كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية

تستمد العقيدة الإسلامية أهميتها من اعتبارات عديدة، فكان تعلمها وتعليمها أهم واجبين على الناس، يُفرض على العالم تدريسها وتعليمها، وعليه وعلى غيره السعي لتعلمها والعمل بمقتضاها، وهكذا أصبحت أول مواد التدريس التي تهتم بها المدارس في الإسلام بعد تعليم القرآن الكريم.

وأمر الشرع الحنيف بتعليم الصغار دينهم، وتنشئتهم على حب ربهم وعبادته، وحث على تعهدهم في ذلك، يقول الله تعالى: {يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ}[التحريم: 06].
وأكد العلماء على وجوب تولي أمر الناشئة وتعليمهم ما يجب عليهم في دينهم، وقرنوا هذا بحكم وجوب تعلم القرآن، فكما يجب أن يعلم الولد القرآن الكريم كذلك يجب أن يعلم العقيدة والفقه وما هو في حاجة إليه ليعبد ربه عن علم، وبل قالوا إنه يكره على ذلك(1).

ولأهمية العقيدة وتعليمها ولأثرها ودورها الكبير في حياة الإنسان، طلب ترسيخها لديه منذ صغره؛ وليس هذا مقصورا على العقيدة في الإسلام، بل إن جل الأفكار والتيارات يُختار لنشرها وقت الصبا وزمن التنشئة الأولى حتى تؤتي أكلها ويشب عليها النشء ويكبروا على اتباعها.
فالطفل في صغره يتميز بخصائص تجعل التلقين مثمرا ومجديا ومنتجا بما لا يتحقق له بعد هذه السن، أو يصعب التحقيق والمنال، فللعمر العقلي أثر فعال في ذلك.
ومن شأن الصغير أنه باق على فطرته التي خلق عليها ما لم يتسرب إليه شوائب الضلال والأفكار السيئة فهو على الإيمان الفطري، مما يجعله سريع التلقي والحفظ، ويسير الاقتناع، وترسخ لديه المعاني بسهولة أيضا، ويبقى على هذا العهد ما لم يتلق مؤثرا، وإن تعرض لذلك لا ينساق بسهولة، لأنه أصبح محصنا، ولو انساق مدة فإنه لا يلبث أن يعود إلى ما نشِّئ عليه.
لهذا ولغيره من الاعتبارات اهتم الإسلام بتنشئة الصغار على الهدي القرآني، وأمر به، ودأب عليه المسلمون عبر تاريخ التعليم لديهم.
ولم يعد التساؤل منحصرا في وجوب تدريس العقيدة للتلاميذ في المدارس القرآنية من عدمه، بل إن التساؤل أضحى في بحث كيفية التدريس وزمنه، وما يراعى في التدريس من أسباب تجعل الدرس العقدي مفيدا ويبلغ أهدافه بيسر ويؤتي ثماره.
ذلك أن الموضوع تكتنفه أسباب متعددة تجعل الوصول فيه إلى نتائج مرضية صعب المنال، وإن كان غير مستحيل. لتعدد الجوانب التي تفرض على دارس الموضوع أن يراعيها جميعا ويحاول التوفيق بينها، وهذه الجوانب هي:
أولا ـ المدرسة القرآنية ووضعيتها وصلتها بالتعليم الرسمي، ومكانتها لدى المجتمع، والتلاميذ بخاصة، إذ لم تعد مثل المدرسة القديمة التي تشغل كل وقت التلميذ، فيستطيع القائمون عليها أن يبرمجوا كيف ما شاؤوا؛ وأصبح التلميذ يقضي وقته مترددا بين المدرستين، والنصيب الوافر من يومه يستغرقه في التعليم الرسمي، ولا يترك للمدرسة القرآنية إلاَّ أطراف النهار، وفي جزء يسير من الزمن لا يتجاوز الساعتين، أو يزيد قليلا.
ثانيا ـ التلميذ وصلته بالمدرسة القرآنية، فبالإضافة إلى الوقت الزهيد الذي يحظى فيه بالذهاب إلى المدرسة القرآنية، ينتابه ما ينتاب التلاميذ عموما، من عدم الإقبال، والميل إلى الإعراض عما يقدم له، والرغبة في التخلي عن هذا الواجب، لما يشكل لديه من ثقل وصعوبة لا يتحملهما إلاَّ الصابرون على الثقل في الدروس وكثرة الأعمال طول اليوم، وتكرار الإغراء بالتسرب من جهات متعددة، أخطرها عندما يكون الوحي من الأولياء الذين لم يفقهوا دور هذه المدرسة، ولم يتلمسوا ضرورتها في حياة الأبناء.
ثالثا ـ طبيعة مادة العقيدة، بما اكتنفها من تصنيفات، وصعوبة التلقي؛ خاصة إذا أصبحت مجالا للخلافات والجدل، مما يجعل تدريسها يستدعي الكثير من التحكم في المنهج، والعمل على تقديمها تقديما يرغبها لدى التلميذ، ويحببها إليه، ويرسخها لديه.
لذا يصبح من الأهمية أن نتدارس الموضوع من جهتين تبدوان أساس المسألة، وقد يوصلنا هذا إلى تذليل بعض الصعوبات، والإسهام في استرجاع المكانة لهذه المادة في نفوس الناشئة؛ وذلك بالجواب على سؤالين هما:
* ـ متى ندرس العقيدة للتلاميذ؟
* ـ وكيف ندرسها؟
فالسؤال الأول يتعلق ببحث المستوى الذي يمكن فيه للتلميذ وهو في المدرسة القرآنية أن يستوعب الدرس العقدي، وينسجم معه، ويصل به إلى الهدف المرجو من الدرس.
وأما السؤال الثاني، فيتعلق بالمنهج الـمُجدي في تبليغ محتوى الدرس العقدي للتلميذ، وهذا حسب مستويات التدريس بالمدرسة القرآنية.
***
متى يبدأ تدريس العقيدة؟
أول ما يستوقفنا في الجواب على هذا الإشكال، أننا نجد العقيدة فطرة في الإنسان، فهل يمكن تعليمها؟ أم أن العمل مع هذه الفطرة هو إيقاظها؟
إن الإنسان في المجتمع المسلم يعيش العقيدة من أول يوم، عندما يتلقى لحظة ميلاده الأذان في أذنه كما أوصى وعلَّم الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ ثم يتوالى التعليم مع مراحل النمو ليجد الولد نفسه في مرحلة متقدمة أمام معلمه في المدرسة بعد أن تدرَّج مع معلمِيه، من الوالدين ومن في البيت والشارع والمجتمع، ويكون الكلُّ قد أدى دورا بالضرورة قصد إليه أو لم يقصد، حتى يخلُص التلميذ إلى الـمعلم في مدرسته.
فالتلميذ يصل إلى المعلم في المدرسة إمَّا «أمانة»، أو «ترِكَة».
هو «أمانة» إن أحسن المجتمع بكلِّ أطرافه التعليم والتعهد؛ فعلى المعلم أن يحافظ على تلميذه ويرعاه، وينمي فيه ما تلقاه، ويزيده علما.
وهو «ترِكَة» بالمعنى السلبي الذي تحمله كلمة التركة معنويا، من تناقضات تجد فيها الغث والسمين، والجيد والرديء؛ فعلى المعلم حينها أن يُخلي ويُحلِّي، ويفرز الجيد من الرديء، ويعين التلميذ فيما يُبقي وما يذر.
وفي الغالب يكون الفوج التربوي خليطا من هذا وذاك، مما يفرض وضع مخطَّط، يستجيب للوضع ويجعل الكلَّ يستفيد، ولا يضيع جانبه، فإذا كان الولد متربِّيا فليس بحيلته ولا بفهمه فهو أحوج إلى التثبيت، وإذا جاء سيئ الأخلاق منحرفها، فليس من ذنبه لأنه لم يصدر ولم ينضح إلاَّ بما وضع فيه.
وهنا يستثمر الأستاذ ما أوتي من مكانة لدى التلميذ ويعمل على الاستفادة منها في تربية النوعين، بما يقدم من علم وقدوة، يراهما التلاميذ هما المثال الذي يحتذى ولا يمكن أن يضاهيه في الوجود كله شيء.
فهل يمكن القول: إن المدرسة والمعلم لا يعلِّمان شيئًا بالمعنى الدقيق للمصطلح؟ أو أنهما لا يعلِّمان ابتداءً، ولكن يواصلان دربا بدأ في الغالب، وسُبقا إليه، فهما ينيران سبيلا وُضع فيه التلميذ ويحتاج إلى من يبيِّن له منعطفات الطريق وبُنيَاتِه التي ينبغي تجنبها، ويذللان له الصعوبات التي تعترضه، لأن مجيء التلميذ إلى المدرسة أساسا دليلٌ على أن قاعدة الاعتقاد موجودة والنية معقودة، يجب المحافظة عليها وتشجيعها، والمساعدة على الاستمرار فيها، والوصول بها إلى شاطئ الأمان بيُسر وفي وقت مقبول.
إن هذه الرؤية بقدر ما تصدر عن حقائق السنن الإلهية في النفس الإنسانية، في انفرادها واجتماعها، فإنها لا تغني عن الجواب الصريح المطلوب في التدريس: متى يبدأ تلقين العقيدة للتلميذ؟
***
لقد كان الشائع لدى التعليم في الكتَّاب وعلى الطرق القديمة أن تلقَّن العقائد للناشئة بعد تلقي القرآن الكريم بل حفظه كاملاً، وغالبا ما يتمُّ قبل البلوغ، فإن التلميذ إذا شارف على نهاية تلقيه القرآن الكريم يؤمر أن يكتب متون العلوم في ظهر اللوحة التي يسجل فيها قسطه الذي يحفظه من القرآن الكريم؛ ويحفظ الجميع فلا تنتهي فترة التلقي والتلقين إلاَّ وقد وعى (حفظ) القرآن الكريم وهذه المتون التي من أهمها متن العقيدة؛ ونستأنس في هذا بحياة القطب اطفيش وأبي اليقظان إبراهيم، فنجد هذا يتمُّ في حدود العقد الأول من عمر الطفل؛ فقد قال القطب لتلميذه أبي اليقظان لما اختَبَر ما عنده من العلم ليكون أهلا لتلقي العلوم وتفسيرها ومناقشتها، قال له بعد أن سرد قائمة من المتون التي يحفظها: «لقد حفظتُ هذه وفي عمري ثماني سنين»(2)، وهذا المؤشِّر وإن كان لا يدلُّ على أن الناس جميعا كانوا على هذا المستوى، ولكن يمكِّن من اعتبار أن العقيدة وغيرها من العلوم تُتلقى تلقينا خالصا بعد تلقي القرآن الكريم، ولا يتمُّ فيها شيء من المدارسة والمناقشة إلاَّ في فترة متأخرة.
فهل ينفع هذا مقياسًا لهذا العصر وللظروف التي يعيشها الإنسان المسلم الذي يرتاد المدارس القرآنية حاليا؟
إنَّ الذي يبدو واضحا في هذه الطريقة السابقة أنها أثبتت نجاحًا على مستوى الكمِّ، ولم تعدم نتائج مُرضية في الفهم ورسوخ المعلومات، والثبات على المبادئ الإيمانيَّة، مما يجعلها ذات مكانة وقابلة لأن تتَّبع في بعض جزئياتها مع الناشئة الآن، ولعل تجربة دُور القرآن الكريم لتعليم الناشئة في العاصمة التي بدأت في هذه السنوات الأخيرة ستتيح الفصل وتقدم إجابات عن ذلك، مثل «دار مالك بن نبي»، و«الإبراهيمي».
والذي درجَت عليه المدارس في الغالب أن تضع مادة العقيدة للناشئة في مستوى السنة الرابعة وما بعدها، أي عندما يكون التلميذ ابن عشر سنين من عمره؛ والذي اختلفت فيه عن المنهج القديم أنها انتقلت مباشرة إلى التعليم بالحوار والعرض والتوضيح والمناقشة، وفي الغالب تطَّرح المتون ولا تُلزم بها التلميذ نظرا لاعتبارات كثيرة.
إن الطريقة التي اتَّبعتها المدارس القرآنية أملتها الظروف، ومسايرة التطور الحاصل في المناهج الدراسية، كما أنها أثبتت أيضا نجاحًا على مستوى الكيف، ممَّا مكَّن التلميذ من أن يفهم ما يتلقاه، ويجد له تطبيقا في الواقع، ويعان بذلك على تخطي عقبات في حياته وتتكون لديه خلفية إيمانية منذ نعومة أظفاره.
ولعل الحديث عن تحديد المستوى وسن تدريس العقيدة لا يفيد كبير فائدة لأن المهمَّ هو في المنهج والطريقة، خاصة إذا انتبهنا إلى ما أثبت سابقا من أن تعليم العقيدة وتلقينها لا يحدَّد له سن معينة فالمطلوب من الإنسان أن يحافظ على فطرته. فالواجب الاهتمام بالمنهج والطرق والمحتوى والأساليب التي يتم بها هذا التعليم.
فيبقى التعليم مفتوحًا دوما وأبدًا، من غير تحديد، لكن كيف؟
فمن جانبٍ لا نستطيع الإغضاء عن التحديد الزمني لتدريس العقيدة بمعناها الاصطلاحي، ومتى تكون مادة من مواد الدراسة، التي يحدَّد فيها فصولٌ ومسائل بعينها تبدأ من التوحيد وتنتهي إلى مصير الإنسان الأخروي.
ومن جانب آخر ينبغي أن يكون كل ما يقدم في التدريس متكاملا؛ كل مادة تخدم الأخرى، ولا يمكن أن يفصل بعض الدين عن بعضه، ولا يمكن أن يثمر النتائج المرجوة منه. وبهذا المعنى تكون العقيدة حاضرة بشكل غير مُعلن ولا مقصود إليه في كل مواد التدريس من أول يوم، وتأتي المرحلة التي تستقل فيها العقيدة بحصَّة خاصة، ووقت معين؛ وتوضع ضوابط لهذا الظرف حسب عمر الطفل ودرجة استيعابه.
يمكن من هذا المنطلق أن نستأنس بالأهداف التي وضعت لها المدارس القرآنية خاصة، والتي لأجلها يرسل الأولياء أبناءهم للتعلم فيها، وإلى الجانب الشرعي التكليفي، الذي يحدَّد الوقت الذي يجب فيه على الطفل أن يتعلم العقيدة بل يعلن عنها قولا وينتبه إلى أنه مُحاسب عليها.
فمن جانب الأهداف واضح أن الهدف الأول والأخير من إنشاء هذه المدارس والتعليم لدى المسلمين عمومًا، هو تكوين أجيال مؤمنة بربها، تفقه دينها وتفقه كيفية العيش على هدى القرآن الكريم، ويتجسد ذلك فعليا عندما يصل الطفل سن البلوغ؛ فالمدرسة مطلوب منها أن تقوم بواجب تلقين الولد ما يجب عليه من أمر دينه وعلى رأس القائمة تلقينه الاعتقاد الصحيح الواجب عليه الالتزام به إلى أن يلقى ربه.
ومن الجانب الشرعي فإن التكليف وترتُّب الواجبات على الإنسان تتحدَّد بضوابط متعدِّدة من بينها أن يكون قد أدرك البلوغ، ولا يتعدَّى سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، فهذه سن لا يُسمح بالتأخُّر عنها في الالتزام بالواجبات الشرعيَّة؛ فهل يكون هذا حدًّا لتعليم الولد العقيدة؟
والحكمة تقتضي سبق هذه السن، فلا ينتظر إلى أن يبلغها الولد بل ينبغي ألاَّ يبلغها إلاَّ وهو عالمٌ بما يجب عليه، وعندما يصل إليها فقد أصبح لزامًا عليه أن يُقرَّ بما علم، ويعلن إيمانه ويعمل بما وجب عليه شرعًا، فالعقيدة تُتَعَلَّم قبل البلوغ ولا تترك إلى يومه، وحينُ البلوغ ليس للتعلم بقدر ما هو للعمل؛ فيمكن أن تُعَلَّم في سنِّ العاشرة والحادية عشرة عندما يكون للولد استعداد للتلقي والفهم.
***
لـماذا هذا التحديد؟
هذا التحديد ناتج عن الاحتراز من:
*ـ أن يكون درس العقيدة دون مستوى إدراك التلميذ فيؤتي نتائج عكسيَّة مما يراد منه، إذا كان قبل أوانه.
*ـ أن يشتت الدرس عقيدة الولد الفطرية، خاصَّة إذا صحبه منهج غير سليم ولا قويم، أو إغراق في مسائل الخلاف ودقائق الغيب وما لا يكون في متناول التلميذ.
*ـ إنَّ التلميذ معرَّض لأن يتلقى مفاهيم ومبادئ في الحياة مختلفة المشارب والاتجاهات والمصادر، الصحيح منها والسقيم الإيمان والكفر، مما يفرض السبق والتدارك، فالطفل وعاء لابد أن يملأ إما حقا أو باطلا.
وهنا ندرك أنَّ الموضوع لا يعدو أن يكون واجهة من واجهات الجهاد السرمدي الأبدي بين الحق والباطل، فلا يصبح للعمر معنى بقدر ما يكون الحديث عن المضمون والمنهج هو المجدي، فيقال: لقن الولد أي شيء هو مستعد للتلقي دوما، لكن لقن ما تضمن رسوخه، وسلامته، قبل أن تسبق إليه، فتحتاج إلى جهد مضاعف، ووقت كثير للوصول إلى المبتغى.
ويمكن بهذا أن نسلِّم أنَّ العقيدة باعتبارها إيقاظا للفطرة في الطفل أو مساعدة له على البقاء على الفطرة، أو مسارعة إلى قلبه قبل أن تعمره خرافات العصر وباطلات الزمان؛ ونُسلِّم بأنها تُدرَّس من أول يوم يطأ فيه التلميذ المدرسة إلى أن يتخرج فيها مسلمًا صالحًا مؤمنا عاملا بما علم.
فالقضية إذن تنتقل إلى مضمون ما يلقى على التلميذ وما يطلب منه حسب مستويات الدراسة وتنقله فيها.
***
مستـويات التـدريـس:
إن تدريس العقيدة بهذا المصطلح العلمي الدقيق الذي يُراد به تناول القضايا الغيبية والعلاقات بين الله تعالى وسائر الموجودات، وبين الموجودات فيما بينها، وجعل كل ذلك خطابا يراد به الإنسان بالدرجة الأولى ينبغي أن يراعى في تدريسها المستوى العقلي والعمر العقلي والفعلي للولد.
الدرس العقدي في المرحلة الابتدائية:
لا يمكن أن يخاطب تلميذ الابتدائي ـ بل كل الناس ـ بما هو فوق طاقته وإمكان إدراكه، كما هو الشأن في التكليف، وحتى حين تقرير هذه المادة يجب التدرج في تناول مسائلها.
فمن حيث اختيار المسائل والموضوعات ليس في مقدور الولد وهو في بدايات تعلمه أن يلقن ما يتعلق بكليات من المسائل التي عجز العلماء والفلاسفة عن استيعاب بعضها فضلا عن غيرهم؛ وهذا من شأنه أن يدعو إلى تقرير المسائل الإيمانية القريبة من متناول التلميذ، حسب عمره وإدراكه في كل مستوى تعليمي، فتبدأ مثلا:
*ـ الإيمان بالله تعالى، ومعرفة أسمائه التي يدعى بها.
*ـ الإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، وبيان صفاته الخلُقية.
*ـ الإيمان بالجنة والنار وأنهما دارا جزاء بالنعيم والعذاب؛ هكذا دون الدخول في التفاصيل.
ولا يعني هذا أن المعلم في منأى دائما عن بعض الاستفسارات والتساؤلات التي يثيرها التلميذ، لكن ينبغي أن لا يكون هو المنبِّه إليها أو المشير إليها وعندما يتلقَّى السؤال يجيب عنه بحكمته ويصرف السائل بلطف.
ومن حيث توخِّي المنهج الذي يتولاه المدرس والطريقة التي يتبعها، كذلك ينبغي أن يكون دائما في مقدور التلميذ مسايرتهما، والانسجام معهما حتى لا يُحدث الدرس تشويشا على أذهان التلاميذ، كما لا يدفعهم إلى الملل، والواقع أن الدرس العقَدي في أصله حيوي ومشوِّق، لكن أحيانا ينقلب إلى طلاسِمَ ومجرَّدات وخيالات عندما لا نُحسن تقديمه؛ وقد يثير الشكوك من حيث إنه يراد منه أن يثمر طمأنينة وحياة للقلوب وفعالية في السلوك.
فالعهدة في هذا على الرسول المبيِّن والمبلِّغ، إن أحسن استعمال الطرق المؤدِّية إلى هذه الأهداف.
ثم يتدرَّج المعلم في المستويات بهذا المنهج، وبالرفق، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكما فقه الناس الجانب الإيماني من الدين قبل أن تشوبه نظراتُ التجريد المطلق، ومتاهاتُ التفكير البشري، وتعقيدات الفلاسفة.
لذا يكون من الأجدى أن تقدم المسائل الإيمانية والعقدية في الابتدائي بغير عنوان العقيدة أصلاً، وتندرج ضمن مُسمَّيات أخرى أقرب إلى ذهن التلميذ، وأحسن تأثيرًا فيه وأسرع، وبشكل أدعى إلى قبولها، فتكون العقيدة تحت أشكال متعددة مما يبدع المبرمجون في تشكيله، مثل الذي وجدنا تحت مسمى «الإيمانيات» في مقرر مدرسة «البشرى» بالخروب بالنسبة إلى مستوى السنة الثالثة.
***
الدرس العقدي لتلاميذ مستوى المتوسط:
إذا انتقلنا إلى مستوى المتوسط، فإننا نجد أنفسنا أمام معطيات ومحيط آخر غير السابق، مما يعني أنه يتغير الدرس العقدي موضوعا ومنهجا.
إن انتقال التلميذ إلى هذا المستوى يعني تأهله لتلقي معارف فوق ما كان يتلقاه في المرحلة التعليمية السابقة، فهذه المرحلة من التعليم ومن عمر الطفل تحكمها معطيات أخرى وعوامل تجعل الدرس العقدي فيها غيره في سابقتها، من هذه العوامل:
أولا ـ بلوغ الطفل سن التكليف
أصبح مفروضا عليه ما يُفرض على كبير السن من اعتقاد أصول الإيمان، وما لا يسعه أن يجهله ـ كما يعبر عنه في التراث العقدي ـ ويصبح مُحاسَبا على ذلك، والمطلوب ممن تولى أمانته تبليغه هذا الواجب.
فماذا يُعلم وكيف؟
فهل نبقى على الطرق القديمة التي تلقِّن المبادئ كلها والأصول جميعا؟ كما هي مثلا في «عقيدة العزابة»، أو «خلاصة المراقي»، أو «جوهرة التوحيد»، أو «متن أبي زيد القيرواني»، أو «الطحاوية» …
وهل ندرِّس التلميذ في هذه المرحلة كل ما يتعلق بالتوحيد والصفات والجدل الواقع فيها… ونعلمه مسائل الغيب بكل جوانبها ممَّا يتعلق بالله تعالى وما يتعلق بمصير الإنسان، ومآله، و …؟
إن النظر في هذا الموضوع يوصل إلى أن التلميذ ولو انتقل إلى مرحلة أخرى، فإن قدراته ما تزال محدودة، ويفترض دوما أن يراعى هذا في التدريس، وهو قاعدة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأنَّ أي مخالفة لها تؤتي من النتائج ما لا تحمد عقباه، ويكون العمل هدمًا مع أنه يراد به البناء.
فلن يكون من الحكمة نقلُ التلميذ مفاجأة وبغتة من عالم المحسوس الملموس المجسد إلى عالم المثل والتجريد والغيب المطلق، فضلا عن أن الواجب مراعاة الشرع فيما يفرض على الإنسان عمومًا، سواء أكان كبيرًا أم صغيرًا.
فالمخرج في يسر الدين ولطف الله تعالى بعباده، فما كان يرسل الرسل إلاَّ بلسان الأقوام، وما كان رسله يأمرون بغير التوحيد وتصديق الرسل وما جاؤوا به، والإيمان باليوم الآخر ولم يكونوا يطلبون غير هذا. فهل يمكن الاقتصار على هذا القدر في هذه المرحلة؟
***
ثانيا ـ الانتماءات المذهبية والخصوصيات والاختلافات:
لقد دأب المسلمون على تعليم العقائد بالرؤى المذهبيَّة، وأصبحت جزءًا من التكوين الشخصي للأفراد، وفرضت نفسها واقعا غير ميسور تجاوُزُه، إن لم يكن مستحيلا، لأن أيَّ تجاوز لن يكون رجوعًا إلى أصل أكثر مما يكون إنتاجًا لاتجاه جديد ومذهب جديد، مع أنَّ الأمَّة في غنى عن هذه الإضافات، وبات من الحكمة الالتزامُ بمذهب معين والتدريس وِفْقَهُ، ليس تعصُّبا ولا تنكُّرا ولا إحياءً لنزعات قديمة ومعارك كلامية، بقدر ما هو التزام بمنهج واضح واتباع لمدرسة فكرية عن اقتناع ووفاء لجهود علماء أخلصوا في بحوثهم.
فمن حيث هذه النظرة لا يمكن للمدرسة أن تُدرِّس على غير مذهب، كما لا يمكنها أن تدرِّس على مذهب غير الذي وُضعت لتدريسه، وهذا من الوفاء للعقود والعهود التي بين المدرسة في أشخاص هيئة التدريس، وبين من وضعوها وقفا للتدريس حسب مذهب الموقِّفين؛ وبين المدرِّسين والإدارة المسيِّرة للمدرسة والمجتمع التي تنتمي إليه المدرسة، فلا يمكن للمدرِّس أن يتخذ منهجًا غير الذي تعهَّد بتدريسه، إلاَّ أن يُنشئ مدرسة خاصَّة جديدة، و«المؤمنون على شروطهم»، كما لا يمكنه أن يتذبذب بين المذاهب الإسلامية.
وهذا يفرض على الأستاذ أن يفقه المذهب الذي يُدرِّسه ويُعلِّم آراءه ومواقفه، وحججه وأدلته وموقفه من أدلة غيره، حتى يستطيع أن يؤدي واجبه كما يُطلب منه.
لكن دائما يبقى البحث عن موقع التلميذ في هذه المرحلة من هذا البرنامج، فهل يتحمَّل الخوض في هذه القضايا، وهو في أول عهده بالبلوغ؟ وهل من واجبه أن يتعلَّمها لأنه مكلَّف باتخاذ موقف واضح بيِّن؟
لا يتوقف الأمر في هذا الحد، لأن التلميذ ليس في جزيرة معزولة عن الغير، فلو كان على حال المدارس سابقا حيث يكون التلميذ خالصا لمدرسته، والمدرسة خالصة للتلميذ، لهان الأمر وكان التحكُّم في المادة العلمية ميسورًا، ولكان في برمجتها متسعا لاختيار الموضوع والقضايا والمسائل، وكان لكلِّ مذهب مدرسته وتتجاور مع مدارس المذاهب الأخرى، ولم يكن يرى العلماء في ذلك من حرج، بل كان انتماءُ التلميذ إلى مدرسة عنوانا كافيًا وسببًا لتحديد وجهته ووضوحها، أما وقد اختلط الأمر، وأصبح الاحتكاك المذهبي والتجاوُر واقعًا منذ صغر التلاميذ، وأصبح التأثير والتأثر قريبين مما يؤدي إما إلى ذوبان مذهب في آخر، أو إلى تذبذب في الآراء، وإلى إنكار الناس أصولهم العقدية المميِّزة لهم، أو جهلهم لها تحت تأثير الوافد، والمحيط الكبير والواسع، وعادة يخشى على القليل أن يضمحلَّ ويتلاشى في الكثير.
ينبغي أن ينظر إلى هذا التخوف من جانبه الإيجابي، ولا يظن به سوء، ولا ضيق نظر، لأسباب متعددة:
*ـ هذه المذاهب ليست كلها ناتجة عن أهواء مؤسِّسيها، ولم يُرَدْ بها بالضرورة الفرقة بين المسلمين، بقدر ما هي قراءة ممكنة قد تكون صحيحة في فهم الشرع.
*ـ الحق لا يمكن أن يحتكره نظر بعض دون آخرين، فليس بالضرورة أن يكون رأي الآخرين خطأً، بل قد يتوزَّع الحقُّ بين كثير من الرؤى، وتتكامل وجهات النظر لتفيدنا مجتمعة بالحقيقة والصواب، وهو ما لا يمكن أن تفعله متفرقة، أو منزوية، أو مغمورة مطموسة.
*ـ إذا سمحنا بهذا الذوبان أو وقفنا ضدَّ الحق في الاختلاف والتميُّز نكون قد حرمنا الأمَّة من رحمة الاختلاف، ونعمة تعدد الآراء البانية، وقصرنا نظرنا إلى الحق في جهة واحدة وتركنا جهات، ومنعنا أنفسنا من الاستفادة من كلمات الله تعالى التي لا تنتهي، وأردنا أن نحصرها ونقصرها في بعض كليمات، محدودة الزمان والمكان.
فبهذه الاعتبارات لا يكون الحديث المذهبي المعاصر إحياءً لمعارك قديمة، ولا بقاء على النمط القديم في الاختلاف الذي يُقصي الآخر، ولكن يصبح اختلافا يبحث عن إظهار قوة الإسلام في استيعابه أنواعا من التفكير.
وإن الطفل في مرحلة المتوسط من جهة مُكلَّف، ومن جهة أخرى يعيش بين إخوانه المسلمين مما يولِّد تساؤلات عن الاختلافات من كل الأطراف، وهو عمر السؤال والتساؤل الـمُلِح عن أسباب التميُّز.
وهذا الوضع إمَّا أن يجعل التلميذ مُعقَّدا من حيث تميُّزه عن الآخرين الكثيرين، ويولِّد فيه هذا ما يولِّد من أسباب ضعف الشخصية، وإمَّا أن يسلمه دوما إلى المواجهات التي لا يحسن هو ولا أترابه من غير مذهبه كيف يديرونها، وإذا صادفت من أسرة التعليم سوء توجيه فتكون الدواهي مضاعَفة.
وهنا يُتساءل عن الحل الحكيم الذي يمكِّن التلميذ ـ وهو المحور في الموضوع ـ أن يساير ما يعرض عليه، ويكسبه معرفة تنفعه ولا تدخل به إلى المتاهات أو تُسلمه إلى الأحقاد، ويبدأ في تكوين شخصيته المتميزة.
لعل الأسلم في الموضوع أن تُبرمج الدروس العقديَّة عموما فيما اتفق عليه المسلمون مثل المرحلة الابتدائية، ويزاد ترسيخها لدى التلميذ، ثم يضاف إليها الآراء الخاصة بالمذهب مشفوعة بأدلَّتها، ويتوخَّى فيها الوضوح واليُسر قدر المستطاع، مع حُسن التقديم والتوضيح.
***
وهذا نموذج من المواضيع الممكن تقديمها في هذا المستوى:
أولا ـ وجود الله تعالى:
*ـ أدلة وجود الله تعالى في الآفاق وفي الأنفس.
*ـ وجوب الإيمان بالله تعالى
ثانيا ـ توحيد الله تعالى:
*ـ تعريف التوحيد
*ـ دليل وحدانية الله تعالى
*ـ أسماؤه تعالى الحسنى
*ـ نفي رؤية الله تعالى وأدلته من القرآن ومن الحديث.
وينبغي أن يتوقف في هذا الحد، مع وجود استدلال منطقي، قد لا يستوعبه التلميذ في هذه المرحلة ويترك للتي تليها.
ثالثا ـ الإيمان :
*ـ تعريف الإيمان.
*ـ الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
رابعا ـ مصير الإنسان:
*ـ الشفاعة: تعريفها، كونها للمؤمن الموفِّي دون العاصي.
*ـ الجنة دار المتقين.
*ـ النار جزاء الكُفَّار والعُصاة .
*ـ الخلود في الدارين.
ويشفع كل ذلك بالدليل القرآني والحديث.
وينتج عن هذا المنهج المقتصر على العرض، عدم تشويش الذهن بغوامض المسائل ومعقدها، ويسهل على التلميذ الاقتناع باستعمال الأدلة من المصدرين الكتاب والسنة دون النزول إلى الدليل العقلي الخالص، لما للمصدرين المذكورين من أثر وقوة في الإقناع والرسوخ وانشراح القلوب لهما، فيكتسب التلميذ بذلك ثقة فيما يلقن له، ويحفظ الدليل خاصة في المسائل الخلافية.
ولا يشرد ولا يعقد عليه بذكر الخلاف إلاَّ عند الضرورة الـمُلِحَّة، حتى يستطيع أن يستوعب ما هو من خصوصياته، وتتكون لديه شخصيته العقدية المتميزة.
وينبغي أن يكون الهدف من هذه المعارف التي تقدم للتلميذ في هذه المرحلة هو تكوينه الشخصي، وتثبيت المعلومات التي يعتقد صحتها لديه قبل أن يتشرَّب أفكارا أخرى، ولكي يتكون لديه اعتزاز ورضا بانتمائه، وعلم بأنه مؤسس على علم، وليس من قبيل الهوى والاختراع والابتداع.
وينبه إلى أن الاختلاف الذي سيجده عند إخوانه المسلمين ليس تضادًّا ولا سببًا لنيل طرف من آخر، بل لكلٍّ دليلُه، وأنَّ الشرع قد يحتمل كلَّ الأطراف إلاَّ أنه يجب الثبات على موقف واضح؛ كما يُنصح في مثل هذه السنِّ أن يتخلَّى تمامًا عن النقاش والجدل ولا يكون همُّه الجواب والمنافحة عن موقف، وأن يعلم أنَّ الخلاف والجدال له مقامه والذين يتولونه دونه.
فهذه من الأساسيات التي نأمل أن يأخذ بها المسلمون تفاديا لهدر الطاقات وتضييع الأوقات، فليس بمعقول أن تُغيَّر آراء مذاهب بُنيت على أسُس منذ قرون، كما أنه ليس الموضوع موضوع تنازل بين أصحاب آراء، بقدر ما هو كما عبَّر عنه الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله بقوله: «المعرفة و التعارف و الاعتراف».
***
ثالثا ـ التحديات الـمعاصرة:
إنَّ المحيط العالمي الذي يعيشه الطفل بأشكال متعدِّدة يوجب الإسراع إلى قلب الطفل وتربيته على الإيمان والعقيدة السليمة، وهنا يستوي المسلمون جميعًا، وهم يعيشون دومًا الصراع بين الحق والباطل؛ فيتطلَّب الوضع أن يُحصَّن التلميذ تباعًا حسب قدراته، بما يغرس فيه من القيم العقديَّة الصحيحة، قبل أن يتأثَّر بالوافد الفكري الذي يغزوه في كل آن بوابل من الأفكار والتيارات؛ ويجب أن يعلَّم عقيدته بكل المناهج المشروعة المتاحة الموصلة إلى الإيمان الصحيح، ويُعمر قلبه بالجانب الروحي المعنوي، وبالاعتقاد في الغيب قبل أن يستسلم إلى نداء المادة والماديين، وقبل أن يسلِّم بنتائج البحوث والمناهج الغربية التي تدير التعليم في وسط البلاد الإسلامية، من نظريات النشوء والارتقاء، وأصل الإنسان، وبدأ الكون، ونهايته؛ ويلقى في روعه الإيمان الراسخ بإرجاع كلِّ شيء إلى الله تعالى، وأنه الخالق حقيقة، وأنَّ الساعة لا ريب فيها، والموت حقٌّ وأنه رجوع إلى الله تعالى …
وتُقَدَّم هذه المعارف أيضا بكل منهج سليم وبتدرج مع التلميذ، ومن الأجدى أن تتأخر مثل هذه الدروس إلى نهايات مرحلة المتوسط.
وتكون فيها العناوين الآتية:
الإيمان بالغيب:
*ـ غيب الساعة وأشراطها: دليل القرآن والسنة، بداية الكون ونهايته.
*ـ غيب الموت: معنى الموت، بداية الإنسان، وخلق آدم، ومآل الإنسان بعده، وحياة القبر.
ومع هذا ستبدو بعض هذه المسائل مستعصية على التلميذ لكن المنهج هو الذي يذلِّل الصعاب، وليس المطلوب أن تتمَّ دائما بطريقة المعلومة ودليها النقلي مجردًا، فيمكن أن تقدَّم خارج هذا الإطار، في شكل شريط سمعي بصري، أو صور لمظاهر الطبيعة التي يستثمرها المعلم لتبليغ رسالة التوحيد عن طريقها، لأنَّ المهم هو إعطاء التلميذ المعلومة الصحيحة السليمة.
***
رابعا ـ العزوف والتسرُّب المدرسي:
ومما يفرض البرمجة المحكمة لدرس العقيدة في مرحلة المتوسط تعرُّض أغلب التلاميذ إلى التسرُّب وإنهاء علاقتهم بالمدرسة القرآنية عند نهاية هذه المرحلة أو في وسطها، فيصبح الهاجس الكبير متى يتعلم التلميذ عقيدته؟ ومتى يتوصل إلى إدراك ما يجب عليه إدراكه؟ ويظهر هذا خصوصا في المدارس القرآنية بالمدن الكبرى، وأقل منه في غيرها.
إنه من الممكن أن يعرض القائمون على المدارس عن هذا الإشكال، ويقولون: إنَّ المهمة تفرض أن ندرس من جاء، ومن يلتزم بالحضور إلى آخر المراحل، ولسنا مسؤولين عن المتوانين والمنقطعين.
أصل القضيَّة أن يتحمل الأولياء تبعات مثل هذه الإشكالات، لكن الواقع أيضا أنَّ كثيرا من المدارس القرآنية لا تلتزم بتعليم التلاميذ بعد مرحلة المتوسط، فمن يعلِّم هؤلاء بعد هذه المرحلة؟ ولعل مردَّ ما يظهر من التيارات الجديدة في المجتمع والأفكار الغريبة أحيانا أو الطرق غير السليمة في التعامل مع مسائل العقيدة هو عدم تشرُّب كثير من الناس أو أصحاب الأفكار مثل هذه القضايا من صغرهم، وارتموا من غير أن يحسنوا السباحة في محيطات من القضايا جرفتهم فيها الأمواج، وتسبًّبوا في غرقهم وغرق غيرهم، أو في التيه فتاهوا وتيَّهُوا غيرهم، وضاعوا وضيعوا، وأسرفوا في أوقات يقضونها في قضايا جانبية هم أحوج إليها في مهمات الحياة الآخرة والدنيا.
فنظرة إلى هذا الوضع تجعلنا نفكر في تعميق الفهم العقدي للتلميذ في مرحلة المتوسط بإضافة بعض المسائل التي قد تبدو فوق مستواه، لكن ينبغي أن نذلل هذه الصعوبة بمنهج التدرُّج وحسن التقديم، واختيار الوسائط الميسرة للفهم.
فمن جهة ينبغي أن يُحصَّن بإيمان ضدَّ التيارات العالمية الوافدة، ومن جهة أخرى ينبغي أن يعرف مذهبه وخصوصيته، ويحافظ عليها ويعيها، ويثبت عليها، من غير أن يبخس الغير أشياءهم.
فإذا نجحنا في هذه المرحلة تكون النتيجة: إعداد نشءٍ عقدي، مؤمن بربه، عالم بما يجب عليه نحوه، عالم بما يخصُّه وما يميِّزه عن غيره من العالمين، وما يميزه بين إخوانه المسلمين، من غير أن يكون هذا سببًا في إثارة الضغائن أو الأحقاد؛ والنجاح في هذا يتوقَّف على طريقة المعلم وخُلُقه.
فهذه المرحلة بقدر أهميتها وخطورتها، تتطلَّب بذل جهد مُضاعف في سبيل الوصول بالتلميذ إلى آخر المرحلة بنجاح وقد استوعب ما قُرر عليه.
فالذي انتهينا إليه في هذه المرحلة من حيث المسائل يمكن تلخيصه كالآتي:
*ـ تقديم الدرس العقدي بالمعنى الاصطلاحي للفظ، فيكون بعنوان خاص، وحصة خاصة.
*ـ يكون الموضوع المقدم يحقق تعليم الإيمان بما يجب على المكلف في أبسط صوره، وفي أيسرها دون تعقيد، ولا جنوح إلى غموض، وبترسيخ المعلومات بواسطة الشرح الميسر.
*ـ الإشارة إلى المميزات المذهبية الواضحة غير الدقيقة وغير القضايا الكلامية، مشفوع ذلك بالدليل القرآني والنبوي فقط.
ويمكن أن نقترح برنامج المواضيع كما يأتي:
أولا ـ الإيمان بالله تعالى:
*ـ وجود الله تعالى: أدلته: من الوجود العام، ومن ذات الإنسان، وما يحيط به من نعم، ومن عجزه عن التغيير في الكون وفي نفسه.
*ـ وحدانية الله تعالى: دليلها من القرآن، ومن الفطرة في عدم استقامة تعدد الآلهة.
*ـ أسماء الله الحسنى
*ـ اعتقاد نفي رؤية الله تعالى: دليلها من القرآن والسنة.
ثانيا ـ الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم :
*ـ اسمه، صفاته وأخلاقه، ختم رسالته وعالميتها.
ثالثا ـ الإيمان بالرسل والكتب:
*ـ أسماء أولي العزم، الكتب المعروفة وعلى من أنزلت، العمل بما في القرآن وحده.
رابعا ـ اليوم الآخر:
*ـ الموت، البعث والحساب، الخلود في الجنة والنار. بالدليل النقلي.
***
الدرس العقدي في مرحلة الثانوي:
وهي مرحلة قليلا ما يصبر التلاميذ إلى الوصول إليها، مع أنها أهم مرحلة من جوانب متعددة، أهمية تفرض العمل على استرجاع مكانتها لدى التلميذ وقبل ذلك لدى المجتمع.
وتظهر أهميتها من حيث :
*ـ إنها تأتي في فترة من العمر أساسية في تشكل الشخصية العقدية لدى الناشئة.
*ـ هي المرحلة التي يبنى فيها التوجه العلمي لدى التلميذ وفيها يرسم مسار حياته غالبا.
*ـ هي مرحلة خطيرة، لا يمكن أن يترك فيها التلميذ يظن أنه قد علم كل شيء، فينبه إلى أنه في بداية الطريق.
*ـ مرحلة يَفهم فيها التلميذ ويُفهَّم أنه في حاجة إلى هذه المعرفة والعلم من أجل خاصة نفسه، وليس تعلمه فيها مؤهلا له للنشر والدعوة والتبليغ بالمعنى الصحيح لهذه المفاهيم والمصطلحات؛ ويتوصل إلى هذا حسب منهج تعليمه وتدريسه والتوجيه الذي يوجه إليه.
فإذا لم يصبر إلى هذه المرحلة يصبح مصدر خطر، فلا هو استوعب استيعابا كافيا، ولا هو بقي في مرحلة عدم العلم، فقد يكون هذا سببا في ضياعه، وتضييعه غيره.
وهي مرحلة الاستعداد والانبهار بكل غريب وخاصة في العلم، يكون التلميذ فيها عرضة للاستسلام لكل مناد، وقد ينساق بسهولة لأنه لم تتكون لديه الشخصية الناقدة والممحصة.
إذا كان التلميذ في المراحل السابقة يكتفي بالتلقين والعرض، فهو في هذه كثير السؤال ومُلِحٌّ فيه، وقد لا يكفيه الجواب العارض، فتنشأ الشكوك لديه.
هذه المعطيات عن المرحلة وعن حال التلميذ تمكن من وضع اعتبارات وضوابط في تقرير الدرس العقدي.
فينبغي أن يتعلَّم التلميذ فيها دينه وعقيدته بالمستوى الذي يجعل منه شابا من الشباب الصالحين الذين يُعدُّون إعدادا لتحمل الرسالة، ويكون من الشباب الرساليين الذين هم عمدة كل فكر ومجتمع.
فيتعلَّم ويَعلَم كيف يؤمن بالله تعالى عن اقتناع وبرسوخ تعضده أنواع من الأدلة النقلية والعقلية، وكذا كيف يؤمن بالوحي واقعا وبالرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأنه حق وأنه لا يسع العالمين إلاَّ اتباعه، ويتعلم كيف يثبت هذا نقلا وعقلا، وتقرر له أجوبة على الشبهات المثارة في الموضوع.
ويتعلَّم الأبعاد السلوكية والحضارية للإيمان، من خلال تدريسه الأصول العقدية المتعلقة بالمجتمع والسياسة، ويقرن كل أصل إيماني بما له من ظل على السلوك، وما أنتج من حضارة في المسلمين عموما وفي مذهبه خصوصا، حتى يكون هذا أدعى للاعتزاز بإيمانه، والتشبث بالحق الذي معه.
كما يتعلم خصوصيات مذهبه بالمنهج السابق في مرحلة المتوسط، من حيث العلم بخصوصياته وإدراكها، دون غمط الآخرين حقهم.
ويحسن هنا أن يتعلم جل مميزات الإباضية في العقيدة، مما يتعلق بالإيمان بالله تعالى، وصفاته، وما يجب في حقه وما يجوز وما يستحيل، وما تعلق بالإيمان وتعريفه وكونه قولا وعملا، والخلود في الجنة للمؤمن وفي النار للعصاة والكفار، وأن الشفاعة خاصة بالمؤمنين لزيادة الدرجات وليست للعصاة، وكذا المبادئ العملية الاجتماعية وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية والبراءة، والإمامة.
إنَّ هذه المرحلة هي التي تؤهل التلميذ للتفاعل مع دينه وإيمانه ومجتمعه، بما تمده هذه الدروس من زاد إيماني وعملي وحضاري يلازمه ما بقي من حياته، يستلهم منه، ويبني عليه، ويكون له خلفية في مسار حياته.
لهذا كانت هذه المرحلة مهمة من حيث ضرورة بقاء التلميذ في المدرسة حتى يستكملها، ومن حيث الاهتمام بالنظام المعرفي كَمًّا وكيفًا عند تقديمه للتلاميذ، فيظهر أن مستقبل المجتمع وصورته تتجسد في مثل هذه الفترة من سنوات الدراسة.
***
ويمكن حسب هذا وضع تصور أولي للبرنامج الدراسي في هذه المرحلة وهو يمتدُّ على سنوات ثلاث من المرحلة الثانوية:
أولاـ الإيمان بالله:
صفاته، وأنواعها: الذاتية والفعلية، ونفي رؤيته.
ثانيا ـ الإيمان:
تعريفه، علاقة العمل بالإيمان.
ثالثا ـ القضاء والقدر:
التعريف، المقصود من الإيمان بالقضاء والقدر، عمل الإنسان بين إرادة الله تعالى ومسؤولية العبد، أثر الإيمان بالقضاء والقدر في السلوك.
رابعا ـ المصير:
الشفاعة والخلود. أثر الإيمان بالشفاعة والخلود على السلوك.
خامسا ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
التعريف، الحُكم والحِكم، شروط الأمر والنهي، درجات الأمر والنهي.
سادسا ـ الولاية والبراءة:
التعريف، الحكم، الأنواع، كيفية التطبيق والشروط.
سابعا ـ مسالك الدين:
التعريف، الأنواع الأربعة، شروط الإمامة.
ويراعى في كل درس التنبيه والتركيز على الواجب من الإيمان، وعلى الجانب العملي والبعد الحضاري والسلوكي فرديا واجتماعيا.
***
هذا عن الدرس العقدي من حيث المحتوى الذي ينبغي أن تحكمه العوامل المشار إليها ويراعى فيه وضعية التلميذ ومستواه، حتى يتمكن من التلقي الجيد والمتابعة المستمرة والواعية المؤدية إلى حسن الاستيعاب.
فالمتوخى في هذا التدرج والسير بتؤدة مع التلميذ حسب مستويات الإدراك لديه، لأن عامل الوقت خطير بالنسبة إلى التدريس في المدارس القرآنية لوضيعتها وصلتها بالمدرسة الرسمية أو الخاصة، فلا يسمح فيها بضياع الوقت في الجانبيات، كما أن العوامل الإنسانية والحضارية التي يحياها الناس أفرادا ومجتمعات لا تسمح بالاختيار العشوائي للمواد ولا مفرداتها؛ فينبغي أن يكون كل شيء صادرا عن حسن تدبير وتخطيط قدر المستطاع.

د/ مصطفى بن الناصر وينتن

——————–
الهوامش
(1) ـ أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، بترتيب الشيخ اطفيش ج1، ص 01، 02، وينتن: تجربة تحفيظ القرآن في وادي ميزاب، بحث مرقون، من أعمال ملتقى تحفيظ القرآن في الجزائر، بالجامعة الإسلامية، قسنطينة، ص 2.
(2) ـ أحمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته: مطابع دار البعث قسنطينة، د.ت: 22؛ مصطفى وينتن، آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 23.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص1-21.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك