الإباضية والخوارج

” الخوارج طوائف من الناس من زمن التابعين ، رؤوسهم نافع بن الأزرق ، و نجدة بن عامر ، و عبد الله بن الصفار ، و من شايعهم .
و سُـمّوا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق ، و عن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك . فاستحلوا ما حرم الله من الدماء و الأموال بالمعصية، متأولين قوله تعالى : ” وَ إنَ اَطَعْتُمُوهُمُ إنَّكُمْ لَمُشْـِركُونَ “( الأنعام : 121 ) ، فزعموا أن معنى الآية و إن أطعتموهم في أكل الميتة، فأخطأوا في تأويلهم ، و الحق أن معنى الآية : و إن أطعتموهم في استحلال الميتة ، و الإستحلال لما حرم الله شرك .

و حين أخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول ، بل تجاوزوه إلى الفعل ، فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك ، و استحلوا دماء المسلمين و أموالهم بالمعصية ، فاستعرضوا النساء و الأطفال و الشيوخ .

و قد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي صاحب ” المسند الصحيح ” رحمه الله ، حين بلغ إليه أمرهم يقول: ” دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل ، فإن بقوا على قولهم فخطؤُه محمول عليهم ، و إن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا عليهم بحكم الله “

فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم و طاردوهم في كل صوب معلنين البراءة منهم ، و لما تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم ، لأن الكفر باستحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي ، و قد استشرى فعلهم يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله ، فعظمت محنتهم ، فكانت بلاء عظيما .

و قد تولى قتالهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني ، القائد الأموي المشهور ، وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت محنتهم المزدوجة : محاربة المسلمين ، و انتشار الأحاديث الموضوعة في قتالهم حتى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة .

و لما كان هؤلاء الخوارج من منكرة التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون إلى المذاهب المتعصبة إدماج الإباضية في هؤلاء الخوارج ظلما و عدوانا ، و السبب في ذلك عديد المناهج :

أولــــــــــــــــــــها :

أن أصحابنا الإباضية يرون الملك العضوض لا تجب طاعته ، بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء الراشدين لما روي عن النبي ( ص ) : ” اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر ” . و لِما رُوي في عمار بن ياسر ( ر ) : “ستقتلك الفئة الباغية ” ، و استشهد بهذا الحديث منكرو التحكيم ، و لم ينكره الفريق الآخر ، و ثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان و لو اختُلف في تأويله، إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح و إنما دعاه الغرض إلى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى.

ثانيــــــــــــــــــــها :

ظهور أصحاب الأهواء في واقعة النهروان ، إذ زعموا أنها لأجل الخروج على علي و هو إمامهم ، و الحقيقة التي لا مرية فيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن علي قط ، و لكنهم حين أبوا التحكيم و أصروا عليه جنح أبو الحسن ( علي ) إلى فريق التحكيم ، فرأى منكرو التحكيم أن البيعة لم تعد في أعناقهم ، بل هم في حلّ منها حيث إن التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم ، و إلا فلم التحكيم ؟ فاعتبروا التحكيم تنازلا من الإمام أبي الحسن عن البيعة ، إذن منكرو التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاؤون إماما ، فاختاروا رجلا من أفضل الناس يومئذ و من الصحابة الكرام ، و هو عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي ، فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ و منهم الإمام علي أن يدخلوا في البيعة لمن اختاروه إماما ، فرأى علي بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي ، فحاربهم قبل أن يتقوى أمرُهم ، فتخرج الإمامة إلى غير قريش و هذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان . لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوهم معاوية و من معه ، و لكن الأمر قد فات ، فقد أخذ الأمرَ معاوية من الحكمين : عمرو بن العاص و أبي موسى الأشعري في دومة الجندل ، فأصبح المسلمون في حل من أمرهم ، لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إلا بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولو البصائر من منكري التحكيم ، و هو أن التحكيم تلاعب بالأمر تولّى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي دُسّ على أصحاب علي من قبل معاوية ، و ليس إذا مايزعمه محرفو التاريخ و متعفنة المذهبية ، أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على علي ، لأنهم لم يخرجوا و البيعة في أعناقهم ، و لينتبه المتبصر من الزلة في هذا المقام ، فإن الأهواء متغلغلة في أصحابها بما لا خفاء فيه .

ثالثــــــــــــــــها :

إن تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أول الأمر ، و إنما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا ، و لم تُعرف هذه التسمية في أصحاب علي المنكرين للتحكيم أو الراضين به .

و لعل أول ما ظهر هذا اللفظ ، بعد ثبوت الأمر لمعاوية ، و الإستقرار فيه ، حين زاره الأحنف بن قيس التميمي – و هو من أهل النهروان – فقال له معاوية : لماذا أحبك الناس و أنت من الخوارج ؟ فقال له الأحنف : لو عاب الناس الماء ما شربته ، يعني الذين لم يرتضوا بيعته و الدخول في أمره .

أتُرى أن معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجية لأنه كان مع من حاربهم علي يوم النهروان ، أو لأنه لم يكن في بيعة معاوية ؟ و لو كان وصف معاوية للأحنف بالخارجية بكنوه من أهل النهروان لكان معاوية و من معه أولى بهذه التسمية ، لأنه هو الذي سل السيف ضد علي و من معه يوم صفين ، و لأنه هو الذي جنح عن بيعة الإمام علي ، و الحال قد بايعه أهل الحل و العقد فأصبحتع بيعته حقا يجب اتباعه و الدخول فيه على كل واحد من المسلمين .

الرابعـــــــــــــــــــــة :

أن الإباضية لم يسلوا السيف على أحد من أهل التوحيد قط ، و لم تقع منهم حرب ضد أحد من المسلمين ، و حتى عند اشتداد الأزمة زمن الحجاج بن يوسف الثقفي و زياد بن اُبَــيـْه ، فقد اشتدّا في مطاردة المسلمين لمجرد الظنة ، حتى خرج عليهما التوابون ، و على رأسهم سعيد بن جبير و ابراهيم النخعي – وهما إمامان – و قد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير . و العجب كمل العجب أن هذه المجموعة الكبرى من العلماء الذين حملوا السلاح أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج ، لم يُـطلق عليهم أحد اسم الخوارج ، بل أطلق عليهم اسم التوابين ، و هم كلهم من حملة لواء العلم ، و ماتوا جميعا في القتال ما عدا ثلاثة فيما يبدو : سعيد بن جبير ، و إبراهيم النخعي ، و عبد الله بن مطرف ، لإإن العقل يقف مشدوها أمام هذه الفاجعة الكبرى و مع ذلك تمر على القراء بسلام .

و لكن الذي يمحّص التاريخ بإنصاف و علم ، يرى في إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية – و هم من الخوارج بُـرآء – مَـغمَـزًا ، و هو أنهم رأو الإمامة لا تختص بقرشي ، بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم و رئاستها ، و هذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة ، إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه و اممه تابعا لقبيلة واحدة ، وسواء أ أحسنت أم أساءت .

و الوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ماذهب إليه أصحابنا و حملوا عليه الحديث : ” الأئمة من قريش ” ، و من المكابرة و مجانبة الحق أن يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش ، و لم يرتضه الأنصار و هم أهل الفهم لما بعث به محمد صلوات الله و سلامه عليه حين قالوا لأبي بكر : ” منا أمير و منكم أمير ” ، و لا أبو بكر حين رد على الأنصار بقوله : ” منا الأمراء و منكم الوزراء ، إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي ” يعني قريشا ، فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش لا لشيء آخر مما يزعم أهل الأهواء السياسية و المذهبية .
أترى أن الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد أنه قرشي ؟ كلا و الله .

خامســـــــــــا :

إن الإباضية يبتغون العدل و ينشُدون العمل بالكتاب و السنة ، و السير على منهاج الخلافة التي سار عليها الخلفاء الراشدون ، و سواء أقام بالأمر قرشي أم حبشي ، عربي أم أعجمي ، كما ورد في أحاديث صحاح ، لهذا ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز ، حين أرسلوا إليه وفدا من البصرة يتألف من ستة علماء جهابذة : جعفر بن السماك العبدي ، و أبي الحر عليالحصين العنبري ، و الحباب بن الكاتب ، و الحباب بن كليب ، و أبي سفيان قنبر البصري ، و سالم بن ذكوان ، و ربما كانوا أكثر من هؤلاء ، إلا أن الذين وقفت على أسمائهم هم هؤلاء رحمهم الله جميعا ، حيث ذكر مؤرخو قومنا وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز ، قالوا كعادتهم في الغمز : ” أرسل إليه الخوارج وفدا ” ، و لم يذكروا ما جرى بينهم و بين الخليفة عمر من الحديث ، و قبولَه منهم كل ما أرادوه في نشر العدل ، و تطهير البلاد و المنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون سنة ، فإن الوفد قال له : إن المسلمين يلعنون عليًّـا على المنابر فلا بد من الشروع في تغيير المنكر ، فأبدل اللعن بقوله تعالى :”إن اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ و الإحْسَان و إيتَاء ذِي القُرْبَى وَ يَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَ المُنْكَر و البَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّــرُونَ”(النحل :90)

لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت في الإباضية ، من نشدان الحق و الوقوف في وجه الظَّلَمَة بالمساجلة ، كما فعل الإمام عبد الله بن إباض مع عبد الملك بن مروان ، و أبو بلال مرداس بن حدير مع زياد بن اُبَـيْـه ، و لم يسلّوا السيف كما فعل الخوارج ، بل سلكوا سبيل البيان ، معرضين عن السنان ، و لم يكن منهم ما كان من أعمال غيرهم في سبيل تأسيس السلطان ، أو حمل الناس على اعتناق مذهبهم بالسيف و قطع العذر ، بل تركوا الناس أحرارا في آرائهم ، و أعرضوا عن الدنيا إن كانت بغير حلّها ، بل تركوا لأرباب المذاهب مذهبهم في حرية تامة ، لأنه ” لا إكْرَاهَ في الـدِّيـنِ ” ( البقرة : 256 ) ، فالحق مقبول من أيٍّ كان ، و الباطل مردود على صاحبه محمول عليه ، فأهل القبلة عندهم كافة سواسية في الحق و الحرية في الإعراب عن آرائهم الفرعية ، و الحرية مكفولة لكل الناس بعد الإعتراف لله بالوحدانية ، و الحرية هي الأصل في الإنسان ، حتى إن المُكاتب عندهم حرّ من أول يوم ، و ما كاتب به فدين عليه يؤديه ، و لم يقل بهذا غير الإباضية ، لأنهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا سواهم ، فبان عنهم الخوارج بما ذكرنا من شنائعهم و كبائرهم ، و لم تكن لهم صلة بالإباضية حتى يقال إنهم خوارج ، و قد كشفت للمنصفين من قومنا هذه الفروق فأدركوا الحق و اعترفوا به ، و الرجوع للحق فريضة و فضيلة .

سادسهــــــــــــا :

الإباضية يجيزون المناكحة بينهم و بين سائر الموحدين ، و الخوارجُ لا يُجيزون التناكح مع غيرهم ، لأنهم يرون سواهم مشركين – كما بيّـنّا و أوضحنا – و على هذا لا يجوِّزون التوارث بينهم و بين من يخالفهم بطبيعة الحال ، لأن الشرك – الذي منع ا لمناكحة و المصاهرة – يمنع الموارثة ، فهل تعامى عن هذه الفروق الذين تعفنت نفوسهم و أصيبت أبصارهم بالعشى ؟ ذلك ما يشاهده الذي يقلّب أطوار التاريخ في مدوَّنـات قومنا ، و لم يعتبروا قوله سبحانه : ” و الَّذِينَ يُوذُونَ المُومِـنِينَ و المُـومِنَاتِ بـغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَد احْتَمَلُوا بُهْتَانًَا و إثْمًـا مُبِينًا ” (الأحزاب : 58) ، و قوله تعالى : ” وَلاَ يَجْرِمَنَّكُـمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُـوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ للتَّقْوَى ” ( المائدة:8)

إن المسلم ليَحار منأمر أولئك المتقولين على أهل الحق و الإستقامة ، كيف استساغوا ذلك لأنفسهم ؟ لا لشيء إلا للهوى و الشهوة الخفية ، نعوذ بالله من الهوى و إنكار الحق .
أَوَلا يتذكرون أنهم سيلاقون الله بذلك الإفك ؟ أم اعتقاد الخروج من النار هَــوَّن كل شيء في سبيل الهوى ؟

سابعهـــــــــــــا :

الإباضية اتجهوا إلى خدمة الإسلام علما و عملا منذ ابتدأت الفتنة فاشتغلوا بالتدوين ، فكانوا أول من دون الحديث ، فإمامنا جابر بن زيد أول من دوّن الحديث و أقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأنه وقر بعير ، ثم تلاميذه من بعده و هم حملة العلم إلى المشرق و المغرب ، و الخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء ، و إخافة السبل ، و تعطيل الأحكام ، و لم يُذكر عن أحد من الخوارج أنه ألف كتابا ، و الذين يذكرون المؤلفات للخوارج ، إنما يذكرون مؤلفات الإباضية ، و هم دون شك يريدون بهم التشنيع و التشغيب ، أما الصفرية و الأزارقة و النجدية ، فلم تُذكر لهم رواية و لا تدوين ، و لو انفرد نجدة برواية حديث ، و نافع بن الأزرق بأسئلة سألها ابنَ عبّاس ليس هذا محلَّها ، و أريد أنهم جنحوا غلى الحرب لا إلى التأليف و رواية العلم ، و كل من ذكره قومنا من رجال العلم و نسبوهم إلى الخوارج فليسوا إلا من الإباضية .

و لقد أتى أصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب ، و عُرفوا بالصدق و الأمانة و الورع ما لم يبلغ شأوَه غيرُهم ، فلجأ بعض الكاتبين من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة و البهتان ، حين بهرتهم تلك الأنوار الساطعة ، و ما خلطوا بين الإباضية و الخوارج إلا لطمس معالم الحق و الصواب ، حسدًا من عند أنفسهم ، و أنَّـى لمن اتخذ التشغيب مطيّة أن يعترف بالحق و الصواب و قد عميت بصيرته ، و إنك لترى لهؤلاء من العمل على إخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني ، و العظمة العلمية ما جعلهم لا يذكرون لهم في موجب الذكر شيئا .

و إنني رأيت مؤلفات دُوِّنت في التاريخ و الأدب و الفروع لبعض قومنا يستوجب المقام ذكر أصحابنا بما لهم فيما دُوِّن من الضلع ، فلا يتورّع أن يتجاهل ذكرهم حتى كأنهم لم يكونوا ، و ذلك مبالغةً و إمعانًا في طمس الحق ، و لا تجد من أصحابنا شيئًا من هذا الأسلوب البشع ، و الحمد لله العلي الكبيــر .

ثامنـــــــــــــــــــــــــها :

إن قومناحين جمعوا الحوادث التاريخية و اقتضت الحال أن يذكروا أصحابنا فشلوا في قول الصواب ، فخلطوا بين الإباضية و الخوارج ، فتارة ينسبون الإباضية إلى الخوارج ، و تارة ينسبون الخوارج إلى الإباضية ، كما يفعل الكثير من المدونين في الأصول و الفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإباضية و العكس ، ممّا أوجب التخليط أو التشويه ، فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على النقل إلى ما هو أشبه بالتهريج ، و لا عذر لهم عندي مطلقا ، لأن الذي ينشُد الحق يطلبه من ينبوعه ، لا أن ينتحله حسب هواه .

إنا نجد من يزعم أن أبا بلال مرداس بن حدير من الخوارج ، و قطري بن الفجاءة من الإباضية ، و الأمر على عكس ذلك ، و آخر يذكر أن الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي هو الإمام عبد الله بن إباض ، و الحق خلاف ذلك ، إذ أن الإمام عبد الله بن إباض توفي آخر أيام عبد الملك بن مروان ، و عبد الله بن يحيى طالب الحق ظهر أيام مروان الحمار سنة 130ه.

و هكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامة تشويها و تشغيبا ، و انظر إلى تاريخ الأندلس الذي يوجد بين أيدينا اليوم ، و لا نجد للإباضية ذكرا ، و الحال أن الإباضية بلغوا في الأندلس مبلغًا عظيمًا من العلم و المال ، حتى إن جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلها إباضية إلى القرن السادس ، بل إلى نكبة الأندلس الكبرى ، و إنك لتقرأ طبقات بن سعد مثلا فلا تجد ذكرا لرجال الإباضية غير جابر بن زيد ، فإنه ذكره رغم أنفه لشهرته التي أطبقت الآفاق ، و هكذا .

و الحق الذي لا ريب فيه أن رجال كل قوم قوهم اولى بهم ، و التاريخ أهله أولى و أعرف به من سواهم ، ” و اللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَ هُوَ يَهْدي السَّبِيلَ ” ( الأحزاب :04) .

و لقد استوجبت بدعة الخوارج أحكاما شرعية ، قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر حتى لا يقع الإنسان في جريمة الخوارج ، فالكبائر قسمان :
كبائر الشرك ، و هي كل كبيرة أخلّت بالإعتقاد ، كاستحلال ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة ، أو جحود حكم قطعي كالرجم إلى أمثالها .
و كبائر النفاق ، و هي كبائر الكفر بنعمة الله ، و هي ما يُطلَق عليه عند أهل الحديث ” كفر دون الكفر ” ، و هي كبائر الفسق عند قومنا ، و ذلك كارتكاب فاحشة الزنا ، أو الإتيان في الأعجاز ، أو أكل الحرام ، أو شهادة الزور ، أو عقوق الوالدين ، أو ما اشبه ذلك من كبائر عملية ، وكترك فريضة من فرائض الله غير مستحِلّ ، كل ذلك يسمى عند أصحابنا كبائر النفاق ، وكبائر الكفر بالنعمة .
و إذا أطلق أصحابنا الكفرَ انصرف بالقرينة إلى الحكم فيه ، هل هو ممّا يُخلّ بالعقيدة أم هو من الفعل أو الترك ؟ فيدرك نوع الكفر أهو كفر نفاق أم كفر شرك ؟
على أن اصحابنا لا يكفّرون تشهيًا ، و لا يكفرون أهل القبلة ما داموا بكلمة الإخلاص ، و الحق أنهم انفردوا بذلك و لو ادّعاها أرباب المذاهب .
و إذا أدركت هذا علمت أن بين الإباضية و الخوارج بونًا بعيدا ، لا يجمع بينهما جامع إلا إنكار التحكيم ، و هو الحق الذي لا مرية فيه و الذي يؤيده كتاب الله و سنة رسول الله (ص) ، و سيرة العُمَرين ، و إجماع المسلمين ، فشدّ يدك على الحق .
” وَ مَن يَعْتَصِم بِالله فَقَد هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيمٍ ” ( آل عمران : 101 )

و قد قال بعض أصحابنا ، و به قال قومنا : إن الخوارج ينكرون الرجم ، و الذي عندي أن هذا القول غير صحيح ، إلا إذا نظرنا إلى حكمهم بأن مرتكب الكبيرة مشرك حلال الدم ، فإن الزاني يُقتَل عندهم رِدّة لا حدًّا ، و هذا متفرع عن حكمهم قطعًا لا يحتاج إلى دعوى نُكران الرجم ، و لكن الأمر عندي ليس كما يُتوَهَّم ، و إنما زعم من زعم من قومنا أن الخوارج ينكرون الرجم فيه مغمَز ، لكنه يعود على الزاعمين بطامَّة ، و ذلك أن قومنا روَوا أنه كان مما يُتلى في كتاب الله : ” و الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله و الله عزيز حكيم ” قأكلته العنزة ، و هذه الطامة تلازمهم و إن فروا منها بزعم أنه مما نُسخ لفظه و بقي حكمه ، و لكن أصحابنا يقولون أن الرجم فرض لا من القرآن و لكن من الحديث ، فقد روى الحافظ الحجة الإمام الربيع في صحيحه عن الإمام جابر بن زيد : ” الإستنجاء و الإختتان و الوتر و الرجم سنن واجبة ” .
فصان الله الأصحاب من الخطل ، و الحمد لله و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه .

أبو اسحاق ابـــــــــــــــــراهيم اطْفيّـــــــــــشْ .

منقول

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (2)

2 تعليقات ل “الإباضية والخوارج”

  1. sami says:

    بارك الله فيك على التوضيحات المهمة والوجيهة انا اباضي ودرست فقه الاباضية في معهد الحياة بالقراة ………..مشكوور

  2. اباضي عماني says:

    شكرا لكم ووفقكم الله

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك