فقه المال العام عند الإباضية (2)

في هذه الحلقة سنتَّجه شرقًا إلى الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية حيث أقام الإباضية أوَّل دولة سنة: 132هـ، أي نفس السنة التي أعلن فيها العباسيون قيام دولتهم، وأُفول نجم دولة الأمويين.

ويُعتبر قيام هذه الدولة تطبيقًا لمبادئ المذهب الإباضي المتميزة في نظرتهم للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المستمدة من دولة الخلفاء الراشدين القائمة على الشورى والعدل وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ولئن كانت هذه الإمامة لم تدمْ طويلاً، ووُئِدت في مهدها، إلا أنها تعتبر اللبنة الأولى لدولة الإمامة الإباضية التي عمَّرت لقرون عديدة، واستمرَّت إلى العصور الأخيرة، وطبعت تاريخ عمان طوال هذه الحقبة بمبادئها وقِيَمها، واستطاعت أن تُحافظ على سيادته واستقلاله. وعلى الرغم أن مؤسساتها لا تعمل طبقًا لنصوص دستورية أو قوانين مكتوبة، فإنها مع ذلك تقوم وتعمل طِبْقًا لقواعد دستورية وأعراف تقليدية شبه مقدسة، لا يُمكن تجازوها أو اختزالها(1).
وفي هذه الحلقة سنسلِّط الضوء على الجانب المالي لأوَّل دولة إباضية في عُمان، ويتناول البحث العناصر الآتية:
1- طبيعة وحكم الأراضي العُمانية.
2- السياسة المالية لإمامة الجلَنْدَى بن مسعود.
3- أهمُّ موارد بيت المال.
4- هل الغنيمة من إيرادات بيت المال؟
5- النفقات.
6- العطاءات الممنوحة من بيت المال.
1- طبيعة وحكم الأراضي العُمانية:
يُقسِّم فقهاء المال الأراضي في الإسلام إلى ثلاثة أصنافٍ:
أ‌- أراضٍ أسلَم عليها أهلها، وتُسمَّى أراضي عُشرية.
ب‌- أراضٍ فُتحت عُنْوة، وتُسمَّى أراضي خراجية.
ج- أراضٍ صَالَحَ عليها أهلها، وتُسمَّى أراضي صلح.
يقول أبو يوسف صاحب كتاب الخراج: «فكلُّ أرضٍ أسلم عليها أهلها، وهي من أرض العرب، أو من أرض العجم؛ فهي لهم، وهي أرض عُشر، بمنزلة المدينة التي أسلم عليها أهلها، وبمنزلة اليمن… ، وأيُّما دارٍ من دور العجم وقد ظهر عليها الإمام، وتركها في أيدي أهلها؛ فهي أرض خراج»(2)، ويختلف الحكم الفقهي لتلك الأراضي حسب تصنيفها.
انطلاقًا من هذا التصنيف الذي أورده الإمام أبو يوسف لنا أن نقول إن الأراضي العُمانية أراضٍ عُشرية، لأنَّ أهل عُمان دخلوا الإسلام عن طواعية، وأجابوا رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بدون قتالٍ، وتسيير الجيوش وإيجاف الخيول. والأرض العُشرية هي التي يُؤدي أهلها زكاة أموالهم المقدرة عادة بالعُشر أو بأجزاء العُشر، وفي هذا الصَّدد يورد المؤرخ العُماني السالمي مقولة أبي بكر الصديق: «وقام أبو بكر خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «معاشِر أهل عُمان إنَّكم أسلمْتم طوْعًا، ولم يطأ الرسول صلى الله عليه وسلم ساحتكم بخُفٍّ ولا حافرٍ، ولا جشَّمْتُمُوه ما جشَّمه غيركم من العرب»(3)، فحكم أراضيها حكم أراضي المدينة واليمن، حيث أسلم أهلها طوْعًا، فتبقى أراضيها مِلْكًا لأصحابها، وتُجمع زكاة أموالهم من طرف الإمام أو نائبه.
2- السياسة المالية لإمامة الجلَنْدى بن مسعود(4):
إنَّ إمامة الجلندى قامت على عتق رجال باعوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وإقامة دينه، طلَّقوا الدنيا، وزهدوا فيها، وعاشوا على الكفاف، يقول السالمي في وصفهم: «ليست الدنيا من ذكرهم، ولا جمْعُ المال من شأنهم، ولا الشهوات من حاجاتهم»(5).
إذا كانت دولة قامت على التضحيات فلا تتصور أن تجد موارد منظمة وأموالاً محصيَّة، ودواوين مسجلة، فإن بداية الإمامة تُشبه إلى حدٍّ بعيد خلافة أبي بكر الصديق في طبيعتها المالية حيث كانت الإيرادات تُوزَّع في حينها، فلا تُجمع في بيت، ولا تُحصى في سجلاَّت، فالرِّجال هم العمدة، وابتغاء الأجر عند الله هو العدَّة، والزُّهد في الدنيا هو المنهج والسيرة.
هذه هي الفلسفة التي سادت عند نشأة الدولة الإباضية في مشرقها ومغربها؛ لِذَا نجد الشأن المالي لم يُصنَّف من الأولويات والضروريات، حتى أن المؤرخين مرُّوا عليه بدون ذكر إلا من إشارات عابرة، ولا نعجب إذا لم نجد بيت مالٍ منظَّمًا، وقوائم الدُّخل والخراج كما اشتهرت عند بني العباس الذين حكموا أقاليم واسعة، وبلغوا شأوا بعيدًا في تنظيم شؤونهم السياسية والمالية.
ومع هذا التنظيم المتواضع استطاعت الإمامة الإباضية أن تحقق أهدافها، وتُحافظ على توازنها واستقلالها، وتثبِّت كيانها وخصائصها طوال عهودها.
وعن السياسة المالية لهذه الدولة يقول السالمي: «لم يأخذوا الصدقة بغير حقِّها، ولم يضعوها في غير موضعها، ولم يستحلُّوها من الناس على غير الإثخان في الأرض والحماية والكفاية والمكافحة عن حريم المسلمين»(6)، فهي سياسة تقوم على الانضباط والتزام الحق والشرع في الأخذ والعطاء، ولا تختلف عمَّا أعلنه الخليفة عمر بن الخطاب في أوَّل خطبة، وهو يشرح الخطوط الرئيسة لسياسته المالية: «وأنِّي لا أجد هذا المال (المال العام) يُصلحه إلا خلال ثلاث: أن يُؤخذ في الحق، ويُعطى في الحق، ويُمنع من الباطل»(7).
3- العوامل المساعدة لهذه السياسة:
وممَّا ساعد العمانيين على تجسيد رغبتهم في الاستقلال عن السلطة المركزية المتمثلة في الخلافة الأموية ثم العباسية فيما بعد، ولم تتمكَّن هاتان الدولتان من السيطرة على هذا الإقليم الهام إلا لفترات قصيرة، وظلَّت الإمامة المُنْبَنِية على العقيدة الإباضية هي النظام السائد إلى العصور الأخيرة، وقد ساعد في هذا الاتجاه طبيعة عُمان الجغرافية، وموقعها الاستراتيجي على الخليج والبحر العربي، ساعدها على تنمية مواردها الاقتصادية، فاستطاعت الاعتماد على الموارد الاقتصادية المتأتيَّة عن طريق التجارة الخارجية، واستطاع العمانيون الوقوف في وجه أيِّ خطرٍ دون الخوف من أيِّ حصار اقتصادي محتمل، كما يحدث في الحجاز مثلاً(8).
أهمُّ موارد بيت المال:
إنَّ النظام المالي يقوم على جمع وتعبئة الموارد اللازمة لتسيير شؤون الدولة، والإنفاق منها على مختلف المرافق، وإشباع الاحتياجات العامة ضمن سياسة مالية معتمدة، قائمة على عقيدة ذلك النظام ومبادئه، وإذا تتبَّعنا الوقائع التاريخية ألْفينا أن دولتنا الفتية اعتمدت في تمويلها على البنود الرئيسية الآتية:
أ- التبرعات. ب- الزكاة. ج- العشور. د- الصَّوافي. هـ- الجزية.
أ- التبرعات:
رأينا في الحلقة الأولى من البحث أن مركز الدعوة للمذهب الإباضي في البصرة قد أقام من بين مؤسساته بيتًا للمال غرضه تمويل الدعاة ومساعدتهم لإقامة إمامة الظهور، ورأينا ذلك المدد المتواصل لدعم وتوطيد أركان الدولة الإباضية، القائمة في تيهرت، ونفس الشيء يُقال لإمامة الجلندى بن مسعود، فقد تلقًّى الدعم المادي من إخوانه العمانيين المشتهرين بالتجارة سواء الموجودين منهم في عُمان أو في البصرة أو في الهند، كما تُشير المصادر التاريخية(9)، ونحسب أن المساعدات المقدَّمة كانت أكبر وأهمَّ لقربها من مركز الدعوة في البصرة وسهولة الاتصالات ولعلاقة القرابة التي تجمع بين أفراد القبيلة الأزدية المتواجدين بالبصرة مع إخوانهم في عُمان، فقد كانت قبيلة الأزد المحور الرئيس في مدِّ هذه الدولة بالمدد من الرجال والمال(10).
ب‌- الزكاة:
هي الفريضة المالية، والركن الثالث من أركان الإسلام، وقد ابتدأ جبايتها منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذْ بعث عليه السلام عمرو بن العاص أميرًا على الصدقة، وأبَا زيد إمامًا للصلاة، واستمرَّ الأمر في عهد الخلفاء الراشدين، وبعد ذلك تولَّى الأمر الحكام بعد استقلالهم عن السلطة المركزية. إلا أنَّ المصادر التاريخية لم توضِّح ماهي أنواع المال التي تُجمع، ولا عن كيفية تنظيمها وتدوينها في بيت المال، ولا عن كيفية توزيعها، والمقادير المحصَّلة، وهذا الإشكال مطروح بصورة عامَّة على كل المسائل المالية، إذْ لم يُولِ لها المؤرخون العناية الكافية كعنايتهم بالشؤون السياسية، إلا أنه من خلال بعض النصوص والوضعية الاقتصادية نستطيع أن نقول: أن أغلب موارد الزكاة كانت تأتي من المحاصيل الزراعية التي تشتهر بها، ومن العروض التجارية التي امتازت بها عُمان كنقطة تبادل تجاري هامٍّ، إذ يقول المقدسي عن أهمِّ مدن عمان “صُحَار”: «هي قصبة عمان، ليس على بحر الصين اليوم بلدٌ أجلَّ منها، وعامر آهل حسن طيِّب نزه، ذو يسارٍ وتجار وفواكه وخيرات أسرى من زبيد وصنعاء، أسواق عجيبة، وبلدة ظريفة… وهم سعة في كل شيء، دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن»(11). إذا كان البلد بهذا الرخاء والنشاط التجاري فلنتصور حجم موارد الزكاة التي تتدفق على بيت المال من أهلها الذين اعتنقوا الإسلام، وتمذهبوا بالمذهب الإباضي، ودافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم.
ويدخل في باب الزكاة ما كانت تُفرض من فرائض مالية على صادرات المنتجات العمانية، كالتمور والفواكه والأسماك والماشية، وكذا ما يُفرض على الواردات من الهند وأفريقيا وفارس، وقد رأينا الأهمية التجارية لدولة عُمان نظرًا لموقعها الاستراتيجي، ولحنكة وتجربة أهله في الميدان.
ولا نتصور أن تُدرج هذه الإيرادات ضمن الرسوم على الصادرات كما ذهب البعض(12)، فالمسلم مطالب بإخراج زكاة ماله فريضة دينية مقدَّسة، ولا تُفرَض عليه فريضتان، فالزكاة فريضة دينية، والرسوم ضريبة مدنية، والتمييز بينهما أن الزكاة تفرض على المسلم في جميع أمواله الزكوية متى بلغت النصاب، ومهما كانت طبيعتها زراعية أم تجارية أم صناعية، أما الرسوم (العشور)، فتفرض على الذِّمي في أمواله التي يستوردها إلى داخل الدولة الإسلامية.
وقد اصطلح العمانيون على الرسوم التجارية صدقة البحر، وتفرَّدوا به، ولا نجد له نظيرًا في المصنفات المالية، مثل كتاب الخراج، والأموال، ولا في المدونات الفقهية، حيث التجارة البحرية اشتهر بها أهل جنوب الجزيرة العربية وعُمان بصفة أخص.
ومِمَّا يَلفت الانتباه في هذا الصَّدد تورُّع وتحرُّج الإمام الجلندى بن مسعود في عدم أخذه لصدقة البحر إلا ما طاب له أنفس الناس؛ تخوُّفًا من عدم بذل جهد السلطة في حماية هؤلاء التجار.
فقد أورد السالمي وصف النَّيِّر بن النَّيِّر سيرة هذا الإمام الورع التقي للإمام غسَّان بن عبد الله: «بلغنا عنهم فيما استقام عليه رأيهم أن يرفضوا بصدقة البحر إلا ما طاب بأنفس الناس أن يبذلوه لهم، وذلك يتخوَّفون من الدُّخل عليهم في سبيل الله إذْ لم يحمُوه»(13).
ج- العشور:
ما يفرض على الكفار في أموالهم المعدَّة للتجارة إذا انتقلوا بها من بلدٍ إلى بلدٍ في دار الإسلام، وسُمِّيت بذلك لكوْن المأخوذ عُشُرًا أو مضافًا إلى العُشر كنصف العُشر، ويشترك مع الجزية في الوجوب على أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب، ويفترق عنها أن الجزية توضع على الرؤوس، أما العشور فتوضع على المال(14). وأوَّل من أخذ العُشر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لَمَّا أشار إليه أحدُ وُلاته أن المسلمين إذا دخلوا بتجارتهم إلى أراضي أهل الحرب أخذوا منهم العُشر، فأذِن له بأخذ العُشر على أموال رعايا تلك البلدان معاملة بالمِثْل. ونظرًا لحجم التجارة الواردة إلى عُمان من وراء البحر، سواء من البلاد الإسلامية أو غير الإسلامية، فقد أحدث الولاَّة شبه ديوان يختص بإدارة أموال العُشور، يُسيَّر وفق تنظيمات مستوْحاة من روح الشريعة الإسلامية ضمانًا للعدالة وللضبط والرقابة على هذا الإيراد الهامِّ، وكان مقداره يُعادل مقدار الرسوم التي يدفعها العمانيون في بلدان هؤلاء التجار، أما التجار المسلمون فيدفعون فريضة الزكاة.
د- الصَّوافي:
مفردها صافية، وهي الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا، ولا وارث لهم(15)، وقد أصْفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أراضي السواد أصنافًا منها: أراضي من قتل في الحرب، وأرض من هرب، وكل أرضٍ كانت لكسرى(16)، وتعرَّض الفقهاء بالتأصيل الفقهي لها، وأصبحت تُشكِّل موردًا هامًّا إلى جانب الروافد الأخرى. وينطبق هذا المفهوم على الأموال التي تركها الفرس بعد جلاءهم من الأراضي العُمانية، فقد شهدت عُمان في بعض مراحله التاريخية وجودًا فارسيًّا، ولَمَّا منَّ الله على البشرية ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، أرسل النبي الكريم رسله إلى ملوك عُمان يدعوهم إلى الدين الجديد فاستجابوا، فدخلوا في الإسلام طائعين، فطلبوا من الحامية الفارسية الدخول في الإسلام أو الخروج من عُمان، فأبوا قَبُول الإسلام، ممَّا حمَلَ العمانيين على قتالهم، وإخراجهم بالقوة والسِّنان، ولَمَّا أحسن الفرس بالدائرة تدور عليهم طلبوا الأمان، وأذعنوا للاستسلام ناجين بأنفسهم وأهليهم تاركين أموالهم غنيمة، فصارت الأموال العقارية والزراعية التي خلَّفوها ملكًا لبيت مال الدولة في عُمان(17).
تُعدُّ صوافي عُمان من أوائل الصوافي في الإسلام التي كانت بسبب إجلاء الحامية الفارسية عن أراضيها بعد اعتناقهم للإسلام، وتخيير الفرس بين الإسلام والخروج، ولم يعرف المسلمون معنى الصوافي إلا في عهد الفتوحات الكبرى في العراق والشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.
تعتبر الصوافي من أهمِّ موارد بيت المال طوال الحقب التاريخية، ولا تزال قائمة، وترجع عوائدها إلى وزارة الأوقاف أو إلى الوزارة المالية، وقد أحصى أحد الكتاب هذه الأموال، ورتَّبها خمسة أصناف(18):
أ‌- الضواحي: مزارع النخيل، وهي عبارة عن بساتين مغروسة بالنخل، ويُطلق عليها أيضًا “المقاصير”، وتُشكِّل أهم أقسام الصوافي حيث كان بيت المال يعتمد على هذا النوع اعتمادًا كبيرًا، كمادة غذائية أساسية تتوفر صيفًا وشتاء.
ب‌- الأراضي الزراعية: وهي أراضٍ تزرع بصنوف الخضار والحبوب والبقولات والفواكه، وفي بعض الأحيان شيء من النخل، وهذه تكون مؤجرة على المواطنين بإيجار سنوي يدخل إلى خزينة الدولة.
ت‌- الأراضي السكنية: وهي أراضٍ بيضاء لا توجد بها عمارة في الوقت الحاضر لفساد تربتها، وهي أيضًا مؤجرة للمواطنين، ويعود ريْعُها للدولة.
ث‌- الأراضي التجارية: هي أراضٍ تنشأ عليها محلات ومبانٍ تجارية، حيث تتميز مواقعها بالنشاط والحركة التجارية.
ج‌- الأراضي الصناعية: وهي التي توجد في مناطق النشاط الصناعي والحرفي، وتُؤجر لأعمال التصنيع والحرف والصيانة.
وقد أدَّت هذه الإيرادات دورًا ماليًا، ورافدًا من روافد خزينة الدولة، وسدِّ جزء هام من احتياجات الدولة والمواطنين إلى جانب دورها الحضاري التربوي والاجتماعي.
و- الجزية:
مشتقة من الجزاء والمجازاة، وهي الخراج المجعول على أهل الذمة، وسُمِّيت بذلك لأنها جزاء تأمينهم وعصمة دمائهم وعيالهم وأموالهم، وتمكينهم من سُكْنَى دار الإسلام(19).
وتُؤخذ من أهل الكتاب كاليهود والنصارى وغيرهم من الطوائف والملل، ماعدا مشركي العرب الذين لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل(20).
ونظرًا لوجود بعض أصحاب الطوائف الدينية من غير مشركي العرب في عُمان في بعض الحقب التاريخية، فإنَّ وليَّ الأمر يقوم بأخذ الجزية، حسب ما هو مقرر في أحكام الشريعة. فقد أخذها الإمام الجلندى بن مسعود في القرن الثاني الهجري من نصارى جزيرة سقطرى، ويبدو أن مقدار هذا الإيراد كان ضئيلاً نظرًا لعدم وجود جاليات ذمِّية في عُمان إلا قليلاً، ما عدا الفرس الذين أُجْلُوا مباشرة بعد دخول الإسلام كما رأينا.
4- هل الغنيمة من إيرادات بيت المال؟
من إيرادات بيت المال في الإسلام الغنائم التي يغنمها المسلمون في حرب مشروعة ضدَّ المشركين، وقد أجاز الإسلام أكل الغنائم بعدما كانت محرَّمة لدى الأمم السابقة، وقد اختلف المسلمون في غنائم بدر، ثمَّ نزل قرآن يُتلى في حكم الغنائم بعد معاتبته للمسلمين في خلافهم حول الأمر(21).
هذا حكم غنيمة أهل الكفر الذين حاربوا المسلمين، وناصبُوهم العداء، أما المسلمون فإن حرمة أموالهم مصُونة ومقدسة في الإسلام، ولا يجوز المساس بها: «كلُّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، وحتى في قتال البغاة لا تُستباح أموالهم، وهذا ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية باستثناء الخوارج الذين استحلُّوا دماء غيرهم من المسلمين، وأباحوا سبي نسائهم وأطفالهم، وغنيمة أموالهم.
وفي شأن الدولة الإباضية الناشئة في عُمان فإنها أقامت دولتها على أسس الإسلام الممتدة من القرآن والسنة الصحيحة، وكان دستورها يقوم على الاحترام والتكافل والمساواة في الحقوق الإسلامية، وهذا ما أكَّده دعاة المذهب الإباضي منذ نشأته، وسطَّره الفقهاء في مدوَّناتهم، وسجَّله المؤرخون في تاريخ سِيرهم، إلا أن هناك من يلبس عليه الأمر، ويربط بين الإباضية والخوارج، ويرى أن الإباضية يستحلُّون دماء غيرهم، ويُبيحون غنيمة أموالهم، وهذه التهمة ما زال الإباضية يُنافحون ضدَّها، ويُثبتون بالحجة والدليل افتراقهم واختلافهم مع الخوارج اختلاف ما بين المشرق والمغرب.
غير ما يَلفِت الانتباه، ويدعو إلى العجَب أن يأتي كاتب معاصر(22) أرَّخ للدولة العمانية، وتتبَّع مراحلها، واطَّلع على مراجعها ومصادرها، وأنصف حق الإباضية، ويُحسب من الكاتبين الأكاديميين الذين يلتزمون الموضوعية والبحث العلمي النَّزيه يجعل من مصادر إيرادات بيت المال: الغنيمة، فيقول وهو يُعدِّد مؤسسات الإمامة: «بيت المال، ويُقسَّم مصادر تغذيتها إلى ثلاث مصادر رئيسية للدخل:
أ‌- الرسوم على صادرات المنتجات العمانية.
ب‌- الزكاة: التي هي إحدى الأركان الخمس الأساسية.
ج-الضريبة (العشور) التي تفرض على التجار غير المسلمين.
ثمَّ يُضيف: «وأخيرًا هناك الغنيمة التي يأتي بها الإمام من الحروب الأهلية الداخلية، ولا سيما من الحروب ضد القبائل المعارضة، والإمام هو المسؤول الوحيد عن هذه الأموال».
وحسب هذا الكلام فإن أموال الغنيمة مقنَّنة ومنظمة من قِبل الإمام، وتُشكِّل جزءًا من إيرادات هذه الدولة الفتية، ولو قارنَّا هذا الكلام بما قاله المؤرخ العماني الذي يتحدث عن سيرة هذه الدولة ونظامها المالي، وعدالتها في أخذ وإعطاء الحقوق، وعلاقتها مع غير المتمذهبين بالمذهب الإباضي، إذ يقول: «نُؤدي الأمانة إلى من استأمننا من قومنا وغيرهم، ونُوفي بعهود قومنا وأهل الذمة وغيرهم، ونُجير من استجارنا من قومنا وغيرهم، يأمن عندنا منهم الكافُّ عن القتال المعتزل بنفسه»، إلى أن يقول: «ومن أنكر حق الله منهم، واستحبَّ العمى على الهدى، وفارق المسلمين وعاندهم فارقناه، وقاتلناه حتى يفيء إلى أمر الله، من غير أن تنزلهم منزلة عبدة الأوثان، فلا نستحل سباهم، ولا قتل ذراريهم، ولا غنيمة أموالهم، و إلا قطع الميراث عنهم»(23).
هذه هي العلاقة التي تربط بين الإباضية وغيرهم، علاقة تربط بينها الأخوة الإسلامية ومبادئ الدين، لا كما يتصور البعض بربطهم بالخوارج المارقين المستحلِّين لدماء وأعراض المسلمين.
5- النفقات:
ويُقصد به النفقات العامة، وهي كل حقٍّ وجب صرفه من بيت المال في مصالح المسلمين، وتنقسم إلى نفقات راتبة (عادية)، ونفقات عارضة (طارئة)(24)، فالإيراد يُشكِّل الدخل، والنفقة تُشكِّل الخرج من بيت المال. فبقدر إحكام النفقة ووضعها في مواضعها يسود العدل والرخاء، غير أن المصادر التاريخية لا تسعفنا كثيرًا بالمعلومات عن كيفية الصرف وحجم النفقات، والسعاة والجباة وعن الدواوين، إذ إن اعتناء المؤرخين بهذا الشأن كان قليلاً، ويعود في جانب منها إلى طبيعة النفقات، إذ أن جزءًا منها مخصَّصٌ لأغراض محددة، مثل الزكاة، وهذا ما نلمسه في المصنفات المخصصة للشؤون المالية، فهي تعدد الإيرادات، وتمرُّ مرَّ الكرام على الإنفاق، ومع ذلك إذا تتبَّعنا النصوص التاريخية نلمس اعتناء أولي الأمر بشأن النفقات، واجتهادهم في جمعها وتوزيعها، واختيار الجباة والسعاة الأكفاء، وإيصالها إلى ذويها، والتورع في الأكل منها.
ويُسعفنا السالمي بنصٍّ يُنمُّ على اهتمام الإمام الجلندى بأمر الصدقة، والنفقات عمومًا، إذ يقول: «لم يأخذوا الصدقة بغير حقِّها، ولم يضعوها في غير موضعها، بل أخذوا بحقها، بعد إكمال الأمور التي تُعينهم في دين الله، وحفظ الرعية، ثم وضعوها في مواضعها، وقسَّموها على أهلها بحكم القرآن»(25). وفي اختيارهم للولاة والسعاة، واشتراطهم الأمانة والعلم يُضيف: «ولا يُولُّون أمرهم، ولا يبعثون في حوائجهم، ولا يستعملون في صدقاتهم… إلا أهل الثقة والعلم والفهم والورع والتحرج»(26).
6- العطاءات الممنوحة من بيت المال:
العطاء هو ما يُعطيه الإمام من بيت المال لأهل الحقوق في وقت معلوم، وقد فرَّق بعض الفقهاء بينه وبين الرزق، فقالوا: الرزق ما يُخرج من بيت المال للجندي كل شهر، والعطاء ما يُخرج له في كل سنة مرة أو مرتين(27). وأول من نظم بيت المال، وأنشأ الدواوين، وقسَّم العطاء هو الخليفة عمر بن الخطاب، إذ كان أول الأمر تقسِّم الإيرادات من غنائم وفيء في حين ورودها. ولَمَّا كثرت هذه الإيرادات فكَّر عمر في تنظيمها، وجعلها عطاءات راتبة دورية إما شهرية أو سنوية. في وضع سجلات بأسماء المستحقين من جنود وعمال وقضاة وسائر موظفي الدولة، وكانت مقاديرها تزداد بازدياد المداخيل المتنوعة التي ترد على بيت المال، وشهدت تطوُّرًا في عهد الفتوحات، وتدفُّق الخراج بعد ذلك.
وإذا جئنا إلى دولتنا الفتيَّة نجد أن الإمام الجلندى بن مسعود وضع الأرزاق والعطاءات حسب مقدرة وطاقة بيت المال الناشئ؛ مما يدل على اهتمامه بالشؤون المالية، ووضع الدواوين وسجلاَّت المستحقين. وتدلُّ النصوص التاريخية على أن العطاءات كانت قليلة مع الغلاء في الأسعار في تلك الفترة. إلا أن المستحقين يقنعون بذلك تورُّعًا وتقشُّفًا، وإشفاقًا على بيت مال الدولة الناشئة، ويصل الأمر ببعضهم أن يرد الفضل والعفو إلى بيت المال، وهذا السلوك الحضاري لم نُسجِّله في أيِّ أُمَّة، إذْ يُعبِّر عن العلاقة الوطيدة التي تربط بين الأفراد والحُكَّام في لحمة واحدة.
يقول السالمي: «وكان المرء منهم يُرزق في الشهر الواحد سبعة دراهم في غلاء من السعر، يصبر على القوت اليسير رغبة في الآخرة والثواب من عند الله، وقد بلغنا أنه ربما بقي مع الرجل الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيردُّه في فيء المسلمين»(28).
بهذه التضحية والإيثار تُبنى المجتمعات، وتُشيد الحضارات، وبهذه الأخلاق السامية استطاع المسلمون الأوائل أن يقُودوا العالم، فالجندي والموظف والعامل والمواطن يرضى بالقليل من العطاء، ويحتسب أجره عند الله، ويُؤثر الآخرة على الدنيا، وإذا فَضَلَ له فضْلٌ لم يُنفقه على التحسينات والكماليات المباحة، وإنما يردُّه طوْعًا إلى بيت المال عِلْمًا منه أن ذلك الدرهم سوف يسُدُّ مسدًّا، ويكفي حاجة، ويقضي مأربًا.
خاتمة:
هذه نظرة ولمحة عن النظام المالي لأول دولة إباضية في عُمان، وقد حفظ لنا المؤرخون الخطوط الرئيسية له، وهو يُعبِّر بصدق عن نظام مالي مستمدٍّ من أصول الشريعة وقواعد المذهب الإباضي في إيراداته وسُبُل إنْفاقه وتنظيمه.

الدكتور: محمد بن صالح حمدي

جامعة باتنة

قائمة المراجع
1- أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم: الخراج. ضمن كتاب: في التراث الاقتصادي للمسلمين. تقديم: فضل شلق، دار الحداثة: لبنان.
2- عبد الله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. ج:1، الناشر: زاهر وزُهير، المطابع الذهبية: عُمان.
3- أحمد بن سعود السيابي: أصول بيت المال في عُمان وأثرها الحضاري في عهد دولة البوسعيد. ط:1، سنة:2005م، مطبعة عُمان.
4- د. أحمد الشرباصي: المعجم الاقتصادي الإسلامي. دار الجيل، سنة:1402هـ/1981م.
5- د. نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. المعهد العالمي للفكر الإسلامي: الولايات المتحدة الأمريكية، ط:1، 1414هـ/1994م.
6- د. حسين عبيد غانم غباش: عُمان الديمقراطية الإسلامية، تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500- 1970م). دار الجديد، ط:1، سنة:1997م.
7- قطب إبراهيم محمد: النظم المالية في الإسلام. الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط:4، سنة:1989م.
8- د. محمد ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية. نشر: جمعية التراث: القرارة، سنة:2005م.
————-
هوامش
1 – د. حسين عبيد غانم غبَّاش: عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث. (1400هـ/1970م). دار الجديد: لبنان. ط:1، سنة: 1998م. ص:78.
2 – أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم: الخراج. ضمن كتاب: في التراث الاقتصادي للمسلمين. تقديم: فضل شلق. دار الحداثة للطباعة: لبنان. ص:183.
3 – عبد الله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. الناشر: زاهر وزهير. المطابع الذهبية: عُمان. ج:1، ص:63.
4 – الجلَنْدى بن مسعود: من آل الجلَنْدى ملوك عُمان عند ظهور الإسلام، حمل العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهو أوَّل إمام حكم بعُمان، بويع سنة: 132هـ، وقُتل سنة: 134هـ. (السالمي: التحفة).
5 – السالمي: التحفة. مرجع سابق. ج:1، ص:90.
6 – السالمي: التحفة. مرجع سابق. ص:89.
7 – قطب إبراهيم محمد: النظم المالية في الإسلام: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط:4، سنة: 1989م. ص:21.
8 – عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية. مطابع دار الشعب: الأردن، سنة:1978م، ص:130.
9 – أحمد بن سعود السيابي: أصول بيت المال في عُمان وآثرها الحضاري. دار الأجيال، ط:1، سنة:2005م، ص:64.
10 – د. محمد ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية. نشر: جمعية التراث: القرارة، ط:2، سنة:2005م.
11 – المقدسي: محمد الشافعي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 86. السيابي: أصول بيت المال، مرجع سابق.
12 – حسين عبيد غانم: عُمان. مرجع سابق، ص:80.
13 – السالمي: التحفة. مصدر سابق، ج:1، ص:89.
14 – نزيه حماد: معجم المصطلحات، ص:198.
15 – د. الشرباصي، أحمد: معجم الاقتصاد. مرجع سابق، ص:87.
16 – أبو يوسف: الخراج. مرجع سابق. ص:168.
17 – السيابي أحمد بن سعود: أصول بيت المال، مرجع سابق، ص:70.
18 – المصدر نفسه، ص:86.
19 – نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. المعهد العالمي للفكر الإسلامي: الولايات المتحدة الأمريكية، ط:1، سنة:1993م، ص:116.
20 – الكندي، محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، ج:69، ص:80/ عن أحمد السيابي: أصول بيت المال. ص:58.
21 -. (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله(الأنفال، آية:8، (واعملوا أنَّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه… (، الأنفال، آية:41، (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله(, ال
22 – د. حسين عبيد غانم غباش. مرجع سابق، ص:80.
23 – السالمي: تحفة الأعيان. ص:81.
24 – نزيه حماد: لغة الفقهاء. ص: 277.
25 – السالمي: تحفة الأعيان. ص:88.
26 – المصدر نفسه، ص:89.
27 – نزيه حماد. مرجع سابق، ص:199.
28 – السالمي: تحفة الأعيان. ج:1، ص:91.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 12، 1429هـ/2008م، ص 72-85.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك