أبو العباس الشماخي

بقلم الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله

مقتبس من كتاب الإباضية في موكب التاريخ للشيخ

العلامة البدر الشماخي يعد في نظري أحد الأعلام الذين قامت عليهم حركة التأليف منذ الاتجاه الجديد الذي اتجهه طلاب أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي.

وإذا كانت تلك الحركة المباركة آنت ثمارا طيبة ، وتركت لنا تراثا مجيدا تفتخر به المكتبة الإسلامية فإن طريقة أبي العباس (الشماخي) في كتابه القديم ” السير ” طريقة فريدة ليس لها مثيل فيما عرفناه من كتب التاريخ. فإن المؤلفين في التاريخ غالبا ما تتخطفهم حوادث السياسة ، ويتتبعون المظاهر الخادعة من حوادث الانقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام ، ويعتقدون أنهم بذلك قد أرخوا للشعوب والأمم ، والواقع هو أنهم أرخوا لعدد قليل من الناس ، وثبوا إلى كراسي الحكم ، وتصرفوا في عباد الله وأموال الأمة دون حق ، ولن يعطي ذلك صورة صحيحة عن تاريخ أمة من الأمم أبداً ، فإن أخبار الجيوش والمعارك وتحركات الأجناد والقواد ، وأعمال الحكام الظالمين ، ثم السيطرة على الناس والتحكم فيهم ، وتحطيم المدن والمعاقل ، وما يتبع ذلك من مظاهر القوة والسلطان التي تستعمل في غير أمر الله ليست هي الصورة الصحيحة لتاريخ وحياة أية أمة.

وقد أدرك العلامة أبو العباس الشماخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلا بمقدار ، وإنما قدم لنا الصورة الحقيقية لجانب من الأمة المسلمة ، هذه الأمة التي تسكن ما بين ” سرت ” والمغرب الأقصى ، وهو يقدم لنا المادة الحقيقية لتاريخ هذه الأمة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد ، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض. وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن ينزل المطر ليقوم بعملية الحرث ، وفي الطفل اليتيم الذكي الذي يستوهب جحشا صغيرا ثم يتحايل على صاحبه فيبيعه له ، وفي المجالس العلمية التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك ، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها على الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة ، وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقتها ، وفي سلوكها عندما يتخذ عليها الزوج ضرة أو يقسو عليها في الحياة ، وفي حديث البنت الساذجة –عندما تزف- إلى أبيها عن زينتها ، وفي نقاش البنت المتعلمة لأبيها وإدلالها عليه ، وفي كفاح المرأة من أجل العلم ، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء والفتاوى والأعمال ، وكل المظاهر التي يعيشها الشعب عيشة حقيقية لمجتمع وأسرة وفرد.

لقد قرأت كثيرا من كتب التاريخ ، وقرأت كثيرا من كتب الاجتماع ، فلم أجد ما يستهويني ، كما أجد ذلك في كتابه ” السيـــر ” هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد عشرة قرون

أرأيت القصصي الموفق الذي يستطيع أن يبعث الحياة في شخوص أبطاله ، ويجعلك معجبا بهم مهتما بأعمالهم ، إنه أبو العباس الشماخي ، وقصته هذه هي قصة حياة أمــــة خلال عشرة قرون ، وأبطالها أبطال الحقيقة لا الخيال ، حقيقة الحياة بما فيها من عمل فردي وجماعي ، والأمة الإسلامية في حاجة كبرى إلى كتـّـاب من هذا الطراز يصورون الواقع كما هو ، وكما تشهد به الحياة ، وكما يجري به التاريخ الواقعي في فلك الزمان الطويل بعيدا عن توجيه السياسة المغرضة ، والأطماع الزائفة ، والمؤثرات الخارجية ، مقصودة أو غير مقصودة

يشرفني أن أقف هنا لأدع الحديث للإمام أبي إسحاق أطفيش -رحمه الله
قال أبو إسحاق:
” وأما البدر الشماخي فهو الإمام المجتهد أبو العباس بدر الدين أحمد بن أبي عثمان بن سعيد بن عبدالواحد ابن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن محمد بن عمر بن يحيى بن إبراهيم بن موسى بن عامر جد الإمام أبي ساكن بن موسى بن على بن عامر الشماخي ، فهو يجتمع بهذا الإمامفي جده فيما يتبادر ، توفي رحمه الله على ما ذكره العلامة أبو زكريا الباروني سنة 928 هــ.

وأبو العباس من أعلام العلم الذين نبه له شأن عظيم لجدهم واجتهادهم وبلغوا منزلة قصوى في العلم ، كانوا بها منارا يهتدى به ، وعلما يعتصم به ويلجأ إليه. إذ ألف وصنف كل آية ، وإذا ردت إليه مشكلة كان في حلها غاية ، وإذا حضر مجلسا من مجالس العلم كان فيه النهاية.

له من التصانيف في عدة علوم كلها تعد من الأمهات ، خصوصا مقدمته في أصول الفقه وشرحها ، اختصر المقدمة من كتاب العدل والإنصاف لشمس الدين أبي يعقوب الوارجلاني ، فكانت أجمل وأنقى متن في أصول الفقه ، وأمتن عده ، وأجدى مادة لمن يريد حفظ قواع الأصول ، وإني لأراها أحسن متونها شمولا وائجازا ، وشرحها وإن كان مختصرا جدا إلا أنه على جانب كبير من النفاسة والتحقيق.

ومن مراجع تراجم الرجال وتاريخ أهل الحق والاستقامة: كتاب السير له ، يظن الذين لا حظ لهم من التاريخ ولا قدرة لهم على جواب مراحله ودخول ميادينه: إنه كتاب غير مفيد ، ولكنهم لا يعلمون أنه ثروة ومادة أخذت من كل ناحية بسبب ، واختصت بذكر أساطين العلم والدين ، وأتت منهم بعجب ، وأنى لأطالع هذا الكنز المكنون ، والفلك المشحون ، ولا أزال أكتشف فيه الاعلاق وجلائل تاريخ الأئمة ، ومفاتيح ما اغلق من تاريخ الإباضية وسط الأمة الإسلامية بشمال افريقية … تاريخ العمل والعمران ، وازدهار الدين والإيمان.

وهذه الحاشية على مقدمة التوحيد تبدي لك غزارة علمه ، ووفرة مادته ، وتبحره في فنون الشريعة وعلوم العربية مع صغر حجمها ، وقد وضعت لك ايها القارئ الكريم تحت بعض الجمل السامية المعنى سطرا يلفتك إليها كأنموذج لتحقيقات هذا المصنف الجليل ، ونظرياته المعربة عن سلامة ذوقه وسمو نظره وبينها ما يحدثنا عن المصنف من حيث نظره إلى الحياة الاجتماعية نظرا يباين كثيرا من الفقهاء الذين اضعفوا الأوساط وأوهنوا العزائم ومما وقفت عليه من مصنفات هذا الإمام الجليل إعراب الدعائم سماه ( إعراب مشكل الدعائم ) وهو من خزانة الشيخ محمد بن عيسى ازبار ولعل صوابه ازباره ، وأظن أني رأيت له شرحا على متن الديانات نفيسا جدا ، واجتهدت في الحصول عليه وقت كتابه فلم أفز به.

ويحدثنا المصنف عن بعض مؤلفاته بالإحالة إليها في مهمات المسائل أو إلى بسط القول فيها ، فهو يقول إن له شرحا على مرج البحرين لشمس الدين أبي يعقوب ، في المنطق ، والحساب ، والهندسة ، حين تكلم في خطبة شرح مقدمة الأصول على اسم الجلالة واشتقاقه فقال: قد بسطنا ذلك في شرح مرج البحرين فلينتظره الراغب.

وقد تمنى ضياء الدين التميمي رحمه الله أن يقف عليه فقال في شرح مرج البحرين:
غير أني سمعت أن البدر الشماخي علق شرحا عجيبا ولكنه ضـــاع ، فياليتني كنت له مصيبا ، ثم إنه وعد في آخر شرحه على مقدمته أنه إن أنسأ الله له في العمر فإنه يجعل له شرحا يستوعب جميع مباحثه وذلك سنة ثمانمائة وأربعة وتسعين ، وقد أنسأ الله له في العمر إلى تسعمائة وثمانية وعشرين ، ولعله وضع له شرحا مبسوطا كما وعد ولم نقف عليه.

ومن لطائف التاريخ أن البدر الشماخي أرخ شرحه هذا على المقدمة بحادثة تاريخية هامة حيث يقول:

فرغ منه بتاريخ أوائل شعبان سنة أربعة وتسعمائة وهو العام الثاني من إخراج المسلمين النصارى من (جربة) ، ويعني به إخراج الأسبانيين من الجزيرة بعد أن استولوا عليها ، كما احتلوا شطوط المملكة التونسية ، وقد وقفت على تفاصيل هذه الواقعة منذ سنين ولم يتيسر لي قيدها ..

وبعد فإني أرى البدر الشماخي من المؤلفين المكثرين ، ويظهر أن له مصنفات في الفروع الفقهية ، بيد أنها لم تصل إلينا بل لعبت بها أيدي التلاشي وعبثت بها عوادي الغواشي ، فكانت أثرا بعيد عين.

توفي رحمه الله ببلدة (يفرن) من جبل نفوسة سنة 928هـ ، وعده العلامة أبو عبدالله محمد بن زكرياء الباروني في الطبقة الثامنة عشر حسب ترتيبه: كل خمسين طبقة.

وأما شيوخه فقد ذكر في تاريخه بعضا منهم: ذكر أنه أخذ العلم بتونس المؤنسة عن الشيخ البيدموري ، وعن العلامة الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح بن زكريا التندميرتي النفوسي ، قال البدر: عنه أخذت بعض العلوم ، وكان عهد البدر مزدهرا من كل نواحي الثقافة الإسلامية والدين ، ظهر فيه أعلام فخام مثل أبي القاسم البرادي وأبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى ، آية من آيات الله في جميع العلوم الشرعية والعربية والفلسفية والتاريخ ، وكان أعلم رجل بتونس في النحو بشهادة علمائها وكثير من تلاميذ الإمام أبي ساكن عامر الشماخي ، فإنه نبغ منهم جمع كل منهم بلغ الذروة العليا: علما وعملا يشار إليه بالبنان فرحمهم الله ورضى عنه )

انتهى إلى هنا ما قاله الإمام القدوة العلامة أبو إسحاق طفيش ، وإذا قال أبو إسحاق فليس لقائل بعده أن يقول ولكنني مع ذلك استسمحه أن أزيد كلمة ، وكل ما أريد أن أشير إليه بعد هذا الحديث الممتع الصادق المحق الجامع أن أشير إليه أن العلامة البدر الشماخي يعد في نظري …………

مقتبس من كتاب الإباضية في موكب التاريخ للشيخ علي يحى معمر

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك