الفرق بين الإباضيــة والخوارج

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.  أما بعد:

فقد كثر الخلط والتهريج حول نسبة الإباضية إلى الخوارج، ويظهر التكلف سافراً في جعل الإباضية فرقة من فرق الخوارج (وإطلاق لفظ الخوارج على الإباضية أهل الحق والاستقامة من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أولاً ثم عن المذهبي ثانياً) على أنه ليست ثمة علاقة تربط الإباضية بالخوارج (الأزارقة والصفرية والنجدية) وغيرها من فرق الخوارج؛ وإنما هي دعاية استغلتها الدولة الأموية لتنفير الناس عن الذين ينادون بعدم شرعية الحكم الأموي، كما أن جعل المحكِّمة (أهل النهروان) – الذين هم سلف للإباضية وليسوا سلفاً للأزارقة والصفرية والنجدية – من الخوارج، هو من وضع الواضعين، ومن صنيع أرباب الأقلام المغرضة، مع أن الخوارج يسيرون في خط معاكس مع الإباضية، يتضح ذلك من خلال المبادئ والأسس التي يقوم عليها مذهب كل من الفريقين، و للإباضية العديد من المواقف ضد الخوارج، منها:

أولاً: قتال القائد الشهير المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني للخوارج، والمهلب وإن كان موالياً للأمويين – وهو بالطبع عمل لم يرضه الإباضية – فإن من الثابت تاريخياً أن أسرة آل المهلب كانوا إباضية، وكانوا على اتصال وثيق بالإمام جابر بن زيد الأزدي رضي الله عنه، ولم يبذل المهلب في قتال الخوارج والقضاء عليهم، إلا بعلمه بعدم العلاقة بينهم والإباضية.

ثانياً: كان الإمام عبدالله بن إباض شديداً إزاء الآراء والأفكار التي ينادي بها نافع بن الأزرق، وكان يعلن بطلانها بصراحة تامة، ويحذر منها الناس.

ثالثاً: كان المحدث الحجة الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند الصحيح يبرأ من الخوارج، وكان يقول فيهم: (دعوهم حتى يتجاوزا القول إلى الفعل، فإن بقوا على قولهم فخطؤهم محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا فيهم بحكم الله).

رابعاً: قتال الإمام الجلندى بن مسعود لشيبان الخارجي – وهو من الصفرية – عندما قدم في جيش إلى عمان هارباً من السفاح – الحاكم العباسي – ودارت معركة بين جيش الإمام الجلندى وبين شيبان وأصحابه وأسفرت المعركة عن مقتل شيبان وجنوده.

خامساً: كان البطل المغوار هلال بن عطية الخراساني رحمه الله الذي صار القائد الأول في جيش الإمام الجلندى بن مسعود، كان على المذهب الصفري ثم اعتنق المذهب الإباضي، ولم يقبل منه الإباضية الانضمام إليهم إلا بعد أن يرجع إلى الذين دعاهم إلى مبادئ الخوارج، ويعلمهم ببطلان تلك المبادئ والآراء التي دعاهم إليها، ثم عاد إلى عمان فكان قائداً ووزيراً للإمام الشهيد الجلندى بن مسعود رضي الله عنه، وهناك العديد من المواقف الصارمة التي وقفها الإباضية ضد الخوارج، تختفي بين ركام الأحداث وتكمن في زوايا التاريخ ويأتي هذا البحث القيِّم الذي كتبه الشيخ العلامة الجليل / أبو إسحاق إبراهيم أطفيش رضي الله عنه، موضحاً النقاط التي يختلف فيها الإباضية مع الخوارج وراسماً الخطوط العريضة التي تبين عظمة المبادئ وسمو الآراء التي يقول بها الإباضية، وأخذوا بها نظرية وتطبيقاً.

وقد كتب أبو إسحاق هذا البحث بناءً على طلب الشيخ محمد عبد الباقي من علماء الأزهر، ونشره في كتابه (الدين والعلم الحديث) ص252- 264، في معرض حديثه عن الفرق الإسلامية، تحت عنوان ( نبذة عن الخوارج).

وقال مؤلف كتاب الدين والعلم الحديث قبل سياقه للبحث: (ولما كان الوقت شحيحاً يضن عليَّ بالبحث عنهم – أي الإباضية والخوارج – والتنقيب، اتصلت بمن له خبرة بهم، وهو زعيم طائفة منهم تسمى الإباضية، هذا الزعيم يسمى أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، موظف بدار الكتب المصرية، فكفاني مؤونة البحث).

كما نشره الشيخ محمد السالمي وناجي عسَّاف في كتابهما (عمان تاريخ يتكلم) ص103 – 114. ونشره الشيخ علي يحيى معمَّر رحمه الله في كتابه القيِّم (الإباضية بين الفرق الإسلامية) ص531-541.

ولا ريب فإن جُعِل هذا البحث بين دفتي كتيِّب صغير من شأنه أن يسهِّل إلى حد كبير على الكثير معرفة الفرق بين الإباضية والخوارج ولتعم به الفائدة.   والله نسأل أن يوفقنا إلى خير القول وصالح العمل.

الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين ، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبدالله بن الصفار ومن شايعهم.

وسُمُّوا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك فاستحلوا ما حرم الله من الدِّماء والأموال بالمعصية متأولين قوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) الأنعام: آية 121، فزعموا أن معنى الآية وإن أطعتموهم في أكل الميتة، فأخطأوا في تأويلهم، والحق أن معنى الآية: وإن أطعتموهم في استحلال الميتة، والاستحلال لما حرم الله شرك. وحين أخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول بل تجاوزوه إلى الفعل فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم بالمعصية فاستعرضوا النساء والأطفال والشيوخ.

وقد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي الإباضي صاحب المسند الصحيح رحمه الله حين بلغ إليه أمرهم يقول: دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل فإن بقوا على قولهم فخطأهم محمول عليهم وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا فيهم بحكم الله.

فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم وطاردوهم في كل صوب معلنين البراءة منهم. فلما تجاوزوا بالقول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم – لأن الكفر في استحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي، وقد استشرى فعلهم يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله فعظمت محنتهم. فكانت بلاءً عظيما. كان العمانيون ممن ثبت في جهاد الخوارج عند المهلب لما فلَّت الخوارج جيوشه فانظر الكامل للمبرد.

وقد تولى قتالهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني القائد الأموي المشهور وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت محنتهم المزدوجة: محاربة المسلمين وانتشار الأحاديث الموضوعة في قتالهم حتى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة. ولما كان هؤلاء الخوارج من منكرة التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون إلى المذاهب العديدة إدماج الإباضية في هؤلاء الخوارج ظلماً وعدوانا والسبب في ذلك عديد المناهج.

أولا: أن أصحابنا الإباضية – يرون المُلك العضوض لا تجب طاعته بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء الراشدين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم “اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر” حديث صحيح متفق عليه. ولما روي في عمار بن ياسر رحمه الله “ستقتلك الفئة الباغية” واستشهد بهذا الحديث منكرو التحكيم ولم ينكره الفريق الآخر فثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان ولو اختلفا في تأويله إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح وإنما دعاه الغرض إلى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى.

ثانيها: ظهور أصحاب الأهواء في واقعة النهروان إذ زعموا أنها لأجل الخروج على علي وهو إمامهم والحقيقة التي لامرية فيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن علي قط ولكنهم حين أبوا التحكيم وأصروا عليه جنح أبو الحسن إلى فريق التحكيم فرأى منكرو التحكيم أن البيعة لم تكن في أعناقهم بل هم في حِلٍّ منها حيث أن التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم وإلا فلم التحكيم؟ فاعتبروا التحكيم تنازلاً من الإمام أبي الحسن عن البيعة – إذاً منكرو التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاؤون إماماً لهم فاختاروا رجلاً من أفضل الناس يومئذ ومن الصحابة الكرام وهو عبدالله بن وهب الراسبي الأزدي. فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ ومنهم الإمام علي أن يدخلوا في البيعة لمن اختاروه إماماً.

فرأى علي بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقريشي وحاربهم قبل أن يتقوّى أمرهم فتخرج الإمامة لغير قريش، وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان.

لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوَّهم معاوية ومن معه ولكن الأمر قد فات فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في دومة الجندل فأصبح المسلمون في حل من أمرهم، لأن بيعة عبدالله بن وهب لم تقع إلا بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذَّر منه أولوا البصائر من منكري التحكيم – وهو أن التحكيم تلاعب بالأمر تولى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي دُسَّ على أصحاب علي من قبل معاوية.

وليس إذاً ما يزعمه محرِّفو التاريخ ومتعفنة المذهبية أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على عليٍّ لأنهم لم يخرجوا والبيعة في أعناقهم فلينتبه المتبصر من الزلة في هذا المقام فإن الأهواء متغلغلة في أصحابها بما لا خفاء فيه.

الثالثة : أن تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أول الأمر وإنما انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب عليّ المنكرين للتحكيم والراضين به ولعل أول ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية والاستقرار فيه حين زاره الأحنف بن قيس التميمي وهو من أهل النهروان فقال معاوية: لماذا أحبك الناس وأنت من الخوارج؟ فقال له الأحنف: لو عاب الناس الماء ما شربته.

يعني الذين لم يرتضوا بيعته والدخول في أمره (راجع الأمالي لأبي علي القالي).

أترى أن معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجية لأنه كان مع من حاربهم عليٌّ يوم النهروان أو لأنه لم يكن في بيعة معاوية، ولو كان وصف معاوية للأحنف بالخارجية لكونه من أهل النهروان لكان معاوية ومن معه أولى بهذا الوصف لأنه هو الذي سلَّ السيف ضد عليّ ومن معه يوم صفين ولأنه هو الذي جنح عن بيعة الإمام عليّ، والحال قد بايعه أهل الحل والعقد فأصبحت بيعته حقاً يجب اتباعه والدخول فيه على كل واحد من المسلمين.

الرابعة: أن الإباضية لم يسلّوا السيف على أحد من أهل التوحيد قط، ولم تقع منهم حرب ضد أحد من المسلمين وحتى عند اشتداد الأزمة من الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه فقد اشتدوا في مطاردة المسلمين لمجرد الظنة حتى خرج عليهم التوابون وعلى رأسهم سعيد بن جبير وابراهيم النخعي وهما إمامان وقد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير، والعجب كل العجب أن هذه المجموعة الكبرى من العلماء الذين حملوا السيف أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج لم يطلق عليهم أحد اسم الخوارج بل أطلقوا عليهم اسم التوابين وهم كلهم من حملة لواء العلم وماتوا جميعا في القتال ما عدا ثلاثة فيما يبدو. فإن العقل يقف مشدوها أمام هذه الفاجعة الكبرى ومع ذلك تمر على القراء بسلام.

ولكن الذي يمحِّص التاريخ بإنصاف وعلم يرى في إطلاق لفظ الخوارج علـى الإباضية – وهم من الخوارج براء – مغزى وهو أنهم رأوا أن الإمامة لا تختص بقريش بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورياستها وهذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأممه تابعاً لقبيلة واحدة سواء أحسنت أم أساءت والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ما ذهب إليه أصحابنا وحملوا عليه حديث “الأئمة من قريش” ومن المكابرة ومجانبة الحق أن يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش ولم يرتضه الأنصار وهم أهل الفهم لما بعث به محمد صلوات الله وسلامه عليه حين قالوا لأبي بكر: منا أمير ومنكم أمير، ولا أبو بكر حين رد على الأنصار بقوله: منا الأمراء ومنكم الوزراء أن العرب تدين لهذا الحي. يعني قريش فعلَّل الحكم بانقياد العرب لقريش لا لشيء آخر مما يزعم أهل الأهواء السياسية والمذهبية. أترى الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد أنه قرشي؟ كلا والله.

خامسها: أن الإباضية يبتغون العدل وينشرون العمل بالكتاب والسنة والسير على مناهج السياسة التي سار عليها الخلفاء الراشدون سواء قام بالأمر قرشي أم حبشي، عربي أم عجمي كما ورد في أحاديث صحاح لهذا ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز حين أرسلوا إليه وفداً من البصرة يتألف من ستة علماء جهابذة: جعفر بن السِّماك وأبو الحر علي بن الحصين العنبري والحتات بن كاتب والحباب بن كليب وأبو سفيان قنبر البصري وسالم بن ذكوان – وربما كانوا أكثر من هؤلاء إلا أن الذين وقفت على أسمائهم هم هؤلاء رحمهم الله جميعا وحيث ذكر مؤرخوا قومنا وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز قالوا كعادتهم في الغمز: أرسل إليه الخوارج وفداً. ولم يذكروا ما جرى بينهم وبين الخليفة عمر من الحديث وقبوله منهم كل ما أرادوه منه من نشر العدل وتطهير البلاد والمنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون سنة فإن الوفد قال له: (إن المسلمين يلعنون على المنابر فلابد من الشروع في تغيير المنكر) فأبدل اللعن بقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)- سورة النحل، آية 90، لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء أن يُذكروا بتلك المناقب التي ظهرت من الإباضية من نشدان الحق والوقوف في وجه الظلمة بالمساجلة كما فعل الإمام عبدالله بن إباض مع عبد الملك بن مروان ، وأبو بلال مرداس بن حدير مع زياد بن أبيه ولم يسلوا السيف كما فعل الخوارج، بل سلكوا سبيل البيان معرضين عن السنان لأنهم يرون عصمة الدم بالتوحيد لا إله إلا الله وعصمة المال كذلك ولم يكن منهم ما كان من أعمال غيرهم في سبيل تأسيس السلطان أو حمل الناس على اعتناق مذهبهم بالسيف وقطع العذر بل تركوا الناس أحراراً في آرائهم وأعرضوا عن الدنيا إن كانت بغير حلها وتركوا لأرباب المذاهب مذاهبهم في حرية تامة لا إكراه في الدين فالحق مقبول من أي كان والباطل مردود على صاحبه محمول عليه فأهل القبلة عندهم كافة سواسية في الحق والحرية في الإعراب عن آرائهم الفرعية، والحرية كفيلة لكل الناس بعد الاعتراف لله بالوحدانية والحرية هي الأصل في الإنسان حتى أن المكاتب عندهم من أول يوم وما كاتب به فدين عليه يؤديه ولم يقل بهذا غير الإباضية لأنهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا به سواهم.

فبان عنهم الخوارج بما ذكرنا من شنائعهم وكبائرهم، ولم تكن لهم صلة بالإباضية حتى يقال أنهم خوارج. ولقد كشفت للمنصفين من قومنا هذه الفروق فأدركوا الحق واعترفوا به ، والرجوع للحق فريضة وفضيلة.

سادسها: الإباضية يجيزون المناكحة بينهم وبين سائر الموحدين، والخوارج لا يجيزون التناكح مع غيرهم لأنهم يرون سواهم مشركين كما بينا وأوضحنا وعلى هذا لا يجوز أيضاً التوارث بينهم وبين من يخالفهم بطبيعة الحال لأن الشرك الذي منع المناكحة والمصاهرة يمنع الموارثة؛ فهل تعامى عند هذه الفروق الذين تعفنت نفوسهم وأصيبت أبصارهم بالعشي ذلك ما يشاهده الذي يقلب أطوار التاريخ في مدونات قومنا ولم يعتبروا قوله سبحانه: (إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) سورة الأحزاب: آية 58، وقوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة: آية 8.

إن المسلم ليحار من أمر أولئك المتقوِّلين على أهل الحق والاستقامة- الإباضية-

كيف استساغوا ذلك لأنفسهم لا لشيء إلا للهوى والشهوة الخفية نعوذ بالله من الهوى وإنكار الحق.

أوَلا يتذكرون أنهم سيلاقون الله بذلك الإفك؟ أم اعتقاد الخروج من النار هوَّن كل شيء في سبيل الهوى.

سابعها: الإباضية اتجهوا إلى خدمة الإسلام علماً وعملاً منذ ابتدأت الفتنة فاشتغلوا بالتدوين فكانوا أول من دوَن الحديث ؛ فإمامُنا جابر بن زيد أول من دوّن الحديث وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفـوه بأنه وقر بعير، ثم تلاميذه من بعده وهم حملة العلم إلى المشرق والمغرب، والخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء وإخافة السبل وتعطيل الأحكام ولم يذكر عن أحد من الخوارج ألف كتاباً والذين يذكرون المؤلفات للخوارج إنما يذكرون الإباضية وهم دون شك يريدون بهم التشنيع والتشغيب أما الصفرية والأزارقة والنجدية فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين ولو انفرد نجدة بن عامر برواية حديث ونافع بن الأزرق بأسئلة سألها ابن عباس ليس هذا محلها وأريد أنهم جنحوا إلى الحروب لا إلى التأليف ورواية العلم وكل من ذكره قومنا من رجال العلم ونسبوه للخوارج فليسوا إلا من الإباضية. ولقد أتى أصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب وعُرفوا بالصدق والأمانة والورع ما لم يبلغ شأوه غيرهم فلجأ بعض الكاتبين من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة والبهتان حين بهرتهم تلك الأنوار الساطعة وما خلطوا بين الإباضية والخوارج إلا لطمس معالم الحق والصواب حسداً من عند أنفسهم وأنى لمن اتخذ التشغيب مطية أن يعترف بالحق والصواب وقد عميت بصيرته. وإنك لترى هؤلاء من العمل على إخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني والعظمة العلمية ما جعلهم يذكرون لهم في موجب الذكر شيئاً. وإني رأيت مؤلفات دونت في التاريخ والأدب والفروع لبعض قومنا يستوجب المقام ذكر أصحابنا لما لهم فيما دوِّن من الضلع فلا يتورع أن يتجاهل ذكرهم كأنهم لم يكونوا، وذلك مبالغة وإمعاناً في طمس الحق ولا تجد من أصحابنا شيئاً من هذا الأسلوب البشع والحمد لله العلي الكبير.

ثامنها: أن قومنا حين جمعوا الحوادث التاريخية واقتضت الحال أن يذكروا أصحابها فشلوا في قيل الصواب فخلطوا بين الإباضية والخوارج فتارة ينسبون الإباضية للخوارج وتارة ينسبون الخوارج إلى الإباضية كما يفعل الكثير من المدونين في الأصول والفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإباضية والعكس مما أوجب التخليط والتشويش فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على النقل إلى ما هو أشبه بالتهريج ولا عذر لهم عندي مطلقاً لأن الذي ينشر الحق يطلبه من ينبوعه لا أن ينتحله حسب هواه.

إنا نجد من يزعم أن أبا بلال مرداس بن حدير من الخوارج، وقطري بن الفجاءة من الإباضية! والأمر على العكس من ذلك، وآخر يذكر أن الإمام طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي هو الإمام عبدالله بن إباض، والحق خلاف ذلك. إذ الإمام عبدالله بن إباض توفي آخر أيام عبد الملك بن مروان، وعبدالله بن يحيى طالب الحق ظهر أيام مروان الحمار سنة130 هـ وهكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامة تشويهاً وتشغيباً، وانظر إلى تاريخ الأندلس الذي يوجد بين أيدينا اليوم ولا تجد للإباضية ذكراً، والحال أن الإباضية بلغوا في الأندلس مبلغاً عظيماً من العلم والمال حتى أن جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلها إباضية إلى القرن السادس بل إلى نكبة الأندلس الكبرى.

وإنك لتقرأ طبقات ابن سعد مثلاً فلا تجد ذكراً لرجال الإباضية عدا الإمام جابر بن زيد فإنه ذكره رغم أنفه لشهرته التي أطبقت الآفاق وهكذا.

والحق الذي لا ريب فيه أن رجال كل قوم قومهم أولى بهم والتاريخ أهله أولى وأعرف به من سواهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

ولقد استوجبت بدعة الخوارج أحكاماً شرعية، قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر حتى لا يقع الإنسان في جريمة الخوارج، فالكبائر قسمان: كبائر شرك، وهي كل كبيرة أخلت بالاعتقاد كاستحلال ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو جحود حكم قطعي كالرجم إلى أمثالها، وكبائر النفاق: وهي كبائر الكفر بنعمة الله: وهي ما يطلق عليه عند أهل الحديث كفر دون الكفر؛ وهي كبائر الفسق عند قومنا – وذلك كارتكاب فاحشة من الزنى والإتيان في الأعجاز أو أكل الحرام أو شهادة الزور أو عقوق الوالدين وما أشبه ذلك من كبائر عملية، وكترك فريضة من فرائض الله غير مستحل كل ذلك يسمى عند أصحابنا بكبائر النفاق وكبائر الكفر بالنعمة، وإذا أطلق أصحابنا الكفر انصرف بالقرينة إلى الحكم فيه هل هو مما يخل بالعقيدة؟ أو هو من الفعل أو الترك؟ فيدرك نوع الكفر أهو كفر نفاق أو كفر شرك؟ على أن أصحابنا لا يكفِّرون تشهياً ولا يكفِّرون أهل القبلة ما دانوا بكلمة الإخلاص والحق أنهم انفردوا بذلك ولو ادعاه أرباب المذاهب، وإذا أدركت هذا علمت أن بين الإباضية والخوارج بوناً بعيداً لا يجمع بينهما جامع إلا إنكار التحكيم وهو الحق الذي يؤيده كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة العمرين وإجماع المسلمين. فشد يدك على الحق ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.

وقد قال بعض أصحابنا وبه قال قومنا أن الخوارج ينكرون الرجم والذي عندي أن هذا القول غير صحيح إلا إذا نظرنا إلى حكمهم بأن مرتكب الكبيرة مشرك حلال الدم؛ فإن الزاني عندهم يقتل ردة لا حداً وهذا متفرع عن حكمهم قطعاً لا يحتاج إلى دعوى نكران الرجم، ولكن الأمر عندي ليس كما يتوهم وإنما زعم من يزعم من قومنا أن الخوارج ينكرون الرجم فيه مغمز، لكنه يعود على الزاعمين بطامة؛ وذلك أن قومنا رووا أنه كان مما يتلى في كتاب الله في سورة الأحزاب الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم فأكلته العنزة. فيترتب على هذه المقالة أن القرآن وقع فيه نقص والعياذ بالله، وهذه الطامة تلازمهم وإن فروا منها بزعم أن ما نسخ لفظه وبقي حكمه، ولكن أصحابنا يقولون الرجم فرض لا من القرآن ولكن من الحديث فقد روى الحافظ الحجة الإمام الربيع في صحيحه عن الإمام جابر بن زيد: (الاستنجاء والإختتان والوتر والرجم سنن واجبة) فصان الله الأصحاب من الخطل والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

أبو إسحاق إبراهيم أطفيش

أحمد بن سعود السيابي

منقول

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (2)

2 تعليقات ل “الفرق بين الإباضيــة والخوارج”

  1. ابو مهند says:

    اذا كان الا امر كذلك فماهو وجهة الا اختلاف بين الا باضية والشيعة
    وبين الا باضية والسنة
    ان ال اهواء اخطر ماكان وما يكون على البشر
    فهناك من يطعن فى القران وهناك من يسب الصحابة وهناك من يقول بان جبريل عليه السلام خان الرسالة
    اين يقف الا باضية من هذاالهم
    اهدنا لما اختلف فيه انك تهدى من تشاء الى سراط مستقيم

  2. مشكورين على هذا الموقع القيم و أتمنى أن يطور أكثر و أكثر
    و لكم جزيل الشكر في توضيح الحق و خاصة أن المضللين ملؤا الفضاء و الأجواء بالضوضاءالتي لا طائل منها

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك