منهج التعامل مع الآخر في التجربة الإباضية بالجزائر

دين الإسلام نظام ارتضاه الخالق للبشرية، لغاية أساسية، تتمثل في تحقيق السعادة لبني الإنسان. وضمان المقومات الأساسية للبشر، باعتبارهم عبيدا لله، لهم الحق في الحياة، والأمن والاستقرار.

وقد كلف الله عباده بمهمة العبادة، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (سورة الذاريات:56). واستعمرهم في الأرض، وابتلاهم فيها لينظر كيف يعملون. وأخبرهم أنهم إليه راجعون ليجزي كل نفس بما كسبت، جزاء عادلا لا ظلم فيه ولا محاباة.
ومن بين أهم مبادئ الإسلام، حرية المعتقد، وترك الناس على فطرهم يدينون بما شاؤوا، وعدم إكراه أحد على معتقد أو فكرة أو مبدإ لا قناعة له فيه. وصريح القرآن يثبت هذا المبدأ الخالد في قوله تعالى: {لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (سورة البقرة:256).
ودعوة الإسلام نداء حانٍ للبشرية أن تستظل بمظلة التوحيد، بناء على أنها المظلة الآمنة لتحقيق طمأنينة الإنسان على حاضره ومستقبله، وتأمين حياته ومحيطه، وتحقيق حريته وكرامته.
وتسعى هذه الدعوة إلى إقامة الحجة، وبيان المحجة، وابتناء طرق الحوار المقنع الهادئ أمام كل طالب للحقيقة، وتوفير الجو المناسب لتحصيل القناعة بصواب هذا النهج لتحقيق مطامح الإنسان، وفي مقدمتها سعادته المنشودة.
ومن لم يقتنع بهذا النهج ظل آمنًا حرّا، لا ينغص عليه أحد أمنه، ولا يحقّ لأيّ كان أن يحمله على اعتقاد ما لا قناعة له به، ولا يكره على سلوك طريق لا رغبة له فيه، ويظل متمتّعا بحماية مطلقة من أي اعتداء أو مساومة أو سوء يناله، ما دام ملتزما حدوده، ولا ينال الإسلام والمسلمين بأذى قولي أو فعلي.
وبناء على هذه الأسس سجّل المسلمون أروع الصور في تحقيق التسامح الديني مع الآخر، وكانوا القدوة العملية في مبدإ حرية المعتقد، وصون كرامة الإنسان مهما تباينت ديانته واختلفت مبادئه مع دين الإسلام.
ثم رسم القرآن لأتباعه قاعدة المعاملة الحسنة مع الناس جميعا، بقوله عز وجل: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا}(البقرة: 83).
بل أمر بالمعاملة بالحسنى حتى مع من بدأ بالإساءة، وبيّن أثر هذه المعاملة على توطيد عرى المودة، وإزالة أسباب العداوة، ونشر قيم التسامح والخير بين الناس. {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(الممتحنة: 8)
التعامل مع الآخر، الأسس والممارسة:
بناء على هذه المنطلقات الأساسية التي تقررت في كتاب الله الخالد، القرآن الكريم، فقد مارسها المسلمون وطبقوها في الواقع بكل شفافية ووضوح، وتجلّى ذلك من خلال سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
على هذه الأسس السامية من المعاملة الإنسانية الواعية قام المجتمع المسلم، وانتشر الإسلام يفتح القلوب قبل البلدان، فدانت له أمم الأرض راغبة راضية، ووجدت في ظله ما افتقدته تحت أنظمة أخرى من قيم الكرامة والحرية، والشعور بالقيمة الإنسانية، بكل ما تحمله من معاني الخير والحق والعدالة.
وكل مُطَّلِعٍ على سيرة المصطفى عليه السلام يبهره ما احتوته من نماذج فريدة، وصور خالدة، تجسدت فيها المبادئ التي قام عليها الإسلام في هذا المسار.
منها:
– وثيقة المدينة، أو دستور المدينة الرائد، الذي حوى بنودًا تجلت فيها هذه المبادئ الخالدة. تعتبر قاعدة دستورية رفيعة في التعامل مع الآخر المخالف في المعتقد.
لقد كانت وثيقة المدينة عهدًا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة من جهة، وبين الطوائف التي تساكنهم في المدينة من جهة ثانية.
وفي هذه الوثيقة نقرأ أنها:
-كتاب من محمد النبي رسول الله، بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم؛
-أنهم أمة من دون الناس؛
-وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
-وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن.
-وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
-وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم: مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم. (1)
وتتبعت الوثيقة تجمعات اليهود التسعة في المدينة، وقررت لهم ما قررته ليهود بني عوف. بل أضافت إليهم مواليهم وبطانتهم وجعلتهم في مرتبة واحدة.
كما قررت الوثيقة النبوية أن بينهم النصح – هم والمسلمون – على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصر والنصيحة، والبر دون الإثم، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره (أي الله شاهد ووكيل على ما تم الاتفاق عليه).
فهذه الوثيقة تجعل غير المسلمين المقيمين في دولة المدينة مواطنين فيها، لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات مثل ما على المسلمين.
واتسع صدر المصطفى صلى الله عليه وسلم ليشمل بعفوه وسماحته أعدى أعدائه، وأخطر فئة في المدينة وهم المنافقون، الذين يلبسون ثوب المسلمين، ويتآمرون عليهم في الباطن. وقد سجل التاريخ سعيهم لبث روح الهزيمة في نفوس المسلمين، وتحالفهم مع أعدائهم في أحلك ليالي المحنة. ومكائدهم لتمزيق وحدة المسلمين.
ورغم كل هذه المكائد فقد أرشد الله رسوله إلى الصفح والعفو عنهم: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ مِّنْهُمُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاَصْفَحِ اِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة: 13).
وفوق هذا، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أخبارهم، وأسماءهم، ويصله من وحي الله خَفِيَّةَ أسرارهم. ومع ذلك فقد ترك باب التواصل معهم مفتوحا، حوارا ومعاملة، ومشاركة في ميادين الحياة المختلفة، بل وإشراكا لهم في المهام المصيرية في غزواته ومواجهة أعدائه.
لقد عاش المنافقون مع النبي صلى الله عليه وسلم يتمتعون بكل حقوقهم المدنية، وحقوق المواطنة الكاملة، سكنا وحماية، ومعاملات مالية واستفادة من المغانم ومن بيت المال.
هذه الصفحات تكشف لنا عن أصول التسامح التي قام عليها دين الإسلام تنظيرا وممارسة، بحيث يجد كل من أظلته راية الدولة الإسلامية أمنه وطمأنينته، ويتمتع بحماية مطلقة في نفسه وعرضه وأهله وماله.
– وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ وشنع على من ينتهكه، وتوعده بوخيم العقوبة، حين قال: «ألا من قتل معاهدا له ذمة الله ، وذمة رسوله ، فقد خفَر ذمة الله ، ولا يرح ريح الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا»(2).
– وقال أيضا «من خفر بذمة لم يرح رائحة الجنة»(3).
– وقد كان يحسن معاملة اليهود. حتى كان ذلك سببا لإسلام الكثيرين منهم.
وتواصلت المسيرة في عهد الخلفاء الراشدين، فكان أبو بكر وعمر قدوة للخلفاء في هذا.
وتجسدت في سيرة عمر مواقف خالدة في الإحسان لغير المسلمين، والوفاء بما أعطوهم من عهود الأمان والحماية. وقد قالها عمر لليهودي العجوز، حين رآه يجر خطاه في شوارع المدينة، وعليه علامات الحاجة والفقر، «ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك وأهملنا شيبتك».
وفي العهدة العمرية لأهل القدس شاهد يؤكد هذه الحقيقة التاريخية الخالدة.
ونما هذا المبدأ، وبسقت شجرته في ظل الحضارة الإسلامية، فتفيأ ظلالَها أهلُ الأديان، وذكروا للإسلام وأهله جميل الرعاية، وحسن العشرة، وطيب المعاملة، التي صدرت عن المسلمين امتثالا لتعاليم القرآن، في أمره: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا}(البقرة: 83). وفي أمره وثنائه على أهل الإحسان: {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195).
وفي أحكام الفقه تفريعات عديدة تخص ضمان هذه المعاملة الحسنة لكل من أظلته راية الإسلام، وتعهد المسلمين حكاما ومحكومين بتحقيق هذه الأحكام على صعيد الواقع العملي.
وكفى الفقه الإسلامي شرفا ما زخرت به موسوعاته من تفاصيل أحكام الذمة في أبواب مستفيضة تناولت تفاصيل حياة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وما يلزم نحوهم من برٍّ وإحسان، تحقيقا لتمام الدعوة وتحبيب الإسلام إلى الناس، وعونا لهم على التعرف على نهجه، حتى تتفتح قلوبهم له، فلا ينضوون تحت لوائها إلا وقلوبهم طافحة بحبه، والإعجاب بمبادئه وأحكامه.
ولا غرو أن يمتد هذا النهج العادل، ويضم هذا الحضن الواسع مختلف مجتمعات المسلمين حيثما أظلت البشريةَ رايةُ الإسلام.
ولئن توزعت المسلمين مذاهب اجتهاديةٌ متعددة، فإن معاملتهم لغير المسلمين كانت صورة واحدة، ومسلكا موحدا، لا يخفرون ذمة، ولا ينقضون عهدا، ولا يعتدون على حرمة، ولا يستبيحون دما، ولا يروّعون آمنا، بل كانوا السباقين للذود عن هؤلاء باعتبارهم فئة تفتقد الناصر والحامي، ولا حامي لها إلى من أعطت لها عهدها ومواثيقها، وهم المسلمون حكاما ومحكومين، حتى ولو أعطى لهم الأمان رجل من عامة الناس، أو امرأة لا مقام لها ولا سلطان. وقد قال المصطفى عليه السلام «قد أجرنا من أجرت يا أمة هانئ»(4).
فبمجرد إعطائها الأمان بصفة فردية، أصبح عقدا لازما لأعلى مسؤول في الأمة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. والقاعدة شاملة في الزمان والمكان، سارية ما امتدت أرض الإسلام، لا مخصص لها ولا ناقض لحكمها.
التجربة الإباضية في التاريخ:
الإباضية مذهب إسلامي أصيل، نشأ على يد الإمام الجليل أبي الشعثاء جابر بن زيد، الأزدي، وقام على أساس إنكار فكر الخوارج الذين اشتطوا في الدين، فحكموا بكفر المسلمين، ووصموهم بالشرك، وأخرجوهم من الملة وهم موحدون، وتطاولوا عليهم بسفك الدماء، واستباحة الأموال.
وطالت فتنةُ الخوارج أمةَ الإسلام، وامتحنُوا الناس في معتقدهم، وعدَوا عليهم تحت ستار التحقُّقِ من صدق الإيمان، وتمييز أهل الولاء من المنافقين والدخلاء. وقد سجلت كتب التاريخ صفحات سوداء من هذا البلاء.
وقد أنكر الإباضية الذين كانوا يُعرَفون بالقَعَدَةِ ما حدث من خروج معاوية على طاعة الإمام علي، ووقفوا مدافعين عن إمامته الشرعية، بيد أن المسألة حين داخلتها الحيل، ولوثتها المكايد، آثروا الانعزال، والبقاء على الحياد. حتى لا يشاركوا في تأزيم الوضع، وجرِّ الأمة إلى مستنقعٍ من الدماء لا يعلم حدوده إلا الله.
وتأكد صواب نظرتهم حين نجم قرن الخوارج، فأعلنوا البراءة منهم لما كشفوا عن تطرفهم، وغلوهم في الحكم على المخالفين.
والتزم الإباضية الوسطية في الفكر والمعتقد، وفي السلوك والمعاملة، وسجل التاريخ عليهم جهدا مشكورا في الوفاء بهذه المبادئ على امتداد تجاربهم المتنوعة، سواء في ظل دول أقاموها، أم في ظل أنظمة أظلتهم رايتها، إذ كانوا دائما على الخط المستقيم، وفاء بالعهود، وحفظا للعهود، وصونا للدماء، ونأيا عن التطرف وعن العدوان.
ولم يكن ذلك لضعف أصابهم، ولكن مبادئهم ألزمتهم أن يلجموا أفواههم، ويقيدوا أيديهم أن تنال عرضا أو دما أو مالا حرمه الله. إذ يعتقدون أن حقوق العباد جليلة الخطر، وانتهاكها وخيم الجزاء يوم المعاد. ويؤمنون أن التنصل منها ليس بالأمر اليسير، فاحتاطوا لها غاية الاحتياط.
وفي تواريخهم شواهد تندّ عن الحصر في تجسيد هذا المعتقد في الواقع المعيش، سواء مع المسلمين أم مع غيرهم من أهل الكتاب، وحتى مَن جمعتهم بهم مقادير المواجهات العسكرية في الدفاع عن أرض الإسلام، فقد كانوا أشد الناس ورعا عن أن ينتهكوا الحرمات، أو ينقضوا مواثيقهم مع الآخرين.
التجربة الإباضية في الجزائر :
تجربة المجتمع الميزابي في تعامله مع الآخر كانت ثرية في جوانبها الاجتماعية والثقافية والعلاقات التي عرفتها منطقة غرداية، وعدد من مدن الجزائر، حيث كان الميزابيون يمارسون التجارة، وتربطهم بهذا الآخر صلات متعددة.
لقد كانت هذه العلاقات صورة حية للتعامل القائم على مبادئ الإسلام في الإحسان والإنصاف، والتعاون.
ويمكن أن نستجلي بعض معالم هذه العلاقات، وما فيها من تسامح وإحسان، من خلال الجوانب الآتية:
أولاً: الجانب الديني
تذكر بعض المصادر أن وجود اليهود بغرداية يعود إلى خراب تمنطيط بمنطقة أدرار عام 1492م، على يد الشيخ ابن عبد الكريم المغيلي، وانضم إليهم يهود قدِموا مختلف أقطار شمال إفريقيا. (5)
ثم كثر عددهم خلال الحقبة الاستعمارية، وكان لهم حيٌّ خاص بهم في قلب مدينة غرداية، يقع في الجانب الشرقي، ثم أخذت أعدادهم تتناقص خلال سنوات الثورة التحريرية، إلى أن رحلوا جميعا بعد الاستقلال.
يذكر كبار السن من أهل المدينة، أن ديانة اليهود كانت محترمة غاية الاحترام، لهم معبدهم في حيهم الخاص بالمدينة، يمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية، ولم يشتك أحد منهم سوء معاملة أبدا، يغدون ويروحون إلى معبدهم في وضح النهار دون خشية أو خجل.
ولا يزال هذا المعبد قائما، وهو مهجور اليوم، نظرا لخلوّ المدينة من أتباعهم.
وأما طقوسهم الدينية فلم يتأثر بها الأهالي، ولم يكن بينه اختلاط في هذا المجال.
وكان اليهود مستقلين بموارد مائهم، وقد خصص لهم بئر خاصة لسقي الماء. ولا يختلطون بالمسلمين في آبارهم. وإذا اضطر أحد منهم إلى أخذ الماء من بئر المسلمين، سقى له المسلمون، ولم يسمح له أن يلمس آنيتهم ولا أدوات سقيهم.
وواضح أن هذه مسألة تتعلق بالطهارة التي يحرص عليها المسلمون، ولا صلة لها بالحرية الدينية.
هذا عن صلة الإباضية باليهود، أما بالنسبة للمسيحيين، فقد ارتبط وجودهم بالاستعمار الفرنسي، ولم تكن لهم أعداد معتبرة في المدينة، إذ جاؤوا إلى الصحراء ملحقين عسكريين، أو موظفين إداريين، أو معلمين في المدارس الحكومية. كما كان عدد منهم يشتغل في التبشير للمسيحية بين السكان.
وقد انقرضوا بعد زوال الاستعمار عن الجزائر ولكن الآباء البيض ظلوا بعد ذلك بزمن طويل.
تمتع الآباء البيض بحريتهم الدينية رغم كونهم من طينة السلطة الاستعمارية، فقد كانت لهم معابدهم داخل أسوار المدينة القديمة، في حي «مورابو»، كما كان لهم أيضا نشاط في الواحة، حيث يرحل السكان للمصيف بين الأجنة والحقول، فاستحدث المبشرون لهم مركزين معروفين في ناحية «مامّة حنّا» وغابة «مركانتي».
ومن أشهر الآباء البيض بغرداية الأب دافيد، الذي كان يتمتع باحترام تام من قبل المشايخ وأهل المدينة، وقد قام بدراسات عن مشايخ ميزاب.
أما الأخوات البيض فقد سعين لأداء مهمتهن بفتح مركز التكوين المهني للفتيات، وكان اختيار التكوين المهني مجالا لنشر التنصير باعتباره واسطة للاتصال بكل فئات النساء، وعامل جذب لهن للتعلم.
وقد انضم إلى هذا المركز عدد معتبر من النساء والفتيات، وتعلمن مهنا نافعة فيه، ولكن رغم ذلك لم يتأثرن بالفكر النصراني، وتخرجن سالمات، ونفعن المجتمع بخبرتهن وما اكتسبن من حرف مختلفة.
ومن مساعي التنصير الاهتمام بالجانب الصحي، وبخاصة التوليد، الذي قامت به القابلات من الأخوات البيض، واتخذنها واجهة للتنصير، ولكنها لم تؤت أكلها رغم خدماتها الإنسانية المشهودة.
وكانت مهنة القابلات فرصة للاتصال بنساء المجتمع الإباضي والتعرف عليهن، ولم يكن فاصل الدين حاجزا عن انتفاعهن بهذه الخدمة الإنسانية الضرورية.
ولا تزال النساء في ميزاب يشهدن بالفضل لهؤلاء الأخوات البيض، وما قدمن من خدمات جليلة، في ظل ندرة الخدمة الطبية في تلك الفترة من الزمن.
وبعد رحيل الاستعمار الفرنسي ظلت معابد المسيحيين فارغة، فسعت جمعية الإصلاح بغرداية لشرائها، وحوّلتها إلى مدارس لنشر العلم، ومساجد للعبادة.
الجانب الاجتماعي:
كان لليهود حيّ خاص بهم داخل المدينة القديمة، يعيشون فيه آمنين مطمئنين، يقع في الجهة الشرقية من البلدة.
لقد احترف اليهود مهنا وثيقة الصلة بحاجة الناس اليومية، وكان جلهم يعمل في الحدادة وتصليح الأواني المنزلية، وفي صياغة الذهب الذي تحتاج إليه النساء من مختلف الطبقات الاجتماعية. فضلا عن اشتغالهم بتجارة الأقمشة.
وبناء على هذه المهن كانت صلته بالمجتمع وثيقة. وكان العزابة يتعاملون معهم، شراءً وبيعًا، وهم القدوة للناس في الحياة، وكان كبراء المجتمع والوجهاء والأعيان يتعاملون معهم نيابة عن النساء في بيع وإصلاح الذهب.
فسار الناس على نهجهم، وربطوا صلاتهم ومعاملاتهم بهؤلاء اليهود، ولم تكن ثمة مقاطعة أو مضايقة لهم في أنشطتهم التجارية. بل كان بين الطرفين تعامل وطيد على أساس الثقة المتبادلة.
كان اليهودي يتجول في أزقة المدينة ينادي هل من شخص يريد إصلاح أوعيته، «يقزدر»، وكان الناس يستعملون في طبخهم ومأكلهم أوعية نحاسية تصدأ بمرور الزمن، ويقوم اليهود بتحديثها فتصبح لماعة وكأنها جديدة.
ويأتي اليهود لأخذ هذه الأوعية وإصلاحها، ثم يرجعونها إلى أهلها، وليس بينهم وصل ولا وثيقة، إلا الثقة الكاملة.
وكانوا يتكلمون العربية الدارجة، كما تعلموا اللهجة الميزابية المحلية، وتواصلوا بها مع السكان، وساعدهم ذلك على التفاعل معهم وعلى قضاء مصالحهم.
كان اليهود يلبسون لباس أهل البلد التقليدي، فلا ترى فرقًا بينهم وبين المسلمين في شيء، كما كانوا يدرسون معهم في المدارس الرسمية دون تمييز ولا فوارق.
وفي المدرسة الرسمية كان ثلث القسم أو أكثره من اليهود، يجلس التلاميذ المسلمون واليهود مع بعضهم في الطاولة الواحدة، وكان التسابق في الدراسة والامتحانات، ولهم أسماؤهم : بيريز، شيمون، إلخ.
وتقع أحيانا بعض المناوشات بين التلاميذ وخاصة في نهاية السنة الدراسية، وهي ظاهرة لا صلة لها باختلاف الأديان، بل لها صلة بالتعصب والجهل الذي يكون بين أتباع الطوائف، ويقع حتى بين المسلمين أنفسهم، لاختلاف القبائل، أو المذاهب أو الانتماءات والولاءات. وهو أمر قديم، بل إنه وقع حتى بين الصحابة أنفسهم، في السقيفة وفي وقائع بعد ذلك.
ومن الأخبار الشائعة عن اليهود أنهم يهملون النظافة، ويشتهر حيّهم بتراكم القمامات والأوساخ. وهذه سمة قديمة فيهم، حتى نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التشبّه بهم، فأمر المسلمين أن ينظفوا أفنيتهم ولا يتشبهوا باليهود(6).
ولئن كان اليهود يشكلون جزءًا من المجتمع في غرداية، فإن النصارى على خلاف ذلك، إذ لم يكونوا يشكلون شريحة ذات وزن من الناحية العددية.
ولم يكن لهم تمازج مع المجتمع، بسبب عدم وجود جالية فرنسية كبيرة، عددهم محدود، محصور في المشتغلين في الإدارة والتعليم فقط.
وأما ما سوى مجال التعليم والإدارة فلم يكن للمسيحيين وجود، ولا اختلاط بالمجتمع في تجارة ولا صناعة ولا زراعة.
وبدهي أن لا تكون لهم صلة بالحياة الاجتماعية للإباضية في أفراحهم وأتراحهم. وكانوا في نظر الميزابيين ممثلين للسلطة الاستعمارية، وإن بهروهم بمظهرهم الذي يمثل نموذجا للحضارة والمدنية، واشتُهر الفرنسيون بالاهتمام بالمظهر، والتأنق في نمط الحياة، فضلا عن تفوقهم العلمي.
وقد قامت حركة الإصلاح في ميزاب لمقاومة الاستعمار، ولذلك كان المجتمع يتعامل مع أبناء المستعمر بعزة نفس، ولم يكن يتزلف لهم، بينما وجدت طائفة من أصحاب النفوس الضعيفة كانت تسعى لاسترضائهم، طمعا في حظوظ عاجلة، ومكاسب دنيوية قليلة.
واستعلاء المسلمين عن هؤلاء لا يعني أن يعتدوا عليهم، أو ينالوهم بسوء ظلما وعدوانا، فهذا من المنكرات التي نهى الشرع عنها، وظل المجتمع وفيا لها مع المخالف والموافق.
وبعد بزوغ فجر الاستقلال انقطع الفرنسيون عن المنطقة، ولم يبق منهم إلا عدد محدود من المعلمين.
وفي جانب العلاقات الاجتماعية أيضا، لم يعرف تدخل للميزابيين في الشؤون الخاصة لليهود، فضلا عن المسيحيين، إذ كان اليهود مستقلين بإدارة شؤونهم من قِبل أعيانهم ورجالهم الدينيين، كما استقل النصارى بشؤونهم، فضلا عن كونهم يعتقدون بسمو الرجل الأبيض حامل الحضارة.
ولم تذكر المصادر شيئا عن خصومات وقعت بين اليهود، أو بين النصارى وتدخل فيها الإباضية، كما لم يتدخل اليهود ولا النصارى في الشؤون الداخلية للمجتمع الميزابي، إذ اكتفى كل طرف بإدارة شؤونه الخاصة بمفرده، دون استعانة ولا تدخل في طرف آخر. وبقي الاحترام سائدا بين الجميع.
ولا ينكر أن اليهود كانوا يشعرون بالدون، فلم تكن لهم جرأة على ارتكاب الجرائم أو الاعتداء على المسلمين في دم ولا عرض ولا مال. بل ربما يقع التعدي من بعض المتهورين من أبناء المسلمين. ولكن الأعيان كانوا يردعونهم ويقفون منهم موقفا حاسما لإنصاف المظلوم بناء على أسس الدين التي تحرم الظلم على أي طرف كان.
الجانب الثقافي
بحكم التباين الديني والاجتماعي بين الإباضية في وادي ميزاب وبين الجالية اليهودية، فإن التأثر في المجال الثقافي كان منعدما.
وبالنسبة للمسيحيين، فإن العلاقة الثقافية بهم كان منحصرة في إطار التعليم في المدارس، وقد تميزت هذه النخبة المثقفة من المعلمين الفرنسيين بميزات إيجابية تجلّت في نصحهم وإخلاصهم في مهمة التدريس، وحرصهم على الرفع من مستوى التلاميذ، فكسبوا بذلك قلوب التلاميذ، وتقدير الأولياء.
وبخصوص نشر الثقافة بواسطة الكتاب، فلم يكن لليهود أي نشاط في هذا الباب.
فاليهود كانوا مشغولين بأنفسهم، ومعلوم أنهم لا يسعون لنشر دينهم. بناء على معتقدهم أن الديانة اليهودية خاصة بشعب الله المختار.
أما النصارى فكانت جهودهم لنشر الثقافة محصورة في المدرسة الحكومية، وضمت المدرسة مكتبة ثرية، أفاد منها المنتسبون إليها.
كما كان لدى مركز الآباء البيض أيضا مكتبة مهمة، وتميزت بالسماح بإعارة الكتب لكل راغب وبسخاء دون أية عقبات.
ولكن لم يكن في هذه المكتبات ما يخدم الثقافة الإسلامية الأصيلة، لأنها لا تنسجم وأهداف المستعمر الثقافية. وأغلب ما فيها كتب اجتماعية تاريخية أدبية عامة. وفيها نصيب معتبر من كتب التاريخ الإسلامي، ولكنه محرّف ومشوّه، يتبنى وجهة النظر الاستعمارية عن تاريخ الإسلام وملوك المسلمين، وتصوّره بأنه تاريخ مجون وتهتك واستهتار، وهو ما أعطى صورة غير صحيحة عن تاريخ صدر الإسلام.
ورغم هذا التوجيه في الوعاء الثقافي فإن تأثير هذه المراكز في تغريب الفكر واستقطاب المثقفين كان محدودا إن لم نقل معدوما، ولم يكن له أتباع إلا عدد لا يكاد يذكر.
أما الغالبية الساحقة من المثقفين فلم يكن ثمة خوف عليهم من التأثر بتلك الأوعية الثقافية الموجَّهة، نظرا للحصانة الدينية المتوفرة، وقيام المجتمع بهيئاته وأسره على دعم النشء في دينه وأخلاقه.
وبخصوص موقف الميزابيين من المدارس الفرنسية، فقد كان سلبيًّا أول الأمر، بل كان الأهالي يَفْدُون أبناءهم بالمال حتى لا يدخلوا المدارس الاستعمارية، وبعضهم كانوا يُهرِّبون أبناءهم إلى مدن التل ليفلتوا من فخ التعليم الإجباري في تلك المدارس.
وقد شاع تفسير هذه القطيعة مع المدارس الرسمية، أنها مدارس تنشر ثقافة المستعمر ودينه ولغته. بينما يرى البعض أن هذا منشؤه التخوف من الجديد، وعدم الثقة بما يأتي به المستعمر فقط.
وحين انتسب الأبناء إلى هذه المدارس، حرص أولياؤهم على حصانتهم من التأثر بالفكر النصراني، ومن مظاهر هذا الحرص أن كان الأولاد عند عودتهم من المدرسة الرسمية يؤمرون بغسل أيديهم لأنهم كانوا مع الكفّار، وهم نجسٌ، فوجب التطهر عند العودة من تلك المدارس.
وتعبرّ هذه المواقف عن التباين الديني القائم بين المسلمين والنصارى، ولكنها تعبّر من جهة أخرى عن التوافق في التعامل، وعدم القطيعة لما فيه منفعة لهم، وتجلت تلك المنفعة في تنوير أبناء المسلمين بالعلم الدنيوي في تلك المدارس دون أن يتأثروا بها دينيا وعقديا.
والواقع أن السابقين إلى هذه المدارس كانوا من أبناء الوجهاء وأصحاب الحظوة لدى الإدارة الاستعمارية. ثم أقبل الأهالي بعد ذلك على هذه المدارس وتعلم فيها أبناؤهم، وحملوا مشعل الثقافة في المستقبل، ونفعوا الوطن نفعا كبيرا.
واللافت للانتباه أنه رغم هذه السمة الظاهرة في التعامل مع الآخر المباين في المعتقد، فلا يذكر أبناء ذلك العهد أنه وقع تعرّضٌ من قبل الأولياء في البيوت لمعتقد النصارى أو التحذير من ديانتهم. فما كانت الأمهات ولا الآباء يذكرون هذه المسائل لأبنائهم، وإنما كانوا يحرصون على التمايز في جانب الطهارة والنجاسة فقط.
وربما كان هذا ليقين المسلمين بصواب معتقدهم، وعدم خوفهم أن يؤتوا من هذا الجانب، فعقيدتهم كانت في مأمن من الخطر، أو ربما لعدم اطلاعهم على تفاصيل معتقد هؤلاء المسيحيين وما فيها من انحراف وضرر.
الجانب الاقتصادي
سبقت الإشارة إلى أن اليهود كانوا يشتغلون في الحدادة والصياغة والتجارة، وأن أهل المنطقة تعاملوا معهم بكل أريحية وثقة.
وقد كان أغلب تجار الجملة بغرداية من اليهود، بينما كان الميزابيون تجار تجزئة، وكثير منهم انطلق في نشاطه التجاري برأس مال متواضع، وفتح له المورّدون باب الدفع إلى أجل، اعتمادا على الثقة فيهم، فتطور نشاطهم بسرعة حتى غدوا من كبار التجار.
بل إن بعضهم أنشؤوا شراكة مع اليهود والنصارى.
وسبب الشراكة أن أغلب تجار الجملة اليهود والنصارى كانوا يوظفون عمالا مسلمين في متاجرهم، من الإباضية والمالكية، وبمرور الزمن تتوطد قدم العامل المسلم ويكتسب ثقة ربّ العمل، وتؤهله قدراته ومهارته وثقته ليصبح شريكا لرب العمل. وبهذه الطريقة أصبح عدد كبير من الإباضية أرباب أموال. جزاءً عادلا لاستقامة سلوكهم وإخلاصهم وحسن معاملتهم.
واقتصرت الأنشطة التجارية لمعظم الميزابيين على تجارة الأقمشة، وأما المواد الغذائية فكانت قليلة، وإن اشتهر أهل العطف بالجزارة وتمكنوا منها في كثير من مدن الجزائر.
الشيخ بيوض وعلاقته بالآخر:
تولّى الشيخ إبراهيم بيوض رئاسة الحركة الإصلاحية في جنوب الجزائر، واتخذ من معهد الحياة والمسجد الكبير بالقرارة منطلقا لنهضته الإصلاحية.
وكان في دروسه وخطبه واضح الخط في تبني الاتجاه الوطني، والدعوة لمقاومة المستعمر، وقد غرس في طلبته مقت الاستعمار، ودعا إلى الحرية، ورسخ حب الوطن في النفوس.
ولكن هذا التوجه الواضح لم يكن يوما ما سببًا لتحريش الطلبة على الظلم، بل أقام النفوس على قيم الإسلام في العدل والإحسان، والتعامل بالأخلاق مع الموافق والمخالف.
وكان طلبته صورة حية لهذه التربية، انبثوا في الوطن مثقفين وموظفين وتجارا، ورأى الفرنسيون منهم كل قيم الإسلام الحقيقية إحسانا واحتراما.
وكان الشيخ بيوض لَبِقًا ذكيا في مداراة الإدارة الاستعمارية وحماية حركته التربوية من المواجهة مع المستعمر، ورغم أن الإدارة العسكرية في غرداية قد وضعته تحت المراقبة، ورصدت تحركاته، ومع ذلك فقد أفلت من قبضتها، واستطاع بذكاء أن يفوت عليها الفرصة، وفوق ذلك فإنه أفلح في زرع قيم الوطنية في النفوس. طلبةً في معهد الحياة، وعامة الناس في مختلف مواقع الحياة.
ومن شواهد تعمية الأمر على فرنسا، إقامة الشيخ بيوض حفل تكريم للمعلمين الفرنسيين بالمدرسة الرسمية بالقرارة بمناسبة نجاح تلاميذ المدرسة في الشهادة الابتدائية، سنة 1939م(7).
علاقة الإباضية بالآخر في مدن التل:
الميزابيون كانوا خارج ميزاب أيضًا تجارا، ولم يكن لم نشاط خارج هذا المجال، فلم يبرز منهم نشطاء في الفلاحة ولا الإدارة ولا التعليم، إلا نادرا.
وقد اقتصرت علاقتهم باليهود والنصارى على مجال التجارة، وكانت قائمة على الإحسان والطيبة، والثقة العمياء، سواء مع الزبائن أو مع الموردين، أو الشركاء.
وكان لكل جماعة ميزابية في التل عادة سنوية، تتمثل في إكرام المسؤولين في تلك المنطقة في رأس كل عام، يحملون إليهم هدايا محلية من تمر وزرابي، ورسائل تهنئة ودية، تُكسبهم احترام هؤلاء المسؤولين، وتؤّمنهم من بطش بعض ذوي السلطان، وكما يقال: درهم في المداراة خير من درهم في الصدقات.
والنزاعات التي قد تقع بين الميزابيين في التل كانت قليلة، ويتم فضها بالحكمة وبسرعة فائقة من قبل جماعة تلك البلدة، ولم يكن للأجانب أي تدخل فيها. وكان لضعف حال الميزابيين المادية، ولقوة الوازع الديني أثر في تقليل هذه المظاهر.
ومن جهة ثانية فإن الفرنسيين كانوا في غنًى عن الحاجة إلى خدمات الميزابيين إلا ما يتعلق بتوريد السلع التجارية، باعتبارها تبعا لعملهم في المتاجر، ولم يتعد الأمر هذا المجال، إذ لم يكن الفرنسيون بحاجة إلى خبرة بني ميزاب في المجال العلمي ولا التجاري، أو غيرها من مجالات الحياة، لاكتفائهم بأنفسهم، وعدم حاجة القوي إلى الضعيف.
الخاتمة، وشهد شاهد من أهلها
رغم هذه العلاقة الطيبة بين الإباضية والآخر، من أبناء الديانات الأخرى التي يجمعها مع المسلمين وحدة الدين، وأنهم أهل كتب سماوية، فإن اليهود والنصارى انتهى نشاطهم ووجودهم بغرداية ونواحيها إثر الاستقلال، ورحل هؤلاء خارج الجزائر.
أما الفرنسيون والأروبيون فعادوا إلى أوطانهم، وأما اليهود فتوزعوا في البلدان، وأغلبهم هاجر إلى فرنسا أو إلى فلسطين، ولا يزالون يحتفظون بذكريات جميلة لهم في ربوع وادي ميزاب.
وكثيرا ما يسافر أهل المنطقة إلى فرنسا، فتجمعهم الصدف ببعض هؤلاء الذين كانوا يعيشون في أحضان غرداية. وكلهم يلهجون ثناء على أهلها، ويحدّثون هؤلاء المسافرين إلى فرنسا بتلك الأيام الغوالي، ويسألون عن معالم المدينة وأعلامها، ويذكرون ما كانوا يلقونه من حسن المعاملة والإحسان من الأهالي، ويحنّون إلى تلك السنين.
ولم يشك أحد منهم سوء معاملة أو عدوانا أصابه حين كان في تلك الربوع، أو ناله إجحاف أو مظلمة من أحد. بل إن لسان حالهم يقول:
وليست عشيّاتُ الحمى برواجعٍ إليك، ولكن خَلِّ عينيك تدمعا
والحمد لله ربّ العالمين

إعداد. أ.د. مصطفى بن صالح باجو

الهوامش
(1) – وعددت الوثيقة أسماء قبائل اليهود كلها ممن كان يسكن المدينة حين هاجر إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكانوا تسعة قبائل.
(2) – المستدرك على الصحيحين للحاكم – كتاب الجهاد، حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري – حديث:‏2514‏ .
(3) – المعجم الكبير للطبراني – باب الصاد، ما أسند أبو أمامة – أبو معيد حفص بن غيلان، حديث:‏7620‏ .
(4) – صحيح البخاري – كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به – حديث:‏353‏. وهو حديث صحيح أخرجه أصحاب الصحاح والسنن وغيرهم.
(5) – يوسف الحاج سعيد، تاريخ بين ميزاب، ص59.
(6) – رواه الترمذي من كلام سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بلفظ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ»، ورفعه إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَخَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ يُضَعَّفُ وَيُقَالُ: ابْنُ إِيَاسٍ». كتاب الأدب، باب ما جاء في النظافة، رقم: 2799.
(7) – مقابلة شفوية مع الأستاذ بالحاج شريفي، يوم 20جانفي 2010، وكان أحد الطلبة الناجحين آنذاك.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك