آراء الإبـَاضِـية في الصحابة

لا شكَّ أنَّ القارئ العادي الكريم يستغرب هذا العنوان، ولكن الدعاية التي سلطها المغرضون على الاباضية، والإشاعات التي يطلقونها زاعمة أنَّ الإبـَاضِـية يكرهون الصحابة أو بعض الصحابة، ثُمَّ موقف بعض المتطرفين من الإبـَاضِـية واستجابتهم للتحدي ورد الفعل ــ في مواقف إحراج ــ مِمَّا يسهل إنفلات كلمات منهم أحيانـًا…»
كلّ هذا يقتضينا أن نعرض هذا الموضوع على القارئ الكريم لنوضح له رأي الإبـَاضِـية الحقيقي فيه، بعيدًا عن الإشاعات والتطرف.

جاء في رسالة لأبي المهدي عيسى بن إسماعيل شيخ العزابة في حينه يرد فيها باسم عزابة بني مصعب علي بن أبي الحن البهلولي، ما يلي:

«فنبدأ بمسألة الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك قولك بلغك عنكم أنكم تبغضون بعض الصحابة، فيا سبحان الله… كيف نبغض الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم، والثناء عليهم كتابا وسنة، يأبى الله ذلك والمسلمون، بل هم عندنا في الحالة التي ذكرهم الله عليها من العدالة والنزاهة والمطهرات والثناء والمحبة، قال الله عزَّ وجلَّ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُومِنُونَ اللهَ} (الآية: ) » {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ} (الآية: ) {لـَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الـمُومِنِيَنَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ} (الآية: )، إلى غير ذلك من الآيات، وهم بالحالة التي وصفهم رسول اللهy: إذا قال: «إنَّ الله قد اختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم أصهارًا وأختانًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

وقال أيضًا: «لا تؤذوني في أصحابي فلو انفق أحدكم ملء الارض ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وقال أيضًا: «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي» وقال أيضًا: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وغير ذلك من المدح والثناء عليهم، اللهمَّ زدنا حبَّهم، واحشرنا في زمرتهم، ياأرحم الراحمين!… بل لهم السهم الأوفر، وسلكوا الطريق الأقصد، ولزموا السبيل الأرشد، وكلامهم حكمة، وسكوتهم حجَّ، ومخالطتهم غنيمة، والاستئناس بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، ويل للزائغ عن طريقهم الراغب عن سبيلهم».

ويضيف أبو مهدي إلى هذا الكلام ما يلي:

«كان أبي رحمه الله ينهى من ينكر ما جرى بينهم إِلاَّ من يذكر عنهم خيرًا، رضي الله عنه الله عنهم ورحمهم، فهذا اعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم»«» انتهى كلام أبي مهدي في موضوع الصحابة.

ويقول أبوالعباس الدرجيني في كتابه الطبقات ما يلي:

«الطبقة الأولى هم أصحاب رسول اللهy، وأفضليتهم أشهر، وأسماؤهم ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج إلى تسميتهم، لأنـَّهم رضوان الله عليهم تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين، ومن آثارهم محفوظًا في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف، وانتحال تأليف، وحسبهم ما قال رسول اللهy: «لا يشقى من رآني» وقولهy: «أفضل أمتي قرني ثُمَّ الذين يلونهم ثُمَّ الذين يلونهم» وأحاديث كثيرة في فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أنَّ من الصحابة من لم يخالفنا في تقدمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل حظَّا من الانصاف عند أهل الخلاف، وهم عندنا في جملة الأكابر والأسلاف».

انتهى المقصود منه.

ويقول أبو الربيع سليمان الحيلاتي: «وأما الانكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا، وهذه كيفيَّة صلاتنا على النبيءy: اللهمَّ صل وسلم على سيدنا ومحمد النبيء الأمي وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وآل بيته أجمعين، كما صلَّيت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنَّك حميد مجيد، فمن حسنت شيمته، وسلم من داء الحسد والبغض والغيبة، وإذا تأمل هذه العبارة، وفهم معناها، يجدها شاملة لكـلّ صاحب وآل وزوجة وذرية قريبة أو بعيدة اتباعاً لقوله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىا} والمودَّة الصلاة والترحّم، ونحن ــ والحمد لله ــ وفينا بما أمرنا الله به، والجهال المتشدقون عسى الله أنْ يرحمنا ويكفينا شرهم، وشرَّ أنفسنا، وشرّ القوم الظالمين»«»

انتهى المقصود منه.

ونظم أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي قصيدة طويلة نقتطف منها الأبيات الخاصة بالموضوع منها:

سوى أنَّ ما بين الصحابة قد جرى فإن التماس العذر في ذاك أسلم

فذس فتن قد حار فيها ذوو النهي وأشكل وجه الحق فيها عليهم

لذلك كلّ الناس فيها تورطوا ولا فرقة من ذي الوقعية تسلمُ

فكل يرى تصويب رأي جماعة ويقدح في الأخرى عنادًا ويشتمُ

تقول في الشيخين بالاِفك عصبة وحيدرة فيه أناس تكلّموا.

ويمضي في ذكر الأقوال إلى أن يقول:

فـإن كـنـت ذا حــزم ورمــت سلامة بـيــوم بـه عـنــد الـمـهـيـمـــن تـقـــدم
فإيـَّاك إيــَّاك الـتـعـصـُّـب خــوف أن تـنـقــص إنسـانــًا لــدى الله يـكــــرم
ولا تقف أمرًا لست تعلم عـلـمــــــه ولا تـتـهـوَّر فـالـتــوقــــف أســـلــــــم
وقـف عنـد نهـي الـهـاشـمي وأمـــره ولا تــك وثــابــًـا بـرأيــك تـحـكـــــم
ويمضي في توكيد هذا المعنى إلى أن يقول:

تـرحــم عـلـيـهـــم وارض فـإنـمـــــا حقـوقهـم مـحض الـرضـا والـتـرحــــم
فقــد وردت فيهــم أثار تـعـارضــــت ظـواهـرهـا أمـَّا الـخـفــي فـمـنـهـــــــم
وقـد صـدرت مـنـهــم أمـور لعلَّهـــا لـها حـكـمـة مجـهـولـة لـيـس تـفـهـــــم
ويمضي في تأكيد هذا المعنى، محتجًّا بقصَّة إخوة يوسف عليه السلام وأنَّ الله لم يؤاخذهم بإقدامهم على قتل أخيهم يوسف وكذبهم على أبيهم عليهم وعلى نبينا محمَّد عليه الصلاة والسلام.

ويقول:

فقد قال خير الخلق للكل مـــــــادحًا فـأيـّهـــم اتـعـبـتـمـــــوه اهـتـديـتــــــم
كمـا قـال مـن اثـم الـوقـوع محــــذرًا ــ وكـفوا ــ مقـالاً إنَّ إليـهــم وصلتـــم
وجـاءت روايــات بـأنَّ قـتـيــلـهــــم وقـاتـلـهـــــم فــــي جـنـَّــة يـتـنـعــَّـــم
فما علّة التخصيص والوصف شامــل بجـمـلـتـهــــم والــــواردات تـعـمـــــم
وقال أبو يحيى زكرياء بن يونس الفرسطائي: كنت في الحج فطفت في البيت فلمَّا أتممت أخذ رجل بيدي فأخرجني من الناس، فسألني عن علي، فقلت: «فارس المسلمين، قاتل المشركين، وابن عم رسول العالـمين، وله فضائل».

وقال الشيخ محمَّد بن أبي القاسم المصعبي في رسالة يرد بها على بعض من تناول الإبـَاضِـية في الجزائر بغير الحق، وقد عرض المصعبي عقيدة الإبـَاضِـية وفي ىخرها قال: «وندين لله تىعالى باتباع كتابه واتباع سنة نبيه محمَّد y وما عليه الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. واعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم أنـَّهم عدول وأنهم أولياء الله وحزبه، ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون. فهذا اعتقادنا وعليه اعتمادنا، فالله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا، وقد مدحهم الله في كتابه في غير موضع».

ثُمَّ يذكر الآيات التي نزلت فيهم عمومـًا ثُمَّ الآيات التي قيل إنـَّها نزلت في بعضهم خصوصًا ثُمَّ الأحاديث التي وردت فيهم عمومًا ثُمَّ الأحاديث التي وردت في بعضهم خصوصًا ثُمَّ يقول: «في احاديث كثيرة في عمومهم وخصوصهم رضي الله عنه الله عنهم، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على طريقتهم واتباع مسيرتهم وَأَمـَّا ما وقع بينهم من الحرب فإنَّ الله طهَّر منها أيدينا ونحن نطهر منها ألسنتنا لقولهy: «إذا ذكر أصحابي فكفوا».

وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم طفيش رحمه الله في رده على الأستاذ محمَّد بن عقيل العلوي ما يشبه ما سبق فقد جاء في رسالته الصغيرة (النقد الجليل للعتب الجميل) ما يلي:

«أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق». ويقول في نفس الكتاب: «والأصحاب يتبرأون تطبيق حكمي الولاية البراءة لا تشهيا، وهما ينطبقان على كلّ فرد مهما عظمت منزلته ما لم يكن من المعصومين ولا معصوم إلاَّ النبيء أو الرسول. أمـَّا الصحابة فلهم مزية عظيمة وهي مزية الصحبة والذب عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى فيختار الكف عن تلك الحوادث الـمشؤومة».

ويقول بعد أسطرٍ: «وأيضا لا غبار على من صرح بخطإ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب نعد التبت من ذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن»«» ويقول أيضًا في نفس الكتاب: «ولم يكن يوما من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهمَّ إِلاَّ من بعض الغلاة وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب»«»

وقال قطب الأئمة في أمير المؤمنين عثمان بن عفان: ولد بعد رسول اللهy، بست سنين، ولقب ذو النورين، لأَنـَّهُ تزوج بنتي رسول اللهy: رقيَّة وأم كلثوم بعد رقـيـَّة. قال له رسول اللهy: «لو أنَّ لي أربعين بنتا لزوجتك واحدة بعد واحدة حتَّى لا تبقى منهنَّ واحدة» وقيل لأَنـَّهُ كريم في الجاهلية والإسلام».

وقال القطب في أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن ابي طالب: «وهو من شهر، ولا يحتاج إلى ذكر فضائله من نسب وزهد، وعقل وعلم وشجاعة وعدل».

بعد هذا أيـُّها القارئ الكريم أريد أن نعود معًا إلى أوَّل الفصل لنناقش بعض الفقرات السابقة.

أبو مهدي كان شيخًا للعزابة وقد نصَّ في رسالته أنـَّه بعثها بعد أن وافق عليها مجلس العزابة فقد قال في الديباجة ما يلي: «فمن عزابة بني مصاب حفظهم الله تعالى ورعاهم، الحاضر بلسانه، والغائب بحاله، إلى الشيخ المكرم الوجيه المعظم ابن علي بن الشيخ أبي الحسن علي البهلولي، سلام عليك».

ولا شكَّ أنَّ العزابة هيَّ الهيئة الدينيَّة التي تمثل الإبـَاضِـية. ورأيها فس أيـَّة قضية هو الرأي الرسمي أو الرأي المعتمد عند الإبـَاضِـية، إذا فرض أن شذ بعض الناسفخالف في تلك القضية.

والرسالة كما ترى رد على تهمة للإبـَاضِـية ببعض بعض الصحابة، ودفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم، وتبرئة للإبـَاضِـية من تلك التهمة الشنيعة. وإيضاحًا لموقفهم، وبيناً بأنـَّهم يضعون كافة الصحابة في المقام الرفيع الذي اختاره الله تبارك وتعالى لهم.

وهذه الإشاعة عن الإبـَاضِـية كانت قد انتشرت في كثير من الجهات ولذلك فقد كان الناس ينبزون بها الإبـَاضِـية فيضطرون للرد عليهم والدفاع عن أنفسهم، وتكذيب من يتهمهم بذلك، وقد كتب في هذا الموضوع عشرات الرسائل والردود منها رسالة أبي مهدي ردًّا على البهلولي ومنها رسائل للقطب ردًّا على محمَّد الطاهر والعقبي ومصطفى بن كامل، وغيرهم ومنها رسالة أبي الربيع الجيلاتي وقد ذكر سعيد التعاريتي السبب في كتابتها نلخصه فيما يلي:

هيج بعض طلاب الغنائم والأموال بعض الأعراب على جربة وأعمالهم إنَّ أهل جربة ــ بما أنـَّهم من الإبـَاضِـية ــ يخالفون المسلمين في أمور تحل بها دماؤهم وأموالهم، ثُمَّ كون منهم حملة هجم بها على الجزيرة الغافلة، ولكن الحملة فشلت وانتصر أهل الجزيرة على المهاجرين، وأخذوا منهم جمعًا من الأسرى، وكان في أولئك الأسرى بعض المتفقهين فسألهم مشائخ جربة عمـَّا حملهم على الاعتداء عليهم ومهاجمتهم وهم إخوة لهم في الدين ولم يسبق لأهل جربة أن اعتدوا على أولئك الأعراب أو أساءوا إليهم. فأجاب المتفقة قائلاً: إنَّ من دعانا إلى محاربتكم واستحلال دمائكم وأموالكم ذكر لنا أنكم تخالفون المسلمين ثُمَّ عدد لهم المسائل التي ذكرها لهم صاحبهم فذكر منها بعض مسائل علم الكلام المعروفة كالرؤية والصفاة وخلق القرآن، ثُمَّ قال: ومنها أنكم تكرهون بعض الصحابة.

وقد ورد أبو الربيع الجيلاتي على الرحيل وناقش مشائل علم الكلام بما هو معروف في كتب التوحيد ثُمَّ أوضح رأي الإبـَاضِـية في الصحابة رضوان الله عليهم في الصورة التي عرضناها عليك.

أمـَّا إذا رجعت إلى ما كتبه أبو العباس الدرجيني فإنـَّك ولا شكَّ ستجده حريصًا كلّ الحرص، على أن يضفي على جميع الصحابة دون تخصيص ما أضفاه عليهم مقامهم الرفيع في الإسلام، وهو مستاء من بعض المخالفين الذين ينـتـقصون بعض الصحابة، وهو يردُّ على أولئك المخالفين الذين أجازوا لأنفسهم أن يضعوا أحدا مِمـَّن اختاره اال لمصاحبة نبيه عليه الصلاة والسلام في غير موضعه من الولاية والمـحبة والرضى والقدوة الحسنة.

وقد سلك أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي هذا المسلك فكان حريصًا على أن يوضح أنـَّه ينبغي للمسلم ــ إذا أراد لنفسه النجاة ــ أن يبتعد عن التدخل فيما لا يعنيه، وأن يترك الفتن التي وقعت بينهم لله، فهو العليم بالحكم فيها. أمـَّا واجب المسلم فهو الترضي والترحم عليهم جميعاً، وينبهنا إلى أن ما يظهر لنا أنـَّه مخالف للشرع من أعمالهم قد تكون فيه حكمة خفيَّة لله تعالى لا يعلمها إِلاَّ هو وقد يكون الله غفر لهم جميعًا حين اختارهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام.

ويستدل على هذا بقصَّة إخوة يوسف عليه وعلى آبائه السلام فإنَّ اتفاقهم على قتله، وإلقائه في الحب للتخلص منه، وكذبهم على أبيه وما تبع ذلك ليس من الأعمال الهينة في الحكم الظاهر، ولكن الله تبارك وتعالى مع ذلك لم يؤاخذ إخوة يوسف وغفر لهم ما ارتكبوه.

وَأَمـَّا كلمات القطب وأبي يحيى فقد وردت في أميري المؤمنين عثمان وعلي ــ خاصة وأكثر الشغب واللغط الذي يوجه إلى الإبـَاضِـية في موضوع الصحابة إنما يدور حول الإمامين العظيمين والصهرين الكريمين ولذلك فإنـَّه مِمَّا يتم به مناقشة هذا الموضوع الهام استعراض كثير من المناقشة القيمة التي جرت على قلم الشيخ سعيد التعاريتي في رده على الشيخ مصطفى بن كامل الطرابلسي فقد ناقش الثعاريتي فيه موضوع الصحابة ــ ولا سيما موضوع الصهرين الكريمين ــ مناقشة رائعة أرجو أن يجد فيها القارئ متعة ومقنعًا.

قال الثعاريتي في كتابه (المسلك المحمود) ابتداء من صفحة 18 ما يلي:

«والعجب كلّ العجب مِمَّا نسبه ــ ابن كامل بن مصطفى ــ إلينا تجاهلاً وظلمًا، وتسلطًا وشتمًا، حتَّى أطال سنان لسانه، وقال: كفَّروا عليا ــ بزوره وبهتانه، مع أنَّ اعتقادنا في الصحابة رضي الله عنه الله عنهم أنـَّهم عدول أتقياء، بررة أصفياء، قد اختارهم الله من بين الأنام، لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام». وبعد سطور يقول:

«وكيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام، أن يكفر صهر نبيه عليه السلام، الذي لم يسجد قط للأصنام».

وبعد أن يذكر عددًا من الآيات الكريمة التي قيل إنـَّها نزلت فبالإمام أو في آل البيت وكذلك الأحاديث الشريفة، والآثار التي وردت في الصحابة يقول:

«إلى غير ذلك من الآيات البينات، والأحاديث الـمرويات، والآثار المأثورات، الدالة على فضله عمومًا وخصوصًا، وكيف لا؟

وقد كان أفصح وتلا، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبي مصطفى، صاحب القبلتين، فهل يوازيه أحد وهو أبو السبطين؟ مع أنَّ كتبنا ولله الحمد ــ طافحة بالرواية عنه، وبالثناء عليه».

ثُمَّ استشهد بما كتبه البدر التلاتي في كتابه (نزهة الأديب وريحانة اللبيب)، ثُمَّ استشهد بأبيات من ديوان التلاتي منها:

بنت الرسول زوجها وابـنـهــــــــــــا أهل لبيت قــد فـشى سنــاهــــــــــــــا
رضــى الإلــه يـطـلــب التـلاتـــــــي لـهـــم جـمـيـــعًا ولـمـــن عـنـاهـــــــا
ثُمَّ استشهد بأبيات للإمام الحضرمي منها:

بلى كان في أم القرى اليـوم قائـــــــم أغر من الأشراف ماضــي الـعـزائــــــم
له عنصر صافي النـجـار ومـنـصــــب تـعــرق فــي فـرعـي علــي وفـاطــــــم
ثُمَّ استشهد بأبيات لأبي حفص عمرو بن عيسى التندميرتي منها:

وعـلـى الـهـادي صـلاة نـشــرهـــــا عـنـبـر ــ مـا خــب ســاع ورمــــــــل
وسـلام يـتـــولـَّــــى ــ وعــلـــــــــى آلـــه والـصـحـب مـالـغيـث هـطـــــل
سيما الصديق والفاروق والـجـامـــع الـقـــــرآن والــشـهـــــم الـبـطــــــــل
ثُمَّ بعد ذلك نقل فصلاً رائعا في الموضوع للشيخ أبي ستة ننقل منه ما يلي:

«فإذا تقرَّر في ذهنك ما حكيناه، واتضح لك ما استدللناه به ونقلناه، علمت منه أنَّ التعلُّق بما شجر بينهم رضوان الله عليهم أجمعين، تكلف وفضول لمن لا يعلم ذلك، حيث كان مِمَّا يسع جهله، وقد وجد في الاعراض عن ذلك سبيل منقول عن العدول، فلم يبق في حقهم حينئذٍ إِلاَّ الجزم بالعدالة لأصلها فيهم، من كونهم كلّهم أئمة عدولا يقتدى بهم كما نقل ذلك عن الرسول أحسب أنَّ هذا يكفي في توضيح راي الإبـَاضِـية في الصحابة رضوان الله عليهم ولا سيما في امير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو كذلك كاف ــ فيما أرى ــ للردّ عمن يتهم الإبـَاضِـية ببغض الصحابة أو بعض الصحابة.

وما أحسب مسلما يمتلأ قلبه بالإيمان يمكن أن يجد بغض أي شخص من الصحابة طريقا إلى قلبه، ولا شكَّ أنَّ أدنى أولئك الجمع منزلة هو أجل وأعظم وأشرف من أعلانا منزلة، وأرفعنا مقامـًا، ولو لم يرتفع به إيمانه وعقيدته إلى محبة رسول الله y ومحبَّة أصحابه وآله أجمعين. فلا أقلّ من أن يتأدب مع رسول الله y ويستمع إليه في قوله: «إذا وصلتم أصحابي فكفوا» وقوله عليه السلام: «دعو لي أصحابي» وإذا لج بأحد العناد ى فلا أقلّ من أن يقتدي بصاحب رسول الله y عبد الله بن عمر حين سئل عن أمير المؤمنين عثمان وعلي، فتلا قوله تعالى: {تِلْكَ أمـَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عمـَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أو يتسمع إلى كلمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين سئل عمـَّا شجر بين الصحابة فقال كلمته الرائعة: «تلك دماء طهَّر الله منها أيدينا فلا نلوِّث بها ألسنتنا».

وفي ختام هذا الفصل أحب أن أقول إنَّ موضوع الصحابة رضوان الله عليهم أجل من أن يكون موضوعًا للمهاترات، وحديثا للمشاغبات، ودعوة من دعوات العصبيات، فأصحاب رسول الله y هم أولياء كلّ مؤمن صادق، وهم أعداء كلّ منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرَّة من البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب المسلمين بهم،ويزرع الفتنة بين صفوف المؤمنين بدعوى محبَّتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أي مذهب كان من يحمل لأصحاب رسول الله y أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف صحبتهم فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار وأن يغسل دنس البغضاء بمحبَّتهم وولايتهم. فإنـَّه لا ألأم ولا أشدَّ كفرانًا ومعصية من الإنسان يتطرَّق إلى قلبه شيء من بغض من أحبه الله ورسوله قبل ثلاثة عشر قرنًا.

من كتاب الشيخ علي يحي معمر – الاباضية بين الفرق الإسلامية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك