التربية والتعليم في المغرب الأوسط خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى ( 7 ـــ 9م) الرؤية والمصادر

التعليم، هذه العملية التربوية التي منذ أن ظهرت وهي تعرف تطورات كبيرة واهتمامات واسعة من قبل الباحثين، سواء منهم المختصون مثل علماء النفس التربوي أو الميدانيين وهم أساتذة التعليم في مختلف مراحله أو المؤرخون الذين يتابعون العملية منذ جذورها الأولى عبر حقب التاريخ ودوله أو الصحافيون أصحاب الاهتمام بالحاضر المعيش.

إن الإنسان ظل يتعلم منذ أن علمه الله الأسماء كلها(2) وعلمه ما لم يعلم(3) وظل يأخذ العلم من محيطه جيلاً بعد جيل ولا يزال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

إن موضوع التعليم في المغرب الأوسط، يكتسي أهميته من هذا الاهتمام بالتعليم بصفة عامة، وتبرز هذه الأهمية عندما نتناول الفترة الأولى للإسلام في المغرب الأوسط، تلك القرون الهجرية الثلاثة الأولى أي القرن السابع والثامن للميلاد. فكيف كان التعليم؟ وما هو منهجُه إن كان له منهج؟ وما هي مراكز التعليم؟ وما هي المواد التي كانت تدَّرس؟ وهل كان هناك نظام تعليم، أو تعليم منظم بعبارة أدق؟
وكل هذه التساؤلات تندرج تحت عنوان كبير هو «التعليم في المغرب الأوسط: الرؤية» ثم بعد ذلك يأتي العنوان الكبير الثاني وهو «التعليم في المغرب الأوسط : المصادر» وفي كلا العنوانين نتناول كما أسلفنا، تلك الرؤية وتلك المصادر خلال فترة القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
ومن المعلوم أن الفترة الزمنية من القرن الأول الهجري إلى آخر القرن الثالث منه (7ـــ9م) تضم ثلاث حقب مهمة في تاريخ المغرب الإسلامي، أو لنقل مراحل وهي : مرحلة الفتوح التي تبدأ من منتصف القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي وتنتهي مع نهاية القرن لتبدأ مع بداية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي مرحلة الولاة التي تنتهي بقيام الإمامة الرستمية عام 160هـ/ 777م، وهكذا تبدأ المرحلة الثالثة التي تغطيها الإمامة المذكورة إلى آخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي إذ سقطت عام 296هـ/ 909م(4).
أولاً : التعليم في المغرب الأوسط : الرؤية :
1ـــ مراكز التعليم:
يعتبر المغرب الأوسط في الغالب ديار زناتة على حد قول ابن خلدون(5)، وزناتة قبيلة بربرية بترية بدوية لا يستقر لها قرار، وبالتالي كانت أبعد من أن تهتم بالتعليم أو تلتفت إليه خاصة في القرن الأول والثاني للهجرة (7ـــ8م) قبل تأسيس كيان الإمامة الرستمية عام 160هـ/777م. ومن هنا يلاحظ ندرة مراكز التعليم في المغرب الأوسط إذ لا تعدو في اعتقادنا بعض المدن الأساسية التي لها دور في الحياة السياسية خلال فترة البحث كمدينة ميلة في إقليم كتامة، وكانت عاصمة المغرب الإسلامي على عهد الفاتح أبي المهاجر دينار
(55 ـــ 62هـ/675م ـــ 681م) وذلك لحوالي ثلاث سنوات 59ـــ61هـ/ 678ـــ680م(6)، ومدينة تيهرت عاصمة الرستميين من 160إلى 230هـ/ 777ـــ808م، ومدينة تلمسان إحدى الولايات الأساسية والمدن المهمة في دولة الأدارسة التي كانت نشأتها عام 172هـ/ 788م واستمرت إلى ما بعد قيام الفاطميين ردحاً من الزمن(7)، وكذلك يمكن ذكر مدينة وارجلان (ورقلة) في هذه الفترة إذ عرفت نشاطاً ثقافياً ملفتاً للنظر خاصة وأنها مدينة صحراوية يقول عنها ابن خلدون: إنها بوابة الولوج إلى المفاوز(8).
ولعل من المراكز التعليمية في المغرب الأوسط تلك المدن التي انفرد بذكرها اليعقوبي أحمد بن واضح (ت 284هـ/ 898م) في بلدانه منسوبة إلى أشخاص علويين(9)، فليس بمستبعد أن يكون أولئك العلويون كلهم أو جلهم شيوخ علم وتعليم في أحوازهم ومنها مدينة هاز وحيزها، وكانت للحسن بن سليمان الذي ينتهي نسبه عند الحسين بن علي بن أبي طالب، ومتيجة وأحوازها وكانت لرجال من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب يقال لهم بنو محمد بن جعفر وكذلك مدن مدكرة والخضراء وسوق إبراهيم.
إن هذه المراكز التعليمية في المغرب الأوسط، يبدو لنا من خلال رؤيتنا الأولى واطلاعنا على جل مصادر الفترة قيد الدراسة تمثل أهم المراكز وليس كلها، ويلاحظ أنها تتوزع بلاد المغرب الأوسط شرقاً وغرباً ووسطاً وجنوباً، فكيف كان التعليم فيها؟ وما هو منهجه؟
2 ـــ كيف كان التعليم وما هو منهجه ؟
أسئلة تطرح نفسها بإلحاح في هذه الرؤية الأولية لعملية التعليم في مغربنا الأوسط، الذي كثيراً ما أهمله المؤرخون قديماً واستصعب دراسته الباحثون حديثاً، والعملية تصعب أكثر كلما توغلنا في الفترات المبكرة للإسلام في ربوع هذا المغرب كما هو الشأن مع بحثنا هذا.
كان التعليم في المغرب الأوسط مثل غيره في شمال أفريقيا في هذه الفترة بالذات، تعليماً دينياً محضاً، على ما يبدو، أو لنقل كان تعليماً ينطلق من الدين وينتهي إلى الدين، ونقصد بالدين هنا : الإسلام دون غيره من الديانات الأخرى، إذ المرحلة مرحلة فتوح، وليس الفتح جنداً يقتحم الأراضي ويستولي على الممتلكات، وإنما هو فتح القلوب للإسلام، هكذا كانت الفتوحات الإسلامية الأولى، لذلك نجحت في مهمتها الدعوية ونجحت بالتالي في مهمة تعليم البربر سكان المغرب الأوسط والشمال الأفريقي كله، تعاليم الدين الجديد، ورغم أن عملية الفتح كانت طويلة نسبياً ، إذا ما قورنت بالأقاليم الأخرى المفتوحة، إلا أنها كانت عميقة رسخت الإسلام عقيدة للبربر دون سواها من العقائد والملل، ويهمنا هنا توضيح الرؤية بالنسبة لعملية الفتح بطرح هذه التساؤلات : كيف تمت عملية تعليم البربر الإسلام؟ كيف اقتنع البربر بالإسلام وتخلوا ـــ عن علم ـــ عن دياناتهم السابقة النصرانية واليهودية وغيرها من الديانات؟ هل تعلم البربر عقيدة الإسلام في بيوتهم؟ في الشوارع؟ في الساحات العامة؟ في مواطن قبائلهم؟ في المساجد هذه المؤسسة الجديدة التي رافقت الإسلام؟ في الكتاتيب هذه المؤسسة الجديدة الثانية التي تهتم بالصبيان دون الكبار؟ ما هو المنهج في عملية التعليم هذه؟ هل كان التلقين؟ نظام الحلقة؟ دروس الوعظ؟ نعتقد أنها كلها واردة حاضرة في هذا الوقت المبكر للإسلام في ربوع المغرب الأوسط.
ومع تقدم الأيام والسنين، وبروز المذاهب والفرق، سيتجلى نوع جديد من التعليم وهو حلقات الدعوة والدعاة السرية أو العلنية وهي في عمومها تعليم وإن كان هدفها الدعوة وكسب الأنصار والأتباع، إلا أن وسيلتها كانت التعليم والتعلُّم، فلا بد من شيخ يعلِّم ولا بد من تلاميذ صغاراً كانوا أم كباراً، يتعلمون مبادئ هذه الفرقة أو هذا المذهب، فعملية التعليم بكل عناصرها كانت حاضرة في هذه الحلقات الدعوية التعليمية.
ولعل بدايتها الأولى انطلقت مع فجر القرن الثاني الهجري / الثامن للميلاد، مع قدوم دعاة الإباضية والصفرية(10) والمعتزلة(11)، ثم استمرت بعد ذلك مع مذاهب المالكية والحنفية(12) وفي الربع الأخير من القرن الثالث الهجري/التاسع للميلاد، برزت الدعوة الشيعية ومجالسها التي سوف تثمر ثورة تنطلق من إقليم كتامة بالمغرب الأوسط وتتسع مشرقاً ومغرباً حتى تهيمن على كامل المغرب الإسلامي تقريباً مع نهاية القرن الثالث الهجري(13).
وإذا تعمَّقنا في هذه الرؤية الأولية، نلاحظ أن تيهرت عاصمة الرستميين، قد تكون أبرز وأهم مراكز التعليم في المغرب الأوسط خلال هذه الحقبة، ليس لأنها مركز التعليم والدراسات الإباضية فحسب، ولكن لأنها كانت مركز تعليم تعاليم المذاهب الأخرى كالمالكية والحنفية(14)، وربما المعتزلة والشيعة، إذ كانت لهم حلقتهم في مساجدهم ورحابهم مثلما كان للإباضية تماماً، وأكثر من ذلك نجد بعض المشايخ فتحوا بيوتهم (مدارس) و(معاهد) لنشر علوم اللغة العربية والحديث النبوي(15) بعيداً عن مجالس الدعوة والدعاة شبه الضيقة التي لا يأوي إليها إلا أصحابها وأتباعها.
لقد كانت تيهرت الرستمية في المغرب الأوسط كالقيروان في المغرب الأدنى أو فاس في المغرب الأقصى، و لعل دراستنا ستجلي جانباً من هذا الدور الكبير الذي لعبته تيهرت في عملية التعليم وسيتجلى للقارئ مدى البعد العميق والأثر الحضاري الذي تركته تيهرت في الأجيال من خلال عملية التعليم والتعلم.
إن هذه العملية المستمرة دون توقف يتراءى لنا أنها مرت بالدعوة الإسلامية عامة كبداية ثم تلقيناً للقرآن الكريم حفظاً لأداء الشعائر كالصلاة أو حفظاً من أجل حفظ كتاب الله وتلاوة كلامه، وذلك في المساجد بالنسبة للكبار وفي الكتاتيب التي ألحقت بالمساجد في وقت مبكر من الإسلام ببلاد المغرب الأوسط، بالنسبة للصغار، وهكذا وبتلقين كتاب الله، يتم من خلاله تلقين لسان العرب الفصيح نطقاً وتداولاً قبل أن يكون نحواً وصرفاً، فهذه العملية الأخيرة، يبدو لنا أنها لم تبدأ في المغرب الأوسط إلا مع بدايات القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد، وفي مدينة تيهرت دون غيرها من المراكز التعليمية الأخرى، لأن تعلم اللغة العربية بقواعد النحو والصرف برز متأخراً في المشرق فضلاً عن المغرب واختصت به في البداية مدينتا البصرة والكوفة دون غيرهما من حواضر المشرق والمغرب الإسلاميين، وبعد فترة عم ذلك الاختصاص من التعليم الذي احتاج إليه العربي والبربري والأعجمي على حد سواء، ومن هنا كانت تيهرت إحدى مراكز تعليم اللغة العربية الفصيحة لما كثر اللحن في اللغة، بل إن طبيعة البلاد تقتضي وجود هذا التعليم جنباً إلى جنب مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهنا نلج مبحثاً آخر ونطرحه سؤالاً فنقول :
3 ـــ ما هي المواد المدرَّسة في التعليم بالمغرب الأوسط؟ :
سبق أن أشرنا إلى طبيعة التعليم في بلاد المغرب الإسلامي عموماً وقلنا بأنها كانت طبيعة دينية محضة، تنطلق من الدين وتنتهي إلى الدين، والحقيقة أن المواد المدرسة في هذا التعليم الذي نحن بصدد رسم معالمه الكبرى ووضع رؤيته التقريبية، لا يخرج من هذا الإطار الديني عموماً.
إنَّ أول مادة يتعلمها الكبير والصغير البالغ، هي العقيدة الإسلامية، فلا بد من النطق بالشهادتين ومعرفة حقيقة الله الواحد الأحد ونبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وتعلم أداء الصلاة قرآناً وأذكاراً وحركات، كيف تم هذا التعليم؟ سؤال سبق أن طرحناه ولا بد له من جواب لتوضيح الرؤية التي نحن بصددها، ثم هل يعتبر هذا الدخول في الإسلام علماً وتعلماً؟ أسئلة ندخر الجواب عنها لما بعد هذه الرؤية والمصادر المتعلقة بالتعليم في المغرب الأوسط.
المادة الثانية التي تفرض نفسها في هذا التعليم، لا بد أن تكون مادة القرآن الكريم تلقيناً وحفظاً وتلاوة.
المادة الثالثة، يبدو لنا، أنها بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعقل أن تغيب عن هذا التعليم الديني إطلاقاً، ويظهر أن هذه الأحاديث تعطى للتلاميذ تلقيناً وحفظاً مكمِّلة لتلقين القرآن الكريم، وهو كلام الله كما هو معروف.
المادة الرابعة، والتي لا بد أنها كانت حاضرة في التعليم ببلاد المغرب الأوسط، ولكن بعد تقدُّم السنين، هي مادة اللغة العربية الفصيحة التي احتاج إليها المسلمون كضرورة عقدية وتعليمية، فبالعربية يُتلى كتاب الله وبالعربية تتم عملية التعليم من أساسها.
المادة الخامسة، التي يبدو لي أنها أساسية في التعليم ببلاد المغرب الأوسط بخاصة وببلاد الإسلام بعامة، هي مادة الفقه في الحلال والحرام، الجائز والمكروه، الحق والباطل في الإسلام، فقد شغلت هذه القضايا المسلمين ولا تزال منذ أن التحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وفتحت الأقاليم للإسلام، واعتنقت مختلف الشعوب الدين الجديد، فاحتاجت إلى معرفة فقهه.
ولعل الاهتمام بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الخلفاء الراشدين والصحابة وجهادهم في سبيل الله يشكِّل الإرهاصات الأولى لمادة التاريخ، ويضاف إلى أولئك ـــ فيما بعد ـــ مناقب رجال المذاهب وأئمتها ومن على شاكلتهم من كبار التابعين أو من أبرزته الأحداث السياسية كمعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن مروان، وأبي جعفر المنصور، وهارون الرشيد، وغيرهم كثير.
فهذه أهم المواد التي يتراءى لنا أنها كانت متداولة في عملية التعليم الأولى ببلاد المغرب الأوسط مع مجيء الإسلام إليه في البداية ثم استقراره وقيام أول دولة إسلامية مستقلة في ربوعه.
4ـــ هل كان التعليم منظماً ؟ :
من النظرة الأولى، يبدو لنا التعليم ـــ في هذه الحقبة من الزمن ـــ بسيطاً بساطة المجتمع المغربي بعامة ومجتمع المغرب الأوسط بخاصة، إذ يشكل البتر وهم البدو، شطره الأكبر، وبساطة هذا التعليم، يمكن تبريرها أيضاً بوضعية العالم الإسلامي كله، إذا استثنينا منه كبريات الحواضر في الإسلام كمكة والمدينة والبصرة الكوفة وبغداد ودمشق والقيروان وقرطبة، فما عداها يظهر لنا أن التعليم فيها ابتدائي مبتدئ إن صحَّت العبارة، لم يرق بعدُ إلى اهتمام الحكام به ولا الإنفاق عليه، فالوقت جدُّ مبكر لهذا الإجراء، فالتعليم لم يكن منظماً ولا نظامياً، وإنما كانت تحتكم فيه رغبات الناس وميولهم بحسب اهتمامهم بالعلم وتلقيه، أو اهتمامهم بالعلم وتلقينه وإعطائه، فالأول طالب علم والثاني شيخ علم، ولا نعتقد أن زماناً خلا من الصنفين معاً في يوم من الأيام، ومن هنا وجدنا في مصادرنا التي بين أيدينا الكثير من طلاب العلم الذين انتقلوا من مواطنهم بحثاً عن العلم، كما وجدنا الكثير من المشايخ بل ومن الأئمة الذين جلسوا للعلم يعطونه في حلقاته بالمسجد أو حتى في بيوتهم.
لقد كان التعليم بالمغرب الأوسط في القرون الهجرية موضوع الدراسة، في بداياته الأولى، يضع الأسس لتعليم مستقل، فمن وجد في نفسه القدرة على التعليم تقدم وقصده طلاب العلم، ومن وجد في نفسه الرغبة في التعلُّم، تقدم نحو المشايخ للاستزادة من العلم، ويبدو لنا أن الرغبة كانت كبيرة في شباب تلك القرون لأخذ العلم، خاصة وأنه اصطبغ بالتنافس المذهبي والجدل الفقهي وحتى العقدي من خلال أصول كل مذهب من المذاهب الإسلامية التي كانت تتبارى في الساحة الإسلامية آنذاك.
ثم هل كان الأولياء يأخذون أبناءهم إلى الكتاتيب؟ في هذه المرحلة المتقدمة من التاريخ الإسلامي بالمغرب الأوسط أم كان المعلمون هم الذين يعرضون علمهم القرآني والحديثي على الأولياء من خلال رسالة المسجد التربوية التعليمية؟
سؤال يطرح نفسه هنا بقوة، ولا بد له من إجابة، قد نجدها في مصادرنا أو نجد ما يشير إليها عرضاً يحتاج إلى إعمال فكر وتخمين، وفي كلتا الحالتين ستعطينا أضواءً تخدم موضوع بحثنا الرئيس.
ثانياً : التعليم في المغرب الأوسط : المصادر
إن المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الأوسط مستقلاً في قرونه الأولى قليلة جداً تكاد تنعدم، إلا أنها في عمومها هي تلك المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الإسلامي عموماً مثل كتب الفتوح وكتب الطبقات، وكتب التاريخ العام أو التاريخ المذهبي وكتب الجغرافيا.
ورغم أن هذه المصادر تتناول المغرب الإسلامي عموماً إلا أننا نلاحظ عليها اهتمامها الأكبر بالمغرب الأدنى دون المغربين الأوسط والأقصى. وذلك راجع بالدرجة الأولى إلى وجود الدولة الموالية للخلافة الإسلامية بالمشرق كفترة الولاة (96هـ/184هـ) وفترة الأغالبة (104هـ/ 296هـ)، وكلتاهما كانت القيروان عاصمة لهما، فكان الاهتمام بهذا الإقليم وحدود دولة الأغالبة السمة البارزة على أغلب مصادر التاريخ الإسلامي التي اهتمت ببلاد المغرب. ويذكر اليعقوبي(16) أن جيوش العباسيين لم تتجاوز منطقة الزاب في شرقي الجزائر حالياً، وبالتالي ظهر لدينا أن المؤرخين هم أيضاً لم يتجاوزوا هذا الحد عند تناولهم لتاريخ المغرب وكأنهم جندٌ في الجيوش التي جاءت من المشرق، إلا أن الجغرافيين، ولما كانت صفتهم المغامرة، توغلوا في بلاد المغرب، وأفادونا بالكثير عن المغرب الأوسط ومُدُنه وأوضاعه وبعض قبائله والأُسَر التي انتقلت إليه أو التي حكمته وما إلى ذلك من الأخبار التي لا يستغني عنها باحث في التاريخ الإسلامي.
بالإضافة إلى هذه المصادر الجغرافية، نلاحظ أن تاريخ المغرب الأوسط في قرونه الأولى، أنقذته مصادر طبقات وتاريخ الإباضية لما اهتمت بدولتها الرستمية في تيهرت وبعض مناطق المغرب الأوسط كمنطقة ريغ وسوف ووارجلان.
وإذا جئنا إلى التفاصيل، فإن مصادر الفتوح ككتاب «فتوح إفريقية» لمحمد الواقدي(17) (ت207هـ/822م) وكتاب «فتوح البلدان» للبلاذري(18) (ت279هـ/ 892م) وكتاب «فتوح إفريقية والمغرب» لابن عبد الحكم(19) (ت257هـ/ 870م) كلها تعطينا صوراً عن تعليم البربر الإسلام، كيف تقبَّلوه واستقبلوه وهي صور في مجملها غير واضحة إلاَّ أن الباحث بإمكانه أن يُعمل العقل للخروج ببعض الاستنتاجات التي تخدم موضوع التربية والتعليم الذي نحن بصدد التأريخ له بمغربنا الأوسط.
ويأتي في المقام الثاني كتب الطبقات المذهبية ككتاب «طبقات علماء إفريقية وتونس» لأبي العرب أحمد بن تميم(20) (ت333هـ/ 944م) وكتاب «طبقات علماء إفريقية» للخشني محمد بن الحارث (21)
(ت 361هـ/ 971م) وكتاب «رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية» للمالكي أبي بكر عبد الله بن أبي عبد الله(22) (ت 484هـ/ 1091م) أو كتاب «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان» للدباغ أبي زيد عبد الرحمن الأنصاري(23) (ت696هـ/ 1296م)، وهذا من جهة المالكية، وأما من جهة الإباضية فهناك كتاب «سير الأئمة وأخبارهم» لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر الوارجلاني(24) (ت471هـ/1078م) وكتاب «سير الوسياني» لأبي الربيع
سليمان بن عبد السلام(25) (ق6هـ/ 12م) وكتاب «طبقات المشايخ بالمغرب» لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني(26) (ت حوالي 670هـ/ 1271م) وكتاب «السيَر» لأبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي(27) (ت 928هـ/ 1521م) ويضاف إليها كتاب «السيَر» للمزاتي أبي الربيع سليمان بن يخلف (28) (ت 471هـ/ 1078م) و«سير نفوسة» لمقدين البغطوري(29)
(حي في 599هـ/ 1201م).
فهذه المصادر المذهبية اهتمت كثيراً بالعلم والتعليم والعلماء وما يتبع ذلك من حلقات العلم ونظمها وأنواع التعليم واختصاصاته ومراحله وأعمار المتعلمين وما إلى ذلك من هذه الأخبار.
ومن المصادر كذلك في تاريخ التعليم بالمغرب الأوسط، كتب التعليم العام والخاص كـ «أخبار الأئمة الرستميين» لابن الصغير(30) (حي ق 3 هـ/ 9م ) وكتاب «بدأ الإسلام وشرائع الدين» لابن سلام(31) (حي ق3هـ/9م) و«تاريخ إفريقية والمغرب» للرقيق القيرواني(32)
(ق 5 هـ/11م) يضاف إليها «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» لابن عذاري المراكشي(33)
(ت ق7هـ/13م) و«العِبَر» لابن خلدون(34) (ت 808هـ/ 1405م)، وكذلك «نهاية الأرب في فنون الأدب» للنويري(35) أحمد بن عبد الوهاب (ت 732هـ/ 1332م).
هذه المصادر وخاصة منها كتاب
ابن الصغير، تعتبر أهم المصادر التاريخية المباشرة في موضوعنا المتعلق بالتربية والتعليم، وتشير نصوصه إلى مواضيع التعليم وإن كان هذا التعليم للمراحل العليا، إن صح التعبير… أما المصادر الأخرى المذكورة فإننا نتوقع أن تحمل شيئاً قد نستشف منه ما يهم موضوع الدراسة.
وإذا جئنا إلى المصادر الجغرافية، كاليعقوبي(36) أحمد بن أبي يعقوب (ت 284هـ/ 898م) في كتابه «البلدان» الذي ألفه بعد جولته في المغرب الإسلامي عموماً وفي المغرب الأوسط منه بخاصة، وذلك في أواخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي وكابن حوقل أبي القاسم النصيبي(37) (ت 368هـ/ 978م) في كتابه «صورة الأرض» والمقدسي شمس الدين أبي عبد الله محمد البنا(38) المتوفى عام 388هـ/ 998م في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، والبكري أبي عبيد الله(39) (ت 487هـ/ 1094م) في كتابه «الـمُغرب في ذكر بلاد إفريقية والـمَغرب» علماً بأنه استقى مادة جغرافيته من محمد بن يوسف المشهور بالورَّاق المتوفى عام 363هـ/973م فهو قريب من فترة بحثنا، وكثيراً ما اهتم بأحداث المغرب الأوسط وأخباره، واحتفظ لنا البكري بالكثير منها.
ويمكن الاستئناس بكتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للأدريسي(40) المتوفى عام (548هـ/ 1153م) وكتاب «الاستبصار في عجائب الأمصار» لمجهول(41) كان حياً في القرن السادس الهجري / الثاني عشر للميلاد.
إن هذه المصادر الجغرافية في عمومها، تحمل إشارات لما يمكن أن يخدم موضوع بحثنا، خاصة وأنها تناولت المغرب الأوسط وأقاليمه ومدنه بعكس كتب التاريخ التي لم تتجاوز ـــ كما أسلفنا ـــ منطقة الزاب في شرقي الجزائر (المغرب الأوسط).
ويمكن أن نضيف إلى هذه المصادر كتب الفقه المالكي والإباضي التي أُلفت في المغرب الإسلامي ككتاب محمد بن سحنون بن سعيد (256هـ/ 869م)(42) «أدب المتعلمين» وكتاب «الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين» لأبي الحسن علي القابسي(43) المتوفي عام 403هـ/ 1061م، وقبل هذا وذاك يمكن العودة إلى «المدونة الكبرى» لسحنون بن سعيد التنوخي(44)
(ت 240هـ/ 854م) الذي عاش في القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد وأثَّر بقوة شخصيته ووظيفته كقاضٍ بالقيروان أيَّما تأثير، في الحياة التعليمية للمغرب الإسلامي عموماً.
أمَّا المصادر الإباضية فيمكن العودة إلى كتاب «مسائل نفوسة» للإمام عبد
الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم(45)
(ت 208هـ/ 823م) وكتاب «العدل والإنصاف» لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني(46) (ت510هـ/1174م) وكتاب «قناطر الخيرات» لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي(47) (ت 750هـ/ 1349م) وغيرها من هذه المصادر الفقهية.
مجمل القول، إنَّ المصادر التي بين أيدينا والتي تشكِّل أهم مصادر الفترة موضوع الدراسة أي القرون الثلاثة الهجرية الأولى (7ـــ9م)، نرى أنها قد تغطي جوانب مهمة من التعليم في المغرب الأوسط، إلاَّ أن النقص سيكون ظاهراً وملموساً، لأن الموضوع موغل في القدم من حيث بداية الإسلام ببلاد المغرب وهو كذلك يهتم بالمغرب الأوسط بالذات وهو المغرب الأقل حظاً في كتابات المؤرخين.. ثم إنَّ التعليم كموضوع لم تبرُز اهتمامات الباحثين به إلاَّ في المدة الأخيرة بالنسبة للمغرب الإسلامي عموماً.

د. إبراهيم بحاز

الهوامش

(*) الدكتور إبراهيم بن بكير بحاز، أستاذ بكلية التربية، نزوى، سطنة عُمان.
(2) انظر سورة البقرة، آية 31: ?وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلآَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلآءِ ان كُنتُمْ صَادِقِينَ?.
(3) انظر سورة العلق، آية 5.
(4) عن المراحل الثلاث انظر ابن عذاري: «البيان»، الجزء الأول، عبد الحميد سعد زغلول: «تاريخ المغرب العربي» ، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر 1979م.
(5) ابن خلدون، «العبر»، 6/120، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1413هـ/ 1992م.
(6) عبد العزيز ميلالي وإبراهيم بحاز : «مدينة ميلة في العصر الوسيط»، دار البلاد للخدمات، قسنطينة، 1998م، ص 14 وما بعدها.
(7) عن الأدارسة انظر : محمود إسماعيل (الدكتور): «الأدارسة 172ـــ 375هـ، حقائق جديدة»، مطبعة مدبولي، القاهرة، 1991م.
(8) ابن خلدون : «العبر»، 7/107. منشورات دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط3، 1968.
(9) اليعقوبي أحمد بن واضح، «البلدان»، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1408هـ/ 1988م، ص 108ـــ109.
(10) الدرجيني، «طبقات المشايخ بالمغرب»، تح: إبراهيم طلاي، دار البعث، قسنطينة، 1975م، 1/11.
(11) القاضي عبد الجبار وآخرون، «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة»، تحقيق فؤاد رشيد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1974م، ص 137.
(12) عبد العزيز المجدوب : «الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية»، الدار التونسية للنشر، تونس، 1971، ص 21.
(13) القاضي أبو حنيفة محمد بن محمد النعمان، «افتتاح الدعوة»، تح : فرحات الدشراوي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986م، ص 112، المؤلف نفسه، «المجالس والمسايرات»، ص 41.
(14) ابن الصغير، «أخبار الأيمة الرستميين»، المطبوعات الجميلة، الجزائر، ص 13، 32، 57، 92. وانظر : الشماخي أبو العباس أحمد: «كتاب السير»، طبعة تونس، 1995، ص 143 وما بعدها.
(15) ابن الصغير، المصدر نفسه، ص ص 82ـــ84
(16) اليعقوبي، «البلدان»، ص 103.
(17) محمد الواقدي، «فتوح إفريقية»، المطبعة العمومية، تونس، 16/ 1315.
(18) البلاذري أحمد بن يحيى، «فتوح البلدان»، تح: عبد الله الطباع، دار النشر للجامعيين، 1957.
(19) ابن عبد الحكم أبو محمد بن عبد الله، «فتوح إفريقية والأندلس»، تح : أنيس الطباع، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1964.
(20) أبو العرب أحمد بن تميم: «كتاب طبقات علماء إفريقية وتونس»، تح : علي القنابي وآخر، الدار التونسية للنشر، تونس، 1968م.
(21) الخشني محمد بن الحارث، «كتاب طبقات علماء إفريقية»، دار الكتاب اللبناني، بيروت، بلا ت.
(22) المالكي ابو بكر عبد الله: «رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية»، تح : بشير البكوش، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983م.
(23) الدباغ أبو زيد عبد الرحمن، «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان»، تصح: إبراهيم شبوح، المكتبة العتيقة، تونس، ط2/ 1993م.
(24) أبو زكريا يحيى الوارجلاني، «سير الأئمة وأخبارهم»، تح : إسماعيل العربي، الجزائر، 1979.
(25) الوسياني أبو الربيع سليمان، «سير الوسياني»، مخ بحوزتي.
(26)الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد، «طبقات المشايخ بالمغرب»، تح : إبراهيم طلاي، جزءان، مطبعة البعث. قسنطينة، 1974م.
(27)الشماخي أحمد بن سعيد، «السيَر»، طبعه حجرية، قسنطينة 1301هـ.
(28) المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف، «السيَر»، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر.
(29) البغطوري مقرين بن محمد، «سيرة أهل نفوسة». مخ، بحوزتي.
(30) ابن الصغير، «أخبار الأيمة الرستميين»، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986.
(31) مؤلفه هو: لواب بن سلام، وطبع بعنوان آخر هو: «الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية». تح : سالم بن يعقوب وشفارتز . دار اقرا، بيروت، 1985م.
(32) الرقيق أبو إسحاق إبراهيم، «تاريخ إفريقية والمغرب»، تح : د. عبد الله العلي الزيدان وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990.
(33) ابن عذاري المراكشي، «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب»، تح: بروفنصال وآخر، بيروت، 1948م.
(34) ابن خلدون عبد الرحمن، «العبر وديوان المبتدأ والخبر»، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1968م.
(35) النويري أحمد بن عبد الوهاب، «نهاية الأرب في فنون الأدب» (تاريخ المغرب الإسلامي في العصر الوسيط)، تح : مصطفى أبو ضيف، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1984م.
(36) اليعقوبي، أحمد بن واضح، «البلدان»، ط3، النجف، 1377هـ/ 1917م.
(37)ابن حوقل، «صورة الأرض»،ط2، مطبعة بريل، ليدن، 1938م.
(38)المقدسي، «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، ط2، مطبعة بريل، ليدن، 1906م.
(39)البكري أبو عبيد الله، «المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب»، جزء من كتاب المسالك والممالك، مكتبة المثنى، بغداد، عن طبعة الجزائر، 1857.
(40) الإدريسي الشريف، «وصف إفريقيا الشمالية والصحراوية» مأخوذ من كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، تح : هنري بيريس، الجزائر، 1957م.
(41) مجهول، «الاستبصار في عجائب الأمصار»، تعليق سعد زغلول، مطبعة جامعة الإسكندرية، 1958م.
(42) محمد بن سحنون بن سعيد، «أدب المعلمين»، تونس.
(43) القابسي أبو الحسن علي، «الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين»، تح : أحمد فؤاد آل هواني، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1955م.
(44) سحنون بن سعيد، «المدونة الكبرى»، دار صادر، بيروت، 1323.
(45) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، كتاب «مسائل نفوسة»، تح : إبراهيم طلاي، المطبعة العربية، غرداية، 1991م.
(46) أبو يعقوب يوسف الوارجلاني : «العدل والإنصاف»، تحقيق د. عمرو خليفة النامي، مصورة بحوزتي.
(47) إسماعيل الجيطالي، «قناطر الخيرات»، المطبعة العربية، غرداية، بلا تاريخ.

نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 108.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك