فقه المال العام عند الإباضية (1)

إن المال عصب الحياة به تبنى الحضارات وتقوم عليه حياة الأفراد والمجتمعات، وبه تسود الدول، لذا عده الشرع الحنيف مقصدا هاما من مقاصده، وحدد أسس كسبه وطرق تملكه، وسبل إنتاجه وتوزيعه، وكيفية استثماره واستهلاكه.
صنف الفقهاء أبوابا للمال في مدوناتهم المطولة والمختصرة، ورتبوا أنواعه وأقسامه. وبينوا أحكامه وميزوا حلاله من حرامه، ومن أهم أقسامه: المال العام الذي يتناول موارد الدولة من تبرعات وزكاة وخراج وجزية وعشور، وسبل إنفاقها على مصارفها المخصصة والعامة، وإدارة بيت المال أخدًا وعطاءً، دخلاً وخرجًا، ومسؤولية ولي الأمر في تصريف شؤونه.
تطور المال في الفقه الإسلامي:
صاحَبَ المالُ العامُّ ميلادَ الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأنشأ نواة للملكية العامَّة، واتسع نطاقها بانتشار الفتوحات، وزيادة الموارد واتساع رقعة الدولة، فقام عمر بن الخطاب بتنظيم المال العام بإقامة الدواوين، وتخصيص جهاز متكامل. فاتضحت ملامح النظام المالي الإسلامي في عهده. وما إن جاء عصر التدوين، حتى شغل المال العام حيزا معتبرا في المدونات الفقهية فلا يخلو منه أي كتاب من أمهات الكتب الفقهية للمذاهب الإسلامية. وإلى جانب ذلك خصصت مصنفات تناولت المال من الناحية الفقهية والتنظيمية والإدارية والتاريخية. فهذا كتاب الخراج لأبي يوسف الذي ألفه تلبية لرغبة الخليفة العباسي هارون الرشيد في بيان أهم موارد الدولة وكيفية أخدها بحقها، وطرق توزيعها، ووضع له خطة مالية لإدارة أموال الدولة، فغدا هذا الكتاب المصدر الأساس في النظام المالي الإسلامي.
ويعد أبو يوسف الحنفي من السباقين لإرساء قواعد علم المالية العامة، ونسج على منواله من جاء من بعده من أمثال يحيى بن آدم في خراجه، والماوردي الشافعي وابن رجب الحنبلي في الأحكام السلطانية. وهذا كتاب الأموال لأبي عبيد الفقيه والمالي والنحوي الذي أصّل فيه القضايا المالية وبيَّن أحكامها، ومن مصادرها الأساسية الكتاب والسنة والإجماع، وكل من ألف في هذا الفن من بعده. فقد أخذ عليه واعتمد عليه، منهم الإمام الداوودي الذي صنف كتابًا في الأموال من وجهة نظر المذهب المالكي وغيره من المصنفات العديدة.
وإذا تتبعنا هذه المصادر نجد أن المذاهب الإسلامية قد أسهمت وأدلت بدلوها في هذا المجال الهام من النظم الإسلامية السياسية والقضائية والإدارية والمالية. فما هو إسهام الفقه الإباضي والدول التي أقيمت على أساس هذا المذهب في إثراء هذا الجانب الهام من مجالات الشريعة الإسلامية؟
وهذا الإسهام يندرج في تعريف تاريخ الأمة الفكري، الذي يشكل رصيدا في ذاكرة تاريخ الأمة، فإن بناء حاضر الأمة ومستقبلها يؤسَّسان على تراثها، وبهذا يكون تاريخ الأمة مترابطًا لا مقطوع الصلة بماضيها. وتأكَّد مدى إسهام الحضارة الإسلامية إسهامًا مبكرًا في جميع النظم، منها النظام المالي، وتبرهن بما لا يدع الشك أن الدين الإسلامي يقوم على تنظيم العلاقات الفردية والأسرية والاجتماعية والدولية، ولا ينحصر مجاله في دائرة ضيقة كما يريد أعداؤه أن يكون.
المال العام في الفقه الإباضي:
إن عدتنا في تكوين نظرة حول الفقه المالي عند الإباضية، مصدران أساسيان.
الأول: أ كتب السير التي أرّخت للإباضية وأئمتهم بأقلام إباضية.
ب كتب التاريخ العام التي أرخت بأقلام غير إباضية.
الثاني: أ- المدونات والمصنفات الفقهية التي صنفها فقهاء الإباضية في القرون الأولى لتكوين المذهب.
وإذا أجرينا مسحا عاما لهذه المصادر الإباضية وغيرها نجد أن الاهتمام بالجانب الاقتصادي والمالي اهتمام ضئيل جدا، وهي سمة تتقاسمه كل المصادر الإباضية وغيرها. فقد أولت الاهتمام الأكبر بالجانب السياسي وبحياة الأمراء والخلفاء على حساب الجوانب الأخرى من الحياة الحضارية، وإذا أضفنا بالنسبة للإباضية الظروف السياسية التي مروا بها في الشمال الإفريقي من ظلم واضطهاد، فضاع كثير من تراثهم في خضم النزاعات والفتن، وما بقي منه ضنوا به، حفاظا عليه من الضياع والتلف.
ونفس الكلام يقال عن الجانب الفقهي، ونضيف ملاحظة أخرى هامة هي أن فقه المال العام ينمو ويترعرع في ظل دولة ذات سيادة، في حين نجد أن إباضية المغرب بعد زوال دولتهم الرستمية في القرن الثالث الهجري، لم يفكروا في إقامة «إمامة الظهور» بل انتقلوا إلى مرحلة جديدة هي الإمامة الصغرى المنضوية تحت نظام العزابة. فقد تحول اهتمامهم من فقه المال العام إلى فقه المال الخاص، ونجد هذا الطابع بارزًا في مصنفاتهم الفقهية العامة والمخصصة، أهمها ما صنفه الإمام أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي في كتابه الهام «القسمة وأصول الأرضين» وهذه الميزة تختص بإباضية المغرب. أما في المشرق فقد استمرت الإمامة تقوى وتضعف حسب الظروف، إلى العهود الأخيرة. فقد صاحبها اهتمام الفقهاء بالمال العام، وخصصوا له حيزا من مدوناتهم الفقهية المطولة والموسوعات التي يتميزون بها.
تكوين بيت المال الأول في البصرة:
إذا كان التاريخ يحفظ لنا أن أول دولة إباضية مستقلة عن مركز الخلافة، كانت في سنة 132هـ بعُمان. ثم تلتها دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بطرابلس الغرب، ثم دولة الرستميين في المغرب الأوسط، إلا أنه تم الإعداد لإنشائها قبل ذلك بمدة غير يسيرة من الناحية الفكرية، ومن الناحية المادية بإعداد الرجال وتوفير الأموال اللازمة لإمدادها بالحياة والاستمرارية، ومن أهم خطط الإعداد، إنشاء بيت المال في البصرة في وقت مبكر، هدفه إمداد الدعاة ومساعدتهم على نشر المذهب الإباضي، وإقامة «إمامة الظهور» في المناطق البعيدة عن السلطة المركزية، وكانت موارد بيت المال تأتي من مصدرين(1):
المصدر الأول: عبارة عن ضريبة أو رسم أو اشتراك فرضه الإباضية على الأتباع في البصرة، ويتفاوت هذا الرسم حسب ثراء المكلف به ودخله.
المصدر الثاني: التبرعات السخية التي يدفعها أثرياء الإباضية، ويبدو أن التجار الإباضية كانوا من الأغنياء المعدودين، وكانت تجارتهم تتجاوز البصرة وما جاورها وتصل عن طريق الخليج إلى الصين والشرق الأقصى.
وسنلمس الأثر القوي لبيت المال هذا، عند نشأة الدولة الرستمية في تيهرت. ونصل إلى نتيجة هامة: أن مصادر تمويل الدولة أثناء التكوين والنشأة يعتمد على التبرعات والمساعدات، وعندما يشتد ساعدها تمول من مصادرها الذاتية. فالنبي صلى الله عليه وسلم أثناء دعوته للدين الجديد في مكة كان يعتمد على تبرعات الصحابة الذي آمنوا برسالته، وعلى رأسهم أقرب الناس إليه زوجته خديجة رضي الله عنها، وصديقه أبو بكر الصديق صلى الله عليه وسلم. كما اعتمد بصفة أساسية على هذا المورد وهو يضع اللبنات الأساسية لدولته في يثرب، وكان تجار الصحابة المرموقون من أمثال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم من الممولين الرئيسيين.
أولا: المصادر التاريخية: نطاق هذا البحث لا يمكن أن يستوعب كل المصادر التاريخية، لذا فنكتفي بعرض نص من المصادر غير الإباضية ونص من المصادر الإباضية، لإعطاء صورة عن الوضعية المالية للدولة الرستمية.
المصدر غير الإباضي: كتاب أخبار الأئمة الرستميين، لابن الصغير (2).
وصف ابن الصغير في كتابه الموجز والقيم الحالة المالية والاقتصادية للدولة الرستمية، في عهدها الأول تحت إمامة مؤسسها عبد الرحمن بن رستم، وقد كان جزءٌ من إيرادات هذه الدولة الفتية في شكل مساعدات تبرع بها إباضية المشرق.
من خلال بيت المال الذي أنشؤوه في البصرة كما أشرنا لإدراكهم لحاجة الإمام إلى هذه الأموال لتوطيد أركان دولته، وتواصلا للعلاقات التي تربط بين إباضية المشرق والمغرب في الدين والمذهب. ويذكر ابن الصغير أخبار الوفد القادم محملا بالأموال، واشترط قادة البصرة على أعضاء الوفد تفقد أحوال الإمام الجديد قبل دفع تلك الأموال. ولما حطوا رحالهم بتيهرت، تأكدوا من خلال المشاهدات التي صادفتهم، من تواضع الإمام وبساطة عيشه وسيرته في رعيته، وزهده في المال العام، أنه أجدر بالإعانة والوصال.
فكيف تعامل الإمام بهذه الهدية الثمينة والمنحة السخية؟ فقد استشار أهل الحل والعقد فأشاروا عليه بقبولها: «هذا رزق ساقه الله إلينا من طوع إخواننا بلا سؤال منا، فنرى أن ترسل إلى هذا المال وتحضره بين يديك فتجعل منه: ثلثا للكراع (الخيل) وثلثا في السلاح وثلثا في فقراء الناس وضعفائهم»(3).
هكذا تعامل مؤسسو الدولة الفتية بالمال كما كان يتعامل الصحابة رضوان الله عليهم بأموال الغنائم، حيث تحضر إلى المسجد وتقسم بالسوية على مستحقيها. فكانت الأولوية لمرفق الدفاع وحماية الثغور، وتوطيد أركان الدولة حتى يهابها العدو، ويستأمن في ظلها الغريب، ويمهد الطريق للعمارة والبناء. وقد ظهر أثر هذا العدل والقوامة في الأموال. «قوي الضعيف وانتعش الفقير وحسنت أحوالهم وخافهم جميع من اتصل به خبرهم ثم شرعوا في العمارة والبناء وإحياء الأموات، وغرس البساتين وإجراء الأنهر، واتخاذ الرحاء والمستغلات، واتسعوا في البلاد وتفسحوا فيها حتى أتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار»(4).
فهذا النص يدل على تسارع عجلة التنمية الاقتصادية بعد استتباب الأمن والاستقرار في أرجاء الدولة، وكانت البداية تنمية زراعية، بغرس البساتين وإجراء الأنهر، وانتهت بتنمية صناعية باتخاذ ورشات لتحويل المحاصيل الزراعية وإقامة المستغلات، التي هي عبارة عن مستثمرات لطحن وتصبير وعصر وتحويل المحاصيل الزراعية.
ويتابع ابن الصغير تطور الحالة المالية والاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة، وسد كل احتياجات المواطنين إلى درجة أنها استغنت عن المساعدات الخارجية التي كان يجود بها أهل المشرق أبان عهودها الأولى، حيث أصبحت بيوت الأموال ممتلئة، فالسعاة وعمال الصدقات يقومون بجباية الزكاة وسائر الواجبات المالية الأخرى من جزية وخراج الأرضين، وتوزع توزيعا عادلا دوريا في مطلع هلال كل شهر، بعد حصرها وإحصائها وتحويل ما كان منه عينا إلى نقود. وما كان طعاما يجمع في الأهراء، ويوزع على الفقراء والمحتاجين، وإن فَضلَ عَفْوٌ صُرِفَ في مصالح المسلمين. مما يدل على أن الرخاء والكفاية سادا في تلك الربوع.
ويصور ابن الصغير موقف الإمام من المدد الثاني من مساعدات أهل المشرق، ورأيه الحازم في التعفف والاستغناء عند الكفاية، فقد استشار مجلسه الشوري، فرد الأمر إليه فقال: «فأرى أن ترد هذه الأموال إلى أهلها، فيدفعونها لمن يستحقونها من فقراءهم وضعفائهم، فإذا كنا قبلنا منهم في أول بدء أَمْرِنَا للحاجة التي كانت بنا إليه والفاقة التي لزمت عوام إخواننا، فالآن إننا مستغنون عن أموال غيرنا»(5). بهذه القيم العالية والمثل السامية، وأخلاق الإيثار والتسامي عن أعراض الدنيا ومتاعها الزائل أقيمت أسس هذه الدولة، فهفت إليها الأفئدة، وتسارع إليها المستضعفون للتفيؤ تحت ظلال تسامحها وتراحمها، فارتفع قدر قائدها في نفوس رعيته.
بين الخليفة عمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن رستم:
تناقل المؤرخون وأجمع القصاص على أخبار عدالة وسماحة الخليفة الأموي الزاهد عمر بن عبد العزيز، حتى عده البعض خامس الخلفاء الراشدين، فقد أحيَى السنن وأمات البدع، وأعاد النظر في مسؤولية ولي الأمر، بورعه وتورعه في المال العام، وسرعان ما ظهر أثر ذلك في أحوال رعيته، فعمَّ الأمن والرخاء كافة الأقاليم الإسلامية، وامتلأت بيوت المال وفاضت بخيرها، فكفيت الحاجات وسُدّت الخلات، ولم يجد الولاة من يقبض الزكاة استغناءً وتعففًا.
هذه الصورة الناصعة للنظام الإسلامي عندما يطبق بحق وعدل، تجد مثيلتها في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم التي لا تقل إشراقا وصفاءً، ومما ساقه المؤرخون وأجمع عليه أهل السير والتراجم، ما وصل إليه الأمر من عدل وحكم بالقسط وزهد في الدنيا، فقد رد كما أشرنا إعانات وردت إليه من إخوانه المشارقة، فقبل المدد الأول لتوطيد أركان سلطته، وتحصين ثغور دولته. غير أنه امتنع عن قبول المدد الثاني لما اشتد ساعد دولته فلم تغره تلك الأحمال من الأموال المكدسة. فرأى أن هناك من هو أولى منه إليها، فقد لمسنا أثر هذا العدل والتسامي في أحوال رعيته بانتشار الرخاء وكفاية أهل الفاقة والحاجة، وامتلاء الخزائن والأهراء.
أسباب رخاء الدولة:
إن هذا الرخاء والاستقرار الذي عم أرجاء البلاد هو نتيجة العدل والقسط والخطة المالية التي اعتمدها الإمام، فيقول ابن الصغير: «ثم لم تزل الرسل تختلف وتطلع الأخبار عن الأحوال والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة، وقضاته مختارة، وبيوت أمواله ممتلئة (… ) وأهل الصدقة على صدقاتهم يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم (… ) من أهل الشاة والبعير، فإذا حضر جميع ذلك صُرِفَ الطعام إلى الفقراء، وبيعت الشاة والبعير، فإذا صارت أموالا دُفع منها ذلك إلى العمال بقدر ما يستحقون على عملهم» ويضيف قائلا: «ثم ينظر إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين، وما أشبه ذلك فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم»(6)، أما ما فاض عن ذلك فيوجهه إلى مصالح المسلمين(7).
من هذا النص يتبن لنا أن أسباب الرخاء كان بسبب العدل والقسط والتنظيم والمحكم التي يقوم عليها رجال أكفاء أمناء يسترشدون بالتعاليم الإسلامية في التنظيم المالي. وهو ما طبقهُ الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، بحيث يميز بين أموال الصدقات ويخصص لها بيت مال خاص، لأنه يصرف على جهات محددة من النص الشرعي المبين في آيات الصدقات(8).
ويستدل من النص أن عمال الصدقات كانوا يأخذون نصيبهم نقدًا لا عينا، أي الجمع بين العينية والنقدية في تصريف أموال الصدقات، وهذه خاصية أخرى من خصائص النظام المالي الإسلامي.
أما الصنف الثاني من الأموال فهي أموال الفيء: من خراج الأرضين والجزية والعشور، فللإمام الحق في صرفها على مصالح المسلمين بدون تحديد. ومن أولاها وأهمها الإنفاق على مصالح الدولة ومرافقها من أجور الولاة والقضاة، ورجال الشرطة، وكل القائمين بأمور الإمامة، فيخصص لهم كفاية سنة، أي أن أجور هذه الفئة كانت تصرف سنويا، أو أنها تخصم من بيت المال ثم تصرف عليهم دوريا كما هو الأمر بالنسبة لأموال الصدقات، وأما الفائض بعد استيفاء كل الحقوق فيوجه إلى مصالح المسلمين، فهذه العبارة تؤكد ما ذهب إليه ابن الصغير من امتلاء الخزائن وكفاية الأغراض.
اختلاف الفقهاء في تصريف فائض بيت المال:
وهنا نثير قضية اختلف فيها الفقهاء في شأن التعامل بالفائض في بيت المال، فذهب فريق منهم وهم الشافعية والمالكية(9) إلى تصريف الفائض على مصالح المسلمين وعدم ادخاره، بينما يرى الأحناف وبعض الشافعية أنَّ الفائض يدَّخر لوقت الحاجة والاستظهار به لمواجهة الطوارئ. ومن خلال النص الذي بيننا نرى أن موقف الإباضية إلى جانب الشافعية والمالكية على الرغم من أنها قضية اجتهادية وسياسة شرعية تخضع للظروف الاقتصادية والاجتماعية، فقد يكون الإنفاق الفوري كما يرى الشافعية والإباضية هو الأنسب في بعض الظروف، ويكون الادخار هو الأولى في ظروف أخرى.
وفي ختام تحليلنا لهذا النص التاريخي لابن الصغير، الذي سلط الضوء على الوضعية المالية للدولة الرستمية، إلا أنه كان مختصرا ومقتضبا فلم يزودنا بأنواع الخراج وعن نسبته. وما هي الأراضي الخاضعة لهذا الرسم؟ فقد ثار جدل بين الفقهاء، فهل تعتبر أراضي المغرب فُتحت عنوة فيأخذ منها الخراج شأنها شأن أراضي العراق والشام، أم أسلم عليها أهلها فتؤخذ منهم الصدقات، أم تصالحوا مع الفاتحين على قدر معلوم من إنتاجها؟(10).
كما سكت عن شأن الجزية وعن حجمها ومن هم الجالية من الذميين الخاضعين لها، كما لم يزودنا بتفاصيل شافية عن بيت المال والقائمين عليه وكيفية جمع الإيرادات وحجمها وكيفية توزيع النفقات، فلا ابن الصغير ولا غيره استطاعوا أن يرسموا صورة متكاملة لهذه الجوانب.
ولعل السبب يكمن في عدم انطلاق حركة التدوين في تلك العهود، وما سجل ودون قد ضاع مع ما ضاع من التراث الإباضي.
ومن هذا التحليل لهذا النص نصل إلى النتائج الآتية:
1 أن الإمام كان يتولى جمع وتوزيع الأموال العامة (الزكاة، الجزية، الخراج… ).
2 الزكاة كانت منتظمة وتوزع في هلال كل شهر.
3 أجور ومرتبات الموظفين والعمال كانت سنوية، تقتطع من بيت المال.
4 عملية الإحصاء تتطلب أن تدون الدواوين وتسجل فيها أسماء المستحقين.
5 يرى الإباضية أن الفائض من بيت المال يوزع في مصالح المسلمين ولا يدَّخر.
6 كان يعتمد في بداية الأمر على المساعدات الخارجية.
7 العدل والقسط في التسيير من العوامل الأساسية المعينة على كفاية بيت المال.
خاتمة:
هذه نظرة حول المال العام عند أئمة الدولة الرستمية، كما رآها المؤرخ ابن الصغير، وسنواصل البحث في حلقات لاحقة بحول الله برصد ملامح النظام المالي من خلال كتب السير التي كتبت بأقلام إباضية، ثم نعرض الجانب الفقهي للمال العام عند الإباضية حتى تكتمل الصورة وتتضح الرؤية حول المال العام عند الإباضية.
قائمة المراجع
1 – ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق د: محمد صالح ناصر ود: إبراهيم بكير بحاز. نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر.
2 – الداوودي: أحمد بن نصر: الأموال، تقديم وتحقيق رضا محمد سالم مركز إحياء التراث المغربي، الرباط.
3 – الفرسطائي، أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر: القسمة وأصول الأرضيين (فن العمارة الإسلامية). ط2، تحقيق د: محمد ناصر، أ: الشيخ بالحاج بكير- نشر جمعية التراث. القرارة غرداية، الجزائر. 1418هـ/ 1997م
4 – الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية.
5 – الوارجلاني، أبو يوسف إبراهيم بن يعقوب: الخراج: دار التراث العربي.

الدكتور: محمد بن صالح حمدي

————-
هوامش
(1) عوض خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية. د. نايف عيد السهيل: الإباضية في الخليج العربي.
(2) ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق: د. محمد ناصر و د. إبراهيم بحاز، ص: 35 وما بعدها.
(3) ابن الصغير: مرجع سابق ص: 30.
(4)المرجع نفسه، ص: 31.
(5) المرجع نفسه ص: 34.
(6) المرجع نفسه، ص: 35.
(7) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
(8) {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. [التوبة آية 60]
(9) الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الرئيسية، ص 266.
(10) الداوودي أحمد بن نصر الداوودي: الأموال، تقديم وتحقيق رضا محمد سالم، مركز إحياء التراث المغربي، الرباط.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص 221-230.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك