الجانب الفكري في المذهب الإباضي

إن الباحث في أدبيات المذهب الإباضي يواجه أول ما يواجهه من تساؤل في بحثه عن تصنيف المذهب الإباضي، فهل يصنفه على أنه فرقة عقدية؟ أم حركة سياسية؟ أم اتجاه فكري؟ أم مدرسة أصولية؟ أم مدرسة فقهية؟. (1)
والحقيقة أن المذهب الإباضي ليس واحدا من ذلك بعينه، وإنما هو مجموع ذلك كله، فالمذهب الإباضي حركة سياسية، وفرقة عقدية، واتجاه فكري، ومدرسة أصولية فقهية في الوقت ذاته، لا يطغى جانب من تلك الجوانب على آخر، بل كلها وبمجموعها تشكل منظومة واحدة نطلق عليها اسم (المذهب الإباضي).

فعلى عكس الكثير من المذاهب الإسلامية الأخرى التي يطغى على بعضها الجانب الفقهي، وعلى بعضها الجانب العقدي، وعلى بعضها الجانب السياسي نجد أن المذهب الإباضي قد استطاع ـــ وبعبقرية فذَّة ـــ أن يوفِّق بين تلك الجوانب وأن يستوعبها كلها، وأن يكون له موفقه المتميز فيها جميعا، وبصمته الواضحة عليها كلها.
فإذا أتينا إلى الجانب السياسي سنجد أن المذهب الإباضي حركة سياسية قائمة بذاتها لها أطروحاتها التي لا يستطيع المطلع إلا أن ينحني أمامها إعجاباً وإكباراً.
وإذا أتينا إلى الجانب العقدي سنجد أيضاً أن المذهب الإباضي له أحكامه العقدية القائمة على ركائز راسخة، وأدلة قوية.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الفقهي سنجد ثروة هائلة من الإسهام الفقهي في كل أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وفقه الجنايات والأحوال الشخصية.
والشيء نفسه نجده في علم أصول الفقه، فللمذهب الإباضي آراؤه وتحقيقاته في هذا العلم، ومؤلفاته التي أوسعت هذا العلم تحقيقا ودراسة.
إن كل ذلك هو ما يمكن أن نطلق عليه اسم (الفكر الإباضي).
الوسطية والاعتدال في الفكر الإباضي:
لعل أهم ميزة يمتاز بها الفكر الإباضي هي الوسطية والاعتدال في الطرح بين الإفراط والتفريط، وهذه الميزة يمكن أن تلمحها بسهولة في كل زاوية من زوايا المذهب الإباضي سواء في العقيدة أم الفقه أم الفكر السياسي أم غير ذلك، وهذا ليس شيئاً متكلفاً في الفكر الإباضي لأنه مأخوذ من نهج الإسلام نفسه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143).
والأمثلة على هذه الوسطية في الفكر الإباضي كثيرة يمكننا أن نذكر منها:
1 ـــ الوسطية بين الاستدلال بالنقل والاستدلال بالعقل: ففي حين يميل بعض الفرق في الاستدلال إلى الجانب النقلي واستبعاد العقل إلى حدٍّ كبير، كما نجد ذلك عند المحدِّثين، تفرط فرق أخرى بالتعويل على الاستدلال العقلي إلى الحد الذي ذهبت إلى تحكيم العقل على الشرع، كما نجد ذلك عند المعتزلة، غير أننا نجد الإباضية يمزجون بقدرة عجيبة في الاستدلال بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية دون تغليب جانب على آخر.
2 ـــ الوسطية بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي: وهذا وإن كان قريباً من المثال الأول إلا أنه أقرب إلى الفقه بينما الأول أقرب إلى العقيدة، فالإباضية يقفون وسطاً بين مدرستي الحديث والرأي، ففي استدلالهم بالأحاديث لا يركنون إلى التمسك بالفهم الحرفي لمضمون الحديث، كما هو شأن الظاهرية، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحاولون رد الحديث لمجرد أنهم لم يستطيعوا فهمه أو لأنه يتعارض مع قاعدة عامة، وإنما يحاولون قبول الحديث والعمل به ما وجدوا لذلك سبيلاً.
3 ـــ في الفكر السياسي فإنهم لا يوجبون الخروج على الإمام الجائر مهما كانت الأحوال كما هو رأي الخوارج، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحرمون الخروج عليه، حتى مع القدرة وإمكان تغييره، كمَا هو رأي بعض الفرق، وإنما يرى الإباضية أن الخروج على الإمام الجائر جائز بصورة عامة، وهذا الجواز يميل إلى التحريم عند خوف الفتنة وتغليب احتمال الفشل في تغيير الوضع القائم، ويميل إلى الوجوب متى ما كان احتمال النجاح أقوى، لأن القيام بالعدل من أسس الشريعة الإسلامية.
4 ـــ في مصطلح الحديث فإن الإباضية لا يقولون بأن الحديث الآحادي لا يجوز الاحتجاج به مطلقاً كما هو رأي بعض الفرق الإسلامية، ولكنهم في الوقت ذاته لا يقولون إنه حجة في الأمور الاعتقادية، وإنما يذهبون إلى أن حديث الآحاد يوجب العمل ولا يفيد العلم، فهو حجة في الأمور العملية وليس حجة بذاته في المسائل الاعتقادية، وهذا هو مذهب المحققين من الأصوليين والمحدثين.
موقف الإباضية من مخالفيهم:
ينقسم الناس في الفكر الإباضي إلى قسمين أساسيين: مسلمين وغير مسلمين، أما غير المسلمين فهم كل من لم يرض بالله رباً أو بمحمد رسولاً أو بالإسلام ديناً، وهي الجمل الثلاث التي يشترطها الإباضية للخروج من الشرك إلى الإيمان (شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله وأن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله) فلا ينتقل غير المسلم إلى أن يكون في جملة المسلمين إلا بإيمانه وإذعانه لتلك الجمل الثلاث.
ويدخل في جملة غير المسلمين المشركون عبدة الأصنام والأوثان والملحدون وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمجوس.
ويطلق الإباضية على غير المسلمين أسماء: المشركون والكافرون والكفار، وبطريق الأولى هم مستحقون لأوصاف: الفساق والمنافقون والظالمون، وعند اقتران اسم ”المشركون وأهل الكتاب“ فالمراد بأهلِ الكتاب اليهودُ والنصارى، وبالمشركين غيرهم من عبدة الأصنام والأوثان، وهو إطلاق اصطلاحي لاختلاف اليهود والنصارى عن غيرهم في بعض الأحكام الدنيوية الواردة في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.
أما المسلمون في الفكر الإباضي فهم كل من رضي بالله تعالى رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً وأذعن للجمل الثلاث التي أشرنا إليها سابقاً والتي لا يكون الإنسان مسلماً إلا بالإيمان بها.
وإذا كان الإنسان قد نشأ في بيئة مسلمة أو ولد لأبوين مسلمين فإنه لا يطالب بالنطق بتلك الجمل، بل يحكم عليه بأنه مسلم، ويعامل معاملة المسلمين، ما لم يبدر منه خلاف ذلك، أما إذا لم ينشأ في بيئة مسلمة أو لم يكن أبواه مسلمين فإنه لا يكون مسلماً في نظر المسلمين إلا إذا نطق بتلك الجمل، وكذلك إذا ارتد عن الإسلام وثبت عليه ذلك فإنه لا يرجع إلى بيت الإسلام إلا بمعاودة نطقه بتلك الجمل.
ويطلق الإباضية على المسلمين أسماء: المسلمين والمؤمنين وأهل التوحيد وأهل القبلة، وهي أسماء يدخل فيها كل المسلمين باختلاف مذاهبهم وآرائهم ومدارسهم العقدية والفقهية.
فإذا كان الإنسان مسلماً فإن له جميع حقوق المسلمين من حرمة دمه وماله وعرضه ودفع الزكاة له، ووجوب القصاص له، أو دفع الدية كاملة في حالة الاعتداء على حياته، وجواز تزويجه وتزوجه، والصلاة خلفه وعليه، ودفنه في مقابر المسلمين، إلى غير ذلك من الحقوق، ولا يفرق الإباضية إطلاقاً بين إباضي وغيره في هذه الحقوق.
وإذا حدث واعتقد غير المسلم شيئاً من العقائد المخالفة لما يعتقد الإباضية صوابه فإن الإباضية يرون أن واجبهم ومن حقوقه كمسلم إيضاح العقيدة الصحيحة له، ودفع الشبه التي جعلته يعتقد غير الحق، ولكن ذلك لا يخرجه من جملة المسلمين ولا ينقصه شيئاً من حقوقه كمسلم، فإن القاعدة التي يتمسَّك بها الإباضية أن من دخل الإسلام بيقين فلا يخرج من الإسلام إلا بيقين مثله، فما دام هذا المخالف له دليله الذي يستند عليه ولو كان أوهى من خيط العنكبوت فإن ذلك كاف في أن يبقيه في جملة المسلمين.
وفي ذلك يقول الإمام السالمي:
ونحن لا نطالب العبـادا .:.:. فوق شهادتيهم اعتقــادا
فمن أتى بالجملتين قلنـا .:.:. إخواننا وبالحقوق قمنــــــا
إلا إذا ما نقضوا المقالا .:.:. واعتقدوا في دينهم ضلالا
قمنا نبين الصواب لـهم .:.:. ونحسبن ذاك من حقهـــم
فما رأيته من التحريــر .:.:. في كتب التوحيد والتقريـر
ردُّ مســــائلٍ وحــــلُّ شـــبــه .:.:. جاء بها من ضلَّ للمنتـبه
قمنا نردها ونُبدي الحقا .:.:. بجهدنا كي لا يضل الخلقا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهم .:.:. ونكتفي منهم بأن يُسلِمــــوا
ويطلق الإباضية على المخالفين لهم من المسلمين اسم: المخالفين ويقابلها الموافقون، أو القوم ويقابلها الأصحاب فيكثر في كتب الفقه: ذهب قومنا إلى…….. وذهب أصحابنا إلى…….، وقد يطلقون على مرتكب الكبيرة من مخالفيهم اسم المبتدع أو الكافر كفر نعمة، وهذا الاسم الأخير يطلقه الإباضية أيضاً على الإباضي المرتكب للكبيرة أيضًا، وهو لا يعني الشرك وإنما هو مجرد اصطلاح، ويقابله عند غير الإباضية اصطلاح (كفر دون كفر).
ولا يخرج الإباضية مخالفيهم من الإسلام، ولا يسقطون شيئاً من حقوقهم، كحرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ فلا يستحلون قتالهم أو غنيمة أموالهم أو سبي ذراريهم، ولا يحرمون تزويجهم والتزوج منهم، ويبيحون إعطاء الزكاة لهم، ولهم حقوقهم كاملة في الميراث والقصاص والديات، ولهم حق الصلاة لهم ودفنهم في مقابر المسلمين.
ولم يحدث قط أن حكم عالم من علماء الإباضية على أحد من المخالفين بالشرك والخروج من الإسلام إلا ما حدث من الإمام هارون بن اليمان من علماء إباضية حضرموت في القرن الثالث الهجري فإنه ألف رسالة حكم فيها على المشبهة والمجسمة بالشرك، وحجته في ذلك أن الله تعالى لا يوصف بصفات البشر من لزوم الأعضاء له، فإذا جاء من يصف الله تعالى بأن له أعضاء حسية كاليد أو الرجل أو العين أو الوجه فهذا يعني أنه يعبد إلهاً غير الذي نعبده، إذ إن الله عز وجل الذي نعبده لا يتصف بتلك الصفات، وما دام الأمر كذلك فهو إذن ليس بمسلم.
غير أن الإمام محبوب بن الرحيل وكان إمام الإباضية في ذلك الوقت رد على الإمام هارون بن اليمان برسالة أرسلها إلى حضرموت وأخرى إلى عمان فند فيهما ما ذهب إليه الإمام هارون، وقال ما ملخصه أن المجسمة والمشبهة يعبدون الله تعالى الذي نعبده ولكنهم يصفونه بصفات لا تليق به من الصورة والأعضاء معتمدين على فهمهم الظاهر لآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يخرجهم من جملة المسلمين بل هم باقون على وصف الإسلام.
ومنذ ذلك الحين لم يتغير موقف الإباضية من مخالفيهم وأن ما يعتقدونه لا يخرجهم من الإسلام، بل هم مسلمون باقون على إسلامهم، ولهم جميع حقوق المسلمين ما دام لهم دليل يستندون إليه.
الفكر السياسي عند الإباضية:
يمتاز الفكر السياسي عند الإباضية عن غيره من أنواع الفكر لدى المذاهب الإسلامية بميزتين مهمتين هما: وضوح الهدف، ووضوح الطريقة للوصول إليه.
فغاية الإباضية من أي تحرك سياسي قاموا به كان على الدوام واضحاً لديهم تمام الوضوح، ويتلخص هذا الهدف في أقصى طموحاته في إقامة دولة إسلامية تحكم العالم بأسره وفق شرع الله تعالى، بحيث يكون كل من في الأرض منقادين لشرع الله عز وجل، ويبدأ هذا الهدف بإقامة الدولة الإسلامية في أي بقعة من الأرض يمكن أن يتحقق ذلك فيها.
والدولة الإسلامية التي يسعى الإباضية إلى إقامتها هي الدولة التي يكون كل من فيها بدءاً من إمامها وعماله إلى كل رجل وامرأة منقادين لحكم الشرع الشريف وملتزمين بأحكامه.
وقد استطاع الإباضية وبذكاء ملفت أن يتجاوزوا إشكالية السعي إلى السلطة، وإشكالية الحكم على الإمام الجائر، فبالنسبة للإشكالية الأولى فإن الإباضي لا يسعى إلى السلطة من حيث ذاتها وإنما يسعى لإقامة حكم الله تعالى؛ فإذا وجد من يكفيه ذلك حمد الله تعالى وكان عليه أن يساعد ذلك الحاكم بكل ما يستطيع من جهد، أما إذا لم يجد من يكفيه ذلك كان لزاماً عليه أن يقوم بالواجب الذي كلفه الله به فهو في الحالتين إنما يقوم بشي ألزمه الله به، لا سعياً لمنصب ولا حباً في جاه.
وأما بالنسبة للإشكالية الأخرى وهي الحكم على الإمام الجائر فإن الإباضية يرون أن الحاكم المسلم مطالب كغيره من المسلمين بأن يتبع أمر الله في موقعه الذي هو فيه، فإن قام بما يجب عليه فبها ونعمت، وأما أن لم يقم بواجبه وخالف أمر الله فإن على المسلمين نصحه أولاً فإن أصر كان عليه أن يترك مكانه لمن يستطيع أن يقوم بحقه، فإن رفض هذا وذاك كان على المسلمين الأخذ بيده وإلزامه بالتنحي عن منصبه ليولوا عليهم من يقيم شرع الله تعالى فيهم.
الإمام في الفكر السياسي الإباضي:
الإمام أو الحاكم في الفكر السياسي الإباضي شأنه شأن أي مسلم يجب عليه أن يلتزم بأحكام الإسلام في كل أقواله وأفعاله، بل هو بحكم منصبه ينبغي أن يكون أحرص المسلمين على اتباع أمر الله تعالى لا يحيد عنه قيد أنملة، لأن انحرافه يؤدي إلى خلل كبير في بنية الدولة الإسلامية، ويجرئ الناس على مخالفة شرع الله عز وجل.
وإذا استقام الإمام على أمر الله تعالى وقام بكل ما ألزمه الشرع به فإن له حق السمع والطاعة والموالاة، ولا يجوز لأحد ممن تشملهم دولته أن يخالف أمره أو أن يجاهر بالعصيان، فإن فعل كان على المسلمين مساعدة الإمام في خمد ثورته وإرجاعه إلى الجماعة، ولا يحق لأحد إيواؤه ونصرته ومساعدته على بغيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” ليس منا من أحدث في أمرنا أو آوى محدثاً”.
أما إذا خالف الإمام أمر الشرع، وتجاوز ما يحق له أو تخلى عن شيء من واجباته، وثبت ذلك عليه، فإن على الأمة رده إلى جادة الصواب، وتقديم واجب النصيحة له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة” قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: “لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم”.
فإن لم تُجْدِ النصيحة معه نفعاً، وأصر على مخالفته لأمر الله تعالى، وأبى واستكبر، فإن ولايته تسقط عن المسلمين، وتصبح طاعته غير واجبة عليهم؛ لأن الحق فرع الواجب، وقد سقط حقه لعدم قيامه بواجبه، وحينئذ يكون المسلمون في حل من أمرهم في أن يولوا عليهم إماماً آخر يقوم فيهم بحكم الله، ويقيم فيهم شرعه وأحكامه وحدوده.
وهنا لا يخلو الأمر من أحد احتمالين: إما أن يكون ذلك الإمام الظالم ضعيف الشوكة قليل الأتباع، ومن السهل خلعه وإقامة إمام آخر مكانه، وهنا ما على المسلمين سوى المسارعة إلى القيام بدون تردد، وإما أن يكون ذلك الإمام الظالم قوي الشوكة كثير الأتباع والأنصار، وكان القيام عليه غير مضمون العواقب، وحينئذ فإن المصلحة تقتضي التريث واتخاذ تخطيط جديد، ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال الاستسلام للأمر الواقع والاستكانة لظلم الظالمين.
وهنا يأتي دور العلماء في القيام بواجبهم، وهو دعوة الناس إلى التمسك بتعاليم دينهم الحنيف، والسعي إلى إقامة الدولة الإسلامية المنشودة، والتي ستوفر لهم الأمن والأمان، وتقيم فيهم حدود الله وأحكامه وشرعه. وهذه الحالة هي ما تسمى لدى الإباضية بمرحلة الكتمان.
ولسنا هنا في تحديد صفات الإمام ومسؤولياته، فهي معروفة لدى الجميع، غير أن ما يميز الإباضية في هذا الجانب شيئان:
1ـــ عدم اشتراط القرشية: فالإباضية يرون أن كل مؤهل لإمامة المسلمين يمكن أن يكون إماماً، بغض النظر عن قبيلته وعرقه، وهذا بلا شك يتفق مع المساواة التي جاء الإسلام لترسيخها، والتي تتنافى مع هذا الشرط الذي لم يكن معروفاً حين اختلف المهاجرون والأنصار على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يدر في مداولاتهم ولم يشر إليه أحد.
والضابط لدى الإباضية في نسب الإمام إنما هو المصلحة، فإذا رأى المسلمون أن من المصلحة تولية إمام من قبيلة أو عشيرة معينة مع توافر الشروط الأخرى فيه فلا مانع من مراعاة ذلك، ويحدث أحياناً عكس ذلك تماماً، وهو أن تكون المصلحة في تعيين من لا عشيرة له، وهنا لا يتوانى الإباضية عن تعيينه، كما حدث في المغرب حين فضّل العلماء تعيين عبد الرحمن بن رستم الفارسي رحمه الله وهو فارسي لا عشيرة له، وكان هذا أحد الأسباب لاختياره إماماً، حيث رأى العلماء أن ذلك أفضل لسهولة تغييره إذا ما حاد عن الطريق السوي.
وقد عد كثير من الباحثين هذا النهج مثالاً واضحاً على النهج الديمقراطي الذي يتميز به الإباضية.
2ـــ جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل: فالإباضية يشترطون في الإمام شروطاً معروفة من حيث التقوى والورع والصفات الخَلْقية والخُلُقية، وإذا وجد أكثر من واحد تنطبق عليه تلك الشروط فيمكن تولية أي واحد منهم ولو كان هناك من هو أفضل منه.
القتال عند الإباضية:
بما أن كُتَّاب التاريخ والمقالات قد حشروا الإباضية ضمن الخوارج، فقد ترسخت في أذهان الناس فكرة أن الإباضية يستبيحون قتال المسلمين، وهذا مما لم ولن يقوم عليه دليل، بل الأدلة ظاهرة في أن الإباضية هم أطهر الناس يداً من دماء المسلمين، وقد ذكرنا سابقاً أن الإباضية لا يبيحون قتال مخالفيهم، وهو ما طبقوه عملياً على مدى تاريخهم، فلم يحدث إطلاقاً أن قاتل الإباضية أحدا من المسلمين على أساس مذهبي، وعلى كثرة الدول التي أقامها الإباضية وطبقوا فيها مبادئهم فلم يقوموا في يوم من الأيام بشن حرب على أحد من المسلمين على أساس مذهبي، وإنما كانت الحروب التي قام بها الإباضية ضد جماعة من المسلمين إما لإقامة دولة أو دفاعاً عن دولة.
أما بالنسبة للنوع الأول وهو الحرب من أجل إقامة الدولة فإن من مبادئ الإباضية السعي الدائم إلى إقامة العدل ومحاربة الظلم، والصراع بين الإباضية والظلم لم يهدأ في يوم من الأيام، ولذلك فإن الإباضية إذا ما رأوا في أنفسهم قدرة على القيام بواجبهم كمسلمين، وإقامة الدولة الإسلامية على وفق كتاب الله وسنة نبيه فإنهم لا يتوانون عن ذلك لحظة واحدة، وفي هذه الحالة فإنه من المعتاد أن يوجد من لا تتناسب أهداف الدولة الإسلامية مع أهدافه فيقف عقبة في طريق إقامتها، ويحاول جاهداً أن يحول دون قيامها، ولذلك يجد القائمون بالقسط أنفسهم مجبرين على محاربته وإزاحته من الطريق.
ولا فرق لدى الإباضية بين أن يكون هذا الرافض لإقامة الدولة الإسلامية إباضياً وأن يكون غير إباضي، وعلى ذلك فإن المذهبية لا دخل لها هنا، وإنما هو قتال ضد أناس كان من المفترض أن يساعدوا على إقامة دولة يدعو إليها دينهم الذي يدينون به، ولكن مصالحهم الشخصية وأطماعهم الدنيوية كانت أهم عندهم من واجبهم الديني، وليتهم إذ لم يساعدوا في إقامة الدولة الإسلامية وقفوا على الحياد ولكنهم اتخذوا موقفاً معادياً لها، ولذلك حل قتالهم.
والإباضية عندما يقومون بقتال هذه الفئة فإنهم يحفظون لهم إسلامهم فلا يقاتلوهم إلا بعد إنذارهم وإقامة الحجة عليهم، ونصحهم وبيان حقيقة دعوتهم، فإن استجابوا فلا حق لأحد في قتالهم، وإن أبوا حل قتالهم في أدنى مراتبه فلا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم.
وأغلب حروب الإباضية من هذا النوع حدثت ضد إباضية من نفس مذهبهم مما يعني أن القتال لم يكن على أساس مذهبي، كما إن التاريخ يثبت أن الإباضية من أنزه الناس في قتالهم؛ فلم يكونوا يتجاوزون الحق في حروبهم، وإنما كانوا وقافين عند حد الله تعالى.
وأما بالنسبة للنوع الثاني فهو لا يختلف كثيراً عن النوع الأول، فبعد أن تقوم الدولة الإسلامية فلا بد من أن يوجد من يحاول الإطاحة بها، إذ إن كثيراً من الناس لا يروق لهم العدل الذي عادة ما يقف في وجه أطماعهم، وبلوغ غاياتهم الدنيئة؛ فيسعون إلى تدبير المكائد وتجييش الجيوش للإطاحة بالدولة الإسلامية، وهنا يجد الإمام والمسلمون من خلفه أنه لا بد من تأديب أولئك البغاة الذين يحاولون تفريق شمل المسلمين، وتحطيم وحدتهم، وهدم دولتهم؛ فيقوم الإمام أولاً بتحذير أولئك البغاة من مغبة عصيانهم وخروجهم على إمام صحت إمامته، فإن تابوا وأنابوا رجعوا إلى جماعة المسلمين ولم يمسسهم سوء، وإن أصروا واستكبروا كان حقاً على الإمام قتالهم حقناً للفتنة، وإخمادًا للثائرة، تطبيقاً لقوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُومِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتِ اِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. (الحجرات/9).
ومرة ثانية فإن هذا الباغي قد يكون إباضياً وقد يكون غير إباضي، فالقتال إذن ليس على أساس مذهبي، وإنما هو قتال لباغ على دولة المسلمين أيًّا كان مذهبه.
وهذه الحروب إنما تقع بين الإباضية القائمين بالحق أو الساعين إلى إقامته وبين جماعات تقف ضد هذا التوجه، أما إذا كانت هناك دولة مسلمة غير إباضية قائمة بجانب الدولة الإباضية فإن المتتبع لتاريخ المذهب الإباضي يجد أن الإباضية ليس من فكرهم السياسي محاربة الدول المسلمة التي هي محل رضا من العلماء فيها وإن كان الإباضية غير راضين عنها، فلا يذكر في تاريخ عمان أن الإباضية قاموا بمهاجمة أي من الدول المسلمة المحيطة بهم.
سعي الإباضية إلى الوحدة الإسلامية:
لقد سعى الإباضية قديماً وحديثاً إلى الوحدة الإسلامية ، وكانت هدفاً أسمى من أهدافهم، وأنقل هنا شيئاً مما قاله سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه «الحق الدامغ» حيث قال:
«ولعله ممَّا يفاجئ كثيراً من القراء أن يطلعوا لأول مرة على عناية قادة الفكر من الإباضية بلمِّ شعث هذه الأمة وجمع شتاتها بعدما أثخنتها الخلافات المذهبية ، ومزقتها النزعات العصبية ، وكم تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم ، ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدورهم ، وتؤرق ليلهم ، وتقض مضجعهم ، وقد كانت منهم محاولات ، للخطو في هذا الطريق والاستعداد لهذه المهمة بنفقات مالية يرصدونها من جيوبهم وجيوب المخلصين من سائر أبناء الأمة ، وأصدق مثال على ذلك ما يجده القارئ في هذا السؤال الذي صدر من عالم مفكر وقائد محنك، ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني، عضو مجلس المبعوثان بالدولة العثمانية ، المشهور بسليمان باشا الباروني ، وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي، وقد توجه بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق ، ومرجعهم في أمور الدين ، الإمام عبد الله بن حميَّد السالمي ، ونص السؤال:
«هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟ على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟ على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدُّد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فما الأمر القوي المانع منه في نظركم ، وهل لإزالته من وجه؟ على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة؟ وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر؟ وفي كم سنة ينتج؟ وكم يلزم من المال تقريباً؟ وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟ وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة؟ مصلح أم مفسد؟.. »
وكان هذا السؤال في عام 1326هـ
فكان من جواب الإمام له: «… نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعُّب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع.
وللتفرق أسباب أخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب الرئاسة. وجمع الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان: {لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال/63).
والساعي في الجمع مُصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على التسمِّي بالإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} (آل عمران/19).
فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يفشو شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة .
وهي دعاية الإسلام التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام، وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً ، فيصير الناس إخواناً {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} (يونس/108)، ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع الناس في قبوله، وكفيتم مؤونة المغرم، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسير والمغرم كثير
وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام، حرم الله الآمن، لأنه مرجع الكل. وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً، ونعرف الرجال بالحق، فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً، وإنما نُسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق». اهـ
وإذا كان الأدب مرآة تعكس ما في نفس الأديب من كوامن الأحاسيس فإن الأدب الإباضي قديمه وحديثه طافح بعصارات مشاعر الألم الذي يُحسُّون به بسبب تشتُّت الأمة وانحلال عقد نظامها، فإليك صورة تعكس مشاعر أديب بارع وعالم جامع من أدباء هذه الطائفة وعلمائها الغابرين، وهو العلامة الكبير شاعر الإسلام والمسلمين «أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي» الذي طالما انساب يراعُه الموهوب ليصوِّر لنا بعبارته الإيمانية همومه وأحاسيسه تجاه أمته ودينه؛ ودونك هذا المقطع من قصيدة له بعنوان: «أفيقوا بني القرآن»:

فيَا لِبَنِي القُرآن أينَ عُقُولُكم .:.:. وَقَد عَصَفت هذِهِ الرِّياحُ الزَّعَازِعُ
أَمَسلُوبَةٌ هَذي النُّهى مِن صُدورِنَا .:.:. وَهَل فُقدَت أبصارُنَا والمسَامِعُ
فَلَيتَ بَنِي الإسلاَمِ قَرَّت صِفَاتُهُم .:.:. فَمَا زَعزَعَتها للغُرُورِ الزَّعَــــازِعُ
وَلَيتَهُم سَاسُوا بِنُورِ مُحَمَّدٍ .:.:. مَمَالِكَهُم إِذْ بَاغَتَتْهَـــــا القَوَاقِـــــــعُ
وَلَيتَهُم لَم يَنحَرُوا بِسِلاحِهِم .:.:. نُحُورَهُم إذْ جَــاشَ فِيهَا التَّقاطُـــــعُ
لَقَد مَكَّنَ الأعداءُ مِنَّا انِخدَاعَنَا .:.:. وَقَد لاحَ آلٌ في المهَامِـــهِ لاَمِــــــعُ
وَسَوْرَة بَعضٍ فَوقَ بَعضٍ وَحَملَةٌ .:.:. لِزَيدٍ عَلى عَمْــــــرٍو ومَــا ثَمَّ رَادِعُ
وَتَمزيق هَذا الدِّينِ كُلٌّ لِمَذهَبٍ .:.:. لَهُ شِيَعٌ فِيمَا ادَّعَاهُ تُشايِــــــــــــــــعُ
وَمَا الدِّينُ إلاَّ واحدٌ والذي نَرَى .:.:. ضَلالاتُ أَتبَاعِ الهَوَى تَتَقَــــــــارَعُ
وَمَا تَرَكَ المختَارُ أَلْفَ دِيَانَةٍ .:.:. وَلاَ جَاءَ في القُرآنِ هَذَا التَّنَــــــازُعُ

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الكاتب/ أ. الشيخ صالح بن أحمد البوسعيدي

نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص21.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك