وسائل الاتصال والتواصل بين المسلمين – الوقف والزكاة نموذجا

للوقف أهمية اجتماعية واقتصادية وخيرية خاصَّة في تاريخ الإسلام. وقد ظهر الوقف في المجتمع الإسلامي منذ عصر النبوة، وشمل مجالات متعددة من النشاط الاقتصادي والاجتماعي والخيري، وشارك فيه الحكَّام والأعيان والتجار، وهكذا كان الوقف ظاهرة بارزة في الحضارة الإسلامية لفتت نظر الدارسين لهذه الحضارة، وجعلتهم يهتمون بدوافعه وأنواعه وأهدافه.

أصل الوقف هو الحديث الشريف: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»، وقد اعتُبر الوقف صدقة جارية، لأنَّ قصد الواقف منه غالبًا هو سدُّ حاجات المعوزين، كما سنرى. كما يستند الوقف في أصله إلى سؤال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم وقد أصاب أرضًا خصبة ولم يدرِ ما يصنع بها، فقال عمر للرسول صلى الله عليه وسلم : «إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قطُّ أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟» فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بالباقي» فتصدَّق بها عمر رضي الله عنه . فهي لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث. وذلك هو معنى الوقف على العموم، أي أنَّه ملكٌ لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث، وإنَّما هو صدقة جارية.
ولقد عرَّف أحد الفقهاء المعاصرين الوقف بقوله: «منع التصرُّف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداءً وانتهاءً». وهذا التعريف دقيق وجامعٌ لصور الوقف عند الفقهاء. فالوقف هو حبس العين، كالأرض، ثمَّ التصدُّق بثمرتها على وجه البر والإحسان(2).
والوقف بهذا المعنى قديم، وكان موجودًا عند غير المسلمين أيضًا، ويظهر ذلك بالخصوص في المعابد وتوابعها لأنَّها كانت مشاعة بين المعتقدين فيها، فالبيت الحرام والمسجد الأقصى كانا موجودين قبل الإسلام، وكان الناس ينتفعون بهما على الشياع، وكذلك كان الحال بالنسبة للمعابد والكنائس عند غير المسلمين، فهي لا تدخل في ملكية شخصٍ بعينه. كما كان الناس يعقدون عقود البيع وعقود الزواج وعقود الإجارة قبل الإسلام أيضًا، وقد اعترف الإسلام بذلك ولكنه وضع له نُظمًا وقوانين ضابطة، وهكذا يكون الوقف موجودًا بمعناه فقط قبل الإسلام(3).
ونلاحظ أنَّ الوقف في الإسلام تجاوز المعابد إلى غيرها من المنشآت وأنواع الصدقات، فهو يشمل جميع أنواع البر والإحسان، كالوقف على الفقراء والعتقاء والمجاهدين والمحتاجين والأقارب والذريَّة، إضافة إلى المؤسسات التي سنشير إليها، وهناك فرق بين الوقف والهبة، ذلك أنَّ الهبة مملوكة للموهوب له، أمَّا الوقف ففي حكم ملك الله.
وللوقف صيغة يجب احترامها، ولا تُعتبر العين موقوفة إلاَّ إذا توفَّرت، وهي:
أوَّلا: إنشاء العقد بالقول أو الإشارة أو الكتابة، فإذا خلا العقد من أحد هذه الأمور كان عقدًا باطلاً أو فاسدًا.
ثانيًا: أن تفيد الصيغة الإنجاز، أي ألاَّ تكون معلَّقة على شرط، فإذا عُلِّقت على شرط غير موجود كان الوقف باطلاً(4).
ثالثًا: أن تفيد الصيغة التأبيد والدوام، لأنَّ التوقيت يبطل الصدقة، فالوقف الموقوت فاسد.
رابعًا: عدم اقتران الصيغة بشرط يؤثِّر على أصل الوقف، مثل اشتراط الواقف حقَّ التصرُّف في داره بعد تحبيسها بالبيع ونحوه، أو اشتراطه حقَّ الرجوع بعد أن يكون قد حبس داره مسجدًا. أمَّا إذا كان الشرط متعلِّقًا بالمنفعة أو الغلَّة فهو جائز كتحويل ريع الأرض من شخصٍ إلى آخر، أو تحويل المنفعة المنجرَّة عن الوقف إلى جهة أخرى.
كما أنَّ هناك شرطًا يجب أن تتوفر في الواقف نفسه، ومن أبرزها:
أولاً: أن يكون حرًّا في التصرُّف في ماله، لأنَّ العبد لا يجوز له ذلك لأنَّ ماله ملك لسيِّده، لكن يجوز للعبد الوقف نيابة عن سيِّده.
ثانيًا: أن يكون الواقف عاقلاً بحيث لا يصحُّ الوقف للمختلِّ عقليًّا.
ثالثًا: أن يكون مختارًا في فعله لأنَّ المُكره لا يصحُّ منه الوقف. كما يشترط في الواقف أن يكون بالغًا، وراشدًا، أي غير محجر عليه، ولا مفلسًا، ولا سفيها.
ومن أبرز الشروط في هذا المجال أن لا يكون المال المراد وقفه كلُّه مستغرقًا في الدين، أمَّا شرط الإسلام فليس ضروريًّا، إذ يصحُّ الوقف من غير المسلم أيضًا، بشرط أن يكون قربة في نظر الإسلام، ويصحُّ الوقف أن يكون عينًا أو نقدًا. ومن شأن الوقفية أن تنصَّ أيضًا بالتفصيل على أوجه الصرف في مختلف المجالات.
والخلاصة أنَّ الوقف لا يكون صحيحًا إلاَّ إذا كان طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، كالعقارات المملوكة ملكًا صحيحًا، أمَّا إذا كانت الملكية غير صحيحة كالأراضي التي يحبسها السلاطين أو كان من الأراضي الأميرية، فلا ينطبق عليها شروط الوقف الصحيح، إذ يُعتبر من قبيل تخصيص قطع من الأراضي من السلطة إلى جهة ما للاستفادة منها.
وينقسم الوقف إلى نوعين: الأول هو الوقف الذرِّي أو الأهلي، وهو الوقف على الأولاد والأحفاد والأقارب. والثاني الوقف الخيري؛ ويقصد به وجه الخير ابتداءًا واستنادًا للحديث المذكور: «إذا مات ابن آدم…»، ومن ثمَّة يصبح المقصود بالوقف الخيري هو الصدقة الجارية، وهذا النوع من الوقف (الخيري) هو الذي شاع عبر التاريخ الإسلامي، وأدَّى دورًا اجتماعيًّا وثقافيًّا بارزًا.
ذكرنا أنَّ الوقف كان معروفًا مند العصر النبوي، وقد شارك فيه عدد من الصحابة، مثل عمر بن الخطَّاب، ثم أصبح معروفًا على نطاق واسعٍ منذ العصرين الأموي والعباسي. وكلَّما تقدَّم التاريخ الإسلامي ازداد الوقف انتشارًا في مختلف البلدان، ولا سيما في مصر والشام. وفي كثير من الحالات كانت الأرض ملكًا للدولة، ولذلك لم تكن موضع وقف، وكان عُمَّال الأرض يعملون عليها كأجراء لا مُلاَّك، أمَّا ما يصل منها إلى يد الحاكم فهو خراج أجرة، فإلى عهد الإخشيديين كانت الأوقاف في مصر لا تشمل الأرض الزراعية، وإنَّما الدور والرباع فقط، ويذكر المقريزي أنَّ ابن طولون حين بنى الجامع والمارستان لم يحبس عليهما الأرض، وإنَّما حبس عليهما الرباع ونحوها.
وفي العهد الأيوبي والمملوكي كثر وقف الأراضي، وصارت للأوقاف دواوين، منها ديوان أحباس المساجد، وديوان أحباس الحرمين الشريفين، وديوان الأوقاف الأهلية (الذريَّة)، وكان القضاة هم المتولين للأوقاف والإشراف عليها، ولا سيما الأوقاف الأهلية(5). ثم أصبحت إدارة الوقف هي المتوليَّة للأوقاف العامَّة بعد انقراض الذريَّة، وكانت هذه الإدارة هي التي تعيِّن من يشرف على الوقف عند المنازعات أو عند المحاسبات على الصرف، أو عند عدم بلوغ المتولِّي رشده، ويظهر أنَّ الوقف الذي كان يديره متولٍّ ملتزم بشروط الواقف كان أكثر أنواع الوقف سواء أكان ذريًّا أو خيريًّا(6).
إنَّ الوقف يقدِّم خدمة جليلة للمجتمع الإسلامي لأنَّه من الصدقات الجارية، كما ذكرنا، فهو يخدم أغراضًا عديدة تصبُّ كلُّها في تكاثر أبواب الخير، وقد أسهمت كلُّ البلاد الإسلامية في الأوقاف، فكثُرت بها المؤسسات الدينية والتعليمية والصحِّية والاجتماعية؛ فكان هناك تكامل بين مختلف قطاعات الخدمات في المجتمع، أمام غياب الوزارات المعروفة اليوم. ذلك أنَّ الوقف كان يقوم بما تقوم به اليوم وزارات: التعليم، والشؤون الاجتماعية، والصحيَّة، والشؤون الدينية، وهلمَّ جرًّا، إضافة إلى ما تقوم به الجمعيات المدنية والثقافية والخيرية.
وعندما شاع الظلم والفساد في بعض المجتمعات لجأ الناس ولا سيما في العصرين المملوكي والعثماني إلى ”تهريب“ أملاكهم فيدخلونها في طائلة الوقف حتَّى لا يعبث بها العابثون، على أنَّ العبث بها قد يكون من صاحب الوقف نفسه، فقد اتَّخذها بعضهم وسيلة للتفريق بين الذكور والإناث، وتصرَّفوا بواسطتها في الإرث، فحرموا البعض ومتَّعوا البعض الآخر. وكان دافعهم أحيانًا هو الخوف من استيلاء الحكَّام الظلمة على أملاكهم، فكانوا يُحصِّنون أملاكهم من التعدي عليها بإدخالها في الوقف على أنفسهم أوَّلاً ثم على المساجد والمبرَّات بعدهم، وقد فعل ذلك حكَّام المماليك الذين كثرت الأوقاف في عصرهم ـــ كما أشرنا ـــ والذين كانوا يتعرَّضون إلى انقلابات سياسية، فيأتي غيرهم ويصادر أموالهم وأراضيهم ويستولي عليها غصبًا.
ولـمَّا حكم محمد علي مصر أدخل أملاك الوقف في أملاك الدولة وجعل ريعها يصبُّ في خزينة الدولة، وقد أسس إدارة خاصًّة بالأوقاف، وجعلها مسؤولة على أوقاف الحرمين الشريفين (مكة والمدينة). كما جعلها مسؤولة على الصرَّة والغلال والمواد التموينية التي أصبحت تخرج من خزينة الدولة بعد أن كانت مستقلة عنها. وممَّا يذكر أنَّ صنع كسوة الكعبة وتجهيز المحمل المصري كان قبل محمد علي من مال الأوقاف، ولكن منذ أن اتَّخذ محمد علي الخطوة المذكورة أصبح إرسال الكسوة والمحمل من مال الدولة(7).
وممَّا يذكر في هذا الصدد أنَّ السلطان محمود الثاني العثماني ألغى نظام الوقف وجعل له وزارة خاصَّة تحت سلطته، فأصبحت هي المعنية بالصرف على من كانوا يستفيدون من الوقف. وحين احتلَّت فرنسا الجزائر استولت على أملاك الأوقاف وضمَّتها إلى ملكية الدولة الفرنسية، وتصرَّفت في مداخيلها، بما في ذلك أوقاف الحرمين الشريفين، والمؤسسات الدينية، والتعليمية، مـمَّا أدَّى إلى نشر الفقر بين فئة هامَّة في المجتمع، وإضعاف تعليم القرآن واللغة العربية(8).
ومهما كان الأمر فإنَّ كثرة الأوقاف في البلاد الإسلامية بآخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين قد تسبب في ضعف استغلال الأرض الموقوفة، وصارت مداخيلها نهبًا للذين يتولَّون أمرها، أو من كان حولهم من المستفيدين منها، وقد نادى بعض المصلحين بإصلاح نظام الوقف نظرًا لما وصل إليه من تدهور وعدم تحكُّم، فقامت بعض الدول مثل مصر بإلغاء الوقف الأهلي (الذرٍّي) حتى لا يستمرَّ التلاعب فيه.
يخدم الوقف مختلف الأغراض الاجتماعية والتعليمية، ومن أبرزها تحفيظ القرآن الكريم في الكتاتيب أو المدارس القرآنية، وقد جرت العادة على أن يكون الكتَّاب قريبًا أو ملتصقًا بأحد المساجد، وكانت الكتاتيب منتشرة في الأحياء السكنية بالمدن والبلدات، وحتى في الأرياف حيث تُنصب الخيام لاستقبال الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم، وتتوفر الكتاتيب على النظافة والمرافق الصحية والألواح وأجرة الشيخ أو المعلم، بالإضافة إلى الماء والإنارة، وكانت المساجد وموظفوها (من خطباء ومدرسين ومنظفين…) والمدارس ومدرسوها تحظى بحظ هام من الأوقاف التي توفِّر للموظفين حاجاتهم، بل توفر الماء إلى هذه المؤسسات من أماكن بعيدة، وفرش المساجد بالسجاد أو الحصير، وشراء الزيت لإنارة المصابيح والثريات، والنظافة، وفوق كلِّ ذلك صيانة المساجد والمدارس لكي تظل مستمرة في أداء مهمتها النبيلة. وكانت مؤسستا المساجد والمدارس تتوفَّر أيضا على مساكن وأروقة للطلبة البعيدين أو الغرباء، وكانت إقامتهم مجَّانية، وكذلك طعامهم وشرابهم، كما أنَّ بعض المساجد والمدارس كانت تضمُّ مكتبات أيضًا، بحيث يجد الطالب فيها المخطوطات وأمهات الكتب التي يحتاجها في دراسته، وهي في العادة كتبٌ حبسها أصحابها، أو اشتراها آخرون وحبسوها على المسجد أو المدرسة أو الزاوية (الخانقاه)(9).
وكان ذلك هو شأن مختلف المساجد، ولا سيما الكبيرة منها، فالحرمان الشريفان والجامع الأعظم ببغداد، وجامع القرويين، وجامع الزيتونة، والجامع الأموي، والجامع الأزهر، والأقصى بالقدس، وجامع قرطبة، والجامع الأعظم بالجزائر، وغيرها كان لها أوقاف عظيمة تسمح لها بأداء مهمتها الدينية والتعليمية والثقافية، فهذا الجامع الأزهر الذي صُلِّيت فيه أول جمعة سنة 361هـ والذي شيَّده الفاطميون ليكون مثابة للمذهب الشيعي، أوقف عليه الحاكم بأمر الله كثيرًا من الأراضي الزراعية والعقارات والمباني والدور والأسواق والمخازن والرباع، ثمَّ تنافس الحكام بعد ذلك في الوقف عليه فازدادت أوقافه(10). وقل مثل ذلك جامع القرويين الذي بني في عهد الأدارسة، وحظي منهم ومن غيرهم كبني مرين بأوقاف ضخمة ومستمرة(11).
ويمكن حصر بعض المسائل التي يقوم الوقف بتغطيتها، ومنها: النفقة على العلماء والفقهاء والطلبة، والإحسان إلى الفقراء والتخفيف من معاناتهم، والحد من تعسف الحكام والهروب من ظلمهم، وإتاحة الفرصة أمام العجزة والقاصرين لكي يستغلوا أرزاقهم ويسيِّروها على أفضل وجه، وحفظ قيم الأسرة وتماسكها، وصيانة حقوق الورثة، بالإضافة إلى صيانة المرافق العامَّة كالعيون المائية ومحطَّات المسافرين، وبناء وترميم الثكنات العسكرية، وتحصين الأسوار والقلاع حول المدن، وتوفير عدَّة الجهاد، وفدية الأسرى…
وتشمل الأوقاف بالإضافة إلى ما ذكرنا: الدكاكين، والمحلات التجارية، والخانات، والفنادق، والإسطبلات، والمنازل، والطواحين والحمَّامات والمخابز ومعاصر الزيت، ومصانع الصابون والورق والسكر، وهناك أيضًا الأملاك الزراعية كالبساتين والمزارع، بل هناك قرى بأكملها كانت موقوفة.
ولكن ذلك لا يعفينا من القول بأنَّه بالرغم من هذا الوجه المشرق للوقف،وهو الغالب عليه، فإنَّ هناك بعض الإساءات إليه؛ ففي بعض الأحيان كان الفائض على الاستغلال فقط من دخل الوقف هو الذي يُستعمل للصيانة، وإذا لم يكن هناك فائض فإنَّ المؤسسة تبقى متروكة للإهمال والخراب.
وهناك حوادث عديدة تدل على وقوع تلك الإساءات، وذلك بتوجيه ريع الوقف إلى أغراض شخصية أو غير منصوص عليها في الوقفية، ويأتي ذلك عادة ممن يتولَّون الأوقاف الذين يُطلق عليهم أحيانًا الوكلاء أو النُظَّار، وهناك حوادث عن الغش في حسابات الوقف(12). وقد مرَّ بنا أنَّ بعض الحكَّام قد تعدَّوا على حرمة الوقف المؤبَّد فحوَّلوه إلى خزانة الدولة.
ثانيًا: الزكاة والقيم الإسلامية:
الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي حق المال في نظر الإسلام، كما أنَّها حق الجماعة على الفرد، إذ إنَّ القرآن صريح في ذلك بقوله: {وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّآئِـلِ وَالْمَحْرُومِ}(13). وهي عبادة «تطهِّر ضمير الفرد من غرائز الشح والبخل وحب الذات»(14). وقد جاء في القرآن الكريم: {خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}(15). فالزكاة تطهِّر المسلم من الأثرة والأنانية، كما تطهر المال من الحرام والخبائث.
وقد شرع الإسلام الزكاة بنسب مختلفة للممتلكات، ولكنها نسب قليلة لا تضرُّ بالمالك، ومع ذلك فهي تمثل دخلاً هامًّا للمجتمع وثروة يمكن أن يستفيد منها عدد كبير من ذوي الحاجة. والزكاة بذلك قادرة، إذا أدَّاها صاحبها على خير وجه، على تأمين نفقات التكافل الاجتماعي الذي حثَّ عليه الشرع، والذي يجعل المسلمين يعيشون كالجسد الواحد.
والزكاة من هذه الناحية حقٌّ اجتماعي وليست منَّة يمنُّ بها أصحاب الأملاك على المحرومين منها، وقد نهى القرآن عن المنِّ لأنَّه يبطل الصدقات التي منها الزكاة، وذلك في قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالاَذَى كَالذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُومِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ}(16). ونصاب الزكاة ـــ على قلَّته ـــ لا ينحصر في الأغنياء، بل إنَّ أغلب أفراد المجتمع يشتركون فيه لتأمين التكافل الاجتماعي، وإذا لم يقوموا بذلك يصبح واجبًا على أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بحاجات فقرائهم وتوفير ضرورات المعاش لهم(17).
وقد نصَّت الآية على الجهة التي تعطى إليها الزكاة وهي {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(18). فالجهة الأولى والثانية معروفة وهم الفقراء المسلمون والمساكين الذين ليس لهم وسيلة للعيش، والعاملون على الزكاة هم الجباة الذين يبذلون الجهد في تحصيلها من أصحابها، فالجباة لهم حق في الزكاة، والمؤلَّفة قلوبهم هم أناس أسلموا ولكن إسلامهم لم يكن متمكِّنًا بعدُ من قلوبهم، فيُعطَون الزكاة تأليفًا لقلوبهم، ولكن بعد أصبح الإسلام قويًّا توقَّف إعطاء هؤلاء الزكاة، وكان أول من حكم بذلك هو الخليفة عمر بن الخطاب. وفي الرقاب والمقصود بهم العبيد الذين تعاقدوا مع سادتهم على عقدهم ولم يكن لهم مال يؤدُّونه إليهم ليتمَّ تحريرهم، فتكون الزكاة مساعدة لهم على الخروج من العبودية، ويكون ذلك برهانًا على حثِّ الإسلام على التخلُّص من الرق. والغارمون هم الذين تراكم عليهم الدَّين ولم يكن عندهم ما يدفعونه للتخلص منه، وقد حكم الشرع بأنَّ لهم حقًّا في الزكاة لأنَّ الإسلام لا يرضى للمسلم أن يكون مَدِينًا، لأنَّ الدَّين مذلَّة لصاحبه، والمسلم يجب أن يكون عزيزًا قويًّا. وفي سبيل الله والمقصود بهم المجاهدون الذين خرجوا دفاعًا عن الإسلام، وكلُّ ما يتعلَّق بتسليح الجيش وبالدفاع عن الدعوة الإسلامية، فعلى الدولة أن تخصِّص نصيبًا من مال الزكاة من أجل الجهاد وحماية الدين. أمَّا ابن السبيل فهو من انقطعت به السبل بعيدًا عن أهله وماله، ولو كان في بلده من الأغنياء، فله الحقُّ في الزكاة حتى يخرج من ضائقته.
من هنا يتَّضح ، وأنَّ الهدف البعيد من الزكاة هو تطهير المال، ونزع الحسد من القلوب، وبناء مجتمع نظيف وآمن ومنسجم أخلاقيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًا.
ذلك أنَّ هناك قيمًا وفضائل تحكم المجتمع الإسلامي منذ فجر الإسلام وتجعله يختلف عن المجتمعات الأخرى التي يسودها الظلم والاستبداد والتنافس المميت وسوء الأخلاق، وأوَّل القيم الإسلامية هي الأخوَّة: والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُوْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وهناك آيات وأحاديث عديدة تشير إلى أنَّ المسلمين يؤلِّفون جسدًا واحدًا مهما تباعدت بهم الأوطان، وقد ظهرت هذه الأخوَّة بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنوَّرة ثمَّ استمرَّت عبر العصور. ومن القيم البارزة والمميزة للمجتمع المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك أيضًا آيات وأحاديث كثيرة تطلب من المسلمين أن يتناهَوا عن المنكر وأن يأمروا بالمعروف، فالفرد جزءٌ من المجتمع، والمجتمع هو الساهر على مصالح الأفراد بحيث لا يقع فيه انتهاك للحرمات ولا تجاوز للحقوق ولا يسود فيه الطغيان، وتحرير العبيد أو عتق الرقاب من أوَّلويات المجتمع المسلم.
فرغم أنَّ الرق كان موجودًا في المجتمعات القديمة فإنَّ الإسلام عمل على إلغائه بوسائل تدريجية لا تزعزع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الناس.
وهناك أيضًا آيات وأحاديث توضِّح كيفية تحرير العبيد بطرق مختلفة للوصول إلى مجتمع تسوده المساواة، لا فضل فيه للون على لون، ولا جنس على جنس إلاَّ بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات، 13).
ويمكن أن نشير باختصار إلى قيم أخرى ثابتة في تعاليم الإسلام، ومنها لزوم الجماعة عند الفتنة وافتراق الكلمة، والحُكم بالعدل والقسطاس المستقيم في القضاء، والنهي عن الظلم الذي وصفه بأنَّه ظلمات يوم القيامة، والابتعاد عن الاستبداد باللجوء إلى الشورى التي فسرت بالاستفتاء في الحكم، والوصول إلى رأي الجماعة بالتراضي، وهو الأقرب إلى ما يسمى اليوم حكم الشعب عن طريق ممثِّليه، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنَّ حث الإسلام على التعلم وطلب العلم ودعوته إلى القراءة في أوَّل سورة نزلت يُعتبر من أهم القيم والمبادئ الإسلامية، والهدف من ذلك كما هو واضح من تجارب الأمم، أنَّ المجتمع المتعلِّم هو المجتمع القائد والعزيز، وذلك هو ما يهدف إليه الإسلام، وقد اعترف الإسلام بالأنبياء والمرسلين جميعًا واحترم حرِّية العبادة عند أصحاب الديانات الأخرى، وتسامح معهم في إقامة معابدهم وصلواتهم وقضائهم وحقِّهم في التملُّك وحسن الجوار.. وغير ذلك من أوجه التسامح، بشرط أن تكون كلمة الإسلام هي العليا وأن لا يكون في ذلك إذلال للمسلمين.
وقد كان الإسلام حصنًا قويًّا للمسلمين في تغلُّبهم على المستعمرين عندما جاؤوا غزاة، سواء في عهد الحروب الصليبية، أو في عهد الهيمنة الأوروبية على أوطان إسلامية في العصر الحديث، حين تغلغل الاستعمار في إفريقيا وآسيا، معتمدًا على قوة التكنولوجيا والجيوش والمبشرين، وقد عانت الحضارة الإسلامية من هذا الغزو كلَّ المعاناة، ولا سيما اللغة العربية والدراسات القرآنية، والتعليم والتربية والفنون والآداب. كما اغتُصبت أراضي المسلمين وإُعطيت إلى مستوطنين غرباء مـمَّا اضطرَّ فئات كثيرة إلى التبعثر والهجرة، وكان النفي والسجن من نصيب الكثير منهم، ومع ذلك فإنَّ مقاومة الاستعمار كانت بفضل الروح الإسلامية الكامنة، ذلك أنَّ حركات التحرر في آسيا وإفريقيا كانت في أغلبها ترفع راية الإسلام والجهاد، وقد تجاوبت هذه الحركات مع بعضها وتضامنت حتى كُتب لها النصر.
إنَّ الأجانب إذا خالطوا المسلمين يكتشفون فيهم خصالاً وعادات مشتركة مستمدَّة من تعاليم الإسلام، ويمكن تلخيصها في العناوين التالية: أنواع اللباس المحترم والمحتشم للرجال والنساء، والشراب الطاهر الخالي من المسكرات، والطعام الحلال الخالي من لحم الخنزير وشبهه، والعناية بالأسرة وتربية الأبناء، ورعاية حقوق المرأة، والاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية، والاعتزاز باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، وأداء والمناسك والعبادات على أحسن وجه، والتنويه بالأمانة والنظافة، وعيادة المريض، وعدم إيذاء الجار، والحثِّ على إتقان العمل، والاعتماد على النفس، والاتكال على الله وحده في كلِّ الأمور، وذلك هو معنى التوحيد في الإسلام(19).

الكاتب/ د. أبو القاسم سعد الله

الهوامش
*)- د/ أبو القاسم سعد الله، قسم التاريخ، جامعة آل البيت، المفرق، الأردن.
2)- محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، القاهرة، 1971م، ص: 7.
3)- نفس المصدر.
4)- عند كافة أئمة المذاهب عدا الإمام مالك الذي أجاز شرط التعليق على العتق.
5)- أبو زهرة، مرجع سابق، ص: 12.
6)- قال بعضهم إنَّ النص على التأبيد ليس شرطًا في صحَّة الوقف، أمَّا الإمام مالك فقال بجواز الوقف المؤقت، على أن يرجع إلى صاحبه إن كان حيًّا أو إلى ورثته عند انقضاء المدَّة، وأمَّا الإمام أحمد بن حنبل فلا يُجيز الوقف غير المؤبَّد. أبو زهرة، مرجع سابق، ص:72.
7)- سيد محمد الدقن، كسوة الكعبة المعظَّمة عبر التاريخ، القاهرة، 1406هـ / 1986م، ص: 109 ـــــ 111.
8)- أنواع الوقف في الجزائر سنة 1830: أوقاف الحرمين الشريفين، أوقاف الجامع الأعظم، أوقاف سبل الخيرات (حنفية للأتراك)، أوقاف الأولياء والأشراف، أوقاف أهل الأندلس، أوقاف الجنود والثكنات والمرافق العامَّة، أوقاف الزوايا والربط، أوقاف العيون (السبيل) ومحطات السفر… انظر عن ذلك: سعيدوني، دراسات تاريخية في الملكية والوقف والجباية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000. وانظر: سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.
9)- انظر كتاب: تاريخ الجزائر الثقافي، ج2، مصدر سابق، وكتاب: محمد بن الخوجة: تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985. وكذلك محمد عفيفي: الأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني، 1517 ـــ 1658، الهيئة المصرية، القاهرة، 1991م.
10)- انظر: محمود مرسي لاشين، الفاروق عمر والخراج، القاهرة، 1990، ص: 77. وقد نقل عن المقريزي أيضًا. ج2.
11)- عن أوقاف الجامع الأعظم بالجزائر (وغيره)، انظر: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج1، مرجع سابق، وانظر: سعيدوني، مرجع سابق، وانظر: عبد الجليل التميمي، وثيقة عن الأملاك المحبسة على الجامع الكبير بالجزائر، تونس، 1981م.
12)- الموسوعة الإسلامية الأولى، 1913 ـــ 1936، المجلَّد 8، ص: 1098 ـــ 1099، مادة (الوقف).
13)- المعارج، الآيتان: 24، 25.
14)- صبحي الصالح، النظم الإسلامية، نشأتها وتطورها، ط2، دار العلم للملايين، بيروت، 1982. ص: 372.
15)- التوبة، الآية: 103.
16)- البقرة، الآية: 264.
17)- المصدر السابق، ص: 373، 374. انظر أيضًا: محمود مرسي لاشين، مرجع سابق.
18)- التوبة، الآية: 60.
19)- حول القيم الإسلامية وخصائص المجتمع المسلم انظر: محمد أبو زهرة، مرجع سابق، وحسين شحاتة: محاسبة الزكاة مفهومًا ونظامًا، القاهرة، 1980م، وحسين مؤنس: الإسلام حضارة، الدار السعودية، 1987م، وأنيس الأبيض: بحوث في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، طرابلس، لبنان، 1994م، ومالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986م.

نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 93.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك