الاعتكاف: العبادة المهجورة

عقدت في شهر رمضان جولة مع صديقين في كثير من مساجد ميزاب، بحيث آلينا على أنفسنا أن لا نصلي صلاتين في مسجد واحد، وكان الهدف هو تحليل نوع الدروس، ووجهتها، ومواضيعها، وجوانب القوة فيها، ومواطن الضعف التي تسجل عليها. فكانت بحقٍّ رحلة علمية عملية، انتهت بتقرير مكتوب، أودعته مكتبتي، واستفدت منه في رؤيتي ومستقبلي…
وبغض النظر عن الإيجابيات، وهي كثيرة لا تحصى، سجلتُ جلة من السلبيات، منها: قلَّة الدروس في الفقه والعقيدة، بل الغالب على الدروس التي حضرناها هو الطرح الاجتماعي، والمواضيع الاجتماعية المتكررة، إلا ما نذر.
ثم بعد سنوات، لاحظت من جملة ما لاحظت أنَّ ثمَّة غيابا لعبادة عظيمة من واقع الأمَّة، وإتيان بعض الناس لها بأسماء أخرى، وأحكام مختلفة، وكأنها ليست في فقهنا، ولا اصل لها في ديننا. وبهذا ضيعنا خيرا كثير اجراء جهلنا بها. ذلك أنَّنا في حاجة ماسة اليوم إلى تزكية النفس بعلم، وليس بناء على عواطف أو حركات وانتماءات لا أساس لها من الدين الصحيح. إنها عبادة الاعتكاف.
ولكون هذه العبادة مرتبطة بالصوم في القرآن الكريم {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (سورة البقرة: 187). وفي الحكم، والتبويب الفقهي، والمناسبة الزمنية… ونحن في شهر الصيام. ولأنها كذبلك وردت بأبوابها في جميع كتب الفقه الإباضية وغير الإباضية.
هدفي من هذا المقال:
– عمليٌّ محض، فكلُّ رجائي أن نحيي مع بعضٍ هذه السنَّة، وأن نطبِّقها سواء في مساجدنا، أو في المسجد الحرام للمعتمرين.
– بودِّي لو ينظَّم في بعض مساجدنا اعتكاف في رمضان، حسبما تراه إدارة هذه المساجد، وبخاصة في أيام عطلة نهاية الأسبوع؛ فيكون لها الفضل إن شاء في إحياء سنَّة؛ وقد أخرج مسلم من حديث جرير عن عبد الله البجلي، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة». وفي حديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من دعا الى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يُنقص ذلك من أجورهم شيئا».
تعريف الاعتكاف:
– الاعتكاف لغة: الافتعال, من عكف على الشيء عكوفا وعكفا. إذا لازمه وواظب عليه, وعكفت الشيء: حبسته. ومنه قوله تعالى : {هُمُ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا اَنْ يَّبْلُغَ مَحِلَّهُ} (سورة الفتح: الآية 25). وعكفته عن حاجته، منعته. والاعتكاف: حبس النفس عن التصرفات العادية.
– وشرعا: اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية، وقال القطب اطفيش في شرح النيل: «اللبث في المسجد للعبادة، معزوما على دوامه يوما وليلة، أو يوما وبعض الليل, مما يلي آخره فأكثر». وأقله ساعة دخولك المسجد، ذلك أنـَّه حبس لحركتك العقلية والدنيوية في بيت من بيوت الله لحيِّز زمنيٍّ معلوم. قال صحابي: «كنَّا نخلِّف أمر الدنيا مع نعالنا»، فأضاف آخر: «وأقدارنا». وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضاَّلته في المسجد فقال له: «لا ردَّ الله لك ضالَّتك».
دليل مشروعية الاعتكاف:
من القرآن الكريم، ومن السنَّة الشريفة، ومن إجماع الأمَّة.
– ففي القرآن الكريم: قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (سورة البقرة: الآية 125). وقد ورد في معنى العاكفين عدَّة تأويلات، ولكن أولاها «بالصواب ما قاله عطاء، وهو أنَّ العاكف في هذا الموضع المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة؛ لأنَّ صفة العكوف ما وصفنا من الإقامة بالمكان»(1).
ففي الآية ملاحظ:
أوَّلا- أنَّ إبراهيم طهَّر البيت لثلاثة أصناف هم: الطائفون، والعاكفون، والمصلُّون… فنحن في حجِّنا واعتمارنا غالبا ما نقوم باثنين، وتنقصنا ثالثة، ففاتنا بذلك فضلها.
ثانيا- أنَّ الاعتكاف قديم، وهو من عهد إبراهيم عليه السلام، فليس خاصًّا بأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم .
ثالثا- أنَّ في الربط بين اتخاذ “مقام إبراهيم” مصلى، وتطهير البيت نكتة أبدع فيها الشيخ الشعراوي وهي: أنَّ المقام حجر يقف عليه إبراهيم ( وشكل القدم ليس معجزة كما يظنُّ الكثير، بل هو شكل مرسوم على الحجر لئلاَّ يزلق، وتحايل بذلك إبراهيم على رفع الحجر، وعلى إنجاز التكليف بإبداع واجتهاد، ومن هنا وجب علينا أن لا نأتي مجرَّد مقتضى التكليف وكفى، بل نجتهد في الإحسان والزيادة، ونستعمل عقولنا وجوارحنا.. وكلَّ ما نملك في هذه الخدمة… والاعتكاف المذكور نوع من هذا الإبداع…
– وقال تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (سورة البقرة: 187).
– وفي الحديث عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر». متفق عليه. و«روي أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتكف في سنة في رمضان لأنه سافر، واعتكف من قابل في رمضان عشرين، كأنه استدرك عشرة العام الماضي، وذلك عام موته، عرض القرآن على جبريل عام موته مرتين، واعتكف عشرين، وقبل ذلك يعتكف عشرا، ويعرض مرَّة»(2).
– وقدثبت الاعتكاف كذلك بإجماع الأمة، بلا خلاف.
حكم الاعتكاف:
– الاعتكاف منه: المسنون-المندوب، ومنه الواجب(3).
– الاعتكاف المندوب: وهو أن ينوي الاعتكاف تطوعا لله تعالى. وأقله لحظة، أو ساعة، أو يوم، أو يوم وليلة حسب اختلاف الفقهاء. وهو سنة في كلِّ وقت, ويسن ألا ينقص عن يوم وليلة. قال القطب: «سن الاعتكاف وندب في كل زمان. ولا سيما في العشر الأواخر من رمضان لموافقة ليلة القدر»(4).
– الواجب: لا يجب الاعتكاف إلاَّ بالنذر عند الجمهور منجزا أو معلقا, وبالشروع في الاعتكاف المسنون ذلك أنَّه «ما ألزم نفسه وعقد عليه لزمه»(5).
فضل الاعتكاف:
– من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان غفرت له ذنوبه(6).
– قال الحسن بن علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من اعتكف عشرة في رمضان كمن حجَّ حجَّتين واعتمر عمرتين»(7). وبخاصة إذا كان ذلك في المسجد الحرام، ومعروف قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه».
حكمة مشروعية الاعتكاف:
وحكمة مشروعية الاعتكاف التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات في العبادة, وحبس النفس عن شهوتها, وكف النفس عن الخوض فيما لا ينبغي.
ولا يخفى أنَّ الملائكة في البيت المعمور – وهو فوق الكعبة مباشرة – كما في حديث الإسراء، الذي رواه البخاري عن مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «… فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه، مرحبا به، ونعم المجيء جاء. فأتيت على إبراهيم فسلَّمت عليه، فقال: مرحبا بك من ابن ونبي. فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم».
لزوم الصوم في الاعتكاف:
قال صلى الله عليه وسلم : «لا اعتكاف إلاَّ بصوم» الراجح عند الإباضية «لزوم الصوم فيه, … وجوز بدونه، أي بدون الصوم عند القليل منا، والحسن وعلي وابن مسعود والشافعي»، والصحيح لزوم الصوم «ثلاثة أيام، أو عشرة، أو يوم وليلة»(8). و«ومن اعتكف في أول رمضان أو وسطه أو آخره أجزاه صوم رمضان، ولا يجزي صوم كفارة ولا التطوع»
مكان الاعتكاف:
خلاف بين العلماء في كونه بمسجد يصلى فيه بجماعة، أو لا يكون إلا في الذي تصلى فيه الجمعة, وقيل: يجوز في كل مسجد, وقيل : في مسجد مكة ومسجد المدينة وبيت المقدس، إلاَّ أنَّ القطب اختار مسجدا تصلى فيه الخمس فقال: «والأولى أن يكون في مسجد تصلى فيه الخمس بالجماعة لئلا يخرج».
اعتكاف المرأة:
«واعتكاف المرأة ببيتها أفضل منه في المسجد ويجوز فيه؛ وصح لها بمسجد بستر مع زوج لها أو محرم ولو عبدا, قيل: أو مع امرأة أو طفل أو طفلة ومع أمينين, ومع من لا حاجة له بالنساء, وجوز وحدها» .
الدخول في الاعتكاف:
يدخل في الاعتكاف بنية، لأنـَّه عبادة، والعبادة لا تكون إلاَّ بالنية؛ وذلك قبل غروب الشمس، ومن اعتكف الأواخر من رمضان خرج من اعتكافه بعد صلاة العيد في مسجد اعتكافه.
ما ذا يفعل المعتكف:
ندب للمعتكف أن لا يكون إلاَّ ذاكرا أو قارئا أو مصليا أو نائما، ويجوز له نسخ العلم في الاعتكاف ودرسه وتعلمه(9), «ويخرج لما لا بدَّ منه كسؤال عما لا بدَّ منه في الحال»(10) وله الخروج للجمعة بعد الزوال.
وجاز خروجه لما لا بد منه كحاجة الإنسان، وغسل نجس, وطعام لا غنى عنه وإن لعياله, وإتيان بيته لأكل أو شرب, أو اغتسال أو استنجاء أو وضوء. أو صلاة على ميت لزمه حضوره كأب. وأم وولد وأخ وزوجة وزوج «بلا وقوف لتعزية أو كلام في طريق, ولا للتحليق والقراءة».
ويكلم في طريقه، ويصافح ماشيا إن خرج في حاجة، ويرد السلام لا يبدأه. وله في المسجد أن يتحدث بما لا إثم فيه، لا بدنيوي ولا بتجارة(11).
بماذا يفسد الاعتكاف:
يفسد الاعتكاف بمباشرة الزوجات، لقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ولا تفسده القبلة واللمس ما لم يصل إلى الشهوة والإنزال. ويفسده الخروج من المسجد لغير حاجة، وفي الخروج للأكل خلاف، إلاَّ إذا لم لم يكن له بدٌّ فجائز بإجماع. وفي فساده بحضور جنازة أو عيادة مريض قولان. , وأجاز بعض قومنا الخروج لكل عبادة .
ماذا يلزم من أفسد اعتكافه:
لزم بجماع نهارا ما لزم المجامع في رمضان من الكفارة بالتخيير (العتق أو صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا)، والانهدام، وعصيان، ولا يكفر. وإن تعمد الأكل أو الشرب انهدم اعتكافه… ولزمه القضاء.
خاتمة:
كلُّ أملي ورجائي أن يكون هذا المقال سببا لإحياء عبادة مشروعة في القرآن، دأب عليها خير الأنام، واتبعه في ذلك الصحابة الكرام، والأيمة الأعلام.. ثم غفلنا عنها برهة من الزمان، فها هو الوقت قد لإحيائها، فقها لا عادة، ولأن ينال مسجد من المساجد فضل السبق، ويكتب لنا جميعا أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة… والله ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير.
فاللهمَّ تقبل بنا، وارزقنا رضاك والجنَّة… آمين.

الدكتور محمد بن موسى باباعمي

ـــــــــــــــــــــ
بعض المصادر:
القطب اطفيش: شرح النيل؛ ج3/ص439-447
القطب اطفيش: الذهب الخالص؛ ص258-262
شركة حرف للبرمجيات: جامع الفقه الإسلامي؛ قرص مدمج، 100 كتاب من الأمَّهات في الفقه.
الشعراوي: تفسير الشعراوي. قرص مدمج.
موسوعة الفقه وأصوله؛ قرص مدمج.

—————————-
الهوامش
1 ـ الطبري؛ تفسير؛ ج6/ص291.
2 ـ الذهب الخاص؛ ص258.
3 ـ الموسوعة الفقهية؛ ج5/ص208.
4 ـ شرح النيل؛ ج3/ص439-447.
5 ـ شرح النيل؛ ج3/ص439-447.
6 ـ الذهب الخاص؛ ص258.
7 ـ الذهب الخاص؛ ص259.
8 ـ الذهب الخاص؛ ص258.
9 ـ شرح النيل؛ ج3/ص439-447.
10 ـ الذهب الخاص؛ ص259.
11 ـ الذهب الخاص؛ ص257.

نشرت المقالة بدورية الحياة، العدد: 07، 1424هـ/2003م، ص78.

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك