المـزابيون و الجهاد في سبيل الله

نعرض لكم هنا بعض الصفحات الخالدة في تاريخ المزابيين ، شاركوا فيها بأموالهم و أنفسهم و بكل ما يستطيعون في سبيل إعلاء كلمة الله. و هي قطرة من بحر ، و غيض من فيض:

-1 بنو مزاب في جربة عام 916هـ / 1510 م :
كان لعروج بربروس ( والي الجزائر العثماني ) اتصال و علاقة بالشيخ باحيو بن موسى و فرقته الفدائية من الفرسان المزابيين المرابطين في السواحل الجزائرية . و قد شاركت هذه الفرقة من الفرسان في صد غارة الإسبان على جزيرة جربة بالجنوب الشرقي لتونس سنة 1510 م ، و التي تحطمت فيها حملة : ” دون قارصيا دو طليطلة ” العتيدة .

2 – بنو مزاب في الجزائر العاصمة سنة 925 هـ / 1518 م :
إن خير الدين بربروس ( والي الجزائر العثماني من 1518 ) لما أحس بخطورة الموقف بعد احتلال الإسبان لمنطقة ” كدية الصابون ” (منطقة قرب الجزائر العاصمة ) ، و إحاطة العدو الإسباني بمدينة الجزائر ، استدعى إلى قصره الشيخ باحيو بن موسى و هو من تجنينت ، و أمين المزابيين في الجزائر بكير بن الحاج محمد بن بكير و هو من آتمليشت ، و غيرهما من المجاهدين المزابيين يستشيرهم ، فأشاروا عليه بالقيام بعملية فدائية ، قد يكون بها احباط المخطط الإسباني و انهزامه ، و اتفقوا معه على أن يقوموا هم بالعملية .
بعد ذلك اجتمع المزابيون بمكان معين هو مكان المسجد الإباضي العتيق بالعاصمة حاليا ، تحت إشراف أمينهم ، فاختاروا من بينهم سبعين فدائيا ، و قرروا حمل السلاح على النعش كجنازة و السير به إلى المعسكر الإسباني في حي حسين داي (أحد أحياء العاصمة الجزائرية ) فذهبوا بالتهليل و التكبير مخترقين قوات العدو على طول الطريق ، و كان العدو يراقب المشيعين عن كثب ، فلما بلغوا بالجنازة الوهمية المكان المقرر صلوا عليه إيهاما للعدو . ولتنفيذ العملية الفدائية ، أمر رئيس الفرقة واحدا يقوم بنسف مستودع البارود في المعسكر ، فخرج إليه شخص يلبس عباءة من نوع اللش (تصنعها المرأة المزابية من الصوف متعدد الألوان تنسج فيها عددا من الرموز و الرسوم التقليدية ) ، وأخفى تحتها قرابيلة فدخل بسرعة و مهارة في المعسكر الذي لا يحرسه إلا عدد قليل من الجنود الإسبان فنسف المستودع و استشهد ، فالتحمت المعركة و أشغل الفدائيون النار في المعدات الحربية و القوارب التي تصل الأسطول الإسباني بالشاطئ .
فلما شاهدت قوات العدو المتمركزة بكدية الصابون أن المعسكر و القوارب تلتهمها النيران ، انقسمت إلى نصفين , قسم أسرع لإنقاذ المعسكر و آخر يواجه ضربات المجاهدين الذين فتحوا أبواب المدينة بعد العملية الفدائية ، و لم يكد ينجو من هذه المعركة أحد من الإسبان ، وقد تم هذا النصر يوم الأحد 23 أوت 1518م -925هـ ,وفر القائد الإسباني دون هوقو مع ما بقي من الجنود ، أما الشهداء المزابيين فدفنوا هناك في حسين داي الحالي .

3-بنو مْزاب في الجزائر العاصمة عام 1830م:
يقول الشيخ أحمد توفيق المدني:(و قد كان الباشا راسل سائر النواحي الجزائرية ، فأجابته بأنها مستعدة لإرسال رجالها للحرب ، و أرسل المزابيون -مع أمينهم في العاصمة- أربعة آلاف رجل للمشاركة في الدفاع و تجمعت الجموع كلها في اسطاوالي ، بينما تمكن الجند الفرنسي يوم 13 جوان 1830 من النزول إلى البر داخل شبه جزيرة سيدي فرج ، وتحصن بها دون مقاومة تذكر )
ويضيف الشيخ حمو بن عيسى النوري (إن المجاهدين المزابيين ,استماتوا في الدفاع في الساعات الأولى من الهجوم على الجيش الفرنسي ، و قد سقط منهم عدد كبير في ميدان الشرف ، و في مقدمتهم البطل اطفيش داود بن يوسف شقيق قطب الأئمة ، ولهؤلاء الشهداء مقبرة في اسطاوالي في ساحة طمست آثارها اليوم )
و ممن شارك في الدفاع عن العاصمة في هذه المعركة جد الشيخ مطياز ابراهيم من الأم ، عيسى بن موسى الأمين الذي جرح و نقل إلى مْـزاب ، و استشهد أخوه محمد بن موسى و جد الشيخ مطياز من الأب كذلك .
ونجد العدو يشهد أن آخر حامية استمرت في ارسال نيرانها بعد احتلال العاصمة هي حامية المِزابيين بجبل سيدي بنور .
يقول الجنرال فيفان الفرنسي و زير المستعمرات :(ونحن الفرنسيين نعلم أن الجزائر لم يدافع عنها بحق إلا المزابيون ، فإن آخر قوة بقيت تدافع بعد استسلام الداي ، استسلام ذل و صغار ، و احتلال العاصمة ، و استمرت ترسل نيران مدافعها هي قوة المزابيين بجبل سيدي بنور ، و لما ورد مْزاب خبر سقوط العاصمة في يد الفرنسيين ، مكث المزابيون ثلاثة أيام لم توقد نار في بيت من بيوتهم ، لا حزنا على شهدائهم بل تقديرا لفداحة الخبر ) .

4-بنو مْزاب في سهول متيجة :
لقد استشهد كثير من المزابيين في المعارك الطاحنة التي قادها ضد المحتلين كل من ابن زعمون و الحاج يحيى بن المبارك و مصطفى بن مرزاق ، و ذلك بين وادي الحراش و بوفاريك و البليدة ، و خصوصا في المعركة الضارية التي بين حجوط و بني مراد . و للمزابيين مقبرة مشهورة خاصة على الطريق الصاعد إلى الشريعة ، تضم رفات 35 شهيدا سقطوا في تلك المعارك .

5-بنو مْزاب في صفوف الأمير عبد القادر :
لما التحق سيدي السعدي بالأمير عبد القادر لمواصلة جهاده انضم كذلك المزابيون إليه ، فكانوا أطوع جنده ، فاتخذهم في بطانته ، و جعلهم من أمناء سره .
منهم الطبيب الماهر باي أحمد بن بابا عيسى ، اتخذه الأمير طبيبه الخاص و كاتبه و أمين سره ، وهو من آت مليشت ، حضر مع الأمير في معاهدة التافنة .و الحاج سليمان بن داود ، كان ذا مال و جاه عريض في تيارت و نواحيها ، و قد صادرت فرنسا كل أملاكه بسبب نشاطه في ثورة الأمير و إمدادها بالمال و السلاح ، وهو من تجنينت . وحمو بن يحيى يدّر من تجار معسكر و أعيانها ، وهو من آت يزجن ، والحاج داود بن محمد أميني ، كان أمين مال الأمير ، وكان لغناه الشديد يطبع له عملة ذهبية ، كما كان يصنع له السلاح بوادي مْزاب على نفقته الخاصة . و منهم الحاج يوسف أميني ، شقيق داود أميني كان أمين المال في المدية ، و محمد ابن صالح أميني كان أمين المال في الجلفة.

6- بنو مزاب على أسوار قسنطينة:
لقد دافع بنو مزاب عن قسنطينة دفاعا مستميتا ، مما جعل القائد الفرنسي بعد سقوطها يرفع لهم قبعته تحية لبطولتهم ، و قد اشترطوا بعد إيقاف اطلاق النار ألا يسلموا سلاحهم ، و ألا يدخل الجيش الفرنسي القسم الذي كانوا يدافعون عنه لنهب أو سلب أو انتهاك حرمات ، مما جعل عائلات قسنطينة و البيوتات الكبيرة فيها يبعثون بكل نسائهم إلى تلك الأحياء ، فأصبحت رحبة الجمال ملجأ لعائلات وجهاء المدينة و من يرغب بالإحتماء ببني مْزاب مدة أيام الإستباحة الثلاثة .
ثم إن أحد أغنياء عائلات ( ابن لفقون ) في قسنطينة حبس أرضا له بقسنطينة على المزابيين ، اعترافا بجميلهم في هذه الحادثة ، فاتخذوها مقبرة لهم .

7- نجدة بني مزاب لوارجلان عام 1226 هـ – 1811 م :
قدم بنو جلاب (حكام تقرت ) إلى وارجلان (مدينة قرب مْزاب ) ، بجيش جرار و سلكوا طريق الفساد و النهب و القتل ، فتلقتهم جموعها و قابلتهم مقابلة الأبطال دفاعا عن وطنهم ، و طلبوا النجدة من بني مْزاب ، فجادوا بخيلهم و رجالهم ، فحكموا سيوفهم في رقاب المعتدين ، و قدموا الشيخ داود بن ابراهيم طباخ امام دفاع ، و كان ضمن هذه النجدة حوالي 800 مزابي رافعين لواء أبيض به رقعة من كساء الكعبة كتب عليه آية من القرآن .
و لما وصلوا وارجلان انضموا إلى إخوانهم ووقعت معارك قاسية دامت ثلاثة أيام بلياليها ، أسفرت عن انهزام جيش الجلابيين الغازي .
عندما تبلغ الإباضية المزابيين أخبار عن مهاجمة عدو لهم ، أو توقع خطر ينزل عليهم ، فإنهم يتفقون على واحد منهم يبايعونه على أن يقودهم في معركة الدفاع ، يسمى إماما للدفاع ، فإذا انتهت المعارك و رجع العدو و أمنت البلاد بطلت البيعة و الإمارة تلقائيا ، و يصبح إمام الدفاع هذا فردا كسائر الناس .

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك