أبوطاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي

في جبل نفوسة , وفي إحدى قرى هذا الجبل العامر بالعلم، الحاشد بالعلماء في كل مدنه وقراه، نشأ الإمام المجتهد القدوة أبو طاهلر إسماعيل بن موسى الجيطالي

نشأ في مدينة (جيطال ) وهي مدينة فسيحه تقع بين ( أمسين ) و( إينر ) على ربوتين متقابلتين، تحيط بها من جميع الجهات غابات كثيفة من شجر التين والزيتون .

ولا يعرف تاريخا محددا لمولده والمؤرخ الوحيد الذي يمدنا بترجمة وافيه للامام الجيطالي هو أبو العباس الشماخي رحمه الله في كتابه الجليل (السَّيَرْ) وهو ينقل فيه صورا متناثره من حياة الإمام، وينتهي إلى تحديد وقت وفاته بسنة خمسين وسبعمائة للهجرة النبوية في جزيرة جربة بتونس .

أما عن شيوخه ( فقد أخذ العلم عن العالم الكبير أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي، وصاحب الشيخ أبا عزيز زماناً) .(1)

وكان شيخه / أبو موسى من الأثمه الأعلام في جبل نفوسة، هو صاحب المدرسة العظيمة التي خرجت عددا غير قليل من أفذاذ العلماء العاملين، بل لا يكاد يوجد شخص ممن ينسب إلى العلم في ذلك العصر لم يدرس في مدرسة أبي موسى، وحسبك أن من طلابها فقيها الأسلام المؤمنين العالمين : إسماعيل الجيطالي، وعامر الشماخي .

وقد تميزت هذه المدرسة بين مدارس العلم في جبل نفوسة بإتجاه جديد تكون عليه من درس بها، هذا الأتجاه هو ما حرص عليه أبو موسى من توجيه طلابه إلى تأليف الكتب. وأستجاب عدد منهم لتوجيه أساتذتهم، وعكف منهم على التحرير من أنجزوا في زمن قصير مجموعة من الكتب القيمة التي يحق أن تفخر بها المكتبة الإسلامية في كل العصور(1)

وأمضى الإمام الجيطالي حياته الأولى في التنقل بين مدن الجبل – مدرسا ومربيا، وداعيا ومذكرا، على عادة علمائه رحمهم الله، فأقام مدة بمزغورة ( وألتقى في مسجدها الكبير بالشيخ أبي عزيز والشيخ يدراسن، ثم غادر مزغوره بعد موت أبي عزيز وسكن ( فرسطاء) من بلاد الجبل أيضا، تسعة أعوام وحملهم عللى السبيل المستقيم )(2)

وقصد طرابلس في بعض أمره فلم يقر بها حتى أودعه حاكمها السجن .

ويذكر محمد أبو راس صاحب كتاب مؤنس الأحبه في أخبار جربة ( أن سبب إأنتقاله إلى جربة أن فقهاء طرابلس حسدوه وافتروا عليه لحاكم طرابلس، فجمعه والفقهاء في مجلسه، فوجدوه كنز العلوم والمعارف، ومعدن الفضائل بالمنطق والمفهوم، فعظم حسدهم له ولم يمكنه إلا الأنتقال عنهم ) (3) .

وذكر الشماخي سبباً يشبه هذا أيضاً فقال : ( وآل أمره إلى أن قال : هل لكم علم فتخرجوه لنا ؟ فما زال قاضيهما وأميرها يلتمسون عليه الأسباب حتى سجناه وأخذا ما معه والله أعلم )(4) .

وذكر الشماخي أنه ( بقى في السجن مدة , وأنشد قصيدة مدح بها ابن مكي صاحب قابس وكانت جزيرة جربة تحت يده، فتشفع فيه عند صاحب طرابلس فأطلقه ) (5) وذكر في موضع آخر : ( أن أبناء أبي زكريا بن أبي مسور قد تسببوا إطلاقه من السجن، وتحملوا معه مالا مع ما تقدم من مدحه لأبن مكي(6) ) فقدم جربة , وقصد بها أبناء، أبي زكرياء بن أبي مسور ( ونزل الجامع الكبير، وتلقاه علماء الجزيره بأحسن لقاء، وأجتمعت عليه الطلبة، وكان يقرء ويصنف في المجلس الواحد، وأقام في المسجد في غاية الأجتهاد ) وتوفى رحمه الله بجربة سنة سبعين وخمسمائة ودفن بمقبرة الجامع الكبير المذكور .

وأنتقل العالم الكبير إلى جوار ربه بعد عمر حافل بالجهاد العلمي المتواصل، وبعد أن خطا خطى واضحة في طريق الهداية الإسلامية الرشيدة , وبعد أن رسم من سيرته

صورا من جهاد المخلصين الهادف، الذي يحارب الشرور في كل ميدان ويرفع راية الإصلاح في كل طريق .. فقد كان إلى جانب قيامه بمهام التدريس والـتأليف يكثر على الناس التذكير والأمر والنهي حتى يأتي الأسواق ويعظ، وحتى قال بعض العابثين : إنه يعلم السوقة مسائل الغش ! يعني أنه ينهاهم عنها فتعلموها منه.

وكان رحمه الله ظاهر الكرمات مستجاب الدعوة، عاين ذلك منه أهل عصره ونقل الشماخي منه طرفا في سيرته وإن لله سبحانه رجالا لو أقسموا عليه لأبرهم , رحمه الله تعالى ورضى عنه .

مؤلفاته :

ذكرها الشماخي في السي، وبعده السالمي في اللمعة المرضية من أشعة الأباضية وكذللك البرادى في جواهره .. قال الشماخي (2) : ( وله تآليف جليلة بها في المذهب منها : القواعد . ومنها : القناطر في أجزاء كثيرة .

ومنها : شرح النونية في ثلاثة أجزاء في أصول الدين للشيخ أبي نصر فتح أبن نوح الملوشائي .

ومنها : كتاب الحساب وقسم الفرائض .

ومنها : ما جمع من أجوبة الأئمة في ثلاثة أجزاء .

ومنها : كتاب الحج والمناسك .

ومنها : ما جمع من الرسائل , وله قصائد )

وكتابه ( قواعد الأسلام ) من أوسع وأعمق ما ألف في موضوعه، وقد أشار إليه في القناطر في أكثر من موضع (1) , ونال أهتمام العلماء وعنايتهم فوضع له الفقيه العالم أبو ستة الجربي حاشية واسعة .

لقد ترك الإمام الجيطالي ثروة كبيرة من الجهاد العلمي الجاد المثمر في مؤلفاته القيمة العميقة، هي من أرفع الجهود العلمية وأخصبها .. ويجد القارئ في كتاب القناطر هذا صورة جلية لهذه الآفاق الرحبة التي يرتادها هذا العالم الكبير في ميادين المعرفة الإسلامية في تدفق وعمق ودراية .

وإن أمتنا المسلمة في هذا العصر الذي أستفحل فيها الشر , وأشتد كيد الشياطين وأحمرت فيه حدق الجهلاء – لفى أشد الحاجة إلى مثل هذه التصانيف القيمة التي أبرزتها قلوب أحياها الإيمان، ونفوس رباها القرآن .. وإن الجيل المسلم الذي نرجوه لهذه الإمة المسلمة، والذي يحقق الوجود الأسلامي في الأرض، ويعلن فيها تحرير الأنسان من الطواغيث والأصنام والأوهام، لا بد أن يفئ إلى مثل هذه الظلال الوارفة من التوجيهات الإسلامية النظيفة، والتي صدرت عن دعاة مؤمنين مخلصين صادقين كالجيطالي رحمه الله ..

ذلك أن الجيطالي رحمه الله – لم يكن من أصحاب الكلام المولعين بالنظريات يتفنون في عرضها ويتأنقون في إيرادها، وبالمجادلات الفارغة يشغلون بها أنفسهم والناس، ولكنه كان مسلما مؤمنا، وحمل ثقل الرسالة العظيمة في ركن من بلاد الإسلام في وقت نجمت في للجاهلية قرون صلبة , فأنتدب نفسه لحمل راية الإسلام فكان من دعانه المخلصين الذين عاشوه ( حركة ) ثم عبروا عنه ( بيانا ) .

تعرض لمشاكسات الجهلاء ومضايقاتهم، فجاز ذلك كله بقلبه الكبير وعلمه الغريز، وأبتلى بكيد السلطان ووحشة سجنه، فصبر لذلك حتى عافاه الله …

وتعرض للشيطان وهو يسخر أولياءه فيمنعونه من إحقاق الحق وإنكار المنكر فغادر بلدة ( فرسطاء ) التي أقام بها تسع سنوات مؤثراً نصره دين الله عن ألفة الدار، وجمال الحق عن أنس الجار، وقصد جزيرة جربة ليرفع فيها راية الدعوة في مسجدها الكبير بقية عمره معلما ومذكورا ومربيا ومصنفا ..

ولقد كان الجيطالي من أهل المجاهدة والتقوى والإخلاص – تجد ذلك واضحا في كتبه التي تسفر فيها الروح الشفافه المجنحة، التي تلحق في آفاق من التقوى والورع والعبادة الخالصة التي لا يخالطها رياء ، ولا يفسدها هوى، ولا تنازعها رغبات الدنيا، كان بصيرا بطريق الآخرة، سالكا لها عالما بها، ودعاه ذلك إلى تدبر أمره وواجبه نحو إخوانه المسلمين فألف فيما ألف قناطر الخيرات ليبصرهم الطريق، وليهديهم السبيل، ولينصح لهم في دنياهم فيسلك بهم النهج القويم إلى آخرتهم .

وقد نال كتاب القناطر – كغيره من كتب الجيطالي – شهرة كبيرة في مكتبة المذهب الإباضي العامره بالمؤلفات الكثيرة، ذلك أنه يبدو فريدا في منهجه وطريقة تأليفه، وأتجاه مؤلفه الواضح فيه إلى رسم مخطط متكامل لحياة الإنسان المسلم كما يحددها التصور الإسلامي ويوجه إليها، دنيا وآخرة . فهو كتاب شامل يجمع إلى بيان أسرار العبادات ومهمات مسائلها نظرات قيمة في التربية والأخلاق , ولمحات بارعة في فلسفة التشريع الإسلامي ومناهجه الذي أختصه لتنظيم الحياه والمجتمع ..

وكان الجيطالي في عصر تحكمت فيه النظرة المذهبيه الضيقة – حين توزعت الدنيا سلطان المسلمين فكثرت الممالك وتعدد الحكام وتفرقت الأمة – كان الجيطالي فيما يكتب رائدا من رواد الأخوة الإسلامية الصحيحة التي يبنيها العلم الواسع والإجتهاد الدقيق رائدا من رواد الأخوة الإسلامية الأصيلة التي تتشبع بها كتبه كانت نتيجة الحق الواحد الذي يسع المسلمين الصادقين مهما تناءت بها الديار، ومهما باعدت بينهم الأصقاع ، وقد أوضح الجيطالي ذلك من منهجه في التأليف فقال (1): (( وأنا أستغفر الله تعالى من كل ما زلت به القدم , وطغى به القلم في كتابنا، وإنما ألفناه من كتب شتى , وأكثره من كتب قومنا (2)

و أننا نستطيع أن نؤكد أن الجيطالي كان بمعزل عن المؤثرات الغريبة عن التصور الإسلامي، وأنه كان في كل ما يعرض له من نظرات وآراء لا يحتكم لغير العقيدة الإسلامية الصحيحة , وموازينها الأصلية : الكتاب والسنة واللآثار الصحيحة عن الصحابة رضوان الله عليهم..

ونلاحظ تجوزا من المؤلف رحمه الله في الإستشهاد بالأحاديث الضعيفه وبعض الأحاديث الموضوعة في كتاب القناطر، ومعظمها مما نقله عن الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وهو في بعض الأحيان يورد الحديث منها ويقول : ذكره الغزالي في كتابه وروى الغزالي …وقد سلك الجيطالي رحمه الله هذا المسلك على بينة منه , وهو يوضح رأيه في ذلك في نهاية قنطرة الصوم فيقول [1]: (( أعلموا – أرشدكم الله – أني إنما أوردت الأحاديث المتقدمة في فضل صلاة الأيام والليالي وغير ذلك من أحاديث فضل العلم والتعلم، وما أورت من الأحاديث هاهنا في فضل رمضان وغيره من صوم الأيام المتقدمة , وما سنورده من الفضائل إن شاء الله، وإن كان أكثرها غير مستفيض عند اصحابنا ولا موثوق بصحتها ,فإني أنما فعلت ذلك لحديث رأيته في آثار أصحابنا عن أبي عبيده مسلم رحمه الله , وذلك أنه قال : بلغني عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : (( من بلغه حديث في الرغائب والفضائل في العمل فأجتهد فيه – قال : فإن كان الحديث على نحو ما بلغه كان له أجر : أجر حفظه الحديث وطاعته فيه , وأجر عمله به . وإن كان الحديث على غير ما بلغه كان له أجره على نحو ما بلغه، لأن الله لا يضيع أجر المحسنين، فلا يذهب أجر أجتهاده لله ونصيحته لربه ما لم يكن اجتهاده في بدعه )).

قال الشيخ أبو عبيدةه – رحمه الله – فيما وجدت عنه : أعلم أن المسلم إذا رزقه الله نفس طيبه مستقيمةً على طاعة الله، كلما بلغه شيء يتقرب به إلى الله أجتهد فيه فيكون مأجور على نحو ما تقدم .

قال : وإذا للإنسان نفس خبيثه مل العمل لله، واستثقل العبادة , فكان أكثر همه في الجدال والمراء , فإذا بلغه حديث فيه الرغبة في العمل عارضه بالقياس وقال : إن هذا ليس صحيحاً ؛ لأن رأيه وما يوافق هواه ليس فيه العمل بطاعة الله تعالى .

ثم قال : (( وأيضاً فإني وجدت في كتب فقهاء قومنا أنهم استسهلوا في نقل أحاديث الرغائب والمواعظ وقالوا : لأن ذلك حث على طاعة الله تعالى ودعاء إليه . ورووا في ذلك حديثا عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من قال عني خيراً قلته أو لم أقله فأنا قلته )) ورووا عن أبي هريرة عنه عليه السلام أنه قال : (( ما بلغكم من قول حسن قلته أو لم أقله فأنا قلته )) قالوا : وإنما تشدد الأئمة من أهل العلم في أحاديث الأحكام التي بُنيت عليها قواعد الاسلام ، التي فيها الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، والحدود والفرائض. ولعمري لكذلك ينبغي أن تكون … ))

ميزة أخرى ترفع من قيمة هذا السفر الجليل، هي أنه جاء متأخراً عن جهود سابقة في ميدانه، فقبس منها ما لمحته من نظرات، وما توصلت إليه من آراء وحقائق، فكان جامعاً لأشتاتها ومؤلفا لشواردها .. فقد كانت كتب خاصة ألفها أصحابها في المباحث التي تتعلق بعلم طريق الآخرة وتقويم السلوك وتهذيب الأخلاق، من هذه الكتب كتب المحاسبي، وكتب أبي طالب المكي، وكتب الغزالي : إحياء علوم الدين وغيره، وأدب الدنيا والدين للماوردي، وتبيين أفعال العباد لأحمد بن بكر وغيرها .. أفاد الجيطالي من كل هذه الكتب وقبس منها وأشار إليها .. ولعل الله سبحانه ييسر لي من بعد فرصة أتعرض فيها بالدراسة المفصلة لموقع الجيطالي من الفكر الاسلامي عامة والاباضي خاصة …

عمرو خليفة النامي

(1) الشماخي : السير 556

(1) معمر : الأباضيه في موكب التاريخ : 2/2:103

(2) الشماخي :السير : 558

(3) مؤنس الأحبة في أخبار جربة ص 92 : تأليف محمد أبو راس . وتحقيق محمد المرزوقي ط . تونس

(4) , الشماخي : السير 556

(5) المصدر السابق : 557

(6) مؤنس الأبه ص91

(2) الشماخي . السير 556-57

(1) أنظر ص 326-327 من هذا الكتاب

(1) القناطر , النسخه المطبوعه جـ 3 : 566

(2) عندما يقول المؤلف : علماء أصحابنا فهو يعني بذلك علماء المذهب الأباضي وأئمته ., وإذا أراد غيرهم من علماء وأئمة بقية المذاهب الإسلاميه قال : (( علماء قومنا ))

[1] المطبوعة :جـ 1 : 491- 493 .

——————————————————

مقتبس من مقدمة قناطر الخيرات – الجزء الأول

تحقيق د. عمرو خليفة النامي

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك