إعجاز الهداية في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا، قَيِّمًا} [سورة الكهف: 1-2]، وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده. والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبد الله ورسوله {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [سورة الصف: 9] قال واصفا كتاب ربه: «هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم».
لقد جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وكرمه على كثير ممن خلق تفضيلا، فحمّله الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض، وأنزل عليه كتبا تهديه، وأرسل إليه رسلا ترشده، لتستقر قدمه راسخة على الصراط السوي، ويخطو في مأمن من الزلق على طريق بيّن لا يخاف دركا ولا يخشى، فيحظى بمرضاة الرب العفو الغني.
ولقد كان آخر هذه الكتب السماوية التي نزلت لهداية البشر القرآن العظيم الذي {لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت: 42]، وقد تكفل البارئ عز وجل بحفظه ليبقى خالدا إلى يوم الدين، ويستمر حجة قائمة على العباد إلى يوم يبعثون، وقد استودع الله تعالى كتابه العظيم هذا من البينات ما فيه هدى ورحمة للمتقين، وصرّف فيه من الآيات ما فيه بلاء مبين، وجعله مهيمنا على كل ما سواه من الكتب المنزلة فقال: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [سورة المائدة: 48]. وتحدّى الخلق كلهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سُوَرٍ مثله مفتريات، بل ولو بسورة واحدة فما استطاعوا، ثم قال: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [سورة الإسراء: 88].
وإنه ليحق لك أخي المؤمن أن تتأمل بعمق صنوف التحدي التي تحف هذا الكتاب الكريم، وتتساءل بحق عن أوجه الإعجاز التي تلفّ هذا القرآن العظيم، ثم إنه ليحق لك أن ترجع البصر فتنظر بعين الخبير البصير مدى تفاعل بني البشر مع هذه الأوجه من الإعجاز المتبدّية، ومدى تأثرهم بهذه الصنوف من الآيات المتحدّية في مختلف مجالات حياتهم الدينية منها والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها.. ثم إنه ليحق لك أن ترجع البصر كرتين فتلح في السؤال؛ باحثا عن أهم وجه من وجوه الإعجاز الذي استودعه الله قرآنه، وعن أهم عنصر من عناصر التحدي الذي أودعه كتابه، فكان به رائدا، واستمر به خالدا، ودام به معجزا دائما أبدا.
ثم إنه ليتعين عليك أن تكرر بالتساؤل مرة بعد مرة عن أول ما يهمك أن تعلمه من هذا الكتاب؟ وعن ماذا يجب عليك أن تعرفه أصالة حتى تنجو من غضب الله ومقته، وتحظى بعفو الله ورحمته؟ وأنت مستيقن بأن البشر بله الثقليْن كلهم متعبدون بهذا الكتاب المقدس الذي أنزله رب الجنة والناس على من قال له ربه: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سورة سبأ: 28]، وعلى الذي أمره أن يخاطب الناس بقوله: {قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف: 158].
معشر السادة القراء إنه لو سنحت الفرصة لأحدنا أن يصعد على طائرة استطلاعية، ويقوم بجولة تفقدية فوق مشارق الكرة الأرضية ومغاربها لرأى بأم عينه من العجب العجاب ما {يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [سورة مريم: 90] من أنواع الكفر والإلحاد، وأتباع الفسق والفساد، ولشاهد جموعا من المحادين لله ورسوله، وحشودا من المستكبرين عن آيات الله وكتابه، ممن لا يرقبون في الله إلاّ ولا ذمة، في بلاد أقبلت عليهم الدنيا بكل زخارفها فتنافسوها، ونسوا ما ذكروا به ففتح الله عليهم أبواب كل شيء، فكانوا في المدنية في أعلى عليين ولكنهم في البشرية في أسفل سافلين، فحق عليهم قول رب العالمين: {أَفَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَّهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [سورة الجاثية: 23].
كما تجد ذلك الزَّيَغان عن العقيدة الإلهية، وذلك الرَّوَغان عن الشريعة الربانية في بلاد قد أناخ الفقر بكلكله عليها، غشيت الجهالة العمياء أهلها فهم في ضلالهم يعمهون، يعيشون على هامش التاريخ كما يقال، أو هم ليسوا جزءا من التاريخ أصلا وكأنهم ليسوا من بني البشر بل هم بقايا من سلالات وحوش البقر، لا يدرون فيما يحيون، ولا فيما يعيشون، ولا فيما يموتون، {كَمَثَلِ الذِي يَنعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 171].
وإن تعجب فعجب أخي المؤمن إذا أنت مررت على البلاد التي كانت مهدا للرسالات ومهبطا للنبوءات، وكانت محضنا للمرسلين وموطنا للنبيئين، عبر سالف الأزمنة والقرون، وقد قامت فيها الشرائع الإلهية دهورا، واستمرت فيها الديانات السماوية عصورا حتى اصطبغ أهلها بصبغة الله {وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} [سورة البقرة: 138]، وإذا الخلائق قد تغيرت، والأخلاق قد تبدلت، فصرت لا ترى من الديانات إلا رمسا، ولا من الصلوات إلا همسا، ولا من تصفح شرائع الله إلا لمسا، وقد أحيل كل ذلك إلى أرشيف القرون الغابرين، وصار من مخلفات القوم المتأخرين، فما الذي دها تلك الأقوام حتى صاروا كالأنعام، وما الذي تغير في مفهوم الديانة فكان اتباعها على حافة الخيانة، وما الذي جعل أفق شرع الله ينحسر حيِيَّا بعد أن كان ينتشر صفِيَّا؟
أيها القارئ الكريم ما أريد في مقالي هذا استقصاء الأسباب وهي عديدة لا تخفى عن ذوي الألباب، وإنما أود أن ألفت انتباه السادة المتأملين، وأفهام الإخوة المتتبعين إلى خطورة تطور الأحداث، وتغير المفاهيم، وتقلب الزمان من خلال ظاهرة قد تبدو في طرحها غريبة، وقد لا تنسجم مع أفكار كثير من الأحبة القارئين، ولكنني أرى – والله أعلم فيما أرى – أنها من الأسباب البعيدة ولعلها القريبة التي أودت بالأوضاع إلى هذه الحالة المزرية التي تئن البشرية جمعاء تحت وطئتها، وتتجرع الإنسانية جمعاء مرارتها في ألم شديد، وجرح صديد، وزمن مديد، وذلك لمّا حادت الأنظار عن المقصد الحقيقي من كتاب الله، وحالت الأفكار عن المظهر الإعجازي الأول من كلام الله الذي يتمثل في الحقيقة المثلى حقيقة الهدى أو حقيقة الهداية.
إننا لن نستطيع أبدا أن ننكر قوله تعالى في وصف قرآنه: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [سورة الأنعام: 38]، وإننا لن نقوى جميعا أو أشتاتا أن نغفل عن الوجوه العديدة المختلفة التي جاء بها القرآن الكريم على وجه الإعجاز والتعجيز إلى يوم الدين، وإنما الذي بدا في العصور الأخيرة- عن قصد أو عن غير قصد- نوع من التوجه إلى الاهتمام إلى حد المبالغة والإغراق ببعض أنواع من الإعجاز القرآني في غفلة عن أهم إعجاز فيه، بل هو أوله وأعلاه، وأعزه وأغلاه، وما جاء القرآن الكريم منزلا من قبل مولاه إلا لتجسيده في واقع البشر المعيش إبرازا لعظمته، وإجلالا لمكانته.
لقد ظهر هذا الاهتمام من طرف بعض المسلمين عن نية حسنة تظهر مدى تقديرهم لكتاب ربهم الكريم، وما يزخر به من صنوف الإعجاز التي لا تحد، وما يزهر به من أوجه التحدي التي لا تعد، تباهيا وتفاخرا على كل من طغى وتجبر، كما بدا هذا الاهتمام من قبل كثير من أدعياء الإسلام أو أعدائه المتربصين له – والله أعلم بالمقاصد والنوايا- توجيها للأنظار إلى بعض حقائق علمية، ومظاهر كونية، وظواهر فلكية، وأرقام حسابية، وأغراض بيانية، وأسرار بلاغية، ولِمَ إلى نغمات صوتية، ومسابقات دولية، وكان التركيز عليها بصورة عجيبة، وفي هذا التركيز ما فيه من تصريف الأنظار عن المقصد الأول من إنزال الكتاب وهو الهدى، وتحريف الأبصار عن الهدف الأمثل من إرسال الرسول وهي الهداية، حتى لا يكترث المسلمون بكتابهم فيزهدون في تعاليمه التي لا توجد إلا فيه، كما يصرف عنه غيرهم؛ إذ يجدون فيما عندهم من صنوف المعارف، وفنون العلوم ما فيه الغُنية والكفاية، وقد ملكوا نواصيها وصاروا روادها السابقين، وإن قد تردّوا -في نظر الوجه الإعجازي الحقيقي للقرآن الكريم- إلى أسفل سافلين.
فغرضهم من ذلك ظاهر بيّن وقد اتضح الصبح لذي عينين، إنما هو إبعاد الناس عن طريق الهداية والرشاد، وإبقائهم على سبيل الغواية ودرب الفساد، ولذلك تجد كثيرا منهم إذا ذكر لهم حد من حدود الله أو حكم من أحكامه في العبادات؛ كالتزام المرء بالصلوات المفروضات، ووجوب إخراج الزكوات، أو المعاملات كحرمة التعامل بالربا ووجوب ارتداء الحجاب والالتزام بقسمة الله للمواريث؛ تشمئز قلوبهم، وإذا ذكر وجه من أوجه الإعجاز البياني أو العلمي إذا هم يستبشرون.
و لا يتسع المجال لضرب الأمثلة -وما أكثرها- فحسبنا من هذه مقولة للداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، من كتابه القيم «فقه السيرة» يقول فيها: «أما تحويل الإسلام نفسه إلى غناء فيصبح القرآن ألحانا عذبة وتصبح السيرة قصائد وتواشيح، وقد تم هذا التحول على حساب الإسلام، فانسحب الدين من ميدان السلوك، وتحول القرآن إلى تلاوة منغومة فحسب؛ يستمتع بها عشاق الطرب، وهذا الذي جعل اليهود والنصارى يذيعونه في الآفاق وهم واثقون بأنه لن يحيي مواتا… فإذا ابتغى المسلمون العمل الجاد المهيب فليطلبوه من مصادره المصفاة، قرآنا يأمر وينهى ليفعل أمره ويترك نهيه، وسنة تفصل وتوضح ليُسار في هديها وينتفع من حكمتها، وسيرة تنفح روادها بالأدب الزكي والقواعد الحصيفة والسياسة الراشدة وذلك هو الإسلام» إه.
فالسؤال المطروح الذي لا يزال يلح بنفسه في كل حين هو: ما هو وجه الإعجاز الحقيقي الأول والأولى للقرآن الكريم، والذي من أجله أنزله الله وضمن حفظه خالدا إلى يوم تشخص فيه الأبصار؟
إننا إذا جئنا إلى الإجابة على هذا السؤال العظيم لما أمكن لنا إلا أن نقول: إن أعظم صورة للإعجاز في القرآن الكريم، وأول ما يجب أن تصرف له الأفهام، ويولى له الاهتمام هو الهدى أو الهداية، وهذا ما يؤكده منزل القرآن في كتابه، وعلى لسان رسوله في بيانه.
أخي المؤمن إنك إذا تتبعت مادة “هدى” وما اشتق منها بمختلف صيغها في القرآن الكريم لوجدتها قد تكررت حوالي ثلاثمائة مرة، أما كلمة الهدى وحدها فتكررت تسعا وسبعين مرة، وقد وُصف القرآن بالهدى والهداية في عشرات من الآيات، وإنه لمن عجيب الأمر أن يكون أول ما يوصف الكتاب في أول آية من سورة البقرة -وهي أول سورة من كتاب الله بعد الفاتحة التي هي أم الكتاب- هو الهدى، وذلك قوله تعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 1-2].
ويقول الله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ} [سورة يونس: 57].
ويقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [سورة الإسراء: 9].
ويقول: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [سورة البقرة: 185].
ويقول: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [سورة الشورى: 52].
وإنك لتعجب أن يشهد بهذا الوصف للقرآن؛ طائفة الجن الذين حكى الله تعال عنهم في قوله: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوِا اِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَاقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا اُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة الأحقاف: 29-30].
و في قوله: {قُلُ اوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَئَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا} [سورة الجن: 1-2].
والعجب كل العجب أن يشهد بهذا الوصف للقرآن الكريم الذين أوتوا العلم من الديانات السماوية؛ من اليهودية والنصرانية على الرغم من العداوة المستحكمة بينها وبين الإسلام، فهذا رب العزة يقول: {وَيَرَى الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سورة سبأ: 6].
أيها القارئ الكريم ما وصف الله تعالى كتابه أبدا بأنه كتاب طب أو هندسة أو فلك أو حساب أو أدب أو قصص أو تاريخ أو غيرها من علوم البشر الدنيوية، وإن توجد فيه إشارات وتلميحات إليها، ذلك لأن هذه الأصناف من العلوم والفنون مما تقتضيها طبيعة الغريزة البشرية التي استودعها أصل الإنسان، يوم أن علّم آدم الأسماء كلها فتسلسلت مع نسله، فكانوا يعملون بمقتضاها تلبية لرغباتهم التي لا تعد، وإشباعا لنهماتهم التي لا تحد، ومن ثم كان الملائكة الكرام في غفلة عنها لأنها لا تتعلق بالدينونة لله والعبودية للخالق فقالوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [سورة البقرة: 32]، وهم من هم في عبوديتهم لله {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [سورة الأنبياء: 19-20].
على أن العلوم مهما تقدمت والفنون مهما تنوعت فلن تكون إلا مصدقة لما جاء في القرآن الكريم، لأنه الحقيقة الكونية الأزلية التي لا تتبدل، ولن يكون القرآن إلا حجة عليها، ولن تكون أبدا حجة عليه، وإن الزمان مهما تبدل، والمكان مهما تحول لن يغيرا من عنصر الهداية شيئا مطلقا.
وإليك أخي المؤمن هذه الصورة الرائعة التي تمثل الهدف الأول والغاية المثلى من كتاب الله، في هذا الذي قاله سيدنا جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة إذ قال: «أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف – وهذا الذي كثر وشاع في جاهلية القرن الواحد والعشرين بأكثر مما كان عليه في جاهلية القرون الغابرين – ويواصل سيدنا جعفر فيقول: فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا».
وهذا ما ينقص العالم اليوم فكان يعيش حياة الضنك في ظلمات {بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [سورة النور: 40]، لأنه يفتقد إلى النور الذي أنزله الله {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [سورة النور: 40].
هذا هو النور، نور الهداية الذي أحال عمر من مشرك جبار خرج متوشحا سيفه ليغتال الرسول الأعظم، إلى مؤمن صادق يأبى أن يعبد الله سرا في دار ابن أبي الأرقم، والذي جعل أولئك الأفذاذ الأوائل من الصحابة الأفاضل يبلغون ذرى الكمال، ويرتقون سنام المجد الذي عز ما ينال، ويكونون سادة الأنام، وتطأ سنابك خيلهم بلاد فارس، ووهاد الروم، ورحاب أفريقيا، ويتربعون على عروشها في بضعة أعوام، وتحتضنهم الأمم والشعوب حيثما حلوا ضاحكة مستبشرة، فيكونون أعظم دولة في التاريخ بلغ ملكها مغرب الشمس ومطلعها، وساسوها دهرا في أمن وسلام، في حين لم تكتشف من هذه العلوم الحديثة شيء، وما كان لهم فيها من شرك وما لهم منها من ظهير.
إنها معجزة الهداية التي حلت وطيدة في القلوب، فحولتها نفوسا أمينة وقلاعا حصينة، وأسودا هصورة، يقول الأستاذ خالد محمد خالد -صاحب الكتاب النفيس «خلفاء الرسول»، الذي أنصح كل واحد بقراءته، والذي قال عنه الشيخ بيوض رحمه الله يوم أتم قراءته: «يشترى بوزنه ذهبا»- قال في سياق حديثه عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: «ذلك لأنه ينظر حواليه فيرى إمبراطوريات تتهدم، وعروشا تنهار، وشعوبا ذليلة تصحو وتتحرر، ثم ينظر بيد من يتم هذا العمل الجليل، إنه يتم بأيدي الرجال العاديين، الأميين والفقراء والبسطاء، الذين آمنوا بمحمد واتبعوا النور الذي أنزل معه، هؤلاء إذن هم قوام الحياة الجديدة».
وسائل نفسك مرة أخرى عن حال العالم كله بل عن العالم الإسلامي اليوم، في عصر بلغت فيه العلوم غاية لم تسبق، وتمكن من أسباب الغنى بما لا يلحق، فلن ترى إلا هولا، ولا تسمع إلا فزعا، ولا تعيش إلا ضنكا، وذلك لما أبعد عن منهجه عنصر الهدى، وعن سبيله مفهوم الهداية التي جاء بها كتاب الله على وجه الإعجاز الأعظم والتحدي الأكبر لبني البشر. فالهداية هي سر النجاح، والهدى هو صمام الفلاح لمن أراد السعادة في دنياه وأخراه، ألا ترى أن الهدى هو أول ما أتاه الله أبانا آدم لما أنزله من الجنة فقال في سورة البقرة: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 38]، وقَالَ في سورة طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [سورة طه: 123]، ومن ثم كان أول دعاء علمنا الله تعالى إياه أن ندعوه به في كتابه قبل أي دعاء آخر، وضمنه سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب والتي لا تتم الصلاة إلا بها، هو قوله: {اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
فالهداية الهداية معاشر السادة الأفاضل، فهي الوقاية من شرور الدنيا وعذاب الآخرة، وهي الملاذ لمن أراد السلامة في المعاش، والأمن في المعاد، وإننا كلنا حولها ندندن، ولن تتحقق الهداية الحق إلا من عند خالق الهداية، {قُلِ اِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى} [سورة البقرة: 120]، {قُلِ اِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} [سورة آل عمران: 73]، ولذلك لم يوكل أمر الهداية إلى أحد من خلقه من ملك مقرب أو نبيء مرسل، لأن الكل في حاجة إلى هداية الهادي إلى سواء السبيل، وإنما تعهد بها لنفسه: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [سورة يونس: 35].
ولن تجدوا الهدى إلا في كتاب الله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [سورة الزمر: 23]، صدق الله العظيمٍ.
اللهم اجعلنا هادين مهديين، ممن حكمت عليهم بأنهم على هدى من ربهم وأنهم هم المفلحون في قولك: {اَلذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالذِينَ يُومِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة البقرة: 3-5].

أ/عيسى بن محمد بن بابا الشيخ بالحاج

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 12، 1429هـ/2008م، ص 22-30.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك