ربـا الفـضل بين أهل الفقه وأهل الحديث

من المواضيع التي اعتنت الشريعة الإسلامية بتوضيحها والفصل فيها تفصيلاً بيِّنًا، موضوع ”الربا“ الذي أصبح اليوم ينال كلَّ شخصٍ في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وهو يعلم حرمته، ولا يجد عن ذلك محيصًا، وذلك بما كسبت أيدي الناس ويعفو الله عن كثير… ولم يختلف العلماء في أنَّ أصل تحقُّقه هو الأجل والزيادة بين ثمن ومثمَّن من جنسٍ واحد… وأمَّا الذي اختلفوا فيه فهو «ربا الفضل» الذي لم تكن فيه النسيئة.. خاصة وأنَّ الحديث النبوي الشريف وقع فيه تعارضٌ جعل العلماء لا يتفقون على تحريمه أساسًا…
ولتوضيح الموضوع فإنَّنا سوف نتعرض للمباحث التالية:

المبحث الأول: نصُّ الحديث.
المبحث الثاني: تخريج الحديث.
المبحث الثالث: منطوق الحديث.
المبحث الرابع: مفهوم الحديث.
المبحث الخامس: رأي الإباضية في ربا الفضل.
المبحث الأول: نصُّ الحديث
أورِدُ نصوص الحديث في الصحاح الثمانية مع اختلاف ألفاظها، ولا أكرر ما كان متشابها بينها إلاَّ بالإشارة في نهاية كلِّ حديث مع ذكر اللفظ غير المشترك.. والرقم الموجود في بداية كلِّ حديث هو رقم تسلسلي في البحث، وأما رقمه في الجامع فإنِّي أشير إليه في النهاية.. ولا أتعرَّض لذكر السند في غير روايات الربيع، وأكتفي بذكر الراوي من الصحابة.
1 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرُّ بالبرِّ، والشعير بالشعير، والملحُ بالملح، يدًا بيد».
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 574].
2 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البرَّ بالبر إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير».
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 575].
3 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغي عن طلحة بن عبيد الله أنَّه التمس من رجلٍ صرفًا، فأخذ طلحة الذهب بيده يقلِّبه، فقال: حتَّى يجيء خازني من الغابة،
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع كلامهما فقال: والله لا أفارقكما حتى يتم الأمر بينكما، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالورِق ربًا إلاَّ هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلاَّ هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلاَّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلاَّ هاء وهاء»(3).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 576].
4 ـــ الربيع عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا في غزوة وعلينا معاوية، فأصبنا ذهبًا وفضَّة، فأمر معاوية رجلاً يبيعها للناس في أعطياتهم، فسارع الناس فيها، فقام عبادة فنهاهم فردُّوها، فأتى الرجل معاوية فشكى إليه، فقام معاوية خطيبًا فقال: ما بال رجال يتحدَّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث يكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نسمعها منه، فقام عبادة فقال: والله لأحدِّثنَّ بما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كره معاوية. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البرَّ بالبر ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلاَّ مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، سواء بسواء، عينًا بعين».
وفي رواية: «فإذااختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد»(4).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 577].
5 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنَّه ابتاع بعيرًا ببعيرين، وأجاز بيع عبدٍ بعبدين، إلاًّ أنَّ هذا يدًا بيد(5).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 578].
6 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل على خيبر رجلاً فجاءه بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أكلُّ تمر خيبر هكذا؟» فقال: لا والله إنَّا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين، والصاع بثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تفعل، بِع الجمع بالدراهم، وابتع بالدراهم جنيبًا»(6).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 579].
7 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلاَّ ما نهيتكم عنه»(7).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 571].
8 ـــ روى أبو عبيدة بلاغًا خطبة فتح مكة التي جاء فيها قوله صلى الله عليه وسلم : «… ألا وأنَّ كلَّ ربًا في الجاهلية ودمٍ ومال أو مأثرة هي تحت قدميَّ هاتين، إلاَّ سدانة البيت…».
[رواه الربيع، كتاب الحج، باب في الكعبة، رقم: 419].
9 ـــ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أنَّ معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورِق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلاَّ مِثلاً بمِثلٍ، فقال معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسًا.. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبرُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُخبرني عن رأيه، لا أُساكنك بأرضٍ أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلاَّ مِثلاً بمِثلٍ، وزنًا بوزنٍ(8).
[رواه مالك في الـمُوَطَّأ، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالفضة، رقم: 33].
10 ـــ عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما»(9). [رواه مالك في الـمُوَطَّأ، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالذهب، رقم: 29].
11 ـــ عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تشفوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تشفوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز»(10).
[رواه مالك في الـمُوَطَّأ، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالفضة، رقم: 30].
12 ـــ عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب رضي الله عنهما، قالا: كنَّا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صرفٍ فقال: «إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نساءٌ فلا يصلح»(11).
[رواه البخاري، كتاب البيوع، باب التجارة في البر، رقم: 2060].
13 ـــ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنَّا نُرزق تمر الجمع وهو الخلط من التمر، وكنَّا نبيع صاعين بصاع، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم : «لا صاعين بصاع، ولا درهمين بدرهم»(12).
[رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الخلط، رقم: 2080].
14 ـــ عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاَّ سواء بسواء، والفضة بالفضة إلاَّ سواء بسواء، بيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئتم»(13).
[رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالذهب، رقم: 1175].
15 ـــ عن أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، مِثلاً بمثل، فمن زاد فقد أربى… فقلتُ: إنَّ ابن عبَّاس يقول غير هذا؟ فقال: لقد لقيتُ ابن عباس فقلتُ: أرأيتَ هذا الذي تقول أشيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وجدته في كتاب الله عزَّ وجلَّ؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «لا ربا إلاَّ في النسيئة». وفي رواية أخرى «إنَّما الربا في النسيئة»، وفي رواية أخرى: «لا ربا فيما كان يدًا بيد»، وفي رواية أخرى: «ألا إنَّما الربا في النسيئة»(14).
16 ـــ عن مالك بن أوس بن الحدثان أنَّّه قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله ـــ وهو عند عمر بن الخطاب ـــ أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نُعطك رزقك. فقال عمر بن الخطاب كلاَّ والله لتعطينَّه ورقه أو لتردَّن إليه ذهبه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الورِقُ بالذهب ربًا إلاَّ هاء وهاء، والبرُّ بالبُرِّ إلاَّ هاء وهاء، والشعير بالشعير إلاَّ هاء وهاء، والتمر بالتمر إلاَّ هاء وهاء»(15).
[رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف، رقم: 1586].
17 ـــ عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبرُّ بالبرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلاً بمِثلٍ يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمُعطي فيه سواء»(16).
[رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف، رقم: 1587].
18 ـــ عن عبادة بن الصامت وكان بدريًّا، وكان بايع النبيء صلى الله عليه وسلم أن لا يخاف في الله لومة لائم، «أنَّ عبادة قام خطيبًا فقال: أيها الناس إنكم أحدثتم بيوعًا لا أدري ما هي، ألا إنَّ الذهب بالذهب وزنًا بوزن تبرُها وعينُها، وإنَّ الفضة بالفضة وزنًا بوزن تبرُها وعينُها، ولا بأس ببيع الفضة بالذهب يدًا بيد والفضة أكثرهما، ولا تصلح النسيئة، ألا إنَّ البرَّ بالبرِّ، والشعير بالشعير مَدْيًا بمَدْيٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالحنطة يدًا بيد، والشعير أكثرهما، ولا يصلح نسيئة، ألا وإنَّ التمر بالتمر مَدْيًا بمدْيٍ، حتى ذكر الملح مدًّ بمد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى»(17).
[رواه النسائي، كتاب البيوع، باب بيع الشعير بالشعير، رقم: 4577].
19 ــــ عن فضالة بن عبيد قال: اشتريتُ يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصَّلتها فوجدتُ فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرتُ ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تُباع حتى تفصَّل»(18).
[رواه النسائي، كتاب البيوع، باب بيع القلادة، رقم: 4587/4588].
20 ـــ عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع الدنانير وآخذ الدراهم، فأتيت النبيء صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فقلتُ:
يا رسول الله إنِّي أريد أن أسألك أني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع الدنانير وآخذُ الدراهم؟ قال صلى الله عليه وسلم : «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»(19).
[رواه النسائي، كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالذهب، رقم: 4596].
21 ـــ عن عبد الله بن يزيد أنَّ زيدًا أبا عياش أخبره أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسُّلت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن شراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك(20).
[رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب التمر بالتمر، رقم: 3359].
22 ـــ عن ابن عمر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر كيلاً، وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً، وعن بيع الزرع بالحنطة كيلاً….
[رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب المزابنة، رقم: 3361].
23 ـــ وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الحيوان اثنان بواحدٍ لا يصلح نسيئًا، ولا بأس به يدًا بيد»(21). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
[رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الحيوان، رقم: 1238].
24 ـــ عن عبادة بن الصامت عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا البُرَّ بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد». قال أبو عيسى: حديث عبادة حديث حسن صحيح.
[رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء أنَّ الحنطة بالحنطة…، رقم: 1240].
25 ـــ عن ابن مسعود قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهدَيه وكاتبه»(22).
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عمر وعلي وجابر وأبي جحيفة. وقال: حديث عبد الله حديث حسن صحيح.
[رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب آكل الربا، رقم: 1206].
26 ـــ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليأتين على الناس زمانٌ لا يبقى منهم أحدٌ إلاَّ أكل الربا، فمن لم يأكل أصابه غُباره».
[رواه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، رقم: 2278].
27 ـــ روى سعيد بن المسيِّب عن عمر بن الخطاب قوله: «إنَّ آخر ما نزلت آية الربا،وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض ولم يفسِّرها لنا، فدعوا الربا والريبة».
[رواه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، رقم: 2276].
المبحث الثاني: تخريج الحديث
لقد تجرَّأتُ في مقدمة المبحث السابق وعمَّمتُ الحكم على المصادر التي أخذت منها «نص الحديث» بأنها «صحيحة» على وجه التغليب لا على سبيل الحصر، ولاتفاق الأمَّة على تقديمها عن غيرها من مصنَّفات الحديث.
ويمكن حصر صحَّة هذه الأحاديث من أوجه عدَّة منها:
1 ـــ سلسلة السند ثلاثية من النوع «العالي» في الجامع الصحيح للربيع، وموطَّأ الإمام مالك.
2 ـــ الأحاديث (10 ـــ 17 ـــ 26) أشار السيوطي إلى صحَّتها في الجامع الصغير.
3 ـــ الأحاديث (23 ـــ 24 ـــ 25) أشار الترمذي إلى صحتها وهو راويها.
4 ـــ الحديثان (18 ـــ 27) من الموقوف لكن وجد لهما شاهد وتابع يقوِّي ضعفهما في السند والمتن.
5 ـــ ما لم يكن موصولاً في مسندٍ وُصل في مسند آخر.
6 ـــ كثيرٌ من هذه الأحاديث من السنَّة التقريرية ـــ فعلاً أو تركًا ـــ مدعومة بالسنة القولية.
وتجدر الإشارة إلى أنِّي اقتصرتُ على الكتب الثمانية من باب الاكتفاء والاستغناء عن المعاجم والزوائد والمستدركات لوجود التكرار فيما بينها، ولأنَّ بعضا من روايات هذه الكتب مطعون في أسانيدها لذلك لم يروها أصحاب الستة لكونها ضعيفة.
والإشكال الوحيد الذي يبقى بدون حلٍّ ـــ وهو محلُّ خلاف بين المحدِّثين ـــ هو تاريخ وقائع هذه الأحاديث لنتعرَّف على الناسخ والمنسوخ منها.. وهذا الإشكال هو الذي جعل أئمَّة الاجتهاد يختلفون في إجازة هذا النوع من «الربا» أو منعه، رغم أنَّ ابن شاهين (ت 385هـ) قد صرَّح في كتابه «الناسخ والمنسوخ من الحديث» أنَّ ابن عبَّاس قد تراجع عن فتواه وأنَّ الناسخ لحديث أسامة بن زيد وابن عباس هو حديث أبي سعيد الخدري(23).
المبحث الثالث: منطوق الحديث
في ثلاثة عشر حديثًا يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن كيفية التعامل مع ربا الفضل… وينهانا في أربعة عشر حديثًا عن تبادل الأشياء من جنسٍ واحد نسيئة إلاَّ يدًا بيد، وقد حدَّد هذه الأشياء في ثمانية أصناف: البرُّ، والشعير، والتمر، والملح، والذهب، والفضة، والحيوان، والعبيد.
ومعظم هذه الأحاديث وقائع حدثت في عهد النبوة، فنهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أو أقرَّها أو صحَّح صورتها، وكذلك هي مـمَّا وقع في عهد الصحابة رضوان الله عليهم فعرضوها على السنَّة يصحِّحون بها حالات وقعت فيما بينهم.
ويُصرِّح الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الفتح في السنة الثامنة للهجرة أنَّ جميع أنواع الربا المعروفة في الجاهلية ممنوعة بين المسلمين.
ويخصص هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الخامس عشر أنَّ المقصود بالربا الممنوع في هذه الخطبة وغيرها هو ذلك الذي يحدث على التأخير.
وليُبعدنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الربا لعن جميع من يتعامل مع المرابين ولو بالشهادة والكتابة فقط، وما يزال الناس يتساهلون في أمر الربا حتى ينال جميع الأرزاق، فلا ينجو منه شخص مهما كان التحرِّي الذي يقوم به إزاء كسبه..
ورغم كلِّ الأدلَّة السابقة فإنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يصرِّح بأنَّ مسألة الربا ما زالت غامضة لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسِّر الآية التي نزلت تفسيرًا واضحًا فهو ينصحنا أن لا نقرب أيَّ معاملة فيها شبهة تؤدِّي إلى الربا لئلاَّ نُصاب بدائه المزمن.
المبحث الرابع: مفهوم الحديث
يتضمَّن هذا المبحث خمسة مطالب أساسية نفصِّلها في ما يلي:
المطلب الأول:
ما هو الربا؟ ما حُكمه؟ ما أنواعه؟
ففي اللغة: الربا معناه الزيادة والنماء في كلِّ شيء سواء أكانت زيادة معنوية أم حقيقية، ومنها قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة آية: 276]… ومنها الانتفاخ في قوله تعالى: {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج آية: 05]، ومنها المرتفع من الأرض {وَءَاوَيْنَاهُمَآ إِلىَ رُبْوَةٍ} [المؤمنون الآية 50].
ومنها قولهم: فقد أربى على الخمسين ونحوها؛ أي زاد. ومنها مرض الربو: أي التنفُّس العالي. ومنها التربية أي التنمية، تربّيتُ في حِجرِه أي نمَوتُ في كنفه ورعايته…(24).
وفي الاصطلاح الشرعي هو كلُّ سلعة وقع شراؤُها أو بيعُها بسلعة من جنسها مع زيادة بينهما إلى أجلٍ معيَّن.. وهذا ما نستفيده من جميع الأحاديث التي نصَّت على تحريم الربا ونهت عنه. قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البُرَّ بالبُرِّ إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير»(25).
فقد نصَّ مثلاً لفظ: «الذهب بالذهب» على اتحاد الجنسين، ويؤيد ذلك لفظ «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».
ونص «مِثلاً بمِثل» على منع الزيادة بينهما ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «فمن زاد أو استزاد فقد أربى».
ونص «لا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير» على منع الأجل في قبض السلعة.. لذلك حصره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم والبخاري في قوله «لا ربا إلاَّ في النسيئة»، وفي حديث النسائي «إنما الربا في النسيئة».
وهذا الحصر هو الذي جعل العلماء يُقسِّمون الربا إلى نوعين هما: ربا النسيئة وربا الفضل..
وعلى هذا التقسيم ضبطوا الحكم على الربا، فأجمعوا إجماعًا ليس فيه شذوذ أنَّ ربا النسيئة حرامٌ لتصريح الأحاديث به وتنديد الآيات القرآنية به..
وأمَّا ربا الفضل فقد اختلفوا فيه اختلافًا كبيرًا فمنهم من أحلَّه حسب النصوص التي صحَّت لديه، ومنهم من منعه حسب النصوص التي ثبتت لديه، والتأويل الذي يراه أقرب للصواب، ولا يتعارض مع نصوص الكتاب.. وقبل أن نتطرَّق إلى أدلَّة كلِّ فريق لا بدَّ علينا أن نعرِّف هذا النوع من الربا..
المطب الثاني:
ما هو ربا الفضل؟
هو كلُّ بيع اجتمع فيه جنسان من نوعٍ واحدٍ مع زيادة بلا أجل، وهذا المعنى هو ما يستفاد من الحديث الصحيح «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة، ولا البُرَّ بالبُرِّ ولا الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح، إلاَّ مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، سواء بسواء، عينًا بعين». ومن فعله صلى الله عليه وسلم أنَّه ابتاع بعيرًا ببعيرين، وأجاز بيع عبدٍ بعبدين، إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد.
والزيادة من الجنس نفسه قد تكون بالعدد أو بالنوعية، فكلاهما يتحقَّق به ربا الفضل.
ودليل العدد هو ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الحيوان اثنان بواحدٍ لا يصلح نسيئًا ولا بأس به يدًا بيد».. وأمَّا دليل النوعية فإنَّ حاجة الناس تقتضي المفاضلة بين السلعتين في النوع، وإلاَّ فلا يُسمَّى بيعًا إذا كان من نفس النوع بل هو تبادل عادي لا يدخل في موضوعنا.
المطلب الثالث:
حكم ربا الفضل؟
أوَّلاً: أدلَّة المانعين له جميعًا:
لقد منع فريقٌ من العلماء ربا الفضل للأدلة التالية:
أ ـــ النهي: لقد ورد الحديث بالنهي عنه والنهي للتحريم بسبب تكرار النهي وتنويع صيغه وذكر ألوان مختلفة من أمثلته على وجه التأكيد والإلزام.. ومثال ذلك حديث عبادة الذي عارض فيه معاويةَ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضَّة ولا البُرَّ بالبُرِّ ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح، إلاَّ مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، سواء بسواء، عينًا بعين».. وفي رواية مسلم زاد تأكيدًا آخر قائلاً: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى».
ب ـــ عنوان المعاملة: هو «ربا الفضل»؛ والنصوص القطعية من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة تفيد التحريم المطلق لكل «ربا» قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة، آية 275]. وتشديد الوعيد على هذه المعاملة بعد النهي عنها يؤكد هذا التحريم.. والنصوص التي جُوِّزت بها هذه المعاملة هي ظنية الدلالة فلا يُعدل عنها إلى القطعي.
ج ـــ الغبنُ: تتضمَّن هذه المعاملة غُبن أحد الطرفين وإلحاق الضرر به، والشريعة الإسلامية تحرِّم الضرر وتنهى عنه في أكثرمن دليل «لا ضرر ولا ضرار».
وسدًّا لذريعة الوصول إلى أموال الناس بالباطل بالربا المحرَّم أو الغبن المحرَّم وجد في الأمة فريق من العلماء يَدين بتحريم ربا الفضل.
ثانيًا: أدلة المانعين له جزئيًّا:
وهؤلاء المانعون هم على ثلاثة آراء:
أ ـــ هناك فريق من العلماء يحرِّم ربا الفضل في الأشياء التي نصَّ عليها الحديث الشريف، وما يشبهها من جنسها، وبالتالي كلُّ ما لا يشبهها لا عبرة به، ولو شا الله أن يمنعها لقدَّم لنا منه مثالاً نقيس عليه غيره.. وهذه الأشياء هي سبعة: الذهب، والفضة، والبُرُّ، والشعير، والتمر، والزبيب، والملح.. وهي تُجمع في كلِّ موزونٍ ومكيل.. عند أبي حنيفة وأصحابه، وأمَّا ما كان من مُقدَّارًا بالعدد فلا حرج فيه كالحيوان والدينار والسيارات وغيرها، ودليلهم في هذا ما رواه عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «الذهب بالذهب مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، والفضلُ ربا، والفضة بالفضة مِثلاً بمثل، يدًا بيد، والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مِثلاً بمِثل يدًا بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مِثلاً بمِثل يدًا بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مِثلاً بمثلٍ يدًا بيد، والفضل ربا، والملحُ بالملح مِثلاً بمِثلٍ يدًا بيد، والفضل ربا»(26). وقوله صلى الله عليه وسلم «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم، إلاَّ ما نهيتكم عنه».
ب ـــ نفس الدليل اعتمده فريق آخر من المجتهدين حيث قالوا: يحل التعامل بربا الفضل إلاَّ في هذه الأشياء المنصوص عليها بأسمائها لأنَّها تشترك في الطعم وهم جمهور علماء الشافعية، وأمَّا غيرها من الأشياء مـمَّا يشبهها أو لا يشبهها فالأمر فيها على الإباحة والجواز، ولو شاء الشارع أن يُحرِّمها لنصَّ على أسمائها خاصَّة وأنَّ علَّة الربا مجهولة المعنى، بل ومُختلف فيها، فلا يحلُّ فيها القياس.
ج ـــ وأمَّا الفريق الثالث من العلماء وهم جمهور المالكية فيرون أنَّ ما نصَّ عليه الحديث يشترك في الاقتيات والادِّخار وما يصلحها، والأثمان التي تصلح لتقويم الأشياء وتبادل المنافع بها لا لحجزها عند طائفة معينة من الناس {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} [الحشر، آية 07]، وفي غيرها لا ربا فيها لأنَّها غير مفهومة العلَّة.
ثالثًا: أدلة الـمُجيزين له جميعًا:
وأمَّا الذين يُجيزون ربا الفضل فإنَّهم يستدلون بأحاديث كثيرة من قول النبيء صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره صحَّحها أئمة الحديث، وبعمل بعض الصحابة وبعض الأئمة المجتهدين.
أ ـــ فمن السنة القولية:
ما رواه النسائي والبخاري عن أبي سعيد الخدري وابن عبَّاس وأسامة بن زيد من قوله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما الربا في النسيئة»، وقوله: «لا ربا إلاَّ في النسيئة»، فدلَّت صيغة الحصر على وجه المخالفة أنَّ كلَّ معاملة بيع وقع فيها اتحاد الجنسين والزيادة بدون أجلٍ فلا تُعتبر «ربًا» وبالتالي يجوز للمسلمين أن يتعاملوا بها فيما بينهم.. ويُقوِّي هذا المعنى ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «الذهبُ بالورِق ربًا إلاَّ هاء وهاء، والبرُّ بالبُرٍّ ربًا إلاَّ هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلاَّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلاَّ هاء وهاء»، وكذا ما قاله البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: كنَّا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن الصرف فقال: «إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نَسَاءًا فلا يصلح»، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «لا ربا فيما كان يدًا بيد».
ب ـــ ومن السنَّة الفعلية:
ما رواه الربيع عن ابن عبَّاس وأبي داود عن جابر بن عبد الله موصولاً أنَّه صلى الله عليه وسلم ابتاع بعيرًا ببعيرين.. إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد.
ج ـــ ومن السنة التقريرية:
ما رواه الربيع وأبو داود في نفس الحديث السابق، أنَّه صلى الله عليه وسلم أجاز بيع عبد بعبدين إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد.. وما رواه الهيثمي عن الصنابحي قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة مُسنَّة في إبل الصدقة فغضب، وقال: «ما هذه؟»، فقال: يارسول الله إنِّي أرجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة، فسكت.
وفي رواية: من حواشي الإبل، قال: «فَنِعمَ إذًا»(27).
المبحث الخامس:
ما هو رأي الإباضية في ربا الفضل؟
للإباضية في المسألة رأيان:
قال القطب اطفيش (ت 1332هـ): «فدليل المذهب الأكثر منا أنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الذهب بالذهب والفضة بالفضَّة والتمر بالتمر والملح بالملح وغير ذلك على طريق التمثيل والاختصار في الكلام.. كما تقول: تعلم أ، ب، ت، ث، وأنت تريد حروف الهجاء كلَّها.. وكذا المراد في الحديث الإشارة إلى كلِّ متَّحدين فقط، فلو كان التمر بالشعير ربًا لنبَّه عليه، إلاَّ أنَّ الدليل قام من خارج أنَّ الذهب بالفضة والعكس ربا، والبرَّ بالشعير والعكس ربا، وأنَّه لا ربا في ذلك كلِّه إلاَّ بالنسيئة، لأنَّه ابتاع بعيرًا ببعيرين يدًا بيد، ونحو هذا مـمَّا مرَّ، وذلك هو الصحيح، ووافقنا عليه أصحاب مالك السيوري، وتلميذه عبد الحميد الصائغ.. قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لخبر «البرُّ بالبُرِّ ربا» الحديث.. ومفهوم العدد لا يفيد الحصر مطلقًا…
ويدلُّ على مذهب الأكثر منا الإجماع على أنَّ كلَّ صنف من هذه الأصناف بصنفه نسيئة ربا، والمتفق أولى من المختلف فيه»(28).
وفي نقد الأحاديث الواردة في الموضوع يقول رحمه الله: «وهذه الأحاديث التي شرط فيها المساواة والمماثلة منسوخة بحديث بيعه بعيرًا ببعيرين يدًا بيد، وحديث إجازة بيع عبد بعبدين يدًا بيد، وأحاديث: «إنَّما الربا في النسيئة» أي في الجنس الواحد لا في الفضل يدًا بيد من جنس واحدٍ، والله أعلم، ولم يطَّلع عبادة على نسخ اشتراط المماثلة والمساواة فذكرهما بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنكاره من معاوية، واطَّلع ابن عباس على نسخه»(29).
يروى عن الشيخ عبد العزيز الثميني (ت 1228هـ) في كتابه «التاج على المنهاج» ما نصُّه: «ولا بأس في صرف الدراهم بالفلوس نَظِرَةً عند من يراها من العروض لا عند من يراها من النقود إلاَّ يدًا بيد»(30). والنظرة التأخير.
«وسئل العلامة أبو عبد الله محمدبن يوسف المصعبي (ت 1187هـ) نزيل جربة عمَّن يأخذ الدراهم بتونس ويدفع بميزاب بغير سكَّة تونس قدرًا معلومًا؟ فأجاب بجواز ذلك إذا لم يتَّفقوا على الصرف…».
ثمَّ حكى القطب اطفيش عن صاحب الضياء (ق5هـ) قوله: «ومن عليه لرجل ذهبٌ فجائز أن يقضيه دراهم والعكس كذلك على غير معنى الصرف، لأنَّ الصرف لا يجوز إلاَّ يدًا بيد، ويكره للرجل أن يعطي بعمان ويشترط الدفع بالبصرة أو غيرها، ولا بأس به من غير شرط، والظاهر أنَّ سبب الكراهة ما فيه من منفعة للمعطي من السلامة من الغرر في إرسالها أمانة فيدخل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قرضٍ جرَّ منفعة»(31).
وقال الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت 208هـ): في «مسائل نفوسة»: «وكلَّما أضعف الناس في بيوعهم مـمَّا اختلف وتشابه فباعوه بالنقد اثنين بواحد، أو أضعافًا مضاعفة، فلا ربا فيه عندنا… ولا ربا إلاَّ في النسيئة: مـمَّا لم يختلف نوعاه وكان نظرة، فلا يصلح مطبوخ بلحم مشوي بالنسيئة، ولا بأس به نقدًا يدًا بيد، ولا بأس بالحبوب باللحم بالنسيء لأنَّه قد بان اختلافه»(32).
ويقول الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد النفوسي
(ت 504هـ): «والصرف جائز بين الناس وهو بيعٌ من البيوع، وإنَّما يكون في الذهب والفضة يدًا بيد، ولا يجوز بالنظرة والتأخير…»(33).
ثم قال الشيخ أبو العباس: «وأمَّا غير الذهب والفضة في جميع ما يُكال أو يوزن أو الحيوان كلُّها واحدٌ باثنين أو أكثر إلى أجلٍ فيه اختلاف: منهم من يقول ذلك ربا، ومنهم من يقول هو انفساخ»(34).
ويقول العلاَّمة الشيخ أبو يعقوب
يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570 هـ) «واعلم أنَّ ابن عباس من علماء هذه الأمة وفقهائها، وممن دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفقهه في الدين ويعلِّمه التأويل، لكن أمرًا أذن الله تعالى عباده بالحرب ، فلا ينبغي أن يتعرَّض له، ولا أن يهون به، قال عزَّ وجلَّ: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَآ إِن كُنتُمْ مُّومِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَاذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة، آية: 278، 279]، وإنَّما إنفاذ الشريعة أمرٌ يسَّره الله فسهَّله، فخذ فيه باليسر ما قدرت، ولا تتعد حدود الله تعالى، وأمرٌ عسَّره الله تعالى وشدَّد فيه فلا تتعرض له، فقد شدَّد في آية الربا ما لم يشدِّد في غيرها، وآذن العباد بالحرب، وقد قيل عن ابن عباس أنَّه قد رجع عنها في أيام مرضه بالطائف، وفيه مات (سنة 68هـ)، وقد أردنا أن نسدَّ عنكم أبواب الربا، فأبيتم إلاَّ فتحَها فرجع عنها قبل موته.
وإنَّما نبهناكم على هذا نصيحة على أنَّ ابن عباس بالموضع الذي هو فيه من الفقه من الدين والسنَّة والتنزيل بالموضع الذي لا يُنكر…
وقد قال أبو بكر الصدِّيق:
«ما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم »، وليس مذهبه بفرضٍ فيضيق على الناس مخالفتُه.
ولقد فطن لمذهبه محمد بن محبوب [بن الرحيل، العُماني، أبو عبد الله، ق3هـ]، فآثر السنَّة والجماعة والرأي، وهو النهاية في زمانه نَسجُ وحده، وفردُ زمانه»(35).
وقال الشيخ عبد الله بن حميِّد السالمي: «وذهب أصحابُنا إلى أنَّ الربا إنَّما اختصَّ بالنسيئة، وأنَّه لا بأس بالزيادة في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيد… وحُجَّتُهم في ذلك حديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: «إنَّما الربا في النسيئة»، وزاد مسلم في رواية ابن عباس «لا ربا فيما كان يدًا بيد»، قلتُ: ويؤيده قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ} إلى قوله: {وَإِن كَان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ}(36)؛ فإنَّه يدل أنَّ الربا الذي جاءت به الآية بتحريمه إنَّما هو ربا النسيئة، إذ لولا ذلك لما كان لذكر رؤوس الأموال معنى، وكذلك النظرة إلى الميسُرة.. فعلمنا من كتاب الله ما روى أسامة»(37).
سُئل الشيخ أحمد بن حَمد الخليلي (حفظه الله) المُفتي العام لسلطنة عُمان اليوم في فتاوى المعاملات: ما حُكم ربا الفضل؟ فأجاب: «الراجح مامال إليه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني»، وأشار إلى اختياره القطب، ورجَّحه الإمام الخليلي، رحمهم الله جميعًا.
وعليه في عصرنا إمام المعقول والمنقول الشيخ القنوبي (حفظه الله)، وهو عدم جواز ربا الفضل، وذلك للأحاديث الواردة في ذلك؛ والله أعلم»(38).
ومن هذه النصوص يتبيَّن أنَّ الشيخَ
أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني والشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل العُماني هما اللذان يأخذان برأي الجمهور عند أصحابنا ويؤيدانه، ومن المتأخرين والمعاصرين الشيخ محمد بن يوسف اطفيش والإمام الخليلي العُماني والشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان ونائبه الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي … وأمَّا غيرهم من العلماء فيُجيزون «ربا الفضل» عندنا.
خلاصة البحث:
إنَّ مسألة «ربا الفضل» قضية تدخَّل فيها الاجتهاد رغم الآثار الواردة فيها بسبب تعارضها، وعدم ظهور الناسخ والمنسوخ منها، والراجح من المرجوح منها، فتعذَّر وجود حكمٍ موحَّد بين العلماء، ورغم أنَّ الجمهور يميل إلى تحريم «ربا الفضل» لاعتبارات سبق ذكرها فإنَّ الواقع المعيش يؤيد رأي الإباضية في جواز التعامل بربا الفضل على وجه العزيمة والضرورة لا الرخصة، فينحلُّ الإشكال ويزول مادامت النصوص الصحيحة تُثبت الجواز.. وأمَّا من حرَّمه على وجه سدِّ الذرائع فذلك حكمٌ فرعيٌّ لا ينصُّ عليه الدليل بل يقتضيه. والله أعلم.

أ/ الحاج أحمد بن حمو كروم

المراجع
1- القرآن الكريم.
2- الربيع: الجامع الصحيح.
3- البخاري: الصحيح.
4- مسلم: الصحيح.
5- النسائي: السنن.
6- الترمذي: الجامع الصحيح.
7- ابن ماجه:السنن.
8- مالك: الموطَّأ.
9- أبو داود: السنن.
10- الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
11- ابن منظور: لسان العرب.
12- الزمخشري: أساس البلاغة.
13- وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته.
14- عبد العزيز الثميني: كتاب النيل.
15- القطب اطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل.
16- الإمام عبد الوهاب الرستمي: مسائل نفوسة.
17- أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان.
18- عبد الله بن حميَّد السالمي: حاشية على الجامع الصحيح.
19- أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة.
20- ابن شاهين عمر بن أحمد: الناسخ والمنسوخ من الحديث.
21- أحمد الخليلي: فتاوى المعاملات.

الهوامش
*)- ورد هذا البحث إلى هيئة التحرير في نفس الفترة التي تلقت فيه البحث الموسوم بـ: نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية (ربا الفضل نموذجًا)، للأستاذ محمد بن صالح حمدي. ولعل القارئ الكريم سيلاحظ تعارض الطرحين، وقد آثرنا نشرهما معًا لإبراز وجهات النظر، وللتأكيد على الضرورة الملحة لإنشاء مجمع فقهي اقتصادي يوحِّد الاجتهاد في مثل هذه المسائل الهامة. (هيئة التحرير).
**)- أستاذ علوم الحديث في قسم التخصص في الشريعة الإسلامية. معهد عمي سعيد. غرداية، الجزائر.
3)- رواه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب الصرف، رقم 2253. رواه مالك في كتاب البيوع، باب الصرف، رقم 38، ص: 636. رواه البخاري برقم 1028.
4)- رواه مسلم في كتاب المساقاة، برقم: 80/1587 بزيادة: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى». رواه النسائي برقم 4576 بلفظ يبدأ «جمع المنزل…».
5)- رواه أبو داود عن جابر في كتاب البيوع، برقم 3358.
6)- رواه النسائي عن أبي هريرة، برقم 4567 / الجنيب: نوعٌ جيد من التمر.
7)- نفس الحديث رواه الربيع عن عبادة بلاغًا، كتاب البيوع، باب الربا، رقم 584.
8)- قال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم أنَّ هذه القصة عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلاَّ من هذا الوجه/ رواه النسائي برقم 4586 لكن دون جواب معاوية وما بعده. قال المحقق محمد فؤاد عبد الباقي: رواه الشافعي في الرسالة فقرة 1228.
9)- رواه النَّسَائي برقم: 4581 / رواه الشافعي في الرسالة فقرة 759 / رواه مسلم في كتاب المساقاة برقم 1588.
10)- رواه البخاري برقم 1030 / رواه النَّسائي برقم 4584 / رواه الترمذي برقم 1241. قال محقق الموطَّأ محمد فؤاد عبد الباقي: تشفوا من الإشفاف، أي لا تفضلوا، والشِيف بالكسر الزيادة.
11)- رواه النسائي برقم 4590.
12)- رواه النسائي برقم 4569.
13)- رواه النسائي برقم 4593.
14)- رواه مسلم برقم 1596 / النسائي برقم 4594 وزاد النسائي لفظًا آخر «إنما الربا في النسيئة» رقم 4595.
15)- رواه الترمذي برقم 1243 / رواه ابن ماجه برقم 2260.
16)- وأخرج مسلم عن أبي هريرة رواية أخرى تنتهي بلفظ «إلاَّ ما اختلفت ألوانه» أي أجناسه. برقم 1588. وكلتا الروايتين أخرجها النسائي بسنده برقم 4579، و 4573.
17)- قال السيوطي مديًا بمدي أي مكيالاً بمكيال، والمدي مكيال لأهل الشام، يسع خمسة عشر مكوكًا، والمكوك صاعٌ ونصف. والحديث رواه أبو داود في كتاب البيوع برقم 3349 بلفظ «وأما نسئه فلا» مكان «ولا يصلح نسيئه».
18)- رواه أبو داود في كتاب البيوع، برقم 3352.
19)- رواه الترمذي برقم 1242، وهو ينتهي بلفظ «لا بأس به بالقيمة» / رواه أبو داود برقم 3354 / رواه ابن ماجه برقم 2262، وينتهي بلفظ «إذا أخذت أحدهما وأعطيت الآخر فلا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس».
20)- البيضاء هي الشعير/ رواه ابن ماجه في كتاب التجارات، برقم 2264.
21)- رواه أبو داود عن سمرة برقم 3356.
22)- رواه أبو داود برقم 3333/ رواه ابن ماجه في كتاب التجارات برقم 2277.
23)- الحافظ ابن شاهين: الناسخ والمنسوخ من الحديث. ص: 237.
24)- انظر: لسان العرب، مادة (ربو) لابن منظور، والأساس للزمخشري.
25)- الحديث رقم 02.
26)- وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلَّته، ج4، ص: 677.
27)- رواه أحمد وأبو يعلى: مجمع الزوائد، ج4، ص: 105.
28)- اطفيش محمد بن يوسف: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج8، ص: 43 وما بعدها.
29)- المرجع السابق، ص: 608.
30)- المرجع السابق، ج8، ص: 626.
31)- المرجع السابق، ص: 627.
32)- مسائل نفوسة، ص: 138.
33)- كتاب: «أبي مسألة»، ص: 108.
34)- المرجع السابق، ص: 108.
35)- الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج2، ص: 100 ـــ 102.
36)- البقرة، الآيتان: 279، 280.
37)- حاشية على الجامع الصحيح، ج3، ص: 204.
38)- الخليلي، فتاوى المعاملات، ص: 177.

نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 41.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك