علاقة الاباضية بالدولة الأموية

إن نظام الحكم في الإسلام هو الذي جاءت قواعده الأساسية في كتاب الله تعالى وفي سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وطبقه الخلفاء الراشدون بطريقة عملية. وبما أن الخلافة هي أهم مرافق الدولة، وأعظم مظهر للأمة، وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله، وتطبيق الكتاب العزيز، فقد جاء الإسلام بنظام الإمامة في رئاسة الدولة الإسلامية، ليقود المسلمين في كل زمان ومكان أفضل أبنائها وأكثرهم كفاءة، وأتمهم في الورع والنزاهة والإخلاص. فالخلافة بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، وإنما يجب أن يشترط فيها الكفاية الدينية والخلقية والعملية والعقلية، فإذا تساوت هذه الكفايات في عدد من الأشخاص أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو وسائل الترجيح.
و تنعقد الإمامة في الدولة الإسلامية بطريق واحد لا ثاني له، ألا وهو اختيار أهل الحل والعقد للإمام أو الخليفة، وقبول الإمام أو الخليفة لهذا المنصب. وبهذه الطريقة بويع الخلفاء الراشدون جميعا. لكن الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم لم يلتزموا بهذا الأصل فتحولت الخلافة الإسلامية منذ أن عهد معاوية بن أبي سفيان إلى ابنه يزيد بالخلافة إلى ملك عضوض وبذلك تحقق قول الرسول صلي الله عليه وسلم في الحديثين الذين رواهما الإمام أحمد في مسنده.
الحديث الأول رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَـتُنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبت الناس بالتي تليها وأولها انقضاء الحكم وآخرهن الصلاة)[1]، والحديث الثاني رواه حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه إذا شاء الله أن يرفعه ثم يكون ملكا جبريا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم تكون خلافة على منهاج النبوة[2]).
ومن خلال تتبع ما حدث بعد معركة صفين ومقتل الإمام علي كرم الله وجهه وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة إلى معاوية وما حدث بعدها من أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد، نجد أن عروة الإسلام الأولى -وهي الحكم – قد انتقضت، ومنذ ذلك الحين انتقل الحكم الإسلامي إلى ملك عضوض توارثه بنو أمية ثم بنو العباس ومن جاء بعدهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وبقدر ما يؤكد الحديث الثاني أنه ستكون في آخر الزمان خلافة على منهاج النبوة وهي بشارة لهذه الأمة التي تعاني في هذا العصر من الملك الجبري أو الملك العاض في أماكن عدة من بلاد الإسلام، فإنه يبين بوضوح أنه سيحدث انحراف عن منهاج النبوة مباشرة بعد الخلافة الراشدة. وأول انحراف حدث – كما هو معروف – هو الانحراف في اختيار الخليفة أو الحاكم وهو ما عناه النبي (صلى الله عليه وسلم ) في الحديث الأول الذي ينص على أن أول ما يُنتقض من عرى الإسلام هو الحكم. وقد بدأ الانحراف في الحكم منذ تحكيم الحكمين بعد معركة صفين، التي راح ضحيتها آلاف من الصحابة والتابعين، وبعدها توارث بنو أمية الخلافة الإسلامية. وقد صاحب هذا الانحراف في اختيار الخليفة، عدم الالتزام بالعدل في الحكم وعدم الحرص على أموال الأمة.
ففي عهد الخلافة الراشدة كان المسلمون يختارون للخلافة أكفأهم لها، وأقدرهم على سياسة الأمة، لكن الأمر تغير بعد ذلك فقد أجمع المؤرخون والفقهاء وعلماء الأمة على أن أمراء وحكام الأمويين أو العباسيين قد تولوا الحكم عن غير مشورة من المسلمين، وفرضوا أنفسهم على الأمة، عدا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، كما أن أكثرهم قد عاث فسادا في بيت مال المسلمين، فبدلا من إنفاقه في مصالح المسلمين ووضعه حيث أمر الله، أنفقوه على شهواتهم وأهوائهم, وعلى الشعراء – الذين كالوا لهم المديح – وعلى أنصارهم من القواد الذين ساعدوهم على تثبيت حكمهم.
يقول أبو الحسن الندوي[3] في كتابه القيم “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” في الفصل الثاني من الكتاب تحت عنوان “الانحطاط في الحياة الإسلامية” بعد أن تحدث عن المجتمع الإسلامي الأول وعصر الخلفاء الراشدين (ولكن من المؤسف ومن سوء حظ العالم البشري أن تولى هذا المنصب الخطير رجال لم يعدوا له عدة, ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية عميقة متينة كما تلقى الأولون وكثيرون في عصرهم وجيلهم, ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية وهذا الحكم عام يتمثل في خلفاء بني أمية وبني العباس، حاشا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فظهر في ذلك ثلمات في ردم الإسلام لم تسد حتى الآن، ووقعت تحريفات في الحياة الإسلامية ووقع فصل بين الدين والسياسة عمليا، فإن هؤلاء لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء أهل الدين فاستبدوا بالحكم و السياسة، واستعانوا – إذا أرادوا واقتضت المصالح – بالفقهاء ورجال الدين, فتحررت السياسة من رقابه الدين, وأصبح رجال الدين والعلم بين معارض للخلافة وخارج عليها, وحائد منعزل اشتغل بخاصة نفسه, ومنتقد يتلهف ويتنفس الصعداء مما يرى ويسمع ولا يملك من الأمر شيئا, ومتعاون مع الحكومة لمصلحة دينيّه أو شخصيّه, ولكل ما نوى, وحينئذ انفصل الدين والسياسة، وأصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي, وأصبحت السياسة مطلقة اليد, حرة التصرف, نافذة الكلمة, صاحبة الأمر والنهي, ومن ثم أصبح رجال العلم والدين طبقه متميزة، ورجال الدنيا طبقه متميزة, والشقة بينهما شاسعة, وفي بعض الأحيان بينهما عداء وتنافس. ولم يكن كثير من رجال الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق, بل كان في عدد منهم عروق للجاهلية ونزعاتها, فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة, وأصبحوا أُسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم، وزالت رقابة الدين والأخلاق, وارتفعت الحسبة وفقدت حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطانها, لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب, فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها وأخلد عدد كبير من الناس إلى الترف والنعيم والملاهي والملاعب وانغمسوا في الملذات والشهوات, ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو, وتهافت علي الملاهي والملذات[4].
ويقول خالد البيطار في كتابه ” الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ” (عندما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز كانت الأوضاع قد وصلت إلى حال لا ترضي أحدا وقد ساءت الأحوال قبيل استلام يزيد بن معاوية واتسعت الهوة بين الخلفاء والعلماء وصار الناس في واد وحكامهم في واد آخر. وقد ازدادت الأحوال سوءا باستلام بعض الولاة أمثال الحجاج لِما جنت أيديهم من ظلم وعسف، وقد وقع الخلفاء بما وقع به الولاة من ظلم وجور, ووقعوا كذلك في البطر والترف فصاروا يجمعون الأموال وينفقونها في غير محلها ويعطون الأعطيات بلا حساب ولا رقيب ولا قانون . كان الشاعر يدخل على الخليفة أو الوالي فيمدحه فيكيل له من المال ويخلع عليه من الأعطيات. وقد اعتمدوا على المظاهر في خلافتهم, وكانوا يأخذون الناس بالشبهة فلا احترام لأحد إلا بقدر ما يؤيدهم في مخالفاتهم أو يكف لسانه عنهم وقد عاملوا أهل البيت ومن يمت إليهم بصلة أو من يؤيدهم أسوأ المعاملة حتى وصل الأمر بهم إلى شتم الإمام علي ولعنه على المنبر وكانوا يتصفون بالقسوة في كل أمورهم بالنسبة لمن يخالفهم، وقد أنفقوا كثيرا من الأموال وأضاعوا الرجال في حروبهم مع الخوارج ومع غيرهم . وقد بذلوا من أجل إبقاء الخلافة في البيت الأموي الكثير من الجهود، واكتسبوا كثيرا من العداوات والمخالفات لأكابر الصحابة والعلماء . كل تلك الأمور جعلت الناس في ضيق بل جعلتهم ينتظرون اليد الحانية المصلحة التي تعيد الحق إلى نصابه وتعيد إليهم أمنهم وراحتهم وتعيد إلى الإسلام وجهه الناصع وإلى المسلمين العدل والحق[5].
وهذه بعض الأمثلة لأعمال الأمويين المخالفة لأحكام الإسلام

· جعل الأمويون لعن الإمام علي سنة على المنابر في المساجد منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، ودام هذا حوالي ستين سنة حتى جاء عمر بن عبد العزيز فاستبدله بقول الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [6].

· كان يزيد بن معاوية من شاربي الخمر سماعي الغناء والمستهترين بأوامر الله، وكان ممن اتخذ الصيد حرفة واتخذ الفتيان والغلمان والتفكه بالقرود وغيرها من الأعمال التي لا تليق بالخلفاء في الوقت الذي كانت فيه الفتن على أشدها.

· في عهد يزيد بن معاوية قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما وقُتل معه من أهل بيته ومن أصحابه سبعون رجلا في موقعة كربلاء المعروفة، وفي عهده أيضا في سنة 63 للهجرة خرج أهل المدينة على يزيد لِقلّة دينه فجهز لهم مسلم بن عقبة فخرجوا له بظاهر المدينة فاستبيحت المدينة المنورة مدة ثلاثة أيام وقُتل من أهل المدينة في واقعة الحرة المشهورة من الصحابة والتابعين عدد كبير منهم عبد الله بن حنظلة المشهور بغسيل الملائكة.

· ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء بعضا من أخبار عبد الملك بن مروان منها قول يحيى الغساني أن عبد الملك بن مروان كان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء، فقالت له مرة : (بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد المنسك والعبادة. قال: أي والله والدماء قد شربتها). وقال العسكري : (كان عبد الملك أول من غدر في الإسلام[7]، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف). وقال ابن عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال هذا آخر العهد بك[8].

· قال عبد الملك بن مروان في خطبته بالمدينة : (والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه)، رغم أنه كان عابدا زاهدا قبل توليه الخلافة وكان معدودا في الفقهاء، إلا أنه قد تغير بعد ذلك. قال السيوطي (لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا توليته للحجاج على المسلمين وعلى الصحابة رضي الله عنهم يهينهم ويذلهم قتلا وضربا وشتما وحبسا لكفى).

· في عهد الوليد بن عبد الملك الذي ورث الخلافة عن أبيه سار سيرة والده حتى أن عمر بن عبد العزيز قال: (امتلأت الأرض – والله – ظلما وجورا). وذلك حين كان الوليد بالشام والحجاج بالعراق وعثمان بن حجارة بالحجاز وقرة بن شريك في مصر.

· كان يزيد بن عبد الملك أخو الوليد صاحب لذّات وطرب، مولع بالغناء، فقد اشتهر بصحبته لحُبابة وسُلامة المغنيتين حتى قيل أنه مات بسبب جزعه على موت حبابة. وقد ذكر السيوطي أنه أقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك.

· عندما كتب السيوطي عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك وصفه بقوله “الخليفة الفاسق” فقال فيه كان فاسقا، شاربا للخمر، منتهكا لحرمات الله، أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه، وخرجوا عليه فقُتل. ولما قُتل وقُطع رأسه وجيء به، نظر إليه أخوه سليمان بن يزيد فقال : بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا.

· أما أعمال الحجاج فهي لا تحصى ويكفي أن نذكر أن الحجاج بعث إلى ابن عمر من يضربه بطرف رمح مسموم فمات منها، وختم في عنق أنس ابن مالك ختما يريد بذلك إذلاله.

· أحرق الأمويون البيت الحرام ورموه بالمنجنيق. كل هذا حدث من أجل القضاء على معارضيهم وتثبيت حكمهم. فقد أهرق الأمويون كثيرا من الدماء ظلما وعدوانا. وقد تمثل ذلك في قتلهم لعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وحجر بن عدي وأصحابه وضربهم لمكة بالمنجنيق وقتلهم لكثير من الأبرياء وخصوصا في عهدي عبيد الله بن زياد والحجاج. ولقد استطاع الأمويون أن يضفوا على دولتهم صفة شرعية بالقوة والعنف أحيانا، وبالدهاء والحيلة أحيانا أخرى.

· تهاون الأمويون في العمل بسنّة الرسول (صلى الله عليه وسلم )، ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن القيم في زاد المعاد في حديثه عن القراءة في الصلاة قال: (وأما المداومة فيها على قراءة قصار السور دائما فهو فعل مروان بن الحكم، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابث، وقال: (مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله (ص) يقرأ في المغرب بطولى الطولين، قال: وما طولى الطولين؟ قال : الأعراف). قال ابن القيم في زاد المعاد: قال شيخنا (يقصد ابن تيمية) وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية في الصلاة، وأحدثوه فيها كما أحدثوا فيها ترك تمام التكبير، وكما أحدثوا فيها التأخير الشديد، وكما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه (صلى الله عليه وسلم )، يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء (خرج القراء وهم أهل القرآن والصلاح بالعراق على الحجاج لظلمه وتأخيره الصلاة والجمع في الحضر، وكان هذا مذهبا واهيا لبني أمية كما أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) : (يكون عليكم أمراء يميتون الصلاة) [9].

هذه بعض النماذج من سلوك أمراء الأمويين، وقد يوجد في هذه الأخبار بعض المبالغات من المؤرخين في وصف تصرفات وسلوك بعض الأمراء، لكنها أيضا لا تخلو من حقائق مهمة أجمع عليها المؤرخون وهي أن الخلافة الإسلامية تولاها من ليس أهلا لها، كما أنهم لم يلتزموا بالإسلام في أنفسهم ولا طبقوا العدل في رعيتهم، فكان من نتيجة ذلك أن نقم الناس على سيرتهم وحكمهم خصوصا أن كثيرا منهم كان من بقية الصحابة ومن أبناء المهاجرين والأنصار الذين ذاقوا حلاوة العدل والشورى في ظل الخلافة الراشدة فلم يرتضوا سيرة ولاة الأمويين المخالفة لمبادئ الإسلام، فمنهم من سكت، ومنهم من أنكر عليهم مخالفتهم للدين واستئثارهم بالرئاسة وهي شورى بين المسلمين، ومنهم من رفع السيف وأخذ يقاتلهم. ولكن الدولة الأموية كانت في شبابها وقد استقر لها الأمر فركزت كل جهدها إلى ضرب خصومها. ومن يدرس تاريخ الدولة الأموية يجد أن فترة حكمها كانت أغلبها فترة حروب مع معارضيها حتى انتهت على أيدي العباسيين. قال الثعالبي: (روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: رأيت هنا في هذا القصر – وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة – رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس، ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بين أبي عبيد، ثم رأيت رأس المختار بن يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير بين يدي عبد الملك، فحدثت بهذا الحديث عبد الملك، فتطير منه وفارق مكانه).

ومن أجل هذه الأعمال وغيرها كثير مما هو مفصل في كتب التاريخ ونتيجة للانحراف بالحكم الإسلامي عن حقيقته فقد عمت النقمة على الأمويين العالم الإسلامي كله ما عدا فئة من المستفيدين بالوضع والمعتزين بالجاه والمنصب.

ولقد اتفق الصحابة والتابعون والعلماء والفقهاء وعامة المسلمين الصادقين على أن الحكم بعد الخلافة الراشدة قد انحرف عن مجراه الطبيعي في النظام الإسلامي باستثناء خلافة عمر بن عبد العزيز، ولكنهم رغم اتفاقهم أن الحكم قد انحرف، فقد اختلفوا في معالجة هذا الانحراف حسب قربهم وبعدهم عن الحكم وفهمهم للإسلام، و حسب تصوراتهم لما حدث وكيف حدث. وباستقراء الحوادث التاريخية يمكننا أن نقسم آراءهم إلى ثلاثة أقسام:
· قسم غير راض فهو ينتقد وينقم، ولكنه في نفس الوقت يقف من الحكم الأموي موقفا مسالما، لا يجهر بالنقمة، ولا يدعو إلى الثورة خوفا من فتنة تضر بالأمة، أكثر مما تصلح، وتشتت أكثر مما تجمع، ولذا فهم يرون وجوب الخضوع للأمر القائم حتى تتبدل الأمور. ويمثل هذا الجانب علماء الحديث الذي استطاعوا أن يتكيفوا مع الوضع القائم وأن يهتموا بجمع الحديث وحفظه.

· وقسم آخر رفع السيف وأخذ يقاتل الأمويين، وقد تطرف بعض منهم حتى أنهم استحلوا دماء المسلمين دون حق، وهؤلاء الذين أطلق عليهم فيما بعد اسم الخوارج. ومنهم الأزارقة والنجدات.

· وقسم ثالث كان ينتقد الانحراف ويطالب بتنفيذ أحكام الله والاستمساك بشريعته دون دعوة تؤدّي إلى فتنة جامحة، فهم يقفون موقف الناقد الصريح الذي لا يسكت عن منكر، ولا يرفع سيفا.

وكانت الإباضية من أوائل الفِرَق التي أنكرت على بنى أمية استئثارهم بالحكم دون غيرهم وتصرفهم في بيت مال المسلمين دون حق، لكنها لم ترفع السيف في وجه أحد، إلا أن الدعاية السياسية في العهد الأموي استطاعت أن تضفي لقب الخارجية على كل من عارضها سواء بالسيف أو اللسان، وحتى بالسكوت، ومنذ ذلك الوقت صنفت الإباضية من طائفة الخوارج.
وانتشرت كلمة الخوارج وتلقفها الناس فنشروها في كتبهم وفي أحاديثهم، وفي المجالس الخاصة والعامة، كما وضعت كثير من الأحاديث في ذم الخوارج. ووجد الكذابون والمشنعون والمستغلون ميدانا فسيحا للافتراء والزيادة فنشروا أباطيل كثيرة عن الخوارج تناقلها الناس كأنها وقائع وأخذها كتاب المقالات كمادة علمية حشوا بها كتبهم دون تحقيق أو تمحيص أو نقد، فأصبحت كأنها حقائق لا يتوجه إليها نقد ولا يرتفع بصددها نقاش[10].

المراجع
مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث رقم ….[1]

مسند الإمام أحمد، حديث رقم …..[2]

[3]) أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، الطبعة الثامنة، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 132-134.

[4]) أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص

[5]) خالد البيطار: عمر بن عبد العزيز

[6]) سورة النحل آية 90

[7]) أخرج العسكري بسنده عن ابن الكلبي قال : كان مروان بن الحكم ولى العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه عبد الملك، فقتله عبد الملك، وكان قتله أول غدر في الإسلام. نقلا عن تاريخ الخلفاء ص. 216

[8]) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 216

[9]) الحديث أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي ذر قال: (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها) قال : قلت فما تأمرني؟ قال: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة).

علي يحي معمر ، …..

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك