في بعض الجوانب التي استقاها المتصوفة من الفكر الإسلامي الأصيل، بما يؤدي إلى الارتقاء بالنفس إلى مراتب المخلصين، وكعلاج النفس وترويضها وتعويدها على الطاعة، والابتعاد بها عن مواطن الزلل، لتكون جديرة بالعبودية الحقة”. (ص:209، 208)
إنَّ الباحث يعترف بوجود تأثر بالمتصوفة في بعض الجوانب التي لا تتصادم مع الفكر الإباضي، وهي التي تتوافق مع الفكر الإسلامي الأصيل، ولهذا حاول إيجاد مبررات لهذا التأثر أو لظهور الشعر السلوكي في الشعر العماني، وقد أرجعها إلى انصراف الناس إلى الدنيا، وكثرة الفتن الداخلية، والواقع السياسي الذي أفرز حالة من الظلم والقهر والاضطهاد. يريد أن يقول إن هذا ليس تأثرا بقدر ما هو استجابة لأوضاع معينة، وظفت بعض ما وجد عند المتصوفة من أساليب في التعبير بقدر الحاجة إليه، من دون الذوبان في هذا الفكر والتخلي عن مبادئ المذهب الإباضي: “…ولكنه لم يكن (الشاعر الإباضي ) يستخدمها كاستخدام الصوفية لها، بل هو استخدام لا يتعدى المعنى المعجمي لهذه الألفاظ والمصطلحات, دون أن يحملها بعدا صوفيا خاصا”. (ص: 209).
ثم عدد الباحث الموضوعات التي عالجها الشعراء الإباضيون في هذه المسألة. منها: الزهد في الحياة، والحديث عن النفس ومحاولة رسم معالم إصلاحها وكفها عن الهوى، وتنقيتها من الجهالة والظلم، والسمو بها إلى مرتبة العبودية الحقيقية، وتحذير الإنسان من غرور الدنيا والانشغال عن الموت، والدعوة إلى الاستعداد ليوم المعاد.
وليربط الباحث بين الشعر والفكر وتأثير الثاني في الأول قدم لأبيات لبشير ين عامر الفزاري أشار فيها إلى أحد الموضوعات التي طرقها الشعراء في هذه المجال: “ولا ريب أنَّ مثل ذلك القول وتلك الرؤية لا تتعارض مع الفكر الإباضي الذي يرى وجوب الاستعداد لهذا اليوم، وعدم الاغترار بالأماني، فإن من دخل النار عندهم لا يخرج منها. فيقول الشاعر:
أيُّها الغَرُّ كيف تطعم غَمضــًا والمنايا يركُضنَ حولكَ رَكضـــَا
بادِرِ الموتَ للمعَادِ بِــــزادٍ صالحٍ تَلقَ ما تُحبُّ وتَرضَــــى
تُب إلى الله من معاصِيكَ واندَبْ عُمْرًا منك في الذنوب تَقَضَّــى ( ص:211)
ثم أتى بأبيات لسعيد بن خلفان الخليلي، سجل فيها بغضه للدنيا وحبَّه لله وانصرافه إليه، وقلبه ظهر المجن للدنيا؛ لأنَّ حبها وحب الله لا يستويان:
فوجَّهت وجهِي تاركًا كلَّ مظهَـرٍ إلى المظهَرِ الأعلى صرفتُ عنَائِي
وخَلَّفتُ كلَّ الكائناتِ تَرَقِّـــيًا فعاينْتُ نُورَ الحقِّ نَصبَ عَيَـانِي
فَلَم أَرَ نفسي أو شَهَدتُ ظهُـورَه وأينَ الدُّجى قَد أشرَقَ القمـرَانِ
بَدَا فاختَفَى كلُّ المظاهِرِ وانتَـفَى سِوَاهُ فلا غَيرٌ هنالِك ثَــــانِ
علَّق الباحث قائلا: إنَّ هذه النظرة الزهدية إلى الدنيا والحياة، تكتسب توجُّهها عبر نظرة سلوكية تصوفية، ارتقى بها الشاعر لتعبر عن وجهة نظره نحوها، لا سيما أنَّ ألفاظها ( فعاينت نور الحق، شهدت ظهوره، بدا فاختفى) أسلوب صوفي، فيه من الإشارة الدالة على الوصول الحقيقي إلى الله سبحانه، لكن قارئ هذه الأبيات من منطلق فكري آخر عارف بمقاصد الشاعر وعقيدته، يجد أنَّ الشاعر لم يذهب إلى ذلك، فهو بعد أنَّ ترك الدنيا وراء ظهره، وأبصر الحق بشأنها، أشرقت في نفسه شمس الحقيقة، فتجلت له عظمة الله من خلال آياته، فأشرب قلبه بحبه، واختفى ما عداه، إذ لا يستحق أن يستقر في قلب المخلوق سواه. يؤكد ذلك إشارة الشاعر على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العلامة التي يستطاع بها قياس مدى استعداده للقاء ربه حيث يقول:
وقال لمن رام العلامة إنها المجــا فـاة عن دار الغرور بســلوان
منيبا إلى دار الخلود تأهــبــا ليوم نزول الموت أهبة لهفـان (ص:214، 215)
اختيار الباحث هذا النموذج كان عن قصد وهدف واضح، فالشاعر من أقطاب المدرسة السلوكية في عمان، وهو ممن كثرت في شعره المصطلحات الصوفية، وهو ممن تأثر بأبي حامد الغزالي في سمات شعر السلوك والتصوف، لذا فالاستشهاد بشعره الذي يلاحظ فيه صفة التصوف، والتأكيد على أنَّ الشاعر لم يتأثر بالفكر التصوفي بالمفهوم الاصطلاحي، بل إن ما نظمه هو غير خارج عن التوجه الإباضي: فكرًا واعتقادًا وسلوكًا، يرسخ عند القارئ والدارس ارتباط الشاعر بالأصول الإباضية، ويدعم رأي الباحث أنَّ أثر الفكر الإباضي جلي وقوي في الشعر العماني.
انتقل الباحث بعد ذلك ليذكر بعض النماذج التي استعملت مصطلحات ورموزا تقرأ فيها مسحة تأملية تصوفية. عرض أبياتا لجاعد بن خميس الخرووصي، ثم علق قائلا: “وفيها نلحظ تأثر الشاعر بالبعد الفكري الإباضي في جانبه العقدي”. (ص: 216)
حرص الباحث كل الحرص على نفي صفة التصوف عما قيل شعرا في هذا المجال، بل هو يراه شعرا سلوكيا؛ احتياطا من الاصطدام بالفكر الإباضي الذي لا يقر التصوف منهج حياة. لذا يقول: “وطبيعي ألاَّ نفهم التصوف أو السلوك عند الشاعر الإباضي كما هو الحال في فلسفة المنصوفة، ذلك أنَهم لا يتوقون إلى انكشاف الحقيقة الموصلة إلى التجلي الحقيقي للذات الإلهية، بقدر ما يسعون إلى التعرف إليه من خلال آياته”. (ص: 216)
في الحقيقة إن هذا هو رأي الدارسين الإباضيين، الذين يفسرون كل شعر يقوله شاعر إباضي هذا التفسير(13).
سرد الباحث أبياتا لسعيد بن خلفان الخليلي، فيها جملة من المصطلحات الصوفية، من مثل (الفناء، المقامات، الذوق…) وقال إن الشاعر أطلق عليها مقامات أهل السلوك، لا أهل التصوف. وقد انتقى الباحث هذه العبارة من هذه الأبيات ليدلل مرة أخرى على أنَّ التصوف لا ورود ولا وجود ولا مقام له في الشعر الإباضي، فضلا عن فكره.
عرض الباحث موضوعا آخر بين من خلاله حقيقة ما بريده الشاعر الإباضي أو يقصده من سلوكه مسلك المتصوفة، من دون أن يتبنى معتقدهم. إنه موضوع مناجاة الله والجأر له بالدعاء والاعتراف بالتقصير في حقه، ومحاولة التوبة ومحاسبة النفس.
يظل الباحث مستمسكا برأيه، وهو إن الشعراء الإباضيين ينتحلون أسلوب المتصوفة، ولكنهم لا يتبنون فكرهم. يقول عن الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي: “ولتأكيد عظمة الله سبحانه وبيان توحيده وحقيقة العبودية له، فإنه ينعته بصفات الكمال وصفات التنزيه، منطلقا من فكر إسلامي أصيل في عمومه، إباضي في عقيدته”. ( ص: 220)
كما وقف مع أبي مسلم البهلاني وسرد بعضا من شعره الذي يُلحَظ فيه بعد صوفي سلوكي، وذكر أنَّ أغلب شعره أذكار وتوسل وابتهال ودعاء… وهو يستغرق نصف ديوانه تقريبا. لكنه نفى عنه التأثر بالفكر الصوفي في المعتقد(14).
إنَّ غاية ما يهدف إليه الباحث هو نفي أن يكون الشعراء الإباضيون قد تأثَّروا بالبعد الفكري الصوفي، فقد بقوا في حدود التأثر بالأسلوب فقط، بالرغم من وجود علاقة بين الرموز المستعملة من الجانبين، وتشابه في استعمال بعض المصطلحات و المقامات. إلا أنَّ ذلك يبقى عند الباحث منحصرا في التأثر بالأسلوب، ولا يتعداه إلى الفكر؛ لأن العقيدة عند الإباضية لا تجيز هذا النوع من الفكر. يقول: “وبذلك نلاحظ أنَّ شعراء الاتجاه السلوكي (الصوفي) من الإباضيين لم يخرجوا عن جادة الإباضية الفكرية في عمومها، بل استطاعوا أن يوظفوا معطيات الفكر الإباضي في دعواتهم ومناجاتهم، وفي تحذيرهم من الدنيا، والتخويف من الذنوب، وتزكية النفس، بما بثوه من ومضات فكرية غير مباشرة، جاءت بفعل المخزون الثقافي لهؤلاء الشعراء”. (ص: 227)
إلا أنَّ المشكلة – حسب نظري – تكمن في كيفية الاهتداء إلى تفسير ما كتبه الشعراء مديحا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث نجد تأثرا واضحا بالفكر الصوفي في بعض الاستعمالات التي قد نقرأ فيها روح المعتقد الصوفي، بما يوحي به تعليق الباحث. هل هو اعتراف ضمني بالتأثر به؟ هل هو عجز منه عن إيجاد تفسير مقنع؟ هل هو عدم التمكن من القراءة الجيدة لهذا الشعر؟
وجدنا الباحث يورد أبياتا للشعراء في مدح النبي (، فيها صبغة صوفية، ترددت فيها العبارات الآتية: (العلة والمعلول، علة الكون، علة الوجود، نور الوجود وروحه…)، غير أنَّ التأويل أو التعليل لهذا المنحى وهذا التقليد يظل غائبا.
اعترف في النهاية أنَّ شعر المديح النبوي عند الشعراء الإباضيين “لا يختلف في كثير منه عن شعر المديح النبوي عند غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى, ولا يكاد الباحث يجد فرقا بين قصيدة مديح نبوي لشاعر إباضي وغيره، ولذلك فإنه لم يظهر أثر يذكر لخصوصية الشاعر الإباضي عن غيره في هذا المجال”. (ص: 231)
إذن هو لم يثبت أثرًا خاصًّا للفكر الإباضي في هذا الشعر، ولم ينف عنه بشكل قاطع التأثر بالفكر الصوفي. فالمسألة في حاجة إلى مزيد من البحث والدراسة.
إنَّ الباحث كان موضوعيا في عرضه وتحليله. وموقفه هذا يفتح المجال أمام الدارسين ليسهموا في مناقشة المسألة. وقد كان موفَّقًا إلى حدِّ بعيد في عرض موضوع شعر الزهد والسلوك، وتأثره بالفكر الإباضي. فقد قدَّم نظرة الفكر الإباضي إلى الزهد والتصوف، ثم ذكر مجموعة من الأفكار التي دارت في شعر الشعراء، والتي لها علاقة بالزهد والسلوك، وكان في كل فكرة يربط بين إيراد الشعراء لها وبين الأصل الذي تصدر عنه، وهو الفكر الإباضي، وحاول أن يعلل كل ما يوحي بالخروج عن هذا الفكر، ويرد كل ما يوهم بخلاف ما يقصده الشعراء. وبذلك يبقى ملتزما بخطه الذي اختطه لنفسه في هذا المبحث، وهو عرض حقيقة شعر السلوك من وجهة نظر الإباضية، وتصحيح المفهومات. غير أننا نؤكد أنَّ الموضوع في حاجة إلى مزيد من البحث.
– الحماسة في الشعر الإباضي :
لا نقرأ حديثا عن أثر الفكر الإباضي في هذا الشعر سوى ربط ما نظمه الشعراء بتاريخهم وحضارتهم وأسلافهم وتراثهم، واستمداد القوة والاعتزاز من هذا التاريخ المجيد والإرث التليد.
إنَّ اغلب ما أتى به هو شعر حماسي استنهاضي عاطفي، يدعو إلى التحرك ونبذ الخمول والتقاعس. ليست فيه خصوصية مذهبية أو فكرية، إلا ما كان يذكره أحيانا مشدودًا أو موصولا بأسلاف الشعراء، كما قال وهو يقدم أبياتا لأبي سلام الكندي: “تأتي قصيدة الشاعر التالية متأثرة بأسلوب شعراء الشُّراة الإباضيين الأوائل، اتكأ فيها على الموروث الثقافي الفكري، متأثرا ببعض المصطلحات الإباضية.” ( ص: 240)
إن الباحث ربط ربطا محكما وثيقا بين شعر الشاعر وأسلافه من الشراة، في هذا الربط دلالات كثيرة، يعيها من يعرف حقيقة هؤلاء الشُّراة، وما يتمتَّعون به من صفات الشجاعة والإقدام والكرامة… ويعرف أدوارهم البطولية والمشرِّفة في أدوار التاريخ، ويعرف طبيعة علاقتهم بغيرهم في مختلف الحقب التاريخية، بخاصَّة في القرون الأولى من التاريخ الإسلامي. وقد ركز الباحث على هذه النقطة في أثناء بحثه، وأشار إليها في مباحث كثيرة في دراسته هذه.(15)
إنَّ الباحث عمد إلى ذكر أمثلة عن الشعر الذي وردت فيه إشارات إلى الشُّراة، ليبين تأثر هؤلاء الشعراء بهم وبسلفهم الإباضية، وليؤكد على الخيط الذي يربط هؤلاء بأولئك، وليثبت الصلة الوثيقة بين السلف والخلف، وليشير إلى وحدة التصور والهدف، وليبرز اللحمة القوية بين كتابات الشعراء.
– الشكوى في الشعر العماني:
تناول هذا الموضوع يشبه سابقه، لقد انعدم فيه الحديث عن أثر الفكر الإباضي في الشعر، فنحن لا نقرأ فيما عرضه الباحث أنَّ هناك خصوصية لهذه الشكوى، تتَّصل بالفكر الإباضي، أو إنَّ الباحث لم يوضحها. لقد كان أغلب النماذج التي أتى بها، لأبي مسلم البهلاني، وفي موضوع واحد هو الشكوى من الدهر والزمان. لم نجد إشارة إلى الفكر الإباضي إلاَّ في الفقرة الآتية، التي علق بها على نص لسعيد بن خلفان الخليلي: “ويشكو الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من ظلم الدهر له ولمجتمعه، معدِّدًا مظالمه، مبديا مآخذه عليه. وهو ينطلق من كل هذا من منطلق ديني اجتماعي، وكأنَّ الدهر كان سببا في الحيف الواقع على عيال الله، الذين استبيحت دماؤهم، وانتهبت أموالهم. والشاعر في شكواه هذه إنَّما كان يعكس حالة الظلم، بغياب العدالة تهيئة لدعوته السياسية النابعة من الفكر الإباضي”. (ص: 245)
– قدسية المكان عند الشاعر الإباضي:
اختار الباحث مدينة نزوى عاصمة الإمامة وموئل العلماء، ليتخذها محورا لما كُتِب عن المكان، ونموذجا لحضوره في شعر الشعراء، ومنها انطلق ليربط مشاعر الشعراء وعواطفهم بالفكر الإباضي.
إن القارئ المتعجل لما كتب الباحث، ولما أتى به من نماذج شعرية، قد لا يوافقه على أنَّ لما سرده علاقة بموضوع أثر الفكر الإباضي في الشعر. لكن حين يعرف مكانة نزوى في تاريخ عُمَان: دينيا وعقديا وسياسيا، ويعلم دورها في تحريك الأحداث، وإثارة المشاعر، وتوليد الأفكار، ويقف على ما تحمله مدينة نزوى من مكانة في قلوب الإباضية وعقولهم… يدرك أنَّ الأثر الذي أراد الباحث أن يوقفنا عليه موجود فعلا. هو غير مصرح به، ولا هو ظاهر، هو مبطن ومضمن في المشاعر التي أبداها الشعراء فيما نظموه عن نزوى. فإذا وصفوا هذه المدينة وصفوها بشعور مرتبط بالفكر الإباضي، وإذا مدحوا شخصا فلأنه يحمل بين جنبيه إحساسه بهذا الفكر، وإذا نعوا أو ذموا فإنهم يقصدون من يناهض هذا الفكر، وإذا تحسروا على شيء فإنهم يتأسفون من المساس بهذا الفكر. من هنا فإن الحديث عن قدسية المكان (نزوى) حديث عن الفكر الإباضي.
قال الباحث: “وعليه نفهم سرَّ ارتباط الشاعر الإباضي بها، عموما، ومدينة نزوى خصوصا، حيث ارتبطت هذه المدينة برجال كان لهم دورهم الواضح سياسيا وعلميا، لأنها كانت عاصمة الإمامة العمانية منذ القرن الثاني للهجرة سنة(192هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (ت 207هـ)، وتعاقب على أرضها أئمة عدول”. (ص: 252،151).
لقد خاطب الشعراء مدينة نزوى، مسجلين أمجادها وتاريخها ودورها الكبير في نشر المذهب الإباضي، وتسجيل مسيرته، وإظهار حقيقته، فارتبطت المدينة عندهم بمعاني الجلال والعظمة، ونصاعة الفكر وصفاء العقيدة.قال الباحث عن أبي مسلم البهلاني وما نظمه عن نزوى: “وعلى رأس هؤلاء الشعراء أبو مسلم البهلاني، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت فيها عاطفة الشاعر الإيمانية بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزا من رموز الوطن، وموئلا للمذهب، وشكلت حينها جانبا من جوانب الاستقلال والحرية والعدالة، فاكتسبت بعدا تاريخيا وبعدا دينيا وبعدا مكانيا وبعدا وطنيا”. (ص: 252)
فنزوى مليئة بعبق التاريخ، مرتبطة بالعقيدة التي تحكم الإباضية، فالحديث عنها يثير المشاعر ويلهب الحماسة، ويحكم الرباط بين الأجيال التي تنتمي أصول إلى واحدة. فلا غرو إذا خصها الشاعر بأبيات متميزة. قال من جملة ما قال في قصيدته “الفتح والرضوان”:
وافرِق بها البيدَ حتَّى تَستبِينَ لهَــا فرقٌ على بيضَةِ الإسلام عُنـوانُ
فإن تيامنتِ الحوراءُ شاخصـــة لها مع السُّحْبِ أكنافٌ وأحضان
فحُط رَحلَك عنها إنَّها بلغَــت نزوى وطافَت بِها للمجد أركانُ
انزِل فديتُكَ عنها إنَّ حاجَتَهــا عدلٌ وفضلٌ وإنصافٌ وإحسانُ
انزِل فديتُكَ عنها إنَّ وجهَتَهَــا تختُ الأئمَّة مُذ كانت ومُذ كانُوا
هنالِك انزل وقبِّل تُربةً نَبتَــت بها الخلافةُ والإيمانُ إيمــــانُ
انزل علَى عرصَاتٍ كلُّها قـدسٌ للحقِّ فيهنَّ أزهارٌ وأفنــــانُ
انزل علَى عَذَباتِ النورِ حيثُ حَوَتْ أئمَّة الدين قيعانٌ وظُهـــــرانُ
أرضُ مقدَّسةٌ قد بُوركت وزكَـتْ تنصب فيها من الأنوارِ معنـانُ(ص: 253)
في هذه الأبيات التي استشهد بها الباحث، أراد أن يدلِّل على القدسية التي أحاط بها أبو مسلم البهلاني مدينة نزوى، الرمز على الأصالة والتاريخ والعقيدة. والمدينة التي تهيج العواطف والمشاعر وتستنهض الهمم.المكان الذي يثير الذكريات. قال معلقا على هذه اللوحة التي رسمها الشاعر لمدينة نزوى؛ مركزا على البعد الذي تدل عليه رموز أبي مسلم: “لأن المكان شكل عاصمة لنظام أشبه بالخلافة الراشدة، وهي الإمامة الإباضية، مشبها نزوى بالتربة والخلافة بالشجرة التي نبتت في ظلها، ورست بجذورها في قعرها. وزاد الأمر وضوحا حين أشار إلى أنَّ قدسية المكان تستمد مما حواه باطنه وظاهره من أئمة عظام”. (ص: 254)
المهم إنَّ الباحث قد وفق في الربط بين المكان والفكر، بِبَيان الأثر الذي تركه الثاني في شعر الشعراء؛ من حيث وصف المكان؛ انطلاقا من توجهات فكرية، وصدورًا عن عقيدة، تعطي لهذا الوصف ميزة خاصة وتمنحه صبغة متميزة.
– الفصل الخامس: السمات الفنية:
– التجربة وأثر الفكر فيها:
لا شك أنَّ التجربة الشعرية تتأثر – من جملة ما تتأثر به – المكونُ الثقافي والوضع الاجتماعي والسياسي والنفسي. من هنا حاول الباحث أن يربط التجربة عند الشعراء الإباضيين بالفكر الذي يصدرون عنه؛ رغم أنَّ هذا الأثر لا يمكن حصره أو محاصرته في الشعر بشكل جيد إلا عن طريق تفسير بعض التصرفات أو بعض التوجهات، أو تأويل بعض التجارب والتعبيرات.
لهذا فإننا نجد في تحليل الباحث عبارات تشي بذلك، كقوله وهو يحلل بعض النماذج أو بعض المحاولات (التفاعل مع الواقع، المشاركة الوجدانية حين عزت المشاركة الفعلية، بعث همم قومه وبني مذهبه، بعث الحياة في النفوس، إحياء معالم الإمامة…)
كلُّ هذه التعبيرات توحي وتفسر ارتباط الشعراء بالفكر، وتأثرهم به، وتكشف عن الحرص على البقاء أوفياء لهذه الأصول قولا وعملا. لهذا كان علينا أنَّ نقبل ما أتى به الباحث دليلا على أثر الفكر في الشعر. قال: “إن التجربة الشعرية عند الشعراء الإباضيين عموما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة ومشاكلها، والمجتمع وإفرازاته، وهي وثيقة الصلة بالانتماء الفكري المتجذر في نفس الشاعر، المتصل بعقيدته التي أوجدت لديه نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة كما قرره الدكتور إحسان عباس”(16). (ص:262)
سَوقًا للدليل على ارتباط التجربة الشعرية بالفكر الإباضي والالتزام به، والإعلان عن التأثر به، يذكر أشعارا لسعيد بن أحمد الكندي: “ومن الشعراء الإباضيين الذين نقلوا تجاربهم بكل صراحة ووضوح وصدق فني الشاعر سعيد بن أحمد الكندي، فقد نطق شعره عن رؤيته إلى الأحداث متحرِّرًا من قيود التبعات، على الرغم من إحاطتها به، فتستثيره حادثة سقوط نظام سياسي إباضي معروف بالإمامة في عمان عام 1956م. فتكون هذه الحادثة أحد روافد تجربته الشعرية، فينشئ قصيدة تعبر عن عمق الموقف، وتصور رؤيته حيال ذلك؛ نادبا عصره، داعيا على كل من كان السبب في إطفاء ذلك النور كما يقول:
فلنصبرن على الزمان وصرفـه فالحر يصـبر للملم النـازل
ولنشربن حلو الزمان ومــره من حالتـيه بجائـر أو عادل
ولنندبن عصر الإمام وعدلــه ولى بأمـته كظـل زائــل
ولنبكين نور الإمامة والهـدى ولى بزهـرتـه كبدر آفـل
يا قاتل الله الذين سعــوا إلى إطفائه جهدا بكل وسائـل
يا قاتل الله الذين تظافــروا لزوال نعمته بنـيل عاجـل
يا قاتل الله الذين تظاهــروا إن لم يفيئوا بالمتاب الشامل (ص:267، 268)
ثم جاء بنموذج من شعر أبي سلام سليمان بن سعيد الكندي، تحدث فيه عن أسفه لتقاعس قومه، وتخاذل بعض القيادات والعلماء عن القيام بواجبهم الديني، وعاب عليهم الارتماء في وحل المادة، والجري وراء الثروة؛ ليعيشوا بها بين الناس موسرين:
فأواه واحزناه ذو العلم أصبحوا بذا الدهر لا يرضون إلا تقهقرا (ص: 269)
كما اتخذ من شعر أبي مسلم البهلاني دليلا على ارتباط الشاعر الإباضي بأصوله، وحجة على تأثير الفكر في الشعر. هذا الشعر الذي تميز بالحماسة الكبيرة والعاطفة الصادقة، والاستنهاض الشامل، والدفاع المستميت عن الأصول. قال الباحث: “إن شعر أبي مسلم في أغلبه يشكل جانبا من جوانب شخصيته, وتتمثل فيه تجربته الشعورية، فهو إن رثى بدت حرارة الفقد في ألفاظه وطريقة أسلوبه، وإن حمس واستنهض نجد أنَّ كلماته تنبع من حنايا قلبه، وإن دافع عن عقيدته نجد أنَّ الشاعر يدافع عنها دفاع المؤمن بقضيته المقتنع بمذهبه، وكأن كل كلمة يقولها إنما هي فيض من أحاسيسه”. ( ص:171)
في الحقيقة إن كل كلمة يقولها أبو مسلم هي فيض من أحاسيسه. يؤكد الباحث أنَّ تجربة الشاعر متميزة في هذا المجال، تشكل المعطيات التاريخية أحد جوانبها. إنها تعكس بصدق ووضوح قناعاته الفكرية التي لا تمتاح إلا من مصدر إباضي: “لقد شكلت تجربته انعكاسا حقيقيا للفكر الإباضي، وتجليا للثقافة التي كونت شاعريته، ممتزجة مع معاناته، فقد عبرت قصائده الحماسية الأربع عن تجربة عميقة ودراسة واعية لمسار الفكر الإباضي، يعدها العمانيون من غرر قصائد الحماسة والاستنهاض، وهي النونية والميمية والعينية والمقصورة. وهي قصائد في مجموعها تعبر عن مدى تفاعل الشاعر مع الأحداث التي جرت في عمان، وأدت إلى بعث نظام سياسي كان السالمي عمدة إحيائه”. (ص: 272)
نقرأ في الفقرة الآتية التي ختم بها الباحث هذا المبحث أنَّ الأثر في التجربة الشعرية لم يظهر في الأفكار التي جاءت في شعر الشعراء، إنما هي تستنتج من ردود الأفعال التي تثيرها الأحداث والواقعات والعوامل التي تستثير الشعراء؛ لينظموا شعرا ينسجم مع الفكر الإباضي: “وبذلك بمكن القول عبر الأمثلة المحدودة التي وردت في هذا المبحث أنَّ الشعراء الإباضيين قد عبروا عن فكرهم بما ينبئ عن تجربة حقيقية وإحساس صادق، شكلت الأحداث وتداعيات الظروف السياسية والاجتماعية أحد أبرز إلهامات الشعراء واستثاراتهم بها، وجاء شعرهم منتميا إلى جماعة فكرية، مندغما مع الماضي، يجمع بين هموم الأمة ومتطلبات التعبير عن الذات”. (ص: 274)
– بناء القصيدة :
لا نقرأ في هذا المبحث خصوصية أو أثرا للفكر الإباضي، ولا نجد في تحليل الباحث ما يكشف عن هذا الأثر إلاَّ عبارات إنشائية مؤسسة لمحاولة إقناع القارئ بأن للبناء علاقة بالفكر. وما نقرؤه في تعليقاته يشير إلى المضمون، وليس إلى البناء، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في المباحث السابقة.
حاول الباحث الربط بين عناوين بعض القصائد والمضامين أو الموضوعات ليوجد علاقة بين البناء والفكر، وبين الاستهلال وأجزاء القصيدة. وهي علاقة تنطبق على أي عمل شعري، ولا يخص الفكر الإباضي.
إنَّ ما عده الباحث تأثرا بالفكر الإباضي في فصل السمات الفنية، لا يعدو ما ذكره قبل في الجانب الفكري، بمعنى آخر إن التأثر كان في المعاني والأفكار، وليس في الجانب الفني، إذ لا خصوصية للفكر الإباضي في هذا المجال.
نقرأ هذا في التعليق على أبيات ذكرها الباحث لأبي مسلم البهلاني، وهو يبين اقتباس الشاعر من القرآن، ضمن المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه.وهو يركز على السمات الفنية ضمن أثر الفكر الإباضي. قال: “فقد أراد الشاعر من خلال هذا الاقتباس أن يؤكد دعوته للجهاد في سبيل الله. فالبيت الأول يعود إلى قوله تعالى: ?انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً? ليكمل الآية في البيت الثاني: ?وَجَاهِدُوا بَأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ? (17) بينما استوحى البيت الثالث من قوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىا مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ?(18)، والملاحظ أنَّ الشاعر قد أخذ هذه المعاني الجهادية من سورة التوبة”. (ص:301) وقد كانت تعليقات الباحث كلها تنصب على المعاني والأفكار، لا علىالجانب الفني.
من تعليقاته وهو يتحدث عن المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه: “والناظر في آلية التواصل التراثي عند الشعراء الإباضيين يجد أنهم اختاروا ما يتناسب مع فكرهم، ويتساوق مع اتجاههم، استاهاما وتضمينا واقتباسا، فنجح كثير منهم في اللحاق بالمناخ الشعري السابق، وتجاوزها آخرون، وبقي بعضهم أسير الجو التقليدي، بينما قصر آخرون”. (ص: 318)
– ظواهر لغوية وأسلوبية:
أ_ ألفاظ وأساليب تراثية :
إن الباحث سرد أبياتا من مقصورة أبي مسلم الرواحي، ليبين تأثُّر الشعر العماني بلغة التراث، ثم علَّق عليها بقوله: “وإمعانا من الشاعر أبي مسلم في الغوص إلى أعماق الماضي، واستلهام عبره، لما يراه من انكفاء وتراجع، لجأ إلى بناء قصيدة تنتمي إلى لغة التراث، في ألفاظ ذات مسحة لغوية خشنة، تستمدُّ مخزونها من مفردات غائصة في القدم، ذلك ما نجده في قصيدته المعروفة بـ “المقصورة” وعلى الرغم من وعورة ألفاظها، ذات الطابع الحوشي، نجد الأسلوب في سياق النص واضحا، لأن الشاعر أراد من اتكائه على هذا الموروث، أن يذكر بما أهملته الأمة من تاريخ عريق، ومجدٍ أثيل، فالقصيدة منذ مطلعها تفيض بألفاظ التراث”. (ص: 332)
تعليق الباحث جيد، وتحليله وتوجيهه للنص توجيه يربط الشاعر بالتراث. لكنه لا يخدم المبحث الذي وُضِع فيه، وهو بيان جانب أثر الفكر الإباضي في الشعر فنـيًّا.
في مبحث ألفاظ ومصطلحات إباضية، وفق الباحث في إبراز أثر الفكر في الشعر، فقد تمكن من رصد مجموعة من هذه المصطلحات الكثيرة التي دارت في شعر الشعراء: فكرية، تاريخية، عقدية، سياسية.
في بقية المباحث: التكرار والتوازي والتقسيم والأسلوب الخطابي والصورة الشعرية، لم نقرأ فيها خصوصية في التأثر بالفكر الإباضي.
جاءت خاتمة البحث ملخصة للنتائج التي توصل إليها الباحث بعد العرض الذي قدمه حول المباحث التي اختارها محطات بتوقف عندها، وهو يحاول رصد أثر الفكر الإباضي على الشعر العماني. في الحقيقة إن الخاتمة جاءت منسجمة تمام الانسجام مع تحليله للقضايا التي أثارها في أثناء الدراسة. إلا بعض الملاحظات المتعلقة بالجانب الفني، التي لا نوافق الباحث على ما ذكره من ارتباط التجربة الشعرية عند عدد من الشعراء الإباضيين بالانتماء الفكري، بحيث أوجد هؤلاء نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة. فنحن لم نقرأ هذا فيما عرضه وناقشه في صلب الدراسة، أي لم نقرأ خصوصية فكرية في هذا المجال.
نحن نكبر الباحث على طرقه هذا الموضوع البكر، فقد حاول من خلاله تحقيق هدفين، الأول: التعريف بالفكر الإباضي وتصحيح الرؤى، وتوضيح المفهومات، ودفع الشبه… الثاني: بيان العلاقة الوثيقة بين الفكر الإباضي والشعر العماني، وهو بذلك أراد التنويه بالصلة التي تكون بين المجالين النظري والتطبيقي، ولفت النظر إلى خلة الوفاء والالتزام التي يبديها الشاعر الأصيل، الذي يصدر عن مبادئ ثابتة، ويتحرك انطلاقا من مصادر محددة معينة. هذا من جملة الأهداف التي تصبو إليها أمثال هذه الدراسات التي تتناول الشعر مقرونا أو مرتبطا بالفكر.وصدق الباحث حين قال: “حسب هذه الدراسة أنَّ تكون لبنة يمكن البناء عليها، لعلها تستثير همم الباحثين ورواد المعرفة إلى مزيد من البحث والاستقصاء”. (ص: 396)
– ملاحظات عامة:
إن الباحث بذل مجهودا كبيرا في جمع المادة الشعرية والمادة العلمية، ولم يألُ جهدا في البحث عن الأثر الذي تركه الفكر الإباضي في الشعر العماني، وقد كانت مصادره متعددة ومتنوعة، وكانت معلوماته موثقة، وكان تحليله للنصوص جيدا في عمومه. وقد فسح للباحثين مجالا لمواصلة البحث في الموضوع، يمكن أن يثمر ثمارا أخرى، تضيف إلى عمل الدكتور محمود السليمي لبنات أخرى في إقامة صرح هذا الموضوع: تعريفا وتصحيحا وتحليلا…
يمكن أنَّ نجمل بعض الملاحظات في النقط الآتية:
1- إن الباحث كان حريصا كل الحرص على التعريف بالمذهب الإباضي تعريفا صحيحا، منقولا من مصادره الأصلية الموثوق بها. وقد كان مركزا على تصحيح المعلومات وإزالة الإبهام، ودفع الشبه والتهم، والدفاع عن الخصوصية التي تميز بها المذهب الإباضي عن بقية المذاهب، وبخاصة في مجال العقيدة، التي سببت له مشاكل ومتاعب في علاقاته مع غيره؛ نتيجة سوء فهم غيره له.
وكان الباحث يرى أنَّ لهذه الأصول التي يتبناها المذهب الإباضي، وهذه الرؤى التي ينطلق منها – مع خصوصية الأباضية وتميزهم بها – دورا معتبرا في تقويم السلوك، والتزام شرع الله، والحذر من الوقوع فيما يسخط الله. لقد كان لها فضل في ضمان صون المجتمع من التداعي والتدهور.
حاول أن يؤكد على كل ذلك من خلال ما كتبه الشعراء شعرا، ومن صدى تلك الأفكار وتلك المعتقدات فيه: تقريرا لها ونزكية لصلاحيتها وجدواها في سيرة المؤمن. إلا أنَّ هذا الحرص أو هذا التناول أعاق – أحيانا- منهج دراسته، حيث طغى الجانب النظري على جانب الأثر في الشعر في بعض المسائل.
2 – تميزت الدراسة بالموضوعية في العرض، وعقد مقارنات – ولو كانت قليلة – بين الفكر الإباضي وغيره، في بعض جوانبه، على المستوى النظري.
3 – كشف الباحث من خلال عرضه، وذكره نماذج من شعر الشعراء عن الأجواء التي كانت سائدة في عمان في ظل الإمامة، وهن العلاقة التي كانت تربط الإمام بالرعية إيجابا وسلبا.
4 – رصد الباحث مجموعة من الشعراء العمانيين الذين وجدوا في هذه الفترة المخصصة للدراسة. هؤلاء الذين تمثلوا الفكر الإباضي، وصدروا عنه، والتزموا بمبادئه وأصوله.
5 – بعض القصائد لا تحس فيها أثرا للفكر الإباضي، إنما تقرأ فيها تأثرا بأحداث حصلت للإباضية، تناولها الشعراء في قصائدهم، أو استوحوا منها ما نظموه، ووجهوا من خلاله رسالاتهم وتوجيهاتهم وأهدافهم. أي جسَّدوا أحداثا ناريخية، وقدموا مفهومات خاصة.
6 – يمكن تقسيم الدراسة من حيث تقويمها إلى ثلاثة أقسام:
أ – قسم برز فيه أثر الفكر واضحا.
ب – قسم لم يظهر فيه هذا الأثر.
ج – قسم تأرجح بين هذا وذاك، هو في حاجة إلى مزيد تأمل ومناقشة.
7 – بعض القصائد والشواهد التي أوردها الباحث هي منظومات، يقصد بها تقرير حقائق شرعية، لا نجد لها أثرا في قول الشعر، والبحث كان يهدف إلى بيان هذه الحقائق أو المبادئ في الشعر، وعنوان الدراسة يشي بذلك؛ بدليل استفاضة الباحث في مناقشة بعض القضايا، واستعراض وجهات نظر الإباضية وغيرهم فيها.فتحول البحث في هذه المسائل، وفي بعض صفحاته إلى الحديث عن الفكر، بدلا من التركيز على أثر هذا الفكر في الشعر.
8 – استأثر أبو مسلم بنصيب كبير من اهتمام الباحث في هذه الدراسة، فقد وردت الإشارة إليه وإلى شعره في أكثر من سبعين ومائة صفحة (170) ماذا يعني هذا؟ هل يعني أنه كان الأكثر تأثرًا وتجسيدا للفكر الإباضي؟ فأين حجم ذلك الأثر في شعر بقية الشعراء؟ هل إن بقية الشعراء بقوا في مستوى النظم، أي التعريف الفكر الإباضي، وتقرير أصوله من دون الانتقال إلى مجال المشاعر والتأثر وكتابة ذلك شعرا؟ مع أنَّ الباحث قام بعملية استقصاء كبيرة في جمع المادة الشعرية، وعرض لشعراء كثيرين في هذه الدراسة؟ أم أنه رأى في أبي مسلم خير من عبر عن الفكر الإباضي الباحث قام بعمليّة استقصاء كبيرة ، فاتخذه العمدة في الدراسة؟
9 – كان مفيدا لو أنهى الباحث بعض الفصول أو المباحث بخاتمة، توجز بعض الأفكار، وبخاصة إذا كانت هناك بعض الاستنتاجات، التي تكون وسيلة للربط بين الفصول والمباحث.
10 – حرصت الدراسة أنَّ تبين ما يأتي: العلاقة بين الفكر والشعر، ومحاولة نشر الفكر بواسطة الشعر، ومن ثم تقرير أنَّ الشعر يستمد أصالته من الفكر.

هدانا الله إلى ما يوفقه ويرضاه

الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الهوامش

(1) ينظر إحسان عباس ، شعر الخوارج ، دار الثقافة ، بيروت، مقدمة الطبعة الثانية, 1963م ، ص : 8.
(2) ينظرابن تيمية ، مجموع الفتاوى، ج3، مجموع عقيدة السلف ، ص : 151 ، 152 .
(3) ينطر خميس بن سعيد الشقصي ، منهج الطالبين ، ج1 ، ص : 523 .
(4 ) بدل ” عدله ” ذكر الباحث ” وعده ” والصحيح ما أثبتناه . ينظر الديوان المخطوط ، ص: 256 .
((5 ينظر اسماعيل الجيطالي ، قناطر الخيرات ، ج1 ، ص : 321 .
(6 ) ينظر محمد رشيد رضا ، تفسير الفرآن الكريم المعروف بتفسير المنار، ج1، ط2، دار المعرفة للطباعة والنشر، يروت ،1973،
ص : 307. الآية 123 ، سورة النساء .
(7 ) ينظر الشيخ عبد الله بن حميد السالمي ، بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد ، ط2 مطابع النهضة ، سلطنة عمان ،
1411هـ/ 1991م ، ص : 106 .
(8 ) ينظر علي يحي معمر ، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ط1 ، مكتبة وهبة، القاهرة، 1384هـ/ 1964م ، ص 103،
104 .
(9 ) ينظر خلفان بن جميل السيابي ، فصل الخطاب في المسألة والجواب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان ،1404هـ/
1984.ص : 10 ، 11.
(10 ) سورة الحجرات ، الآية 13.
(11 ) ينظر محمد بن يوسف طفيش ،شرح عقيدة التوحيد ، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403 هـ/1983م،
ص : 113.
(12 ) ينظر ص : 177 – 182 من الدراسة.
(13 ) ينظر مثلا الشيخ أحمد بن سعود السيابي وما كتبه عن أبي مسلم البهلاني وعن المدرسة التي ينتمي إليها، قراءات في فكر البهلاني الرواحي، إصدار المنتدى الأدبي ، سلطنة عمانن، إصدار سنة 1418هـ/1998م، ص : 50.
(14 ) لمزيد من التوضيح في هذه النقطة ينظر الدكتور محمد ناصر ، أبو مسلم الرواحي حسان عمان،ط1 ، مطابع النهضة، مسقط (سلطنة عمان)، 1416 هـ/1996م، ص : 76 وما بعدها ، وكنابنا : الرؤية الإسلاميه في كتاب أبو مسلم الرواحي حسان عمان ، نشر جمعية التراث ، القرارة ( الجزائر ) 1418هـ/1997م ، ص : 33 وما بعدها .
(15 ) ينظر الصفحات الآتية : 167، 171، 178، 183، 201، 213، 237، 240، 310، 311، 312، 325، 326، 338، 339،
384، 385، 388، 390…
(16 ) ينظر الدكتور إحسان عباس ، شعر الخوارج، ط4، دار الشروق، بيروت، 1402هـ/1982م ، ص : 34.
(17 ) سورة التوبة، الآية : 41.
(18 ) سورة التوبة، الآية : 111.

نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 07، 1424هـ/2003م، ص203.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك