واجب الآباء نحو الأبناء

1
الصبي أمانة بيد أبيه أو القيم عليه ، و هو المسؤول عنه أمام الله و الناس ، و عليه وحده يتوقف مستقبل ابنه ، صحة أو سقما ، علما أو جهلا ، سعادة أو شقاوة ، فيجب عليه في آن واحد تربية جسمه و عقله و خلقه ، بذلك تتم سعادته و سعادة أمته به ، بل و سعادة الإنسانية جمعاء و بإهمال شيء من ذلك يشقى و تشقى أمته به، بل و الإنسانية كلها ،فالمرء مهما ضعف و صغرت قيمته فهو فرد من أفراد العائلة الإنسانية الكبرى ، هذه حقائق واضحة ، و قضايا مسلمة ، لا يختلف فيه اثنان ، فليس من غرضنا الآن الاستدلال على صحتها ، و لا تذكير الناس به ، ضرورة أنها عندهم من البديهيات و ليس ثمة جاهل فضلا عن عاقل يحاول طمس هاته الحقائق ، و لا رفع تلك المسؤولية الكبرى عن كواهل الآباء و أولياء الأيتام ، و إنما غرضنا أن نبحث هل الآباء و الأولياء سائرون بمقتضى تلك القواعد المتقررة في أذهانهم ؟ و هل قدروا تلك الأمانات التي بأيديهم حق قدرها ؟ و هل سلكوا بها سبل السلام ؟ و هل أعدوا للسؤال عنها يوم العرض الأكبر جوابا ؟ نقول لم نر فيما رأينا من الآباء و الأولياء – و كثير ما هم – من لا يعترف بتلك المسؤولية ، و لا من يهتم لأمر ولده في حاله و مآله أكثر من اهتمامه لأي شيء سواه ، بل لم نر منهم إلا من جعل ولده نصب عينيه ، في حركته و سكونه ، و يقظته و منامه ، فإذا بخل فلأجله و إذا جبن فبسببه و إذا هلك فعليه ( الولد مبخلة مجبنة مهلكة ) ، بل قد يتفانى فيه حتى لا يرى في الوجود سواه ، يضيع دينه و دنياه و نفسه في سبيل الإحتفاظ به ، يتمنى من صميم قلبه أن يكون ابنه أعظم رجل في العالم ، هكذا حبنا لأبنائنا ، و هذا هو مبلغ عزنا لهم ، و ذلك هو مقدار اهتمامنا بهم ، و لا غرو فهم أكبادنا تمشي على الأرض .

و بعد فما الذي تركهم في أخريات الأمم ، و ما الذي ألقى بهم في مهاوي الجهالة ، و ما الذي أرداهم في حضيض الرذائل و بؤرة الفساد ؟ و كيف لم يكونوا كما نتمنى لهم رجالا مخلصين عاملين لصالحهم و صالح أمتهم ووطنهم ، بعد أن اهتممنا بهم ذلك الإهتمام ، و بعد أن كرسنا حياتنا للعمل لفائدتهم ؟ هل الذنب في ذلك ذنبهم أم هو راجع الينا ؟
اسمحوا لي سادتي أن أقول لكم : إن الذنب هو ذنبنا ، و أن المسؤولية عائدة علينا و أننا لم نؤد نحو أبنائنا شيئا من الواجب ، و أننا سنحاسب على ذلك حسابا عسيرا و يسأل كل راع عن رعيته .

نحب أولادنا حبا جما ، و نهتم لشأنهم جد الإهتمام ، و نتمنى لهم السعادتين و نعمل لذلك و لكن و ياللأسف نأتي البيوت من ظهورها فنسلك الى السعادة طريق الشقاء ،و نذهب إلى الرشد في سبيل الغي ، و نأتي الفضيلة من جهة الرذيلة ، و بعبارة أوضح نسلك بأفلاذ أكبادنا سبلا نعتقد لجهلنا أن غايتها السعادة ، و هي الشقاء بعينه ، و نجلسهم بأيدينا على كراسي نحسبها عروش فضائل ، و هي أعواد مشانق الرذائل ، نسقيهم لبلهنا كاسات السم الزعاف ، ظانين أنها العسل المصفى ، بعد هذه الأغلاط الفادحة نعتقد أننا أدينا واجبنا نحو أبنائنا ، و أننا تفصينا من مسؤوليتهم ، و أنها ملقاة على كواهلهم و على القدر أو علىالدهر ، كلا و ربك فنحن و حدنا مسؤولون ، و سنؤخذ بالنواصي و الأقدام إن لم نتدارك الأمر ، و نستأنف العمل ، و نأت البيوت من أبوابها فإن كنت في شك من ذلك فاستمع لما أتلوه عليك .

غير خاف أن أول أدوار الحياة للطفل هو الست سنين الأولى ، تلك هي بذرة الحياة ، فلنغرسها حيث شئنا ، في رياض السعادة ، أو في مهامه الشقاء ، و ذلك هو الوقت الذي يكون فيه قلب الصبي صحيفة بيضاء قابلة لكل نقش و صورة ، فلنتخير ما ننقشه و نصوره فيه ، فهو الثابت الذي لا يتزلزل ، و لا ينسخ و لا يمحو أثره كر الغداة و مر العشي ، و ذلك هو الوقت الذي يكون فيه الصبي شمعا لينا بين أيدينا ، قابلا لكل شكل و هيأة ، فلننظر كيف نصوره أحسن الهندام ، تام الخلقة متناسب الأعضاء أم قبيح الصورة مشوه الخلقة ناقص الأعضاء ، و إن شئت فقل : إنه في ذلك الوقت تبر مذاب سيجف بعد حين ، فلنتدبر جيدا في أي قالب نفرغه ، أفي قالب انسان ، أم في قالب حيوان ، و بعبارة أوضح أقرب لأفهامنا أن الصبي في دوره الأول آلة مسخرة في يد أبويه ، يطيعهما الطاعة العمياء فيمتثل كل أوامرهما ، و يجتنب جميع مناهيهما ، و يتأثر بكل ما يراه منهما و يقلدهما فيه ، فأقل نظرة إلى أي صبي في حال لعبه تدلنا دلالة واضحة على عمل أبيه و أحيانا على خلقه و قد يكون صورة مصغرة له ، ” الولد نسخة من أبيه ” ، و بالجملة فهذا هو الدور الذي له ما بعده فما هي معاملتنا لأبنائنا فيه ؟

نحن في ذلك على أقسام :
فمنا من يهمل ولده أكثر مما يهمل دابته ، لا يسأل عن شيء من حاله ، و لا يراقب حركته و لا سكونه و لا يعنى بشيء من أمره إلا إذا تاقت نفسه اليه ،فإنه يطلبه فيؤتى له به فيداعبه مليا ثم يقبله أربعا ثم يرسله حرا طليقا لا يسأل عما يفعل ، لا يأمره لأنه صغير ، و لا ينهاه لأنه صغير و لا يعاتبه لأن قلبه رقيق ، معتقدا أن ذلك هو الأصلح له و هو الواجب في حقه ، و إذا رأى من يؤدب و لده و يأمره و ينهاه بالحكمة حسبما يليق بعقل الولد ، عد ذلك منه فظاظة و غلظة و سوء تربية ، إذ التربية الحسنة عنده في دور الطفولة هي الإهمال المطلق ، فينشأ الصبي كما شاءت له الصدف متأثرا بالبيئة و الوسط و المؤثرات الخارجية ، و قلما تكون هذه صالحة إلى حد أن ينشأ المتأثر بها رجلا بجميع معنى الكلمة ، إلا أن تداركه رحمة ربه .

و منا من يعنى بتربية ابنه ، فيجلب له مربية فاسدة الأخلاق سيئة الطباع مشوهة الخلقة فيلقى بجوهرته النقية في تلك البؤرة الفاسدة ، فسرعان ما يتشكل بشكلها ، و تنطبع في مرآة قلبه صورة تامة لأخلاقها ،حتى إذا رأى ذلك منه ندم ولات ساعة مندم ! و ما معنى التربية عند هذا القسم من الناس ؟ ليس معناها عنه تنمية الجسم بمراعاة قوانين الصحة ، و غرس بذور الأخلاق الفاضلة في تربية النفس النقية ، و إنما معناها إشغال الولد عن أمه و إبعاده عنها مهما كانت كيفية الإبعاد حتى لا يشغلها عن تدبير منزلها ، هذه هي التربية عند هؤلاء ، و تلك هي الغاية منها ، و سنفرد لذلك فصلا خاصا نشبع الكلام فيه ، حتى تزول هذه العقيدة الفاسدة من لأذهان .

و منا من يهمه أمر ولده ، فيتولى تربيته بنفسه ، و لا يرضى أن يفارقه في غالب الأوقات ، فيذهب به إلى محل حرفته و يصطحبه الى المجامع و المنتديات و الأسواق ، و يا حبذا هذا إذا راعى في ذلك قواعد التربية الصحيحة ، كما هو شأن القليل ممن أنار الله بصائرهم ، و لكن جل هؤلاء لا يتحاشون عن السب و الشتم و النطق بالفحشاء وفعل بعض المحرمات مثل الميسر بمحضر أبنائهم ، و على مرأى و مسمع منهم ، و عبثا يحاولون بعد ذلك ردعهم عن مثل هذه القبائح ، فتأثير الأفعال في الولدان أشد و أقوى بكثير من تأثير الأقوال ، بل لا يتعلمون من نهيهم عنها بعد فعلها أمامهم إلا النفاق ، و مخالفة القول الفعل ،و هناك الطامة الكبرى !

و منهم من يحضر و لده الى مجتمعه مع أصدقائه ، فيجعلونه ألعوبة كالكرة بينهم ، يغرسون بأيديهم بذور الرذائل في قلبه الطاهر و هم ضاحكون مستبشرون ، يأمره أبوه بسب هذا و شتم ذاك ، و ضرب ذلك ، و البصاق في و جه فلان ، و تعرية عورته للآخر ، و كثيرا ما يمتنع الصبي من فعل ذلك ، إذ يمنعه منه ذلك الخلق الطاهر الذي طبع الله قلبه عليه و هو خلق الحياء ، فيدفعه أبوه بالقوة و يهدده إن لم يفعل ، فلا يسع المسكين إلا الإمتثال فيتقدم الى ذلك بخطوات ثقيلة بطيئة و اضعا يده على عينيه أو أصبعه في فيه من شدة الحياء ، و يعلم الله ما في قلبه الصغير من الألم الشديد الذي كثيرا ما يذيب قلبه أسفا و حزنا ، فتنفجر عيناه بالدموع ،و أولئك السادة في ضلالهم يعمهون ، ما منهم إلا من استغرق في الضحك حتى استلقى على قفاه ، فيقومون من مجلسهم و قد نزعوا عن ذلك المسكين جلباب الحياء الذي ألبسه الله اياه ، و سيحاولون بعد شرائه له بملء الأرض ذهبا فلا يجدون و أني لهم كذلك !

ما أكبر جناية هؤلاء ،و ما أعظم جرمهم ، إذ يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، و بعد هذا لا نراك تعجب أيها القارئ إذا قرأت في طليعة المقال أننا نسقي أبناءنا بأيدينا كاسات السم الزعاف ، و نجلسهم بأيدينا على أعواد المشانق .

هذه حالنا مع أبنائنا في مرحلتهم الأولى ، و هذه هي تربيتنا لهم ، فاذا كبروا و تنمروا لنا ، و استأسدوا علينا ، و أذاقونا الأمرين ، حاولنا التفصي من المسؤولية ، و ألقيناها على القدر تارة و على الدهر أخرى و على آخر الزمان ، و القرن الرابع عشر ، إلى غير ذلك من مختلف المعاذير الباردة التي لا تنهض حجة ، و لا تخفف مسؤولية ، فلا الدهر و لا آخر الزمان ، ولا غيرهما هو المتسبب في ذلك ، و لكن ذلك بما قدمت أيدينا ، فلئن أضللنا العقول بتمويهاتنا و مغالطتنا ، فالله الذي لا تخفى عليه خافية ، و لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء ، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور ، و سيجزي كلا بما قدم .

2
رأينا فيما سبق كيفية تربيتنا لأبنائنا في دورهم الأول ، دور حياتهم المنزلية ، و تبين لنا جليا مقدار غلطنا في فهم معنى التربية ، و كيف أننا قصدنا الخير لهم و لأمتهم فضللنا الطريق ، فعسى أن نتدارك تلك الهفوات فقد لمسنا النتيجة بأيدينا و ما بعد العيان بيان ، و سنرى الآن كيفية تربيتنا لهم في دورهم الثاني ، ذلك الدور الذي لايقل أهمية عن الأول ، ذلك الدور الذي يسميه المتمدنون بحق دور الحياة المدرسية ، نعم انه و أيم الله دور الحياة المدرسية ، إذ يجب ألا يمضي الأب عمر ولده من السادسة الى الثامنة عشر أو الحادية و العشرين إلا في أحضان المدرسة التي هي الأم الثانية ، تلك هي طريقة الذين يعرفون حقيقة معنى الحياة ! أما نحن ففي ذلك على أقسام :

فمنا من يتفانى في حب و لده ، ذلك الحب الجنوني الذي ينظر فيه دائما إلى جانب العاطفة ، غير ملتفت نحو المصلحة بحال ، يحترز كل الإحتراز و يحذر كل الحذر أن يجرح عاطفته بشيء ما ، و لو كان مما تتوقف سعادة مستقبله عليه ، فلا يذهب به إلى المدرسة لأنه يكرهها ، و لا يعلمه لأن التعليم يقلقه ، و لا يكلفه إتيان عمل ما لأن ذلك يزعجه ! يخاطبه مخاطبة العبد لسيده ، و يعامله معاملة المرءوس لرئيسه ، و قد يحترم ابنه و يهابه حتى لا يقدر أن يخاطبه ، فإذا اضطر الى إبلاغ شيء له أبلغه بواسطة أمه ، يبالغ في اكرامه ، و يقف عند حدود إرادته ، لأنه بذلك يثير حفيظته ، يخاف صولة غضبه ، كأنه اذا غضب خيف على الشمس أن تكسف ، و على السماء أن تسقط كسفا ! و قد يمعن البعض في هذا الضلال حتى لا يرضى أن يرى ولده يزاول عملا ما من الأعمال ، كأنه يراه أجل و أكبر من أن يتنازل لأي عمل ، و كأنه يرى أن في ذلك حطة له و لولده ، فينهاه صراحة عن ذلك ، عوض أن يعوده عليه فينشأ الصبي و قد عود الترف و الكسل ، ذينك الخلقين اللذين ما تمكنا من أمة إلا أهلكا حرثها و نسلها من لوح الوجود محيا إسمها ! لأن الترف يبدد الموجود ، و الكسل يمنع من جلب المفقود ، و لا معنى لذلك إلا الفناء العاجل .

تتسع مطالب ذلك الصبي المدلل و تكبر على قدر كبره ، فيسرع في تبديد ثروة أبيه إرضاء لشهواته التي لا تقف عند حد كالنار تلتهم ما حولها ، فإذا لم ينتبه الأب من غفلته تلك ، و لم يسع بجد لإطفاء ذلك الحريق ، أتى على كل ما عنده ، فأصبح في عاوية الفقر يتعثر في أذيال البؤس و الشقاء ، و إذا تنبه لذلك و رأى الخطر محدقا به و جيوش الفقر ببابه ، فأوصد الابواب دون ولده ، و ضيق عليه الخناق ، بعد ما عوده من الترف و الحرية المطلقة ما عوده ، تنمر له و نغص عيشه و أذاقه من العذاب ألوانا و أشكالا لم تكن لتخطر له ببال ، لقد كان يعتقد أن ولده هذا يكون شريكه في الحياة ، يقاسمه السراء و الضراء ، فيستغيث الأب و لا مغيث و يسترحم و لا راحم ، فيسمى في إبعاده و طرده ، يود ألا يراه و يتمنى لو كان عبدا فباعه ، أو أمكنه انكار نسبه فأنكره ، و أنى له ذلك !

ثم يمطر هذا الأب السيء التربية ولده الفاسد من سيء الدعوات ما يحول بينه و بين رحمة الله ، فيزداد ضلالا على ضلال ، ظلمات بعضها فوق بعض ، فيهيم في الأرض على وجهه ، تتقاذفه البلاد ثم ينغمس في حماة الجرائم فتتداوله المقاهي ، و المقامر ، و الحانات و السجون، فلا يزال كذلك و لا تزال روائح جرائمه المنتنة تنقل الى أبيه ، فتقض مضجعه ، و يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، حتى يأتي الإبن حينه في أحد تلك الأماكن ، و لسان حاله ينشد :”هذا ما جناه أبي علي و ما جنيت على أحد ” و الله أعلم الى أين تنقل روحه !

كان ذلك بما قدمت يد الأب ، و إذا عوتب على تربيته تلك أجاب : بأني قد بذلت جهدي ، و خسرت جل مالي عليه ، و جعلت له كل ما يجب ، و لكن الله يهدي من يشاء ، كأن المسكين يظن أن التربية هي غمس الأولاد في بحار النعم و إطعامهم ألذ المطاعم ، و إلباسهم أفخر الثياب ، و إعطائهم جميع مشتهياتهم و مطالبهم ، و تعويدهم الراحة و الكسل ! ما أجهل هؤلاء ، و ما أضلهم و ما أشد غلطهم ، و ما أبعدهم عن الصواب …”و رب لطمة أنفع ليتيم من أكلة خبيص! ” .
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ، مضر كوضع السيف في موضع الندى

و منا من يفرط في تأديب و لده ، و يغلو في تربيته ، فيتجاوز حد المعقول ، و يتنكب طرق الحكمة و الموعظة الحسنة لا ينظر إليه إلا شزرا و لا يكلمه إلا انتهازا ، لا يغتفر زلة ، و لا يقبل منه اعتذارا ، لا يبش في وجهه و لا يبسم ، بل دائما منتفخ الشفتين ، مقطب الجبين ، لا يرى ابنه فيه أبا رحيما حليما مربيا يريد له الخير و السعادة ، بل يرى فيه غولا مخيفا ، و أسدا ضاريا ، يأمره بانتهار و همهمة لا يفهم الولد منها شيئا ، فإذا استفهمه عاتبه مر العتاب ، و إذا أتى بخلاف ما أمر به حسب ما انفهم له من كلامه صب عليه صواعق العذاب ، يريد منه أن يكون رجلا كامل الرجولية ، و لم يبلغ بعد سن الرشد ، و يكلفه الإنسلاخ من طبائع الصبا دفعة واحدة ، و ذلك عين المحال !

ما حيلة الولد المسكين ، و كيف تكون حاله ، يخاف والده و يهابه خوفه من طوارئ السباع ، و يهرب منه هروبه من الهوام السامة ، إذا سلك أبوه طريقا تنكبها و سلك غيرها ، و إذا دخل مكانا ابتعد هو منه ما دام الوالد فيه ، يكون هذا في أول أمره احتراما وتوقيرا ، ثم لا يلبث أن يستحيل بغضا حقيقيا تقطع به و شيحة الرحم بينهما حتى لا يعود أحدهما يشعر نحو الآخر بعاطفة ما للحب ، بل بالبغض الشديد .
و حينئذ إما أن يضيق قلب الولد بالغيظ ، فيطير إلى حيث لا يرى له أثر ، و لا يسمع له خبر ، إذ يرى أن لا سعادة له إلا في ابتعاده عن والده ، و لا تسأل عن حاله بعد ذلك فقد علمت عاقبة الشرد و المهملين !
و إما أن ينفجر مرجل غيضه فيثأر لنفسه من أبيه ، و قد أصبح بحيث لا يخاف سطوته ، فيقف له موقف المعائد اللدود ، يسقيه الصاب و العلقم ، فإذا ضاق به ذرعا ، و رأى أن لا سعادة له إلا بإبعاده وطرده ، و ألقى به إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم ، و لا تسأل بعد عن العاقبة، فالعاقبة معروفة . كل ذلك و الأب يعتقد أنه أحسن إلى ولده ، وأدى واجبه نحوه ، و إذا سئل عن ذلك أجاب : بأنني بذلت جميع ما في وسعي في تربيته ، فعاتبته مر العتاب ، و سجنته أياما و طردته من الدار ليالي ، و ربطته إلى السارية و كسرت العصى على رأسه ، و لم أذكر أنني ابتسمت في وجهه أبدا ، و لكن النافع هو الله ، كأن المسكين يظن أن التربية هي الخشونة التي لا لين معها ، و القسوة التي لا رحمة معها ،فحاد عن طريق التربية الحقة فضل وأضل !

هذه هذين القسمين ، و تلك هي نتيجة و عاقبة مسلكيها ، فانظروا كيف اختلف الطريقان و اتحدت الغاية ، أهمل أولهما التربية و فرط فيها ، و ترك ولده حرا طليقا ، يمرح كيف يشاء ، و يجالس من تهواه نفسه و يذهب أنى قاده هواه ، و ساقه نزق صباه فقضى بذلك عليه و على ولده و على أمته .
و بالغ ثانيهما فيها و أفرط ، و لم يتبع طرق الحكمة ، و كان فظا غليظ القلب ، فانفض و لده من حوله ، إلى حيث شقاؤه و شقاء أمته به .

أعرف رجالا في القسم الأول أمعنوا في طريقتهم تلك ، و بالغوا في حب أولادهم ذلك الحب الجنوني ، حتى صار الواحد منهم يعطي ابنه مقدارا من الدراهم ، ثم يأذن له بالذهاب إلى محال الخلاعة و الفجور ، إلى مذابح الأديان ، و مجازر الأعراض ، إلى حيث يسجل اسمه و اسم أبيه بيده في دفتر الفجرة الأشقياء ، إلى حيث سماسرة الجحيم ، يبتاع منهم له و لأبيه مقعدا فيها ، يذهب الولد إلى ذلك التنور ، و قد يسافر له إن كان في غير بلده ، و هو فرح مسرور ، مغتبط بحاله لا يرى أن في العالم من هو أسعد ، إذ رزقه الله مثل ذلك الأب الرحيم الذي يفعل له كل ما يحب .
ووالده معجب به ، يباهي أصدقاءه به ، و يحمد الله على أن رزقه و لدا مثله ، و أحياه حتى صار يفعل فعل الرجال ، يقيم ولده في خلاعته تلك ما شاء و شاء هواه ، و أبوه ينتظره كأنما ينتظر غازيا في سبيل الله ، و إذا رجع و معه شيء من دراهمه التي أعطاها إياه عاتبه ، و عد ذلك منه سوء تدبير ، و ضعفا في النفس ومهانة ، و قال له : أتظنني في حاجة إلى هذه الدريهمات حتى ترجعها إلي ؟ و لم تمض أيام على ذلك حتى استقر الابن في قرارة الشقاء ، فصار الأب لا يفزعه ذكر الجن و الشياطين ، و وصف زبانية الجحيم ، كما يؤثر فيه ذكر اسم ولده ، بل صار يبغض كل من تسمى باسمه تبعا له ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، كيف استحال ذلك الحب القديم بغضا . استغفر الله ، بل لا يسوغ لي أن أسميه حبا ، فليس من الحب في شيء ،انما هو البغض الحقيقي في صورة حب .

و أعرف رجالا من القسم الثاني رزقوا أولادا أذكياء نجباء بررة ، تدل أسارير وجوههم على حلاوة شمائلهم ، و تنم عيونهم الحيية على طهارة قلوبهم ، فلم يزل آباؤهم بفظاظتهم و غلظتهم ، و خشونة طباعهم ، و شراسة أخلاقهم ، يمطرونهم صواعق اللوم و العتاب ، و قذائف الشتم و السباب ، لمناسبة و لغير مناسبة ، و ينفثون في قلوبهم الطاهرة سموم أخلاقهم ، حتى أفسدوا عليهم عقولهم ومروءتهم ، و شرفهم ، و أنهكوا أجسامهم اللطيفة ، بما حملوه من الهم الذي لا قبل لهم به و أوردوهم أسوأ الموارد و أوخم العواقب ، فما هم أولاء يندبون حظهم ، و يعضون بنان الندم على ما فرط منهم ، و لكن سبق السيف العذل .

اعتبروا أيها الآباء بمسلك هذين القسمين ، و بمصير أولادهم ، و عاقبة أمرهم ، و انظروا كيف تنكب أحدهم الطريق يمينا ، و الآخر شمالا ، فتردى الإثنان في هوة لا قعر لها ، فاتعظوا بهما و اسلكوا بأولادكم غير سبيلهما ، فصراط التربية المستقيم و سط بين ذينك الطرفين ( كلا طرفي قصد الأمور ذميم ) فالعاقل من اتـعظ بغيره ” و اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ” .

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك