الإباضية في الإعلام

مرصد الحضور الإعلامي الإباضي

إن المتتبع لبعض وسائل الإعلام الحديثة، والتي تمثلها الكتب المؤجهة، والفضائيات المختصة بالشؤون الدينية، والمواقع على شبكة الأنترنت، من جهة، والوسائل القديمة والتي تمثلها كتب الفرق والنحل، من جهة أخرى. كل هذه الوسائل دأبت على التعريف بالمذهب والفكر الإباضي على أنه مذهب الخارجين والمارقين من الدين أولا ومن سلطة ولاة الأمر تانيا. ورسمو لنا صورة بشعة في عين كل متسائل عن الاباضية وفكرها، واعتبروا عملهم هذا من الحسنات التي تقربهم الى الله سبحانه وتعالى.

وسمعنا العديد من الفتاوى –التي لا يتردد أصحابها  وبدون أن تتحرك فيهم شعرة من إحساس–  يقولون فيها بكفر الإباضية وفساد مذهبها. ولايضعون في حسبانهم أنهم بهذه الكلمات البسيطة قد شملوا مئات من المسلمين الموحدين الذين يؤمنون بالله الخالق الفرد الصمد، ويؤمنون بملائكته وكتبه ورسله، وأن النبي أحمد خاتم الانبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام ، و يرفعون أيديهم بالدعاء صبح مساء وقلوبهم وجلة منه سبحانه يخافون عذابه ويرجون رحمته، قائمين في الليل والنهار بين راكع وساحد وقائم يتعبدونه بما افترض عليهم سبحانه. ولا يعرفون الا مذهب الاباضية طريقا لفهم عباداتهم وأصول دينهم.

ولا ادري كيف يعود هولاء الى بيوتهم هانئوا البال وفي ظنهم انهم دعوا الى الله،وقربوا الناس الى صراط ربهم المستقيم. في حين انهم جعلوا الناس يضحكون من جهلهم ومن فقر معلوماتهم، وكيف انهم كاسلافهم أصحاب كتابات الفرق والنحل متقوقعين في دائرة شيوخهم، واصبحوا لا يعرفون الحق الا من خلالهم وما ينطق به مشائخهم وما املوه عليهم ولاة نعمتهم من الحكام.

وكيف يسمح هولاء لأنفسهم في العصر الحاضر أن يسموا أنفسهم في زمرة العلماء، وأن يتصدوا لتكفير المسليمن، ولم يكلفوا أنفسهم قراءة كتب مخاليفيم ليتعرفوا عليهم من خلال أقوالهم، وتعريفهم بأنفسهم لا من خلال مقالات كتبت من حاقدين وثوارتوها جيل بعد جيل  واصبحت كلمات معتقة ومغلفة بهالة من القداسة وكانها كتاب منزل.

وعندما قراءوا كتب مخالفيهم ومنهم الاباضية. أخذوا يبحثون في ثناياها عن الإشكالات والهفوات لتكون حجتهم في مسيرة الشتام والسباب وتكفيرهم للمسلمين. ولا تنقصهم الاموال حتى يجندوا أتباعهم من مشايخ ومريدين يشنون الحملات التكفيرية في الصحف والاذاعات والتلفزيون وعلى صفحات الانترنت.

وعندما ندقق في المسائل–رؤية الله-خلق القران وغيرها– التي استندوا عليها هولاء في تكفيرهم الاباضية. نجد أن هذه المسائل يتفق فيها الاباضية مع أخرين غيرهم. ومع ذلك ليس لديهم حرج في تكفيرهم أيضا. والمحزن في الأمر ان هذه المسائل التي يكفرون الناس عليها وجعلوها من صميم عقيدتهم. لم تكن يوما معروفة ولا مطروحة للنقاش في زمن الرسول عليه السلام ولا في زمن صحابته الكرام  انما هي مسائل من نتاج فكر متعدد المشارب وفهما مغايرا لنصوص القران الكريم ساد في عهد النهضة الاسلامية زمن الحكم العباسي للدولة الاسلامية. ونجدهم لا يزالون يجترونها ويكررونها جاعلين منها أساس لأسلام الفرد وصحة إيمانه.

إن هذا الانغلاق في القراءة وفي تقبل الأخرين جعلهم -أي هولاء المكفرين- لايقبلون أقدم كتاب جامع للأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام كتاب مسند الربيع بن حبيب غفر الله له،لا لشي إلا لكونه من نتاج المدرسة الأباضية.

هذه الصورة القاتمة التي الصقت بالإباضية والتنكر لنتاجها الفكري، وحركتها عبر التاريخ. أخدة في التغيير بفضل ما وصل اليه العالم من إنفتاح ثقافي وتقارب في الوسائل وسهولة في الإتصال. وإلى صبر رجالات الإباضية وحركتهم الذائبة في الدفاع عن فكرهم ومذهبهم بكل رحابة صدر، جاعلين من مرضاة ربهم وإعلا كلمته الغاية الاولى. الأمر الذي جعل العديد من الباحثين –من غير الإباضية– الذين تعمقوا في فهم الإباضية وكتبوا دراسات معمقة خرجوا فيها بنتائج غيرت نظرتهم واعادت تشكيل ذلك الصورةالقديمة عنا، الى صورة أكثر نصاعة واقرب الى الحقيقة، وان نقاط  الألتقاء أكثر وأبين من أن نتغاضي عنها لنقف ونكبر ونظهر نقاط الخلاف، وهي نقاط ليست من صلب العقيدة ولا من أصولها.