ابن خلفون – نبذة عن حياته وأجوبته الفقهية

لَعَلَّ الكثير من الباحثين لم يسمع عن هذا الاسم ضمن أعلام الإِبَاضِيَّة، بالرغم مِمَّا تميَّز به من سَبْقٍ في منهج التأليف الفقهي لدى إِبَاضِيَّة المغرب، ولَعَلَّ عدم شهرته ترجع إلى قِلَّة إنتاج هذه الشَّخصِيَّة، وإلى ”التهميش“ المتعمَّد الذي تعرَّض له الشيخ في حياته ـ كما سنرى ـ مِمَّا أثَّر سلبا في قِلَّة استفادة معاصريه منه.(1)
فمن هو ابن خلفون؟ وما هو إنتاجه ؟ وما منهجه في التأليف ؟

أَوَّلاً ـــ التعريف بابن خلفون:
أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي الوارجلاني: من فقهاء الإِبَاضِيَّة في القرن السادس بالمغرب الإِسلاَمِيِّ، (الطبقة: 550ـــ600هـ / 1155ـــ1203م)، ينتسب إلى قبيلة مزاتة البربريَّة، عاش بقرية «تِين بَامَاطُوس»، من قرى وارجلان جنوب شرق الجزَائِر. وصفه الدرجينيُّ بأَنـَّهُ: «المحقِّق الوصول إِلىَ الغاية في علم الفروع والأصول»(2).
لا نعلم بالتحديد تاريخ ومكان ميلاده أو وفاته، وتكتفي المصادر بإيراده في الطبقة الثانية عشرة، أي الخمسين الثانية من القرن السادس الهجري(3)، وبأنَّه عاصر أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي (ت: 570هـ)، وأبا عمَّار عبد الكافي (ت: بعد 570هـ) الوارجلانيَّـيْن.
كما لا تشير المصادر إِلى تعلُّمه ورحلاته لتلقِّي العلم، ولا إِلىَ أساتذته، وَهَذَا خلاف ما ذُكر في معجم أعلام الإِبَاضِيَّة من أَنـَّهُ تلقَّى عن الشيخ عبد الله النفوسي، والشيخ أبي عمران موسى النفوسي بطرابلس والشيخ أبي رحمة اليكشني، فذَلِكَ كان محض توهُّم، سبَّبته عبارة الدرجيني(4) التي قد توحي بِذَلِكَ لمن لم يمعن فيها النظر.
إِلاَّ أَنَّ الذي تجمع عَلَيْهِ المصادر أَنـَّهُ برع في الفقه والأصول، وَأَنـَّهُ كان يمتاز بالمنهج العلميِّ الموضوعي، فـ«لا يضفي عَلَى كتب السابقين ثوب القداسة، ولا يرفعها إِلىَ مكان العصمة من الخطأ، وَإِنَّمَا كان ينتقدها نقد الخبير، فيُطري ما استجاد منها، وينتقد ما لم يَحُزْ رضاه»(5). وكان واسع الأفق، مولعًا بالدراسات المقارنة، مهتمًّا بدارسة الآراء الفِقْهِيَّة لمختلف المذاهب الإِسلاَمِيَّة، مطَّلعا عَلَى كتب أهل الخلاف، وَرُبـَّمَا اعتمد في ذَلِكَ عَلَى عصاميته، لأَنَّ البيئة التي وُجد فيها لم تكن في مستوى تقبُّل مثل هَذَا التفتُّح، وقد أَلِفت الأسلوبَ التقليديَّ، الذي يربط العالِم بمذهبه.
وقد جرَّ عليه هذا التفتُّح متاعب جمَّة ـــ رغم ما عُرف عنه من دفاعه عن مذهبه بالحجَّة والدليل ـــ إذ هَجَرهُ بعض الفقهاء وقتًا غير قصير، امتدَّ حوالي اثني عشر عاما، متَّهمين إِيَّاهُ بالاستهانة بكتب المذهب الإِبَاضِيِّ، والتهاون في التمسُّك بها، غير أَنـَّهُم غيَّروا موقفهم منه آخر الأمر، واعترفوا بفضله، لَمَّا تبيَّن لهم مستنده وهدفه، وصدق منهجه، وخلوص نيته.
ثانيا ـــ آثار الشيخ ابن خلفون:
أَمَّا عن آثاره فمِمَّا يؤسف له أَنَّ المصادر لا تشير إِلىَ أسماء تلاميذه، عَلَى الرغم من تأكيد بعض المُؤَرِّخِينَ عَلَى أَنـَّهُ كان يدرِّس، وبشكل جَيـِّد؛ إذ يشير الدرجيني إِلىَ هَذَا بقوله: «إنْ درَّسَ فلقَّن أحسن تلقين»(6)، ويضيف الشيخ علي يحيى معمَّر ـــ ودون أن يحيلنا عَلَى مصدره ـــ أَنـَّهُ «كان بارعا في الشرح والإيضاح عند التدريس، عذب الحديث، فكان طلاَّب العلم يتزاحمون عَلَى مجلسه»(7). وَهَذَا ما لا نستبعده، لأمور منها:
* ـــ أَنَّ بعض الفقهاء في فترة المقاطعة التي أُعلنت ضِدَّ الشيخ كانوا يمنعون طلبة العلم من الاتِّصَال به(8).
* ـــ أَنَّ ابن خلفون ـــ بعد فترة المقاطعة ـــ كان مرجع الحُجَّاج في نوازلهم واستفتاءاتهم(9).
* ـــ أَنَّ البيئة التي عاش فيها الشيخ كانت تزخر بالعلماء وحلقات التدريس للطلبة من مختلف الآفاق، في إطار النظام المسمَّى بنظام العَزَّابَة.
أَمَّا عن إنتاجه فلم يحفظ لنا الزمن غير عَمَلَيْنِ لهذا العالم، هما: رسالة إِلىَ أهل جبل نفوسة لا تزال مخطوطة، وأجوبة فِقهِيَّة مطبوعة.
وَإِنَّ الباحث قد يتساءل: لِمَ لَمْ يترك ابن خلفون كِتَابًا شاملا لأبواب الفقه (ابتداء من الطهارات إِلىَ المعاملات) مع سعة علمه واطِّلاعه، وتمكُّنه منها، إذ وصفه الدرجيني بِأَنـَّهُ «المتحقِّق الوصول إِلىَ الغاية في علم الفروع والأصول…»(10) ؟ يجيب الدكتور عمرو النامي بِأَنَّ ازدهار مكتبة الفِقْهِ الإِبَاضِيِّ بالمؤلَّفات الشاملة للأبواب الفِقْهِيَّة، والتي تعدُّ بالآلاف في عصره وفي بيئته المغربيَّة، لَعَلَّهُ كان الدافع «إِلىَ الاقتصار عَلَى عرض تلك المسائل المحدودة بِذَلِكَ المنهج الجديد المتميِّز، وصرف همَّته عن التأليف الموسَّع في مسائل الفروع والأصول التي عُرف بسعة باعه فيها والتمكُّن منها»(11).
وَعَلَى كُلِّ حال سنحاول عرض لمحة عن الرسالتين فيما يأتي:
1 ـــ رسالة إلى جبل نفوسة (بليـبـيا):
لم نتمكَّن من الاطِّلاَع عَلَى نصِّ هَذِهِ الرسالة، والتي لا تزال مخطوطة؛ لذا فلا مناص من الاعتماد عَلَى ما ذكره المُؤَرِّخُونَ. فقد كان الدرجينيُّ ـــ حسب اطِّلاَعنا ـــ أَوَّل من أشار إليها، واكتفى بقوله: إِنَّهَا «مشتملة عَلَى فقه ووعظ»(12). ثُمَّ قال البرادي في إحدى أجوبته في موضوع يَتَعلَّقُ بالجواري: «وفي رسالة ابن خلفون إِلىَ جبل نفوسة ـــ وهي الثانية ـــ كثير من التشديد والنهي عن ترك وإهمال وعدم مراقبة الجواري»(13). وكما نلاحظ فَإِنَّ البرادي أضاف لنا معلومة جديدة، وهي أَنَّ لابن خلفون رسالتين، لا رسالة واحدة فقط.
ثُمَّ أخيرا يذكر الدكتور النامي أَنـَّهُ رأى منها نسخة مخطوطة في مكتبة آل البعطور(14) بوالغ بجربة، وهي في حجم الأجوبة التي حقَّقها أو أصغر بقليل(15).
2 ـــ أجوبــــة فقهيَّة (أجوبة ابن خلفون):
هي رسالة حقَّقها الدكتور عمرو خليفة النامي، كعمل ملحق برسالته للدكتوراه بجامعة كمبردج سنة 1971م(16)، ونشرها في مَجَلَّة رسالة المسجد لدار الدعوة(17)، ثُمَّ نشرتها دار الفتح ببيروت، سنة 1394هـ/1974م، تحت عنوان: «أجوبة ابن خلفون»، وتقع في 128ص، تشغل الأجوبة منها ثمانين صفحة، والبقية لمقدِّمة المحقِّق والفهارس، وهي النشرة التي اطَّلَعنا عَلَيْهَا واعتمدناها في الوصف والتحليل، وهي ما سنتناوله بالتفصيل:
أـــ التحقيق:
كانت منهجيَّة المحقِّق عِلمِيَّةً أكاديميَّة، وهي عَلَى النحو التالي:
1 ـــ مقدِّمة تناول فيها: أصلَ التحقيق، وتعريفًا مختصرا بالمذهب الإِبَاضِيِّ ونشأته، وترجمةً مختصرة لمؤلِّف الرسالة (ابن خلفون)، ثُمَّ تحقيقًا في نسبتها إِلىَ مُؤَلِّفها، وموضوعها، وَأَهَمِّـيَّتها من حيث المنهج والمحتوى. وذَكَر النسخ الأربعة المعتمدة في التحقيق، ووَصَفَها وبيَّن قيمتها العِلمِيَّة، وَعَمَلَهُ في المخطوط. (ص8 ـــ20).
2 ـــ المتن محقَّقًا ومقارنًا بـين النسخ. (ص23 ـــ103).
3 ـــ فهرس الأعلام: اكتفى فيه بالترجمة لأعلام الإِبَاضِيَّة؛ لأَنَّ مصادر ترجمتهم ـــ كما يقول ـــ غير متوفِّرة، وَلأَنَّ أغلبهم مجهول لدى غيرهم، وتشتمل عَلَى 34 ترجمة. (ص107ـــ117).
4 ـــ تخريج الأحاديث الواردة في الرسالة، وهي 40 حديثا، عزاها إِلىَ مصادرها الحديثيَّة. (119ـــ127).
إِلاَّ أَنَّ الملاحظة التي تؤخذ عَلَى المحقِّق أَنـَّهُ لم يضع للأسئلة عناوين فرعيَّة تسهِّل للقارئ الرجوع إليها، بحيث يضطرُّ الباحث ـــ في أيِّ موضوع فقهيٍّ كان ـــ أن يتصفَّح كُلَّ الكِتَاب لمعرفة ما إذا كان المسألة التي يَبْحث فيها موجودة أم لا. علما بِأَنَّ الأجوبة كانت مختلطة غير مرتَّبة حسب الأبواب الفِقْهِيَّة وفق ما تعورف عَلَيْهِ، وهو ما سيُلاحَظ عند سردنا لمسائل الرسالة.
ب ـــ سبب التأليف:
أشار الشَّمَّاخِي إِلىَ أَنَّ هَذِهِ الأجوبة رُبـَّمَا كانت هِيَ الأولى الموجَّهة إِلىَ أهل جبل نفوسة، وأيَّده المحقِّق في هَذَا الرأي مستندا إِلىَ كلام البرادي، وَإِلىَ معطيات تَارِيخِيَّة تَتَمَثَّلُ في وجود مثل هَذِهِ الرسائل الفِقْهِيَّة المتبادلة بـين أهل المغرب في ذَلِكَ العصر بالذات، كأبي العَبـَّاس أحمد بن محَمَّد بن بكر، وأبي يعقوب الوارجلاني، وفي غيره أَيضًا، كالإمام عبد الوَهَّاب، وابنه أفلح، والقطب اطفيَّش(18).
ج ـــ متن الرسالة:
تحتوي الرسالة عَلَى ثلاث وعشرين جوابا، مع تذييل. والملاحظ أَنَّ السائل في كُلِّ مَرَّة يُؤَكِّدُ عَلَى أن يُـبَـيِّنَ له الشيخُ اختلافَ الفقهاء في القضايا المطروحة، وهي كما يأتي:
1- حكم المرأة التي فارقها زوجها أو سَيِّدها بِأَيِّ سبب من الأسباب وأتت بولد بعد سِتَّة أشهر، فصَّل فيها المسائل الْمُتَعَلِّقَة بالموضوع من قريب أو بعيد، وذكر اختلافات الفقهاء. (ص23ـــ34).
2- حكم امرأة مسلمة متزوِّجة سباها المشركون، فأتت منهم بأولاد. (ص34ـــ35).
3- حكم نكاح المزني بها. (ص35ـــ43).
4- حكم نكاح أمِّ المزني بها أو بنتها. (ص43ـــ52).
5- رجل استمتع بامرأة دون فرجها أو في دبرها (أو برجل) هل يَتَزَوَّجُ ابنتها ؟. (ص52ـــ56).
6- حكم عتق شقصٍ من العبد. (56ـــ59).
7- حكم من رفض أن يُستخلف عَلَى وَصِيَّة مَيـِّت. (ص59ـــ60).
8- هل تؤدَّى زكاة الديون والبضاعة؟ (ص60ـــ64).
9- حكم نكاح السرِّ بوليٍّ دون إعلان. (ص65ـــ66).
10- عقد النكاح بدون وليٍّ (ص66ـــ71).
11- هل يفتَى بحِرمة النكاح بغير وليٍّ؟ وماذا لو أجازه الوليُّ؟ (ص71ـــ72).
12- هل يتوارث المتناكحان بلا وليٍّ ؟ (ص72ـــ73).
13- هل يجوز نكاح الوليَّة المكرهة عَلَيْهِ؟ (ص73ـــ74).
14- هل يوجد من يقول بعدم وجوب الكَفَّارَة المغلَّظة وبانهدام الصوم عَلَى الزاني في نهار رَمَضَان؟ (ص74ـــ75).
15- حكم الغسل من الجنابة في نهار رَمَضَان. (ص75ـــ78).
16- رجل له عذر في الوجه، هل يمسح عَلَيْهِ أم يتيمَّم؟ (ص78ـــ82).
17- هل تغني القراءة بآيات فيها أدعية في الصلاة المكتوبة؟ وما حكم الدعاء فيها بغير القرآن؟ (ص82ـــ85).
18- حكم التسبيح في الركوع والسجود إذا جاوز ثلاثا. (ص85ـــ86).
19- حدُّ السرِّ في الصلاة السرِّيـَّة. (ص86ـــ88).
20- حكم من لا يتِمُّ الركوع والسجود، وينقر الصلاة. (ص88ـــ89).
21- حكم من لا يَرُدُّ بصره في الصلاة. (ص89ـــ89).
22- حكم امرأة لا ترى إِلاَّ تيبُّسًا بعد حيضها أو نفاسها (ص89ـــ90).
23- أقلُّ الطهر وأكثره، وكذا النفاس. (ص90ـــ95).
تذييل في:
* ـــ بيان منهجيته في الأجوبة. (ص95ـ ــ96).
* ـــ نصيحة للسائل أن يكون غرضه اقتفاء الدَّلِيل الأقوى، لا تتبُّع الرخص. (ص96 ـــ97).
* ـــ مبادئ أصولية: ما يجب عَلَى الفقيه معرفته من علم الشرع. دور العلماء ودور العَامَّة. متى يجوز التقليد ومتى لا يجوز. انقسام الفقه إِلىَ معلوم ومظنون. أصول الاستدلال. حكم من استكمل شروط الاجتهاد ومن لم يستكملها. كلمة ختاميَّة ودعاء. (ص97ـــ103).
فكما يلاحظ القارئ “بعثرة” مواضيع الأجوبة، فقد كان من الممكن ترتيبها وفق أبواب الفقه على النحو التالي:
المواضيع أرقام الأسئلة الصفحات
الطهارات: الجنابة، التيمم 15، 16. 75 ـــ 82
الطهارات: الحيض والنفاس 22، 23. 89 ـــ95
الصلاة 17، 18، 19، 20، 21 82 ـــ89
الصوم 14، 15 74 ـــ 78
الزكاة 8 60 ـــ 64
النكاح، الزنى، الغصب 1، 2، 3، 4، 5. 9، 10، 11، 12، 13. 23 ـــ 35. 65 ـــ 75
العتق 6 56 ـــ59
الوَصِيَّة 7 59 ـــ 60
وبما أَنَّ الترتيب المقترح لا يمكن اعتماده في المتن، لأَنـَّهُ تصرُّفٌ غير مقبول في مناهج التحقيق؛ لمنافاته الالتزام بالأمانة العِلمِيَّة، والتي تقتضي المحافظة التَّامَّة عَلَى نصِّ الْمُؤَلِّف، فليكن هَذَا الترتيب في الفهرس.
د ـــ منهج الرسالة وقيمتها العِلمِيَّة:
لخَّص الْمُؤَلِّف منهجه بدقَّة في نهاية أجوبته إذ قال: «ونَقَلْنا ما حَضَرَنا من أقاويل الفقهاء، وأعلمتك مواضع الإجماع، وبيَّنت لك ما اختلفوا فيه، وما حدُّ كُلِّ فريق ودليل مذهبه، وما اختاره أصحابنا من ذَلِكَ عَلَى الأصول القويمة، والمذاهب المستقيمة، وزدت في سؤالك، وأوفيت الجواب والاستقصاء عَمَّا لم تسأل عنه مِمَّا هو تمام لِكُلِّ مسألة؛ لنجعل لك البقية لِمَا سألت عنه عَلَى التحصيل بالإجمال والتفصيل، والاختلاف والتمييز بـين ذَلِكَ عَلَى ما جاء من اختلاف الفقهاء في كُلِّ مسألة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار عَلَى أعصارهم، من موافق ومخالف، ومن وقع منهم الموافقة لأصحابنا في الفتيا ومن يخالفهم، وحيث ينفرد أصحابنا بالمذهب، وحلَّيت كُلَّ مسألة بِبَعْض ما يقع به الاحتجاج من القرآن وأخبار الرسول عليه السلام، ووجوه الأقيسة مِمَّا يقتضيه الاستدلال عَلَى أصول الفقه، وبيَّنت أسماء القائلين من المذاهب، دعاني إِلىَ ذَلِكَ ألاَّ أكتم عليك شَيْئـًا من الاختلاف، والتوقيف عَلَى مذهب أصحابنا وما صَحَّ به العمل عندهم»(19).
وبعد تفحُّصنا للأجوبة لاحظنا صدق هَذَا المنهج الذي نلخِّصه في الملاحظات الآتية:
كثرة الاستشهاد بالآيات القُرآنِيَّة والأحاديث النَّـبَوِيَّة، ولم يكتف بالأحاديث الواردة في مسند الربيع بن حبيب، وهو مصدر الإِبَاضِيَّة في الحديث، وَإِنَّمَا اعتمد عَلَى مختلف المصادر من الصحاح والسنن والمسانيد، وسائر الكتب الفقهيَّة للمذاهب المختلفة. وإذا لم يجد فيها مبتغاه فَإِنَّهُ يعتمد القواعد الأصوليَّة في الاستدلال، وَهَذِهِ ميزة لا نكاد نجدها في أغلب مُؤَلَّفَات ذَلِكَ العصر عند المغاربة. (انظر مثلا: كِتَاب القسمة وأصول الأرضين لأبي العَبـَّاس أحمد بن محَمَّد بن بكر).
الاستشهاد (بعد القرآن وَالسُّنـَّة) بأقوال الصحابة وكبار التابعين وَالأَئِمـَّة الفقهاء، من الإِبَاضِيَّة وغيرهم، فمن الصحابة نجد مثلا: عائشة، وعمر، وابن عبَّاس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله… ومن التابعين: الحسن البصري، وابن سيرين، وابن المسيب، والنخعي والزهري، وعمران بن الحصين، وقتادة وعكرمة، وإسحاق. ومن أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة: أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وابن عبَّاد، والربيع، وصالح الدهان، ووائل، وأبا المؤرِّج، ومحبوبا، وضمَّاما، وأفلح، وأبا صفرة… ومن أَئِمَّة المذاهب: جابر بن زيد، ومالك بن أنس، وأبا حنيفة، والشافعيَّ، وأحمد.
ويذكر من مصادره أحيانا: أجوبة الإمام عبد الوَهَّاب(ص34)، وموطَّأ الإمام مالك(ص47)، وَكِتَاب الأموال لابن سلام (ص64)، وَكِتَاب أبي صفرة (ص79)، وَكِتَاب الإشراف لأبي سعيد العماني(ص82)، والتقييد لابن بركة (ص94)، وَكِتَاب أبي سفيان(ص94).
إيراد أقوال الفقهاء المذكورين ـــ وغيرِهم ـــ جنبا إِلىَ جنب، دون غمط لحقٍّ، أو تسفيه لرأي، ويناقش بعلميَّة وموضوعيَّة وهدوء، وهو الأمر الذي يُفتقد في كثير من كتب الفقه القديمة، بل وَحَتـَّى في بعض الكِتَابات المعاصرة.
عرض أَدِلَّة الرأي المخالف، حَتـَّى يكاد يقتنع القارئ بقُوَّتها، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ الشيخ عَلَى رأي الإِبَاضِيَّة الذي يرتضيه بأدلَّة أخرى ينتصر بها، دون تشنُّج أو تعصُّب، وغرضه من ذَلِكَ كما يقول: «…حَتـَّى تعرف سقيمها من صحيحها، فتحترز من الفاسد منها، ويكون اعتمادك عَلَى ما قام الدَّلِيل بِصِحَّته منها…»(20).
عدم الاكتفاء بالإجابة عَلَى السؤال، وَإِنَّمَا يضيف من عنده فوائد فِقهِيـَّة، حَتـَّى ولو بدت أحيانا بعيدة عن صميم السؤال.
وَهَذَا المنهج المقارِن ـــ باعتبار البيئة الزمانيَّة والمكانيَّة للشيخ ابن خلفون ـــ يعتبر سبقا في التراث الفقهيِّ الإِبَاضِيِّ المغربيِّ، وهو وإن لم يكن أَوَّل من كتب بهذا المنهج بـين علماء الأُمَّة، وَلَكِنَّهُ أَوَّل من أرسى قواعده بين إِبَاضِيَّة المغرب، إذ كُلُّ من ألَّف قبله من إِبَاضِيَّة المغرب في الفقه ـ فيما نعلم ـ كان يَهْتَمُّ بإيراد أحكام المذهب وأئمَّته، ولا يلتفت إِلىَ غيرهم(21). وَذَلِكَ ما لم تكن تقبله بعض الذهنيَّات آنذاك بسهولة، وقد أشار إِلىَ هَذَا بقوله: «ونحن في هَذَا [المنهج] مسبوقون غير سابقين، ومتَّبعون غير مبتدعين»(22)، وَكَأَنـَّهُ بهذا الكلام ـــ عند تأكيده بِأَنـَّهُ متَّبع غير مبتدع ـــ يُلمِحُ إلى ما لاقاه من جفاء بسبب اعتماده هَذِهِ الطريقة الموضوعيَّة.
لقد رسم ابن خلفون منهجا متميِّزا للتحقيق العلميِّ، في التراث الفقهيِّ لإباضيَّة المغرب في القرن السادس الهجريِّ، عند تناوله للقضايا الفِقْهِيَّة المختلف فيها، وتعدُّ أجوبته نموذجا رائعا في الفقه المقارن بـين المذاهب، وفي التحلِّي بأدب الخلاف، والحوار الهادئ والرصين، وهو المنهج الذي نما وتطوَّر عبر العصور، وبدت معالمه واضحة في العصر الحديث، بصفة خَاصَّة لدى القطب امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، من المغاربة، ولدى الشيخ نور الدين السالمي، من المشارقة.
بالإضافة إلى المنهج العلميِّ الذي اتَّـبَعَه الشيخ ابن خلفون، فقد تعرَّض إِلىَ بعض القضايا التي لا تزال مثار جدل بـين الفقهاء والمشرِّعين، ومن أبرزها: قَضِيَّة الزواج بغير وليٍّ، فكتابه يعتبر من أهمِّ مصادر الإِبَاضِيَّة في الموضوع، نرجو من المشرِّع الجزَائِريِّ أن يأخذه بعين الاعتبار.
وأخيرا، فهل ياترى يوجد من بيننا من الباحثين الجادِّين من يسبق عصرنا، ويؤسِّس ويبدع في المنهج، كما فعل ابن خلفون؟ وإذا وجد فهل نستفيد من تجربة ابن خلفون، فلا نضيِّع طاقات الأُمَّة، كما ضيَّعها شيوخ القرن السادس؟ وبالتالي لا نقصي رأيا ولا منهجا، ولا… مهما بدت لنا مخالفته لِمَا اعتدناه، وَإِنَّمَا نناقش.. ونتحاور.. في جوٍّ أخويٍّ، وبأسلوب علميٍّ هادئ رصين؟!.
المصـــادر
1- الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام (ق6هـ/12م): سير المشايخ، مخطوط بمكتبة الشيخ الحاج صالح بن عمر لَعْلِي، بني يزقن، غرداية، الجزَائِر، 1/63ـــ64.
2- أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي (ق6هـ/12م): أجوبة ابن خلفون، تحقيق وتعليق: الدكتور عمرو خليفة النامي. دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1394هـ/1974م، الترجمة في مُقَدِّمَة المحقِّق، ص8ـــ20، متن الأجوبة: ص23ـــ103.
3- الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (670هـ/1271م): طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طَلاَّي، دار البعث، قسنطينة، د.ت. 1/10؛ 2/495ـــ499.
4- الشمَّاخي بدر الدين أبو العبَّاس أحمد بن سعد: السير، طبعة حجرية، قسنطينة، ص445ـــ447؛ وطبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1407هـ/1987م، 2/106ـــ107.
5- علي يحيى معمَّر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر، صحَّحه
أحمد بن عمر أُوبَكَّة، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، الجزَائِر، 1986م، 2/213ـــ221.
6- باجو مصطفى: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي، رسالة ماجستير، تخصص أصول الفقه، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، الجزَائِر، 1412هـ/1992م، (مرقون)، ص80ـــ81.
7- جمعِيـَّة التـُّرَاث (لجنة البحث العلمي): معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، من القرن الأَوَّل الهجري إِلىَ العصر الحاضر، قسم المغرب الإِسلاَمي، الطبعة الثانية، دار الغرب الإِسلاَمِي، 1421هـ/2000م. ج2/ ص487ـــ488، ترجمة رقم 1059.

الكاتب/ مصطفى بن محمد شريفي

————
الهوامش
(*) مصطفى بن محمد شريفي، أستاذ بمعهد الحياة، القرارة.
(2) الدرجيني: طبقات، 2/495.
(3) الدرجيني: طبقات، 1/10.
(4) الدرجيني: طبقات، 2/498.
(5) علي معمَّر: الإِبَاضِيَّة في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، ج2/ص214.
(6) الدرجيني: طبقات، 2/495.
(7) معمَّر: المرجع السابق: ص213.
(8) الدرجيني: طبقات، 2/498-499. الشَّمَّاخِي: السير، ص446.
(9) الدرجيني: طبقات، 2/497-498. الشَّمَّاخِي: السير، ص446.
(10) الدرجيني: طبقات، 2/495.
(11) النامي: مُقَدِّمَة أجوبة ابن خلفون، ص18.
(12) الدرجيني: طبقات، 2/499.
(13) البرادي: أجوبة ضمن مجموع، مخطوط. نقلا عن: النامي: مرجع سابق، ص15.
(14) بلغنا أَنَّ هذه المكتبة قد تَمَّ إتلافها في ظروف غامضة، ونرجو أن لا يكون هَذَا الخبر صحيحا!!.
(15) النامي: مرجع سابق، ص16.
(16) النامي: مرجع سابق، ص8.
(17) معمَّر: المرجع السابق: ص221. ولم يشر إِلىَ تاريخ نشرها ولا إِلىَ أعداد المجَلَّة.
(18) النامي: مرجع سابق، ص16.
(19) ابن خلفون: أجوبة، ص95-96.
(20) ابن خلفون: أجوبة، ص96.
(21) النامي: مرجع سابق، ص8، 17.
(22) ابن خلفون: أجوبة، ص103.

نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 101.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك