أهمية فهم القرآن وتدبره في حياة الإنسان

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث بالرحمات، محمد خاتم النبوات، وعلى آله وصحبه والتابعين والتابعات. وبعد..
إنه لمن المجازفة التي لا تؤمن عواقبها، أن يتحدث المرء عن القرآن وأهمية تلاوته وتدبره في المجتمع الإسلامي الذي يعرف في الأصل بأنّه مجتمع القرآن، يتلوه أفراده في ختمات متواصلة بمساجدهم ومصلياتهم وبيوتهم ومتاجرهم، بل ويفرقونه فيما بينهم في سائر تجمعاتهم، حتى غدا جزءا منهم يُعرفون به في الغالب الأعم بين الناس. إلاّ أنه من الإنصاف(2) أيضا أن يذكر ومن باب النقد الموضوعي للواقع، أنّ علاقتنا بالقرآن وإن كان فيها ذلك الحماس أو تلك الحرارة، تبقى غير مستجيبة دائما للشروط والقواعد التي وضعها منزل القرآن في كتابه العزيز، والغاية التي من أجلها نزل، لأنه تبارك وتعالى أراده سببا للصلة بينه وبين عباده يُرشدهم به إلى سبل السلام في الدنيا، ويذكرهم بما ينبغي أن يلتزموا به من تعاليمه للفوز في اليوم الآخر.

إن ما يلاحظه العام والخاص هو أن هذا القرآن وإن كثرت تلاوته وتعدَّدَ حفَّاظُه وأقيمت له الحفلات تلو الحفلات، فإنه لا يزال غير ظاهر فينا سلوكا وأخلاقا ونظام حياة، ما دام الجهر بالسوء لا يزال متفشيا، فمن مستحل للربا جهارا ولا يبالي، ومن تارك للصلاة أو متهاون بها بشكل يقطع عذره، ومن مقترف للزنى وسائر المنكرات ولا يبالي، ومن متخذ سباب الدين والرب تسبيحة يكررها بوعي أو بدون وعي صباح مساء ولا يبالي، ومن مستحل لأنواع اللهو والمجون السافلة باسم الفن تارة والثقافة أحيانا، كسماع الغناء الساقط والرقص واتخاذ الخليلات والشذوذ، واستحلال النظر إلى العورات وكشفها في الملاعب والمسابح والشواطئ، والمتاجرة بأعراض الناس غيبة ونـميمة حيث لا ينفع وعظ ولا إرشاد ولا يبالي، ومن متخذ هواه غاية دون الله فلا يرى حرجا في ابتزاز أموال الناس بالحيلة أو تزوير عقود ممتلكاتهم وبيعها، ثم لا يبالي، ومن سامع بالمنكر أو شاهد فعله وفي استطاعته الأمر والنهي ولكن لا يبالي…إلخ.
فهذه السلوكات لم تكن لتتفشى في المجتمع بهذا الشكل لو كان للقرآن أثره الفعال في أفراده، ولم يكن لينتشر خبرها لو كانت مجرد نزوات فردية تحفظ ولا يقاس عليها. ولكنها أمست ظاهرة اجتماعية مستوجبة البحث والدراسة(3) والمعالجة.
فهلاَّ جعلنا لتلاوتنا القرآن صباح مساء أثرا تترجمه جوارحنا وأفكارنا وطريقة حياتنا؟ وهلاّ اجتهدنا جميعا من أجل إعادة النظر في علاقتنا بالقرآن الكريم؟
إن مثل هذه الأسئلة تفرض نفسها في الواقع، لأنها هي التي تدفعنا لبحث القضية من أساسها، على أمل تصحيح علاقتنا بالقرآن، والتزام آداب وقواعد التلاوة الصحيحة التي تجعلنا نتدبر معاني القرآن الكريم، ونحياها بسلوكنا، ونجني ثـمارها وفوائدها في الواقع.
ولبلوغ هذا الهدف لابد من تقسيم البحث إلى عنصرين اثنـين هما :
العنصر الأول: تعريف القرآن للقرآن وتبيين علاقته بحياة الإنسان.
وفيه يتم التطرق إلى تعريف القرآن الكريم انطلاقا من وصف المولى عزَّ وجلَّ له في محكم تنزيله، مع التركيز على بيان علاقته بحياة الإنسان .
العنصر الثاني: ضرورة تفعيل القرآن في حياتنا بفهمه وتدبره.
وفيه نحاول الإجابة عن سؤال يتعلق بمدى أهمية التركيز على تدبر القرآن، مع وجود العناية بحفظه وتلاوته، إضافة إلى بيان خطورة استدبار القرآن وهجرانه، وأثر ذلك على حياة الإنسان ومصيره.
وفي الأخير لعلنا نذيل هذه السطور بجملة من الآداب والقواعد التي تكفل التلاوة الصحيحة للقرآن بفهم وتدبر، و التي يمكن استنباطها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
أما وأننا قد انتهينا في المقدمة إلى ملاحظة عدم وجود ثمار حقيقية لما هي عليه صلتنا بالقرآن الكريم في الواقع، فإنه لابد من البحث عن الحقيقة لتدارك الأمر، وتصحيح المسار والعودة إلى النهج الرباني الذي سطره لعباده. ولعل أول خطوة إلى ذلك، هي معرفة حقيقة معنى القرآن كما بينها القرآن ذاته وعلى لسان رب العزة، كي نستشعر عظمته ونعمل بمقتضى معناه ومفهومه.
العنصر الأول: تعريف القرآن للقرآن وتبيين علاقته بحياة الإنسان.
إذا أردنا معرفة حقيقة القرآن الكريم، معنى وغاية، فليس هنالك أدق وأشمل وأوضح مما جاء في القرآن ذاته؛ فكيف وصف الله عز وجل إذن، القرآن الكريم في محكم تنزيله؟ وأي علاقة يريد أن تكون للإنسان بهذا القرآن؟
يقول ( معرفا عباده بحقيقة القرآن الذي نزّله إليهم، إنه أنزله هدى للمتقين:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة 02)، أي أن فيه من النُّظُم والأحكام ما يضمن لهم الهداية والتوفيق في الدنيا والآخرة، بشرط أن يتمسكوا به ويطبقوه في حياتهم اليومية، دون الاكتفاء بتلاوته أو حفظه على جلال قدر التلاوة والحفظ(4) ، والهداية هنا بمعنى السير في طريق بينة وواضحة لا خوف فيها ولا مخاطر، ويفهم من هذا إذن أن من يكتفي بتلاوته ولا يطبق أحكامه التي تلوح بها آياته، رغم معاودته تلاوتها مرارا وتكرارا، فإنه لم يكن القرآن بالنسبة إليه مصدر هداية أو رشد، كما يشير سبحانه وتعالى إلى أنه برهان ونور، أي أن الذي يتلوه لابد وأن يكون له نورا يمشي به في ظلمات الدنيا والآخرة : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} (النساء 174 )، وأما من لا يجد ذلك ، فمعناه أنه لم يفهمه ولم يتدبره، ولن تحصل له هذه المعاني، إلا بالاجتهاد في تدبر معاني القرآن الكريم وتطبيقها؛ هذا ويشير سبحانه وتعالى أيضا إلى أن من معاني القرآن كونه موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، ففيه من الوعظ والإرشاد ما يفي بحاجة المرء لتحسين علاقته بربه عقيدة وعبادة، ويشفي صدره من أي الوساوس والأغلال، وينزل عليه السكينة والطمأنينة ويوفقه إلى إحراز هداية الله ورحمته: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس57)؛ ثم أنه يخبرنا سبحانه وتعالى ومن خلال خطاب يوجهه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده من بعده بأن في هذا القرآن الكريم لعبرة لأولي الألباب، لأن ما يحكيه لنا من أخبار وقصص الأمم السابقة، تعد من حيث أحداثها ومعانيها، ذات البعد الإنساني، مما يمكن أن يتكرر في عهدنا نحن الأمم المتأخرة، لعلنا نعتبر ونؤمن به حق الإيمان؛ ولذلك أراده ( تفصيلا لكل شيء، على اعتبار أنه مستوف لكل ما يلزم الإنسان لإحراز الرضا والفلاح، سواء أتعلق الأمر بالآخرة أم بالدنيا: {لقدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف111)؛ هذا ومما يضيفه المولى عزَّ وجلَّ من التعريف للقرآن الكريم، أنه إذا كان يحمل لعباده البشرى إن أحسنوا الفعل بتوطيد علاقتهم بالقرآن فهما وتدبرا وتطبيقا، فهو مع ذلك يحمل إليهم الإنذار ويحذرهم من سوء المنقلب إذا هم فرّطوا في ذلك وأعرضوا: {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الجاثية؛08).
إن من يجمع هذه المعاني(5) كلها، ويحاول أن يتدبرها بإمعان، لا بد أن يفهم حقيقة القرآن وهي أنه كله خير للإنسان، وإذا حاول أن يطبقها في حياته، لابد وأن يجد حلاوة الإسلام، ولن يكون ذلك لمن يمرون على القرآن مرور الكرام، أو يحفظونه حفظ الببغاء والآلة، من دون أن يكون له أثر في سلوكهم وأخلاقهم، وإنما للذين يقرءونه بإمعان وتدبر، ويطبقونه قولا وعملا، حتى إذا أصابهم شيء من الغفلة أو الخطأ تذكروا ورجعوا، ولا يجدون في أنفسهم أدنى شك أو ريب في أنه الخلاص وحده. تلكم هي حكمة المولى عزَّ وجلَّ من تنزيله القرآن : {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (ص29)(6).
وبعد تعرفنا على بعض معاني القرآن الكريم كما يحددها المولى عزَّ وجلَّ وتبين لنا أن العبرة في تلاوة القرآن والاعتناء به تكمن في مدى استفادة التالي منه بالتدبر والفهم ثم بالتطبيق العملي، فإنه لابد أن نقف عند هذه النتيجة لنتبين أهمية تدبر القرآن وفهمه قياسا إلى مجرد القراءة والحفظ، ثم نحاول في الأخير معرفة بعض الآداب المساعدة على التدبر والفهم، وهو ما يبسطه العنصر الثاني.
العنصر الثاني: ضرورة تفعيل القرآن في حياتنا بفهمه وتدبره:
ومن أجل بسط الكلام في هذا الجانب، يتعين علينا أن نتناوله من خلال النقطتين الآتيتين:
لماذا التركيز على تدبر القرآن مع وجود العناية بحفظه وتلاوته؟ وما خطورة استدبار القرآن وهجرانه، وأثر ذلك على حياة الإنسان ومصيره؟
إن الذي يجول بنظره في نطاق المجتمع الإسلامي الكبير، يجد أن من الأسباب غير المباشرة للتخلّف الحضاري والعلمي للمجتمع، إعراض أكثر الناس عن القرآن، وهجرانهم له؛ ولا يعني ذلك عدم قراءتهم له، لأن منهم من يتلونه صباح مساء كما رأينا ، وربما يحفظونه أكثر من غيرهم، ولكنهم لا ينتهون عن منهياته ولا يأتمرون بأوامره ، فهم وكأنهم لم يقرءوه ولم يحفظوه وهم بالعكس يفعلون.
إننا إذا اعتبرنا القرآن وصفة علاجية ووقائية للإنسان، وأن الله تعالى هو الطبيب، فإنه من واجب المريض أن يلتزم بما يمليه عليه طبيبه من الإرشادات والنصائح وإلا هلك، أو على الأقل يزداد سقما على سقم.ولا نحسب أن عاقلا يلجأ إلى الطبيب فيكتب له وصفة دواء حتى إذا أقفل المريض راجعا إلى بيته شرع يقرأ تلكم الوصفة الدوائية ويحفظها راجيا الشفاء.
ومن هنا نفهم كيف أن أسلوب القرآن جاء حاسما ليوبخ المعرضين عنه، سواء بهجرانه والغفلة عنه لمدة طويلة أو بتلاوته تلاوة مسرعة لا تكاد تُبين، حيث جعل لهم الوعيد على ذلك في آيات عدة. يقول المولى سبحانه وتعالى رواية عن نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم : {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان30)، و هي صورة ينقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن واقع كان الناس فيه يشهدون نزول القرآن ويتركونه وهم معرضون، وقد بين لهم الرسول فضله، وإذ يثبت الله عز وجل هذه الرواية في الكتاب لتنقل إلينا، فإنه يريدها أن تكون لنا نحن المتأخرين موعظة وتذكيرا. ولعل من المفيد بالمناسبة أن نقيس واقعنا إلى واقع العهد النبوي، لنعرف مدى قوة أو ضعف علاقتنا بالقرآن الكريم، ونحن أتباعه، حتى يتبين لكل منا ما إذا كان يتعين عليه مراجعة النفس وتصحيح علاقته بالقرآن فكرا وسلوكا.
و إذا قيل قديما إن اللبيب تكفيه الإشارة ، فإن العاقل يتبين بنفسه مدى أهمية الموضوع وخطورته، فيعتني به ويهُبّ إلى الإصلاح والتغيير، حتى لا يلحقه عتاب الله ووعيده : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد؛24). {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت44). والآيات في الموضوع كثيرة(7)، تأتي كلها لتدعم هذا المعنى، وهو تركيز المولى سبحانه وتعالى على عنصر التدبر والفهم والتطبيق، قبل الحفظ والتلاوة اللفظية، لأنه تكفل بحفظه لكتابه بنفسه، ولم يوكل مهمة ذلك لعباده ولا لرسله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر09)، {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة17)، إذ لم يكن سبحانه وتعالى في حاجة إلى من يحمله في صدره وهو لا يعنيه ولا يفيده في شيء من أمور حياته أو أخراه: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة 05)، فالله قد نبـّهنا إلى مثل هذا المعنى عندما أراد أن يبين لنا ثقل مسؤولية تحمل أمانة الرسالة، رسالة القرآن ــــ إذ الأمر لا يتعلق بنصه بل بمحتواه ــــ: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (الأحزاب72)؛ ومن هنا لا نحسب أن ثمة من يجادل في الأمر، أو يرد هذا الفهم لعلاقة الإنسان بالقرآن الكريم، من حيث هي فهم يُتدبَّر، وفقه يُطبَّق، ورسالة تُبلَّغ،…وليس تـمائم تعلق أو ألحانا تؤدى أو نصوصا تكرر.
إن إنسان هذا العصر يشهد باستمرار ثورة في المفاهيم والمعلومات، لا تكاد تنتهي، فقد غدت المسافات ضوئية، والحدود وهمية، والأفكار افتراضية، والمعلومات إلكترونية…وتوفرت من أسباب المعرفة والفهم والاكتشاف ما لم يتوفر لأي إنسان في أي عصر مضى؛ فهل يعقل أن يبقى مجتمع القرآن متحجرا ومنغلقا على أفهام بليت وتجاوزها الزمن ؟ لعل هذا الواقع الجديد ــــ الذي لا يملك أحد أن يتملص منه ــــ يدفعنا إلى فهم جديد ومتجدد لرسالة المسلم مع القرآن؛ إننا مطالبون، إضافة إلى الفهم والتدبر والتطبيق، في إطار ذواتنا ومحيطنا الاجتماعي، أن نعمل على إيجاد السبل لتبليغ هذا القرآن إلى الغير وفي أطر أخرى أبعد وأوسع، في مشارق الأرض ومغاربها، ــــ وربما في الفضاء أيضا ــــ على أنه في انتظار ذلك لا يسع العاقل إلا أن يأتي بما هو مستطاع ويبدأ بنفسه أولا، فالمهم هو العمل ثم العمل حتى تعود الأمور إلى نصابها.
ولعله بعد هذا التحسيس بالمسألة، بشرح بعض أبعادها، يجدر بنا أن نذيل هذه المداخلة ببعض الآداب (القواعد المساعدة) التي تساعد المسلم على حسن الاستفادة من القرآن الكريم فهمًا وتدبرا، لعله يوفق بعد ذلك للتطبيق.
خاتمة: بعض الآداب(القواعد المساعدة) في قراءة القرآن بهدف الفهم والتدبر:
1- الالتزام بـالطهارة دوما عند مقاربة القرآن، كنوع من التهيؤ وحس النية والاستحضار لعظمة الخالق عز وجل وهو المخاطَب والمخاطب : {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة79).
2- التمثل لأمر الله بـالاستعاذة قبل كل تلاوة، لأن بها يطرد الشيطان ويستجمع العقل والقلب لاستقبال كلام الله الذي هو نوره : {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (النحل98).
3- حسن الاستماع(8) والإنصات، عندما لا يكون المرء هو القارئ :{َإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف204).
4- الحرص على التطبيق والعمل(9) بمقتضى ما فـُهم مما تمت تلاوته و/أو حفظه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الأنعام155).
5- الاجتهاد من أجل تعاهد القرآن(10) وعدم هجرانه والغفلة عنهه: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الزخرف،43) .
6- الاقتصاد(11) في القراءة وعدم السرعة،لأن العبرة بالفهم لا بقدر ما يقرأ أو الزمن المستغرق: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا}(المزمل4).
7- الخشوع (12)، إذ به يحصل التدبر: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف204). {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}. (الإسراء109).
8- تحسين الصوت(13) بالتلاوة مع الاعتناء بأحكام التلاوة من دون إسراف: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} (الإسراء110).
9- معرفة قواعد اللغة الأساسية(14)، لأن القرآن الكريم نزل بلغة العرب: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (الدخان،58) .
10- اختيار الوقت والمكان(15)، إذ لا يعقل أن يتأتى الفهم والتدبر حين غلبة النعاس، وأمام التلفاز أو في السوق: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (الإسراء،79).
11- تجنب مبطلات التدبر والعمل(16) (عكس هذه الآداب)، ومنه الجدل: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف،54). لأن من ألهـتهم الأماني، وأخذهم الغرور بأنهم يقرءونه ولكن دون أن يلتزموا بآدابه،لم ينفعهم قرآنهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد،33).
وبعد هذه الآداب والقواعد لا يسع المنصت أو القارئ سوى العمل والاجتهاد، فبالتدبر لآي الله يستطيع الإنسان أن يُفعِّل القرآنَ الكريم في نفسه أولا ثم في غيره بالدعوة والشرح والتبليغ، فما علاقتنا بهذا الكتاب إلا أن نقوم بحقه ، وحقه أن يطبَّق ويبلَّغ إلى الناس أجمعين، ومن يطبق تلكم الآداب لن يشعر بالعجز أمام هذه المهمة رغم أنها ثقيلة؛ وقد أعذر الله إذ يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر،17).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الكاتب/ د. يحيى بن صالح بوتردين

الهوامش
1-أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها، جامعة وارجلان، الجزائر.
2- بمعنى وجوب النصيحة له لحديث تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أخرجه الإمام مسلم بااب الإيمان، 82.
3- حبذا لو يتفضل فريق من الباحثين الاجتماعيين بالنزول إلى الميدان واستعمال أدوات البحث المنهجية لمسح الواقع واستقرائه والخروج بإحصائيات تبين حقيقة خطورة الموضوع للخروج من دائرة التعميمات.
4- تروي السنة أن للحفظ شأنه: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَنْبَأَنَا شَيْبَانُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ *(سنن ابن ماجة، كتاب الأدب، 3770).
5- هذا التعداد على سبيل التمثيل لا الحصر.
6- إن القرآن الكريم والسنة الشريفة كذلك يقدمان نصوصا كثيرة جدا في هذا الموضوع، وإنما اكتفينا هاهنا بالتمثيل فحسب.
7- ينظر على سبيل المثال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}(82) النساء؛ {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الْأَوَّلِينَ} (68) المومنون؛ {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (73)الفرقان؛ {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} (15)السجدة؛ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (16)الحديد.
8- وفي السنة يروى أن للسامع أجرين وللقارئ أجر ولعله لما يكون عليه الأول من استحضار للقلب والعقل للتدبر، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ إِنَّ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَهُ أَجْرٌ وَإِنَّ الَّذِي يَسْتَمِعُ لَهُ أَجْرَانِ *(سنن الدارمي، فضائل القرآن، 3232).
9- وفي السنة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ *( الإمام أحمد، باقي مسند الأنصار،22384).
10- ويؤكد هذا قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}. (آل عمران113). وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ}(فاطر 29).
11- وفي السنة: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَلاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ *(الدارمي، كتاب الصلاة، 1455).
12- و يؤكد هذا قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2)الأنفال. وقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(28)الرعد. وقوله: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا}(107)الإسراء. وقوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(21)الحشر. وقوله: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}(83)المائدة. وقوله: {وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ}(60)النجم.
13- ومثله التجويد أي تحسين الصوت في الأداء لإظهار أحكام التلاوة. على أن ما شاع في هذا العصر من طبوع فنية خاصة بكل مقرئ ، لا تدخل في هذا المعنى، وقد يكون فيها بعض الإسراف الذي يبعد السامع خاصة عن التدبر.
14- ويؤكد ذلك قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (إبراهيم،04)، وقوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} (مريم،97).
15- ومثله قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} (آل عمران113).
16- ففي السنة : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَقَالَ وَذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ
يَا ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ لاَ يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ *( أحمد، مسند الشاميين، 16828).

نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 19.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك