منهج التخريج العلمي للحديث

إن معظم العلوم الإسلامية التي ترتكز على النقل والرواية، هي في مسيس الحاجة إلى علم الحديث؛ إذ أنَّ أهم فوائده: اكتشاف الأخطاء والأوهام التي تقع من الرواة بشكل طبيعي – مهما فاقت قدراتهم في حفظ الحديث وضبطه – كما يكشف بهذا العلم افتراء المغرضين المتروكين من الرواة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أو فيما ينقلونه من الآثار(1).
لكن هذه الفوائد لن تجنى ما لم تمارس على الرواية: القواعد الحديثية التي مارسها المحدثون في عصر الرواية ونظّرها المتأخرون في كتبهم المعروفة بكتب علم مصطلح الحديث.
هذه الممارسة ينبغي أن تكون بشكل منهجي متكامل يشمل كل نواحي علم الحديث؛ وهو ما يمكن تسميته اليوم: التخريج العلمي للحديث.
فما هي حقيقة التخريج؟ وهل هناك تخريج علمي وآخر غير علمي؟
ذلك ما سنحاول الإجابة عنه من خلال النقاط الآتية:

*أولا: مفهوم التخريج والهدف منه؟
*ثانيا: الخطة العملية المقترحة للتخريج؟
أولا: مفهوم التخريج والهدف منه
لفظ التخريج في اللغة؛ له معانٍ عدَّة؛ القاسم المشترك بينها وبين ما يستخدمه المحدِّثون هو معنى الإظهار والإبراز عموما(2).
(أ) عند المحدِّثــين القدامى:
أطلق هؤلاء مصطلح التخريج وأرادوا به مفاهيم شتى؛ فمن بينها:
رواية الحديث وإخراجه:
بمعنى إبرازه للناس بذكر مخرجه، أي رجال إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم، فيقولون مثلا: هذا حيث أخرجه البخاري أو خرّجه البخاري، أي رواه وذكر مخرجه بسنده(3).
عزو الحديث إلى مصادره الأصلية(4):
وذلك بذكر من رواه من المصنفين مع إشارة موجزة إلى أحوال إسناد الحديث؛ كما فعل السيوطي في كتابيه: الجامع الصغير والكبير، والهيثمي في كتابه: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، وغيرهما ممن حذا حذوهما (5).
انتقاء الأحاديث الغرائب أو الصحاح أو كليهما من كتاب معين:
مع عزوها إلى أصحابها، أي بيان من رواها من المتقدمين كأصحاب الصحاح والسنن وغيرها، وذلك ما نلحظه مثلا في كتاب: الفوائد المنتخبة من الصحاح والغرائب، لأبي القاسم المهرواني، تخريج الخطيب.
(ب) التخريج عند المعاصرين:
عرَّف محمود الطحان – أستاذ الحديث بجامعة الكويت – مصطلح تخريج الحديث بقوله: «هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده؛ ثم بيان مرتبته عند الحاجة»(6).
وعند النظر إلى حقيقة التخريج وأغراضه العلمية؛ نجد بعض الخلل في هذا التعريف: إذ حصر وظيفته في مجرد الدلالة على مظان الحديث الأصلية؛ وذلك أن التعريف لم يفرق بين التخريج الفني والتخريج العلمي، فما ذكره الأستاذ إنما يخدم الجانب الفني الشكلي للتخريج فحسب(7)، فهل يكتفى بهذا الجانب؟
والحديث درجات وأصناف من حيث قوة سنده وضعفه، ومن حيث ثبوت متنه وعدمه، وغير ذلك مما يتعلق بأصول السند وفقه الحديث. وهل بعد ذلك يُعزل بيان مرتبته عن ذكر مصادره؟ فما هو التخريج العلمي وما الهدف منه؟
التخريج العلمي والهدف منه:
إن التعريف الذي نراه مناسبا هو تعريف حمزة الليباري – أستاذ الحديث بجامعة الإمارات – إذ يقول عن التخريج العلمي: «هو كشف مظان الحديث من المصادر الأصلية التي تعتمد في نقله على الرواية المباشرة، لمعرفة حالة روايته من حيث التفرد أو الموافقة أو المخالفة»(8).
لقد جعل التعريف الهدف الأساس للتخريج: هو معرفة حال الرواية وملابساتها، ـــــ سندًا ومتنًا ـــــ والتي لا تخلو من إحدى حالات ثلاث:
(1) التفرد: والحديث المتفرد هو: «الحديث الذي يتفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره، إما في متنه وإما في إسناده»(9).
(2 و3) الموافقة أو المخالفة: لروايات رواة الحديث ذاته؛ وتتوقف معرفة هذه الأمور على جمع الروايات، ثم إجراء المقارنة بينها؛ للوصول أخيرا إلى تصنيف الحديث في إحدى درجاته، وهنا تكمن أهمية التخريج العلمي.
ثانيا: الخطة العلمية المقترحة للتخريج
حتى تتَّضح هذه الخطة، نقوم بدراسة تطبيقية على حديث أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبيء عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم».
الخطوة الأولى: جمع طرق الحديث:
لتحقيق الهدف من التخريج ينبغي جمع أقصى ما يمكن من طرق الحديث من مصادره؛ بالاستعانة بالفهارس المتنوعة التي تدل عليه(10) وذلك للوقوف على حال الرواية.
(أ) مرحلة استخراج الطرق من مظانها:
تجدر الإشارة إلى أنه خلال هذه المرحلة: إذا وجد الباحث نصا نقديا لأحد المحدثين – ذا صلة بحديثه – فلا يتوان في تسجيله؛ حتى يوظفه في مرحلة والتقييد للروايات والمقارنة بينها(11).
بالنسبة للحديث – محل الدراسة – استخرجنا له الطرق الآتية:
*- قال الإمام البخاري في كتاب العتق/باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه: (12)
(1) حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم».
– وقال في كتاب الطلاق/باب الطلاق في الإغلاق… :(13)
(2) حدثنا مسلم عن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم».
– وفي كتاب الأيمان والنذور/ باب إذا حنث ناسيا في الأيمان(14):
(3) حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا مسعر حدثنا قتادة حدثنا زرارة بن أوفى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم».
– وقال الإمام مسلم في كتاب الأيمان/ باب تجاوز الله عن حديث النفس(15):
(4) حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة ابن سعيد ومحمد بن عبيد الغبري؛ واللفظ لسعيد؛ قالوا حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به».
– وقال ابن ماجه: في كتاب الطلاق/باب طلاق الـمُكرَه والناسي(16):
(5) حدثنا هشام بن عمار حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم به وما استكرهوا عليه».
– بعد أن جعلنا للحديث سبعة طرق وهو جمع – باعتباره أنموذجا فحسب – غير مستوعب لكل الروايات؛ ننتقل إلى المرحلة الموالية وهي:
(ب) مرحلة رسم شجرة الإسناد:
وشجرة الإسناد عبارة عن رسم بياني لطرق الحديث؛ يبين بجلاء الراوي المدار والرواة المدارات؛ الذين تدور عليهم الروايات وتتفرع عنهم، وذلك يعين الباحث على إجراء المقارنة بين هذه الروايات بشكل منهجي.
وهذا رسم لشجرة حديثنا:
النبي صلى الله عليه وسلم
أبو هريرة
زرارة بن أوفى
قتادة
أبـو عـوانـة هشام مـســعـر
سعيدبن منصور قتيبة بن سعيد محمدبن عبيد مسلم بن إبراهيم خلاد بن يحيى سفيان بن عيينة
الحـمـيدي هشام بن عمَّار
مسلم البخاري ابن ماجه
(ج) مرحلة المقارنة بين الطرق:
من خلال الرسم الشامل لكافة الأسانيد التي جمعناها، نلاحظ ما يلي:
1-أن قتادة مدار الروايات كلها، حيث أخذ الحديث عنه كل من:
هشام، مسعر وأبو عوانة، ثم تفرعت عن هؤلاء بقية الطرق، فقتادة مدار أصلي.
2-أنَّ أبا عوانة كان مدارا فرعيا لمجموعة من الروايات، وهي رواية كل من:
سعيد بن منصور، قتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبيد الغبري.
3-أنَّ مسعرا كان مدارا فرعيا لروايات كل من: خلاد بن يحيى، وسفيان بن عُيَينة.
4-أنَّ سفيان بن عُيَينة كان مدارا فرعيا لكل من رواية الحميدي وهشام بن عمار.
*-بعد أن عرفنا المدار الأصلي والمدارات الفرعية لهذا الحديث آن الأوان لإجراء المقارنة تدريجيا بين الروايات المتشعبة عن هذه المدارات. «ومن الجدير بالذكر أنه كلما تعددت الروايات عن شيخ فقد أصبحت المقارنة بينها ضرورة ملحة ليعرف مدى الاتفاق بينها أو الاختلاف»(17).
*-نبدأ أولا بالمدار الفرعي: أبو عوانة، ذكر مسلم خلال سياقه للحديث الرواة الثلاثة الذين رووا عن أبي عوانة؛ في مقام واحد، وأورد المتن الذي رواه سعيد دون ما رواه قتيبة ومحمد، بقوله: «واللفظ لسعيد» مما يفهم منه حال الاتفاق بين رواة المدار: أبي عوانة.
*-حين قارنا بين الحميدي وهشام بن عمار اللذين أخذا عن سفيان وجدنا لفظ «وما استكرهوا عليه» فهل تقبل هذه الزيادة باعتبارها صحيحة؟ أو ترد باعتبارها علة أو خطأ في المتن؟ وإذا رُدَّت فما وجه العلة فيها؟
وقد وجدنا مبدئيا ما يفيد ردّ هذه الزيادة؛ وهو نص للحافظ ابن حجر يقول فيه: «وقد وقع في رواية هشام بن عمار عن ابن عُيَينة عن مسعر في هذا الحديث بعد قوله(أو تكلم به): وما استكرهوا عليه، وهذه الزيادة منكرة من هذا الوجه…»(18).
*-بالمقارنة بين مجموع الروايات الصادرة عن المدار الكلي: قتادة ـــــ باستثناء رواية الزيادة ـــــ وجدناها متفقة فيما بينها، اللهم إلا اختلاف يسير في المتن غبر مؤثر ولا مُعتَبر، يفيد مضمونها: نفي الحرج والإثم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخطر في قلوب أفرادها من أحاديث النفس ووساوس الصدر، حتى يقع العمل على وِفْقها بالجوارح أو باللسان.
الخطوة الثانية: نقد طُرق الحديث:
بعد جمع أقصى ما يمكن من الطرق؛ يتعين على الباحث اختيار طريق واحد للدراسة – توفيرا للجهد – فإن وجد رواة الحديث الصحيح أو الحسن، ووجد الاتصال بينهم – تاريخيا – ثابتا، وانتفت العلة، استطاع على ضوء ذلك الحكم على الحديث من ذلك الطريق ولا حاجة له إلى الانتقال لطريق آخر بغرض نقده؛ إلا إذا لم تتوفر أحد تلك الشروط المذكورة في صحة السند، وفقا لما هو متعارف عليه عند المحدثين في شروط الصحيح وهو «الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ومعللا»(19)، أو في شروط الحديث الحسن وهو «الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خَفَّ ضبطه غير شاذ ومعلل»(20).
– مما سبق يمكن تقسيم هذه الخطوة إلى ثلاث مراحل:
(أ) نقد الرواة، (ب) نقد الاتصال بين الرواة، (ج) نقد العلة (إن وجدت).
*-في نقد كل راو نتطرق إلى ثلاث نقاط رئيسة وهي: دراسة الهوية، دراسة العدالة، ثم الضبط؛ فأول ما يدرسه الباحث: هوية الراوي المتضمنة: لاسمه، نسبه، لقبه، كنيته، تاريخ ميلاده ووفاته، ونسبته (إلى البلاد أو القبيلة أو الحرفة)، ويهم الباحث أيضا معرفة ثقافة الراوي: حديثية، أم فقهية أم تاريخية… وتكمن أهمية معرفة الهوية في التمييز بين الرواة؛ إذ كثيرا ما تشتبه أسماء الرواة أو والديهم ووفياتهم؛ مما يؤدي عدم التدقيق بينها إلى خلط الثقات بالضعفاء أو حتى الكذابين، كما تفيد معرفة الهوية في المراحل التالية من الدراسة؛ وهي نقد الاتصال ونقد العلة.
*-النقطة الثانية والثالثة التي يدرسها البحث في الراوي هي العدالة والضبط؛ أو من حيث الجرح والتعديل.
فالعدالة تمثل الجانب الذاتي والسيرة الدينية للراوي؛ لأن الرواية كالشهادة تتطلب استقامة الدين والخلق، أما الضبط فيمثل السيرة الروائية للراوي؛ وهي حفظه وإتقانه لمروياته.
ويشترط المحدثون في الضبط أن يكون الراوي يقظا غير مغفل حال سماعه وأدائه للحديث، عالما بما يحيل الحديث من معان إن كان يحدث بالمعنى لا باللفظ(21).
*-وتراجم الرواة التي نجدها مبثوثة في كتب رجال الحديث – على اختلاف تصانيفها – من أهم وسائل الوقوف على خطئهم ووهمهم؛ أو ضبطهم وصوابهم فيما رووه؛ حينما لا نجد تنصيص النقاد على ذلك، كما أنها تسعف الباحث في التثبت من دقة الأحكام التي يصدرها النقاد على أحاديث هؤلاء الرواة(22).
*-وقد اصطلح علماء الجرح والتعديل على استعمال ألفاظ يعبرون بها عن وصف حال الراوي من حيث القبول أو الرد، ويَدُلون بها على المرتبة التي ينبغي أن يصنف فيها من مراتب الجرح والتعديل(23)، ضمن ما يسمى بسُلم الرواة، هذه المراتب يمكن حصرها في ثلاثة أصناف: صنف اتفق النقاد على قبول رواية أصحابه وهو أصحاب المراتب العليا من التعديل ،وصنف اتفقوا على رد روايته وهم أصحاب المراتب الدنيا من الجرح، وصنف بين ذلك؛ يختلف الحكم عليه(24).
*-وتطبيقا لما سبق؛ نختار إحدى طرق حديثنا – محل الدراسة– لنقد رواته راويا راويا، وليكن طريق: البخاري عن الحميدي عن سفيان بن عيينة عن مسعر عن قتادة، عن زرارة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
*-لكن قبل ذلك تجدر الإشارة إلى ملاحظتين :
الأولى: أن كبار المصنفين لكتب السنة من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد؛ قد استفاضت بين العلماء؛ عدالتهم وضبطهم ومعرفتهم بالعلل والرجال، فلا حاجة لنا إلى الترجمة لهم، وكذلك الحال – بل وأكثر – بالنسبة للصحابة (رضوان الله عليهم) لثبوت عدالته بالوحي(25).
الثانية: إن كافة المعلومات التي يجمعها الباحث عن الراوي؛ يسجلها في مسودته ويقوم بتحليلها؛ ولا يقدم في عرضه المنهجي إلا خلاصة الحكم على الراوي، مع شيء من التعليل.
(1) ترجمة الحميدي:
هو عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي، القرشي المكي، ترجم له البخاري(26) وابن أبي حاتم الرازي(27) ومحمد بن طاهر القيسراني(28) وغيرهم.
وقد اتفق النقاد على توثيقه وتصنيفه في أعلى درجات التعديل؛ ثقة، ثقة – حسب سُلم ابن حجر – «قال أحمد بن حنبل: الحميدي عندنا إمام»(29).
وقال ابن حجر: «ثقة حافظ فقيه»(30).
(2) ترجمة سفيان:
هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران أبو محمد الكوفي، ترجم له البخاري(31) ومحمد بن حبان البَستي(32) وغيرهما.
وقد اتفق النقاد على تصنيفه في أعلى درجة: ثقة، ثقة.
قال فيه ابن حبان: «كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين».
وقال فيه ابن حجر: «ثقة حافظ فقيه إمام حجة»(33).
(3) ترجمة مسعر:
هو مسعر بن كدام بن ظهير أبو سلمة الهلالي الكوفي، ترجم له ابن حبان(34) وعبد الرحن المزي(35) وغيرهما.
قال سفيان بن عيينة: «كان مسعر عندنا من مَعادن الصدق»(36).
وقال عبد الله بن داود الخريبي: «كان مسعر بن كدام يسمى المصحف لقلة أخطائه وحفظه»(37).
*- واتفق كبار النقاد على توثيقه أمثال: ابن حنبل، ويحيى بن معين وابن أبي حاتم الرازي.
(4) ترجمة قتادة:
هو قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي البصري، ترجم له كل من: محمد بن سعد(38) وشمس الدين الذهبي(39) واتفق النقاد على توثيقه.
قال فيه محمد بن سعد: «كان ثقة مأمونا حجة في الحديث»(40).
وقال في الذهبي: «كان من أوعية العلم وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ»(41).
(5) ترجمة زرارة:
هو زرارة بن أوفى؛ أبو حاجب العامري البصري، ترجم له ابن حجر(42) والمزّي(43) وغيرهما، واتفقوا على توثيقه أيضا.
«قال النسائي: ثقة، وذكره بن حبان في كتاب الثقات»(44).
*- والآن نخلص إلى الحكم على الحديث – مبدئيا – من خلال نتائج دراسة رجال هذا السند؛ وبسير أحوالهم – عدالة وضبطا- وهو أنهم كلهم ثقات؛ وعليه يأخذ الحديث أعلى مرتبة وهي: الصحيح؛ من هذا الطريق.
(ب) مرحلة نقد الاتصال بين الرواة:
يقوم الباحث في هذه المرحلة بدراسة اتصال كل راو؛ بمن فوقه في السند (الشيخ) وبمن دونه (التلميذ)؛ إذ يقوم كل راو بعمليتين: تحمّل الحديث من شيخه ثم أدائه لتلميذه؛ وبالتالي يتحقَّق الاتصال الذي ندرسه في نقطتين:
*-الأولى: دراسة طريقة الأداء والتحمل وصيغته.
*-الثانية: دراسة السلامة من عوارض الاتصال.
النقطة الأولى:
طريقة الأداء والتحمل وصيغته:
إن تحمل الحديث وأداءَه يحتاج إلى أهلية خاصة؛ إذ اشترط المحدثون في صحة التحمل والسماع: شرط التمييز؛ الذي يعقل به الناقل ما يسمعه ويضبطه؛ ولو كان صبيا؛ لكنهم شددوا في صحة الأداء؛ فاشترطوا فيه: البلوغ والإسلام، وينتج عن هذا صحة سماع الكافر والفاسق؛ بحيث يُقبل أداؤه لما يرويه بعد الإسلام والتوبة النصوح، وهذه كتب السنة تحمل بين طياتها كثيرا من سماعات الصحابة لأقوال النبي قبل دخولهم الإسلام(45).
ولتحمل الحديث طرق أخرى؛ منها: العرض والإجازة والمناولة… وغيرها؛ لكن أرفع درجات التلقي -عند الجمهور -: السماع من لفظ الشيخ وهو ينقسم إلى: إملاء، وتحديث من غير إملاء، وسواء أكان تحديث الشيخ من حفظه أو من كتابه.
*- وكل راو يستعمل في أدائه صيغا يعبر بها عن طريقة تحمله؛ إذ لكل طريقة صيغة خاصة بها؛ بالنسبة لطريقة السماع؛ يعبر عنها المحدثون بصيغ منها:
حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، سمعت فلانا… (46).
فإذا وجد الباحث في إسناده هذه الصيغ تأكد من الاتصال، لكن توجد صيغ أخرى موهمة؛ تحتمل السماع وعدم السماع، مثل صيغ:
(فلان عن فلان…) أو (فلان أن فلانا…) أو (قال…) فما حكمها؟
ذهب الجمهور إلى اعتبارها صيغ اتصال لكن بشرطين.
*-الأول: إمكانية لقاء الراوي بمن روى عنه بإحدى تلك الصيغ.
*-الثاني: أن يكون بريئا من وصمة التدليس(47).
والتدليس: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه؛ موهما أنه سمعه منه، أو يروي عمّن سمع منه لكن يُسمّيه – في السند – بما لا يُعرَف به كي لا يُعرف(48).
– فإذا تحقق الشرطان: أفادت (عن) الاتصال؛ وإذا اختل أحدهما: بأن كان الراوي مُدلسا – مثلا – فيشترط لقبول روايته تصريحه بالسماع من طريق آخر.
*-حين عدنا إلى إسناد حديثنا؛ وجدنا فيه صيغة (حدثنا) المفيدة للاتصال كما وجدنا صيغة (عن) الموهمة؛ في المقطع التالي:
«… مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة…»
فلا مناص من دراسة شرطي قبول تلك الصيغة، الأول (إمكانية اللقاء) ندرسه في النقطة الثانية، أما الشرط الثاني (انتفاء التدليس) فنبحثه في كل من مسعر وقتادة وزرارة.
*-حين نظرنا في تراجم هؤلاء وجدناهم سلموا من التدليس، عدا قتادة.
*-المدار الأصلي للروايات، والذي صنفه ابن حجر في طبقات المدلسين، فقال عنه: «… وهو مشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره»(49).
فالأصل أن تُحمل (عن) منه، على الانقطاع؛ لكن قد شفع فيه تصريحه بالسماع من زرارة بن أوفى؛ من طريق آخر عند البخاري، وهو قوله: (أي البخاري) في كتاب الأيمان والنذور؛ باب إذا حنث ناسيا في الأيمان(50).
«حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا مسعر حدثنا قتادة حدثنا زرارة بن أوفى…»؛ وقد وجدنا الذهبي يؤيد هذا المعنى بقوله عن قتادة: «حافظ ثقة ثبت لكنه مدلس… ومع هذا فاحتج به أصحاب الصحاح؛ لاسيما إذا قال: حدثنا»(51).
بعد تأكدنا من سلامة التحمل والأداء ننتقل إلى:
النقطة الثانية:
السلامة من عوارض الاتصال:
*-وعوارض الاتصال نوعان: عوارض تاريخية وأخرى روائية.
(أ) العوارض التاريخية:
يحتل التاريخ مكانة مهمة عند المحدثين، في معرفة اتصال الأسانيد وانقطاعها، وفي الكشف عن أحوال الرواة؛ وذلك بضبط مواليدهم ووفياتهم وتواريخ رحلاتهم؛ من أجل التحقُّق من اللقاء والمعاصرة بين كل شيخ وتلميذ(52).
*- وبين كل شيخ وتلميذه في السند أحد ثلاثة أنواع من اللقاء، ــــ على الدارس بحثها ــــ إما لقاء ثابت أو مستحيل أو ممكن.
*-اللقاء الثابت، أو الفعلي: وهو أن يتأكد لنا أن التلميذ التقى بشيخه؛ بطرق مختلفة، إمَّا بذكر علماء الجرح والتعديل في كتبهم، أن فلانا التقى بفلان/ أو بذكرهم التلميذ ضمن تلامذة الشيخ – في ترجمته – أو ذكر الشيخ ضمن شيوخ التلميذ – في ترجمته – وإما بتنصيص النقاد في كتب علل الحديث على ثبوت اللقاء.
*-اللقاء المستحيل: ونتأكد منه بتنصيص علماء الجرح على عدم اللقاء؛ ولأجل هذا الغرض؛ صنفوا كتبا باسم: (المراسيل) أي الاحاديث المنقطعة سندا، ككتاب المراسيل، لأبي داود السجستاني، وإما أن نعرف ذلك بقرائن؛ كقرينة التاريخ وتباعد الطبقات؛ بأن يكون الشيخ قد توفي قبل ميلاد من روى عنه – مثلا – أو أن يعرف ذلك بتتبع البلدان والرحلات التي قام بها كل من الشيخ والتلميذ، فلا نجدهما التقيا في مكان واحد أبدًا.
*-اللقاء الممكن: إذا لم نتأكد من ثبوت اللقاء ولا من عدمه بدليل نصِّي، عدنا إلى قرينة التاريخ؛ فإن وجدنا كلا من الشيخ والتلميذ – بتتبع المواليد والوفيات والرحلات العلمية – قد عاشا في عصر واحد، وأمكن اجتماعهما في بلد واحد، ولم يكن التلميذ مدلسا؛ عُدَّ اللقاء ممكنا ومقبولا، يُحكم به على اتصال السند.
*-بالنسبة إلى إسناد حديثنا حين بحثنا في كتب بالجرح؛ وجدنا اللقاء بين كل حلقة وحلقة من النوع الثابت: إذ أن كل راو في السند قد ذكر في ترجمته من فوقه ضمن شيوخه؛ ومن دونه ضمن تلامذته.
(ب) العوارض الروائية:
هذه لها علاقة مباشرة بالرواية، كيف روى الراوي حديثه؟ هل رواه عن الشيخ المذكور في السند مباشرة؟ أم بواسطة – بينه وبين الشيخ المذكور – ولم يُسمّها؟.
فإن كان رواه بواسطة ولم يسمها، فقد وقع ما يسمى بالسقط أو الانقطاع في السند، وحكم المنقطع الردّ، للجهل بحال الراوي المحذوف(53).
وهو أنواع، فقد يكون السقط في أول السند أو في وسطه أو في آخره، ولكل نوع مصطلحه الخاص عند المتأخرين؛ لكن المتقدمين جعلوه نوعا واحدا وهو المرسل أو المنقطع(54).
*-عند التحقيق في إسناد حديثنا لم نجد انقطاعا؛ فقد روت كل حلقة عمن فوقها مباشرة؛ إذ لم نقف عند نقاد الحديث وشراحه على ما يشير إلى وجود مثل هذا الانقطاع، في سند البخاري هذا.
وبعد نقدنا لصيغ الأداء والتحمل، وتحققنا من سلامة السند من عوارض الاتصال يمكن الحكم عليه بأنه: إسناد متصل.
(ج) نقد العلة:
العلة: أمر خفي وغامض يطرأ على الحديث في سنده أو متنه؛ فيقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منه؛ هذا الأمر إما زيادة وإما إبدال.
وهو يدل على خطأ الراوي ووهمه؛ سواء أكان ثقة أم ضعيفا، بل خطأ الثقة أخفى وأدق، إذ أنّ وثاقته تجعل القلب يميل إلى الاعتماد عليه(55).
*-فبعد دراسة الباحث للأمور الظاهرة في الحديث لا يتعجل الحكم عليه؛ حتى ولو كان إسناده مسلسلا بالثقات، بل يجب عليه التدرج إلى مرحلة ثانية وهي: بحث الأمور التي تخفى عليه لأنها تتصل بواقع الرواية وملابساتها؛ الواقع الذي يشهده المتقدمون من نقاد الحديث وتكلموا فيه وخصصوا له كتبا باسم: (كتب علل الحديث) وأصبحنا نحن المتأخرين عالة عليهم في هذا الفن، فإذا توصل الباحث إلى سلامة إسناده من التعليل؛ فقد آن له الأوان للحكم على الحديث – من خلال ذلك السند – حسب المعطيات المتقدمة؛ وإلا توقف في الحديث من ذلك السند؛ وانتقل إلى البحث في إسناد آخر له.
*-لدراسة العلة يمكن اتباع المنهج التالي(56):
أولا: تحديد نوع الظاهرة السندية (تفرد، أم اتفاق، أم اختلاف).
ثانيا: في حال الاختلاف تحديد نوعه (زيادة أم إبدال)
ثالثا: الموازنة بين الطرق المختلفة في حل الاختلاف؛ وتحقيق العلاقة بين الشيخ والتلميذ الذي تفرد عنه؛ في حال التفرد.
رابعا: اتباع منهج الجمع بين الروايات المختلفة، أو الترجيح بينها، أو التوقف في حال الاضطراب.
وبالنسبة للتفرد استخراج قرائن قبول التفرد أو رده.
خامسا: تحديد العلة، أو الوهم والخطأ الذي وقع فيه الراوي.
*- حين عدنا إلى إسنادنا -محل الدراسة -وجدنا الظاهرة السندية التي تميزه هي الاتفاق في المقطع المشترك فيه من السند مقارنة مع الطرق المتفرعة عن المدار الكلي (قتادة)، أو مع الأسانيد المتفرعة عن المدار الفرعي (مسعر)، كما أن الاتفاق حاصل أيضا مع الطرق الأخرى في متن الحديث: إذ ورد بلفظ مقارب، فيمكن الحكم على إسنادنا بالسلامة من العلة.
*-وتوضيحا لمنهج دراسة العلة، نتناول سندا معلولا لهذا الحديث بالتطبيق؛ وهو طريق ابن ماجه عن هشام بن عمار عن سفيان ابن عُيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تكلم به؛ وما استكرهوا عليه»(57).
أولا: الظاهرة السندية لهذا الطريق: هي الاختلاف في متنه مع متون الطرق الأخرى.
ثانيا: نوع الاختلاف هو الزيادة؛ زيادة لفظة في آخر الحديث هي: «وما استكرهوا عليه».
*-هذه الزيادة قد تكون واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة الرواية بالمعنى؛ أو نتيجة التفاوت بين الناقلين للحديث بين من يسمعه كله ومن يسمع بعضَه، أو بين من يرويه بكامله ومن يختصره… وغير ذلك من الأسباب.
*-وقد تكون الزيادة وهما وخطأ من أحد الرواة فإن كانت كذلك فهي علة من نوع المدرج، و«هو الحديث الذي أدرج فيه الراوي ما ليس منه، سواء أكان من كلام الراوي أم من حديث آخر مرفوع؛ من غير أن يفصل بينهما؛ بحيث يتوهم أنه طرف من هذا الحديث الذي رواه»(58).
*-والفيصل في معرفة الإدراج من عدمه؛ هو جمع الروايات والمقارنة بينها؛ إضافة إلى الحفظ والمعرفة وإلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية(59).
*-وعليه فكي نعرف؛ هل زيادة «وما استكرهوا عليه» هي من أصل الحديث أم أنها مدرجة فيه؟ ننتقل إلى الخطوة الثالثة.
ثالثا: بالموازنة بين طريق ابن ماجه والطرق الأخرى التي حصرناها لحديث أبي هريرة هذا، وجدنا الطرق الأخرى كلها بدون هذه الزيادة.
رابعا: فإما أن نجمع بين رواية ابن ماجه وسائر الروايات، وإما أن نرجح، وإما أن نتوقف:
*-بالنسبة للجمع: نجمع بشرط وجود نص لأحد النقاد – الذين عايشوا الرواية – على ورود الحديث على الوجهين – أي بالزيادة وبدونها – لكن هذا الشرط لم نقف على تحققه على الحديث – فيما اطلعنا –.
*-بالنسبة للترجيح: حتى نرجح إحدى الروايتين؛ لابد من اعتبار مستَنَد الترجيح وهو أمران(60).
(1) خصائص الرواة:
علماء الجرح والتعديل؛ في ترجمتهم للرواة؛ يتحدثون عن ضبطهم من وجهين: الضبط العام، والضبط الخاص، فالضبط العام هو الحال العامة لحفظهم وإتقانهم للحديث، كأن يقولوا في الراوي: «حافظ ثبت متقن لحديثه».
والضبط الخاص يقصد به: إتقان الراوي لحديثه من شيخ معين لملازمته له أكثر من شيوخه الآخرين؛ أو إتقانه لما يحدثه به من كتابه وقلة ذلك فيما يحدّث به من حفظه؛ أو جودة حفظه في صغره، وتغيره في آخر عمره… وهكذا.
وكل هذه المعلومات التي يجدها الباحث في كتب الجرح أو العلل، عليه اعتبارها مستندا للترجبح وتقديمها على الضبط العام للراوي.
*-نعود إلى حديثنا: حين قارنا بين شيخ البخاري: الحميدي، وشيخ ابن ماجه: هشام بن عمار، اللذين أخذا عن مدار واحد، وهو سفيان بن عيينة؛ لكن مع ذلك وجدنا تلك الزيادة عند هشام، ولم نجدها عند الحميدي؛ بإعمال خصائص الرواة في هذا الاختلاف؛ وجدنا للحميدي ضبطا خاصا عن شيخه سفيان؛ إذ قال فيه الرازي – أحد كبار النقاد – «أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي»(61).
وقال فيه ابن حجر – بالجمع بين الضبط العام والخاص – : «ثقة حافظ فقيه؛ أجل أصحاب ابن عيينة»(62).
نفهم من هذين النصين؛ شدة ملازمة الحميدي لشيخه سفيان بن عيينة، إذ لا يكون أثبت الناس فيه إلا إذا لازمه طويلا، حتى يتقن أحاديثه من تكرار سماعها منه.
*-بل قد أورد البخاري في تاريخه نصا للحميدي ذاته، يحدد فيه مدة ملازمته لشيخه، «قال: جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة أو نحوها»(63).
*-فهذه النصوص – ببيانها للضبط الخاص – كافية لأن تعتبر مستندا لترجيح رواية البخاري؛ باعتبارها ثابتة على رواية ابن ماجه؛ باعتبارها شاذة أو منكرة.
(2) مستند الترجيح الثاني:
ملابسات الرواية:
يعتبر النقاد في دراستهم للعلة ملابسات وقرائن عدة تحتف بالرواية؛ ومن بينها (قرينة العدد): عدد الرواة الموافقين مقارنة بمن خالفهم(64)، ويسمى ذلك في مصطلحهم بالمتابعات والشواهد؛ وعلى ضوئها يرجحون – أحيانا – رواية الأكثرية الملازمة لشيخها؛ على الأقلية المخالفة لها.
– بالنسبة لحديثنا… كيف أنّ كل الطرق المتفرعة عن قتادة – وفيها من الحفاظ من له طول ملازمته لشيخه – تروي الحديث بدون الزيادة؛ إلا واحدا (هشام بن عمار) يتفرد عنهم بالزيادة؟! فهذا دليل خطأ هشام، إذ لو ثبتت الزيادة؛ لسمعها ونقلها من هو أثبت منه.
خامسا: بعد وقوفنا على العلة في سند ابن ماجه عن هشام؛ وهي من نوع الإدراج؛ تتساءل الآن ما سبب هذه العلة، أو وهم هشام في حديثه؟
والجواب أنَّ هشامًا؛ اختلط عليه الأمر فأدخل حديثا في حديث آخر، وجعلها حديثا واحدا – وَهْمًا منه – إذ أدرج في حديث أبي هريرة طرفا من حديث ابن عباس؛ قال ابن حجر: «وقد وقع في رواية هشام بن عمار عن ابن عيينة عن مسعر في هذا الحديث بعد قوله (أو تكلم به) وما استكرهوا عليه، هذه الزيادة منكرة من هذا الوجه، وإنما تُعرف من رواية الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد أخرجه ابن ماجه عقب حديث أبي هريرة من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي؛ والحديث عند هشام بن عمار عن الوليد، فلعله دخل له بعض حديث في حديث»(65).
– هذا وإن دراسة هذا السند المعلول؛ إنما هو توضيح لمسألة العلة فحسب؛ – كما ذكرنا – إذ أن سند البخاري الذي بحثناه قد سلم من التعليل، وعليه ننتقل إلى آخر خطوة في التخريج العلمي وهي:
الخطوة الثالثة: الحكم على الحديث:
*-الحكم على الحديث هو المقصد الأصلي من كل إجراءات التخريج، فهو تلخيص للأحكام التي سبق استنتاجها في المراحل السابقة.
وقد دَرَج المحدثون على تقسيم الحديث من حيث قوته إلى ثلاث مراتب:
الصحيح والحسن والضعيف(66)، ثم إن كل مرتبة منها تنقسم إلى درجات؛ تتفاوت بينها – قوة – بحسب توفُّر الشروط السابقة في الحديث، فإن كانت الروايات كلها متقاربة وكان إسنادها متَّصلاً، وانتفت العلة، حُكم على الحديث بأعلى درجات الصحة.
*-وتنزل درجة الحديث بعد ذلك؛ كلما نزلت درجات الرواة، أو اختل الاتصال بينهم.
*-وحديثنا محل الدراسة باستجماعه لشروط الصحة؛ يمكن الحكم عليه: أنه صحيح من طريق البخاري عن الحميدي عن سفيان بن عُيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
*-وحسبُنا – تأييدًا – لهذا الحكم؛ تخريج البخاري ومسلم لهذا الحديث في جامعيهما، واللذين اشترطا على أنفسهما تخريج الصحيح فقط.

أ/ صالح بن محمد حمدي

——————–
الهوامش
(1)- الأساسيات في علوم الحديث، حمزة الليباري، مجلة الأحياء، كلية العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية، باتنة، العدد: 02، 1421هـ/2001م، ص: 178.
(2)- يرجع إلى معاجم اللغة للوقوف على المعاني اللغوية للفظ التخريج.
(3)- محمود الطحان، أصول التخريج ودراسة الأسانيد، ط 3، مكتبة المعارف، الرياض، 1996، ص: 09.
(4)- المصادر الأصلية: هي كتب السنة التي جمعها مؤلفوها عن طريق تلقيها عن شيوخهم بأسانيد إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – كالكتب الستة والمسانيد المختلفة وغيرها…
(5)- محمود الطحان، المرجع السابق.
(6)- المرجع السابق، ص: 10.
(7)- حمزة الليباري وسلطان العكايلة، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ط1، دار الرازي، عمّان، الأردن، 1998، ص: 27.
(8)- حمزة الليباري، المرجع السابق، ص: 28.
(9)- زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، التقييد والإيضاح لما أُطلق وأُغلق من مقدمة ابن الصلاح، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1996، ص:213.
(10)- للإطلاع على أنواع هذه الفهارس يمكن العودة إلى كتاب: أصول التخريج ودراسة الأسانيد، لمحمود الطحان، من ص: 39-131.
(11)- حمزة الليباري، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ص: 64.
(12)- المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي، عمّان، الأردن، إصدار 1.5، 1999م، صحيح البخاري، 02/894.
(13)- المصدر السابق، 05/2020.
(14)- المصدر السابق، 06/2454.
(15)- المكتبة الألفية، صحيح مسلم، 01/116-117.
(16)- المكتبة الألفية، سنن بن ماجه، 01/659.
(17)- حمزة الليباري، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ص: 66.
(18)- المكتبة الألفية، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري، 11/552.
(19)- زين الدين العراقي، المصدر السابق، ص: 20.
(20)- نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحدبث، ط3، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1997م، ص: 264.
(21)-زين الدين العراقي: المصدر السابق، ص114
(22)- حمزة الليباري، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ص: 99.
(23)- نور الدين عتر، مرجع سايق، ص: 105.
(24)- سُلّم ابن حجر العسقلاني؛ في تصنيف الرواة هو آخر ما استقر عليه المحدثون، يمكن مراجعته من مقدمة كتابه: تقريب التهذيب.
(25)- نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 121.
(26)- التاريخ الكبير، 05/96، ونشير إلى أن كافة المصادر التي اعتمدناها في نقد الرواة مستقاة من المكتبة الألفية.
(27)- الجرح والتعديل، 05/56.
(28)- تذكرة الحفاظ، 02/413.
(29)- المصدر السابق.
(30)- تقريب التهذيب، 01/303.
(31)- التاريخ الكبير، 04/94.
(32)- الثقات، 06/404.
(33)- تقريب التهذيب، 01/245.
(34)- الثقات، 07/508.
(35)- تهذيب الكمال، 27/461.
(36)- الجرح والتعديل، 08/369.
(37)- الثقات، 07/508.
(38)- الطبقات الكبرى، 07/229.
(39)- سير أعلام النبلاء، 05/270.
(40)- الطبقات الكبرى، 07/229.
(41)- سير أعلام النبلاء، 05/270.
(42)- تقريب التهذيب، 01/215.
(43)- تهذيب الكمال، 09/341.
(44)- المصدر السابق.
(45)- نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 211-212.
(46)- زين الدين العراقي، المصدر السابق، ص: 136.
(47)- نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 351.
(48)- العراقي، المصدر السابق، ص: 79-81.
(49)- ابن حجر، طبقات المدلسين، 01/43.
(50)- صحيح البخاري، 06/2454.
(51)- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، 05/466.
(52)- نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 142-143.
(53)- نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 375.
(54)- المرجع السابق، ص: 367.
(55)- حمزة الليباري، الحديث المعلول، قواعد وضوابط، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، د.ت، ص: 13.
(56)-عبد الحكيم فرحات، مجموعة محاضرات في «دراسة العلة» ألقاها على طلبة السنة الرابعة ليسانس، كتاب وسنة، بكلية العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية ببانتة، خلال السنة الجامعية 2000م-2001م.
(57)- سنن ابن ماجه، 01/659.
(58)- حمزة الليباري، الحديث المعلول، ص: 105.
(59)- المرجع السابق.
(60)- عبد الحكيم فرحات، المرجع السابق.
(61)- الجرح والتعديل، 05/56.
(62)- تقريب التهذيب، 01/303.
(63)- التاريخ الكبير، 05/96.
(64)- عبد الحكيم فرحات، المرجع السابق.
(65)- فتح الباري، 11/552.
(66)- نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 240-241.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص118-138.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك