في نزول القرآن على سبعة أحرف (1)

استعرضتُ في العدد السابق من هذه الدورية ”دورية الحياة“ مراحل توثيق القرآن الكريم، وأشرتُ في ختام البحث إلى أنَّ هناك جوانب من توثيق نص كتاب الله العزيز جديرة بمزيد من الكلام قصد دفع بعض الشُّـبَه التي يُخشى أن يجد أعداء الدين فيها مطعنًا في القرآن الكريم، ولكن هيهات {وَيَابَى اللَّهُ إِلآَّ أَنْ يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(1). من ذلك قضية نزول القرآن على سبعة أحرف، وما ثار في شأن تأويلها بين العلماء الأجلاَّء من اختلاف، ثمَّ دعوى كتابة عثمان رضي الله عنه المصحف الإمام على حرفٍ واحدٍ من هذه الأحرف السبعة، وحملِ الناسِ على القراءة به دون ما سواه من الأحرف.

موضوعٌ مشكلٌ لم أر من اختلاف العلماء في شيءٍ مثل اختلافهم في تأويل هذه الأحرف. ودعوى حمل الناس على واحدٍ منها زادت الطين بلَّة والاختلاف اتِّساعًا.

إنَّ المرء أمام الحشد الهائل من آراء فطاحل العلماء في تأويلها، وما بينها من تناقض – أحيانًا- ليحـتار بأيِّ رأيٍ يتمسَّك وأي سبيل يسلُك، ولا يكاد يطمئنُّ إلى قول حتَّى يرى في غيره ما ينقضه من الأساس، ثمَّ يرى أنَّ هذا لم يسلم هو بدوره من الانتقاد، وهلمَّ جرًّا.
فما هذه الأحرف السبعة؟:
للحرف مدلولات كثيرة، قال الفيروزابادي في ”القاموس المحيط“ في مادة (ح ر ف):
«الحرف من كل شيء طرفُه، وشفيرُه، وحدُّه، ومن الجبل أعلاه المحدَّد… وواحد حروف التهجي، والناقة الضامرة أو المهزولة أو العظيمة، وسيل الماء، وآرام سود ببلاد سُليم، وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل»[اهـ].
فهو بهذا لفظٌ مشتركٌ بين عدَّة معان يُفهم المقصود منه بالقرينة، غير أن لفظ الأحرف السبعة أصبح حقيقة شرعية، مثل استعمال الشرع لفظ الصلاة على العبادة المخصوصة، وإن كانت في وضعها اللغوي لمطلق الدعاء، ومثل الحبوب الست في الزكاة، ومثل الأصناف الربوية الستَّة، فحيثما ذكرت الأحرف السبعة فُهم من ذكرها تلك الأحرف التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ القرآن أُنزل عليها.
وقد وردت في شأنها أحاديث كثيرة بطرق عدَّة وأسانيد شتَّى حتَّى بلغت حدَّ التواتر فيما حكاه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم؛ رواها من الصحابة عددٌ لا يُحصى. فقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده الكبير أنَّ
عثمان بن عفان رضي الله عنه قال يومًا وهو على المنبر: «أُذكِّر الله رجلا سمع النبيء صلى الله عليه وسلم قال: ”إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ“ لما قام فقاموا حتى لم يُحصَوا فشهدوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”أنزل القرآن على سبعة حروفٍ كلُّها شافٍ كافٍ“. فقال عثمان رضي الله عنه : وأنا أشهد معهم»(2).
وروى البخاري عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال: «سمعت هشام بن حكم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعتُ لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكدتُ أساوره (أي أواثِـبُه) في الصلاة، فتصبَّرتُ حتَّى سلَّم، فلبَّبتُه بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ كذبتَ، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ. فانطلقتُ به أقودُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ: إنِّي سمعت هذا يقرأ بِسورةِ الفرقان على حروف لم تُقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسِله، إقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذلك أُنزلت. ثمَّ قال: اقرأ يا عمر، فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أُنزلت، إنَّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسَّر منه»(3).
ومن تدبَّر هذا الحديث يمكنه أن يلاحظ ما يلي:
* شهد كلٌّ من عمر وهشام بن حكم بن حزام الأسدي أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أقرأه السورة (سورة الفرقان).
* صرَّح النبيء صلى الله عليه وسلم بعد قراءة كلٍّ منهما من سورة الفرقان أنَّها هكذا أُنزلت. وفي كلامه صلى الله عليه وسلم ما يُشعر بضبط كلٍّ منهما لما حفظ، ولو لاحظ الرسول أدنى خلل لنبَّه عليه.
* أنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف.
* أنَّه يجوز قراءة ما تيسر من القرآن، أي بغير تحديد كمية منه، – فيما يتبادر إلى الأذهان- ولعلَّه أراد ما كان نطقه يسيرًا على اللسان، فيتخيَّر التالي ما يشاء من هذه القراءات.
* لم يَـرد في الحديث أنَّ أحدًا منهما سأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن المرادِ بها.
* فوجئ عمر بن الخطاب بما سمع من قراءة هشام حتى كاد يساوره وهو يقرأ السورة في الصلاة لولا أن تصبَّر، ثمَّ كذَّبه بعد أن أخبره، ولبَّـبَه وقاده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ فوجئ بتصويب الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة كلٍّ منهما، ثمَّ فوجئ أكثر لما أخبرهما أنَّ القرآن أنزل على سبعة أحرف.
هذا وقد ذكر ابن حجر في شرحه للحديث على صحيح البخاري أنه وقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمرَ مع هشام؛ من ذلك ما حدث لأُبيِّ بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل، ومنه ما أخرجه أحمد: أن رجلاً قرأ آية من القرآن فقال له عمرو: ”إنَّما هي كذا وكذا“، فذكرَا ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فقال: ”إنَّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تُماروا فيه…“».
ولأحمد أيضًا، وأبي عبيد، والطبري من حديث أبي جهم بن الصمَّة أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحو حديث عمرو بن العاص. وللطبري والطبراني، عن زيد بن أرقم قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ”أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أُبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيِّهم آخذ؟“ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليٌّ إلى جنبه، فقال لعليٍّ: ”ليقرأ كلُّ إنسان منكم كما عُلِّم فإنَّه حسن جميل“»(4).
هذه عينة مـمَّا وقع من الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، ولعل الذي وقع منهم ولم يبلغنا خبره أكثر من الذي بلغنا عنهم.
وقد أشكل على العلماء تأويل الأحاديث الواردة في شأن الأحرف السبعة منذ القديم، ولا يزال الإشكال قائمًا إلى اليوم.
قال الإمام الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الشهير بابن الجزري: «… ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكِّر فيه وأُمعن النظر من نيِّفٍ وثلاثين سنة، حتَّى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صوابًا إن شاء الله»(5).
وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني: «هذا مبحثٌ طريفٌ وشائق، غير أنَّه مُخيفٌ وشائك؛ أمَّا طرافته فلأنَّه يُرينا مظهرًا من مظاهر رحمة الله وتخفيفه على عباده، وتيسيره لكتابه على كافة القبائل العربية، بل على جميع الشعوب الإسلامية، من كلِّ جيلٍ وقبيل، حتَّى ينطقوا به ليِّنةً أنفسُهم، سهلةً لهجاتُهم، برغم ما بينهم من اختلاف اللغات وتنوُّع في الخصائص والميزات، ومن طرافة هذا المبحث أيضًا أنَّك تشاهد فيه عرضًا عامًّا لمنتجات أفكار كثيرة…
وأمَّا مخافةُ هذا المبحث وشوكُه فلأنَّه كثُر فيه القيل والقال، إلى حدٍّ كاد يطمس أنوار الحقيقة، حتى استعصى فهمُه على بعض العلماء ولاذ بالفرار منه، وقال إنَّه مُشكل… أضف إلى ذلك أنَّ الخطأ في هذا الباب قد يتَّخذُ منه أعداء الإسلام سبيلاً عِوَجًا لتوجيه المطاعن الخبيثة إلى القرآن»(6).
وقد أطنب العلماء وأفاضوا في مباحث أحاديث الأحرف السبعة بشكلٍ عجيب، وكان لبعضهم فيها جولات وصولات تملأ صدرك دهشة وإعجابًا، وتقديرًا لجهود العلماء في هذا المضمار.
أضع بين يديك – أيها القارئ الكريم – نموذجين لتُدرك بهما مدى تشعُّب الكلام في أحاديث الأحرف السبعة.
النموذج الأول: قال الإمام ابن الجزري: «وقد تكلَّم الناس على هذا الحديث بأنواع الكلام، وصنَّف الإمام الحافظ أبو شامة – رحمه الله – فيه كتابًا حافلاً، وتكلَّم بعده قومٌ، وجنح آخرون إلى شيءٍ آخر، والذي ظهر لي أنَّ الكلام عليه ينحصر في عشرة أوجه:
الأول: في سبب وروده، الثاني: في معنى الأحرف، الثالث: في المقصود بها هنا الرابع: ما وجه كونها سبعة؟ الخامس: على أيِّ شيءٍ يوجَّه اختلاف هذه السبعة؟ السادس: على كم معنى تشتمل هذه السبعة؟ السابع: هل هذه السبعة متفرِّقة في القرآن؟ الثامن: هل المصاحف العثمانية مشتملة عليها؟ التاسع: هل القراءات التي بين أيدي الناس اليوم هي السبعة أم بعضها؟ العاشر: ما حقيقة هذا الاختلاف، وفائدته؟»(7).
النموذج الثاني: قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني:
«… ونحن نستعين بالله ونستهديه أن يخلص لنا الورد من الشوك في هذا الموضوع الشائق الشائك، وأن يُهيِّء لنا من أمرنا رَشَدًا، وسنجول في هذا الميدان – إن شاء الله – جولات عدَّة نتحدَّث فيها عن أدلَّة نزول القرآن على سبعة أحرف، وعن شواهد بارزة في هذه الأحاديث الواردة، بينها فوائد كثيرة لاختلاف الحروف والقراءات، وعن معنى نزول القرآن على سبعة أحرف، وعن الوجوه السبعة في المذهب المختار، وعن تحقيق النسبة بين المذهب المختار وأشباهه، وعن وجوه اختيار هذا المذهب، وعن دفع الاعتراضات الواردة عليه، وعن بقاء هذه الأحرف السبعة في المصاحف، وعن الأقوال الأخرى وتفنيدها، وعن دفعٍ إجمالـيٍّ للأقوال الأخيرة منها، ثمَّ نختم المبحث بعلاج الشبهات الواردة على هذا الموضوع، والله المستعان»(8).
يمكنك بعد استعراض النموذجين أن تتصور مدى تشعُّب الكلام في الموضوع، وأن تدرك أنَّه مترامي الأطراف، ذو حواشٍ وذيولٍ، ومن المفيد جدًّا أن نطَّلع على جهود جهابذة العلماء في كافة المباحث المشار إليها، غير أنَّ هذا البحث في هذه الدورية لا يمكنه أن يستوعبها، بل إنه لا يعدو أن يكون غرفة من بحر.
والذي يهمنا في المقام الأول مبحث تأويل أحاديث الأحرف السبعة:
لم يرد نصٌّ أو بالأحرى لم يبلغنا عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في تأويلها شيءٌ، اللهم إلاَّ ما نقله ابن حجر في ”الفتح“ من قوله: «وذهب قوم إلى أنَّ السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجُّوا بحديث ابن مسعود عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: ”كان الكتاب الأول [يريد ما نزل من الكتب قبل القرآن] ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب؛ زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عمَّا نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كلٌّ من عند ربِّنا“». أخرجه أبو عبيد وغيره. قال ابن عبد البر: هذا حديث لا يثبت، لأنَّه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود. وقد ردَّه قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن عمران، قلت: وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الرد على من قال به»(9).
وقال ابن عربي لم يأت في معنى هذا السبع نص ولا أثر، واختلف الناس في تعيينها(10).
كذلك لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة رضي الله عنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن تأويلها، كذلك لم أطلع فيما قرأت على قول للصحابة في شأنها.
ولهذا ثار خلاف كثير بين العلماء في هذا الشأن؛ فالحديث في الواقع مُشكِلٌ من عدَّة وجوه؛ من جهة كيفية نزوله على هذه الأحرف، ثم من جهة تحديد المراد بالسبعة؛ هل المراد بها العدد بين الستة والثمانية، بعبارة أخرى هل أريد بها حقيقة العدد أم أطلق على سبيل المجاز وأريد به التكثير والمبالغة؟
نقل الزرقاني أن القاضي عياضًا ومن تبعه جنحوا إلى أن لفظ السبعة في الحديث الشريف ليس مُرادًا به حقيقة العدد المعروف، إنما هو كناية عن الكثرة في الآحاد، كما أن السبعين تُستعمل كناية عن الكثرة في العشرات، وكما أن السبعمائة تستعمل كناية عن الكثرة في المئات(11).
ومما دونته المصنفات من أقوال وآراء في تأويل الأحرف السبعة ما يلي:
1- هذا القول منسوب للإمام أبي الفضل الرازي، قال:
«الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:
* الأول: اختلاف الأسماء من إفرادٍ وتثنية وجمع، وتذكيرٍ وتأنيث.
* الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماضٍ ومضارع وأمر.
* الثالث: اختلاف وجوه الإعراب.
* الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة.
* الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير.
* السادس: الاختلاف بالإبدال.
* السابع: اختلاف اللغات ”يريد اللهجات“ كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، ونحو ذلك(12).
2- جملة أقوال يرى أصحابها أن المراد بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، سبعة أصناف، لكنهم يختلفون في تعيين هذه الأصناف، وفي أسلوب التعبير عنها:
* فمنهم من يقول: إنها أمر ونهي وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال.
* ومنهم من يقول: إنها وعد ووعيد وحلال وحرام، ومواعظ وأمثال واحتجاج.
* ومنهم من يقول: إنها محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص.
* ومنهم من يقول: إنها إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومُجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب(13).
وهناك أقوال أخرى تركتها مخافة التطويل.
وعند التأمل في ألفاظ أحاديث الأحرف السبعة وأسباب ورودها، أو بالأحرى مناسبات ورودها، يتبين لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب في تأويلها ما كان منها متعلقا بنص القرآن؛ أي بألفاظه وأسلوبه. ولهذا فالقول الذي حَظِي بقبول كثير من العلماء قول الإمام أبي الفضل الرازي؛ ذلك لأن الخلاف الذي شجر بين الصحابة في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم كان بسبب الاختلاف في القراءة، ثم إن ما حصل بالمسلمين بعد ذلك كان نتيجة تفرق الصحابة في الأمصار، وأخذ الناس فيها بقراءة الصحابي الذي حل بين أظهرهم، فكان أهل الشام يَقرَؤُون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري، فاختلفوا حتى كادت تكون بينهم فتنة وشر مستطير،
لا سيما عندما اجتمعت جموع المسلمين الغفيرة في بعض مغازيهم، كالتي حصلت في فتح أرمينيا وأذربيجان.
ذكر ابن حجر في فتح الباري نقلا عن محمد بن سيرين: كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبه: كفرت بما تقول… وأن ناسًا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال: ألا أني أكفر بهذه، ففشا ذلك في الناس(14).
فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن الخلاف نجم من اختلاف القراءات وليس من اشتمال القرآن على الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، والمواعظ والأمثال، أو إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وما إلى ذلك، فهذه لا يعقل أن تكون مصدر اختلاف وتخطئة وتكفير.
ولعل من أحسن ما نستنير به في هذا المقام، ويرفع كثيرًا من اللبس والغموض، أن نرجع إلى كتب القراءات، والتي من خلالها – أعني القراءات- يتضح لنا ويتحدد ما كان سبب اختلاف الصحابة ومن وراءهم.
ولنأخذ منها سورة الفرقان – نموذجًا – لأنها التي نصَّ عمر على سماعه هشام بن حكيم يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقرئه الرسول صلى الله عليه وسلم .
لقد أحصى مصنِّف كتاب ”التيسير“ الإمام أبو عمرو الداني في قسم فرش الحروف(15) منه نيِّفًا وعشرين كلمة، اختلفت القراءات السبع المتواترة في وجوه قراءتها بما يناهز خمسين وجهًا(16).
وفي كتاب ”النشر في القراءات العشر“ للحافظ أبي الخير محمد ابن الجزري ورد ذكر ما أثبته صاحب كتاب ”التيسير“ وزاد عليها تسعة ألفاظ أخر(17).
وقال ابن حجر في ”فتح الباري“: «ولم أقف في شيءٍ من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام في سورة الفرقان… وقد تتبع أبو عمر بن عبد البر ما اختلف فيه القراء من ذلك من لَدُن الصحابة ومَن بعدَهُم في هذه السورة فأوردته ملخَّصًا وزدت عليه قدر ما ذكره، وزيادة على ذلك …» ثم قال: «قال أبو عمر بن عبد البـَر بعد أن أورد بعض ما أوردته: هذا ما في سورة الفرقان من الحروف التي بأيدي أهل العلم بالقرآن، والله أعلم بما أنكر عمر على هشام، وما قرأ به عمر، فقد يمكن أن يكون هناك حروف أخرى لم تصل إليَّ، وليس كل من قرأ بشيءِ نقل ذلك عنه، ولكن إن فات من ذلك شيءٌ فهو النزر اليسير، كذا قال، والذي ذكرناه يزيدُ على ما ذَكَر مثله أو أكثر، ولكننا لا نتقلَّد عهدة ذلك. ومع ذلك نقول يحتمل أن تكون بقيت أشياء لم يطَّلع عليها، على أني تركت أشياء مـمَّا يتعلَّق بصفة الأداء من الهمز والمد والرَّوم والإشمام ونحو ذلك، ثم بعد كتابتي هذا وإسماعه وقفت على الكتاب الكبير المسمَّى ”بالجامع الأكبر والبحر الأزخر“ تأليف شيخ شيوخنا أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي… فالتقطت منه ما لم يتقدَّم ذكره من الاختلاف فقارب قدر ما كنت ذكرته أوَّلا…» (18).
ثم قال: «فهذه ستة وخمسون موضعًا ليس فيها من المشهور شيءٌ ، فليضَف إلى ما ذكرته أوَّلاً، فتكون جملتها نحوًا من مائة وثلاثين موضعًا»(19).
ولتقريب الصورة أضع بين يديك عينات من تلك الألفاظ قبستُها من كتاب ”التيسير“(20):
1- {يأكُل منها}: مسندًا إلى الغائب، ومرجع الضمير الرسول صلى الله عليه وسلم . {نأكل منها}: مسندًا إلى جماعة المتكلمين.
2- {ويجعل لَّك}: بالجزم، {ويجعلُ لك}: بضمِّ اللام.
3- {ضيِّقًا}: بياء مشدَّدة مكسورة، {ضيْقًا}: بياء ساكنة.
4- {ويوم يَحشرهم}: بياء، {نَحشرهم}: بنون.
5- {فيقول}: بياء، {فنقول}: بنون.
6- {ونُنْـزِلُ الملائكةَ}: بنونين ثانيتُهُما ساكنة وزاي ساكنة مخفَّفة، ونصب الملائكة. {ونُـزِّلَ الملائكةُ}: بصيغة الماضي المبني للمجهول، ورفع الملائكة.
7- {سراجًا}: على الإفراد، {سُرجًا}: بغير ألف وضمِّ الراء على الجمع.
8- {ولم يُقتِروا}: بضم الياء وكسر التاء، {ولم يَقتِروا}: بفتح الياء وكسر التاء، {ولم يَقتُروا}: بفتح الياء وضمِّ التاء.
هذا وإذا علمت مدى تحري الصحابة في حفظهم لكتاب الله وحرصهم عليه وكفاحهم دون تبديله وتغييره، سهل عليك أن تفهم موقف عمر وأضرابه مع من سمعوه يقرأ القرآن على غير قراءته التي تلقَّاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أعلمهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وأدركوا أن كلاًّ منهم كان تلقَّى من الرسول صلى الله عليه وسلم ما تلقى، فلا داعيَ للخلاف والمماراة، فأذعنوا ورضوا بحكم الرسول وسلَّموا له تسليمًا، ولكنهم لم يتركوا التثبُّت لحظة من اللحظات، فلا يقبلون إلاَّ ما صحَّت روايته وثبت نقله عنه صلى الله عليه وسلم . وقد أسعفهم في ذلك قوة حوافظهم التي كانت أشبه بآلات التسجيل، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصتها.
ويجدر بي في ختام البحث أن أختصر بعض الحِكم – مـمَّا دوَّنته بعض كتب علوم القرآن- من نزول القرآن على أحرف سبعة:
أولاً: تيسير تلاوته على الناس؛ فإن القرآن – وإن كان نزل بلسان عربي مبين – فإن العرب كانت لهجاتهم شتى وبينها فروق كثيرة، فلو حُملوا على قراءة القرآن بحرف واحد أو قراءة واحدة لنالهم عنَتٌ وحصلت مشقَّة. هذا ما كان من شأن العرب الذين شوفهوا بالقرآن في عصر النبيء صلى الله عليه وسلم ، فكيف بمن وراءهم من العجم الذين دخلوا في دين الله أفواجًا وأمما، ثم كيف حال من أتى من بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. والإسلام دين الكافَّة، والقرآن دستوره الخالد ومعجزته الباقية؟ فليقرأه كلُّ جيل وكلُّ أمة بما سهل على لسانها.
ثانيًا: إنَّ في تعدد وجوه القراءات – وهي مندرجة في الأحرف السبعة – ما يوضح مراد الشارع من الآية إذا كان فيها لفظٌ يحتمل أكثر من معنى، فتكون إحدى القراءات على بعض الوجوه المغايرة بمثابة القرينة التي ترجح بعض الأقوال الفقهية على البعض الآخر، وذلك كقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ اَوُ اخْتٌ من أمٍّ} فتبيَّن بهذه الزيادة في هذه القراءة أنَّ الإخوةَ في هذا الحكم الإخوةُ للأم دون الأشقَّاء ومن كانوا للأب.
ثالثًا: قد يفيد اختلاف القراءات دفع توهم ما ليس مرادًا من كلام الشارع كقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(21)، وقرئ {فامضُوا إلى ذكر الله}، فقد يتوهم من القراءة الأولى وجوب السعي إلى الصلاة، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن نأتـيَ الصلاة ونحن نسعى، ولكن القراءة الثانية رفعت هذا التوهُّم(22).
رابعًا: في تعدد الأحرف ووجوه القراءات صورة من صور إعجاز القرآن، وفيه تحدٍّ لكل القبائل العربية، فلو أتى بلغة دون لغة لقال الذين لم يأت بلغتهم ”لهجَتِهِم“ لو أتى بلغتنا لأتينا بمثله(23).
خامسًا: إن اختلاف وجوه القراءات حمل النحويين على توجيهها، فأغنى هذا التوجيه اللغة العربية؛ قال الزركشي: «وهو فن جليل، وبه يعرف جلالة المعاني وجزالتها، وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبًا… وكلٌّ منها قد اشتمل على فوائد»(24).
هذا ما يسَّره الله لي في هذا الموضوع الصعب، وأرجو أن أكون شاركت – ولو بجهد المقلِّ – في إزاحة الغموض عن بعض جوانبه، وما كان صوابًا فمن الله وبفضله ورحمته، وأحمده عزَّ وجل على ذلك، وما كان فيه من خطأ أو وهم فمني وأرجو من الله عفوه ومغفرته، ولا أعلم أنَّ الله عزَّ وجل أعطى أحدًا من خلقه حفظًا من الغلط، وأمنًا من الخطإ والنقص والتقصير، إلاَّ من عصم. ولله الحمد أولاً وآخرًا، والحمد لله رب العالمين.

الأستاذ: بكير بن محمد الشيخ بالحاج (باشعادل)

الهوامش

1 ـ سورة التوبة، الآية: 32.
2 ـ عبد العظيم الزرقاني: «مناهل العرفان في علوم القرآن». مج1، ص: 132. نشر دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي. ط2.
3 ـ «صحيح البخاري»، الباب الخامس، من كتاب فضائل القرآن. رَ: «فتح الباري» لابن حجر، مج9، ص: 23. نشر دار المعرفة. بيروت. لبنان.
4 ـ ابن حجر: «فتح الباري». مج9. ص: 26.
5 ـ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر» . مج1. ص: 26. نشر دار الكتاب العربي. (د.ت.ن).
6 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان». مج1. ص: 130، 131.
7 ـ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». مج1. ص:21.
8 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان». مج1. ص: 131.
9 ـ ابن حجر: «فتح الباري». مج 9. ص: 29.
10 ـ الزركشي: «البرهان في علوم القرآن». مج1. ص: 212. نشر دار المعرفة. بيروت. لبنان. ط2. رمضان 1376هـ/ 1957م.
11 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان». مج1. ص: 166.
12 ـ ابن الجزري: «النشر». مج1. ص: 27. / الزرقاني. مناهل العرفان. مج1. ص: 148.
13 ـ للاطِّلاع على هذه الأقوال وغيرها راجع كتاب: «النشر» لابن الجزري. مج1. بداية من ص: 23. وكتاب: «البرهان». للزركشي. مج1. بداية من ص: 211. وكتاب: «مناهل العرفان». للزرقاني. مج1. بداية من ص: 146. وكتاب: «فتح الباري». لابن حجر. مج9. بداية من ص: 23.
14 ـ مثل هذا الكلام ينبغي التثبُّت فيه، ونربأ بالصحابة والعقلاء أن يصدر منهم.
15 ـ جرت عادة المؤلفين في علم القراءات على تقسيم مصنَّفاتهم قسمين: أوَّلاً: قسم الأحكام المطَّردة؛ والحكم المطَّرد هو الحكم الكلِّي الذي يجري في كلِّ ما تحقَّق فيه شروط ذلك الحكم، كأحكام المدِّ والقصر، والإظهار والإدغام، والفتح والإمالة… ويسمُّون هذا القسم ”قسم الأصول“. ثانيا: قسم الحكم المنفرد غيرُ المطَّرد؛ وهو ما يذكر في السور من كيفية قراءة كلِّ كلمة قرآنية مختلَفٍ فيها بين القرَّاء، مع عَزوِ كلِّ قراءة إلى صاحبها… ويسمُّون هذا القسم أيضًا بـ: فرش الحروف، وسمَّاه بعضهم بالفروع مقابلة بالأصول.
16 ـ «التيسير». ص: 163. نشر دار الكتاب العربي. بيروت. لبنان. ط2. 1406هـ / 1985م.
17 ـ ابن الجزري: «النشر»، مج 2، ص: 333.
18 ـ ابن حجر: «فتح الباري»، مج 9، ص: 33، فما بعدها.
19 ـ م ن، ص: 36.
20 ـ «التيسير»، ص: 163.
21 ـ الجمعة، الآية: 09.
22 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان»، مج1، ص: 140، 141.
23 ـ مصطفى لطفي الصبَّاغ: «لمحات في علوم القرآن». ص: 179. نشر المكتب الإسلامي. بيروت. لبنان. ط3. 1410هـ / 1990م.
24 ـ الزركشي: «البرهان»، مج 1، ص: 339.

نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 11.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك