أبو الحر علي بن الحصين العنبري

بقلم د. محمد ناصر

هو أبو الحر علي بن الحصين بن مالك بن الخشخاش بن الحارث العنبري المكي. عالم، داعية، قائد. يعد من كبار رواد الحركة الإباضية في الحجاز، و من أئمتهم الأوائل.(ت: 130هـ/747م)

عاش في مكة أوائل القرن الثاني الهجري، و صنفه الدرجيني في طبقاته ضمن الطبقة الثانية (100-150هـ)، لهذا فهو يعتبر من التابعين، ولعله أدرك بعض الصحابة كما تذهب إلى ذلك بعض الروايات.

كان والده الحصين من عمال خالد بن الوليد على بعض نواحي (الحيرة) زمن الفتوح في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم أصبح عاملا لعمر بن الخطاب على (بيسان) من أرض العراق (الكلبي، جمهرة النسب، ص257)

و بما أن المصادر لا تفيدنا بسنة ميلاده، إلا أن الأحداث تؤكد أنه ربما ولد في أواسط القرن الأول الهجري.

يعد أبو الحر من رواة الحديث، و قد سمع الحديث عن عمر بن العزيز، و جابر بن زيد، و عن أبيه الحصين، و روى عن جريج و أبي عبيدة، عدله بعضهم و جرحه بعضهم لانتمائه إلى الإباضية، أورد البخاري “قال ابن عينيه: رأيت علي بن الحصين و كان يرى رأي الخوارج” (البخاري، التاريخ الكبير، ج6/267)

تتلمذ على إمام أهل الدعوة جابر بن زيد، و عاصر الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، و كان من أنصار أبي حمزة الشاري و مستشاريه و أعضاده. كما كان من أصحاب عبد الله بن يحي طالب الحق، يستنير برأيه و تجربته. و كانت بينه و بين أبي مودود حاجب الطائي مراسلات، و حاجب معروف بمكانته الدعوية في الحركة الإباضية.

عرف في كتب السيرة و التاريخ بدوره العظيم في نشر المذهب الإباضي في الحجاز و اليمن و التخلص من جور الأمويين و استبدادهم، شارك في ذلك بعلمه و ماله، و جاهد بنفسه.

و يعتبر من أكبر الدعاة إلى الله، إذ اتخذ له مجلسا للتذكير و الوعظ و الإرشاد ينعقد كل يومي اثنين و خميس من كل أسبوع. و يكون في أي وقت دعت إليه الحال ليلا أو نهارا في أي يوم كان. و هي طريقة دعوية سار عليها الإباضية من بعده، تدعى عندهم المجتمع أو الجمع أو الميعاد، و هي ألفاظ مترادفة لمعنى واحد، و أصبحت من مصطلحاتهم، و أبو الحر أول من رتب هذه المجالس السرية في مكة. (الدرجيني، طبقات، ج1/5).

و يبدو من أخبار السير أن أبا الحر كان ناجحا في طريقته الدعوية، و منهجيته في التربية، و كان له تأثير في إقناع المذنبين للإقلاع عن ذنوبهم. فقد أوردت له كتب السيرة قصصا طريفة في هذه السبيل، و قد أثمرت مجالسه بأن يجمع الكثير من المقتنعين بمنهج أهل الدعوة الذين أصبحوا فيما بعد من جنوده، و قادة في جيش أبي حمزة الشاري. و من كلماته الجامعة في هذا الصدد قوله “الأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب”

اشتهر أبو الحر بعلمه الغزير، و ورعه و تقواه، و بعد نظره، و حصافة رأيه، و لا أدل على ذلك من رسالته إلى الإمام عبد الله بن يحي طالب الحق عندما تم له النصر في اليمن، يلح له فيها بأن لا يفرحه النصر، و أن يلتزم مسلك السلف الصالح في الثبات على البر و التقوى، و ألا يغتر بالدنيا و يتخذها مبتغى و هدفا، فإن الإغترار بالدنيا أول المزالق و الإنحراف، و يوصيه بالالتزام الصارم بسيرة الرسول محمد e و الصحابة الكرام، و يقتدي بهم حتى تستمر الدعوة في جني ثمارها، و تتوسع في أطراف البلاد، و في مقدمتها مكة و المدينة، حيث يتم الاستعداد حثيثا لاستقبال أبي حمزة الشاري و من معه (النص في كتاب قناطر الخيرات، الجيطالي، ج1/213-214).

و بالرغم من الحذر و السرية التي أحاط بهما حركته، و في الوقت الذي اتفق فيه مع أبي حمزة الشاري للقاء بعرفة سنة 129هـ، ألقت عليه السلطة الأموية القبض بأمر من الخليفة مروان بن محمد، و قيدته بجامعة من حديد ( و هي وسيلة من وسائل الإعتقال تمنع الأسير من الفرار) و سيق إلى الشام.

لكن الشراة لم يغفلوا صاحبهم لمكانته العظيمة –و لا شك- عندهم، فخرج عيسى بن عمر في أربعة عشر رجلا من المسلمين (أهل الدعوة) فخلصوه من جند مروان من بعد أن جاوزوا المدينة نحو الشام بمراحل (سير الشماخي، ص100. كذا الجعبيري، أبو حمزة الشاري، ص199)

و من خلال هذه الأخبار ندرك دور أبي الحر في حركة أهل الدعوة في الحجاز التي كان من ثمارها أن يجتمع لأبي حمزة عندما أراد الخروج إلى الشام أربعمائة رجل من نواحي مكة (و هذا العدد ليس بالقليل). و لمكانته تلك أختير ضمن أعضاء الوفد الستة الذين أرسلهم الإباضية لمقابلة الخليفة العادل عمر بن العزيز، و الإدلاء بآرائهم و مواقفهم في قضايا الحكم و شؤون الأمة، و طلبوا منه العمل على تصحيح الأوضاع، و العودة بالأمة إلى نهج الرسول e و خلفائه الراشدين، و منع سنة لعن الإمام علي على المنابر (محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج2/175)

على أن أباالحر لم يكن داعية بالعلم و الموعظة وحدهما، بل كان مثالا في التفاني في خدمة الدعوة بماله الخاص، فقد بسط الله عليه رزقه، فكان ينفق ثلاثة أرباع ما ينفق على حاجات الأمة، ذلك أنه كانت تأتيه غلته من البصرة إلى مكة نقرة واحدة ذهبا، فيقسمها نصفين، فيفرق نصفها على فقراء المسلمين و ربعا في نفقته، و ربعا يحبسه يهيئه لمن يمر به من المسلمين في معاونتهم (سير الشماخي، ص101. الجعبري، م.س، ص99)

لم يكتف أبو الحر في الجهاد بعلمه و ماله، بل أصبح من قواد أبي حمزة الشاري و قادته بعد لقائهما في مكة، حيث شارك في معركة (وادي القرى)، و (قديد) و كان إلى جانبه في مكة و المدينة، و أبلى بلاء حسنا. و تورد كتب السيرة عنه أخبارا تدل على حصافة رأيه، و بعد نظره في قيادة المعارك (السيابي، العقود الفضية، ص221)

ظل ثابتا في الجهاد إلى جانب أبي حمزة الشاري حتى النفس الأخير، إذ دخل دارا من دور قريش، فأحدق أهل الشام بالدار فأحرقوها، فلما رأى ذلك رمى بنفسه من الدار فقاتلهم، فأسر و قتل و صلب مع أبي حمزة الشاري، و لم يزالوا مصلوبين حتى أفضى الأمر إلى بني العباس سنة 130هـ (السيابي، العقود الفضية، ص222)

و قد ورد اسم أبي الحر علي بن الحصين في القصيدة التي رثي بها طالب الحق، و فيها عدد الشاعر عمرو بن الحصين العنبري صفات أبي الحر و مكانته العظيمة عند الإباضية، فذكر أنه كان آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، متواضعا، وفيا لإخوانه، حكيما في نظراته و مواقفه، فصيحا لسنا، ذو كرم و سخاء، يرفد المحتاجين، و يحمل الضعفاء، له غيرة و حمية على دين الله يظهرها بأقواله و أفعاله

و ابن الحصين و هل له شبه في العُرف أنى كان و النكر

بسامة لم تحنِ أضلعــــه لذوي أخوته على غمـــر

طلق اللسان بكل محكمــة رآب صدع العظم ذي الوقر

لم ينفكك في جوفه حــزن تغلى حرارته و تستشـري

ترقى و آونة يخفضـــها بتنفس الصعداء و الزفــر

أهم المصادر
· اسماعيل الجيطالي، قناطر الخيرات، الجزائر، 1963م، ج1/160، 161

· جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000م، ج2/292

· ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتاب العربي، بيروت، ص235

· الدرجيني، طبقات المشايخ، ت طلاي ابراهيم، دار البعث، الجزائر (دت) ج1/5،7. ج2/210، 251، 262، 263، 269-273

· سالم بن حمود السيابي، الحقيقة و المجاز في تاريخ الإباضية باليمن و الحجاز، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، 1400هـ/1980م، ص 97،113،114

· سالم بن حمود الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، سلطنة عمان (دت) ص، 221،222

· أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، تحقيق: سمير جابر، دار الفكر، بيروت، 1986م، ج23/24، 25، 143، 144

· فرحات الجعبيري، أبو حمزة الشاري، وزارة التربية و التعليم، سلطنة عمان، (دت) ص، 99-101

· أبو عبد الله محمد بن اسماعيل، البخاري، التاريخ الصغير، دار المعرفة، بيروت، 1406هـ/ 1986م، ج2/ 16، 172

· أبو عبد الله محمد بن اسماعيل، البخاري، التاريخ الكبير، دار المعرفة، بيروت، (دت) 1406هـ/ 1986م، ج6/ 267

· عيسى العزري، السير العمانية، مخطوط،معهد العلوم الشرعية، سلطنة عمان، ص71-73

· أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي، جمهرة النسب، مكتبة النهضة العربية، بيروت، 1986م، ص257

· مجهول، سير علماء الإباضية (مخطوط) مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، مسقط، ورقة62 و ما بعدها

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك