كشف الغطاء عن آية { ويغفر مادون ذلك لمن يشآء }

الحمد لله ،، أما بعد ..
فإن المسلم الغيور على دينه ليغص بحسرته وهو يرى حرمات الله تعالى تنتهك وأوامره تهمل لا من قبل الملاحدة الجاحدين وحدهم ولكن من قبل أهل القبلة الموحدين،وليس السائق لهؤلاء إلى هذه الدهاليز المظلمة من الغواية هو النفس والشيطان والهوى فقط.. بل إن هناك من يروج لهذا الضلال باسم المنهج القويم وهدي القرآن والسنة والسلف الصالح ،ومن تلك الأفكار الموبوءة والتي يحاول بعض الناس الترويج لها ونشرها بين الضعفاء ذلك التفسير المشين لقوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِافْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء/48] ،فإن بعض الناس يرى أن معنى هذه الآية الكريمة هو أن الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله تعالى هو الشرك فقط ،وأما عدى الشرك فإن الله تعالى يغفره وإن مات صاحبه مصرا عليه!!ثم جاء من يزيد الطين بلة والبحر ملحا ليزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال:” شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ” وهو حديث رواه أبو يعلى وغيره وصححه غير واحد من أهل الحديث!!! والقائمون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة السعودية!!! قد وضعوا هذا الحديث على ميسرة قاصد قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده الشريف!!!!

وهذا الفكر جد خطير على مجتمعات المسلمين خاصة وهو من أدعى دواعي الفساد والإفساد وانتشارالرذائل،كيف وهو إفساد باسم الدين؟! ،، وهذا كلام أقوله وأنا مسئول عنه أمام الله يوم القيامة ..
و لقد قمت باستعراض هذا الفهم على كتاب الله تعالى وصحيح سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهدي السلف الصالح – حتى من أهل السنة والجماعة – فوجدته منهجا لا أصل له في الإسلام بل معول من معاول هدم الفضيلة ونشر الرذائل في المسلمين – وأرجو المعذرة على هذه القسوة ولكنها قسوة في الحق وللحق ليست على شخص بعينه – ..

كلام الله يرفض هذا الفكر :

إن الفهم الذي حكيناه عن القائلين به للآية الكريمة مقتضاه أن الله تعالى يهون كل المعاصي في نفوس خلقه ما عدى الإشراك به.. فكأنه يقول لهم إعملوا ما شئتم من المعاصي ( قتل وزنا وسرقة وربا وغير ذلك ) فإنني أعدكم بمغفرتها لكم إذا اجتنبتم الإشراك بي !! وهذا المعنى ينسفه القرآن الكريم نسفا فيذره قاعا صفصفا ،وذلك حينما يقول الله تعالى{ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [الأعراف/28] نعم إن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، وتهوين أمرها في نفوس الناس أمر بها يتعالى عنه من قال عنه من قال عن نفسه{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل/90].
وأخبر سبحانه أن الذنوب هي المدمرة للشعوب فقال{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ }[الأنبياء/11-15]،{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }[القصص/58، 59]{ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ }[الأنعام/6]{ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} [غافر/21].فكيف يهونها بعد ذلك في نفوس الناس !!

السنة ترفض هذا الفكر :

ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يناقض ما أوحى الله تعالى به إليه { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف/203]،ولم يخول له صلى الله عليه وآله وسلم أن يبدل شيئا من القرآن الكريم{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [يونس/15] ولذلك كان كلامه امتدادا لتوجيهات القرآن الكريم وهداياته فكان – عليه الصلاة والسلام – يحذر أمته من المعاصي والآثام ،بل ويخص أقرب أقاربه بذلك حينما يهتف فيهم قائلا – فداه نفسي وأبي وأمي – :”( يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئا سلاني من مالي ما شئتما )رواه الربيع والبخاري ومسلم وغيرهم،فكيف يعقل بعد ذلك أن يأتي ليقول للناس( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )؟!!..
ومن تحذيراته صلى الله عليه وآله وسلم من المعاصي ما يحكيه أبو هريرة إذ يقول( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه و سلم غلاما يقال له مدعم فوجه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى بينما مدعم يحط رحلا لرسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سهم عائر فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ) . فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال ( شراك من نار أو شراكان من نار ))رواه الربيع والبخاري.

وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ردوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عارٌ على أهله يوم القيامة) رواه الربيع.
عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القليل من أموال الناس يورث النار )رواه الربيع
وماذا عسى أن يقال فيمن وجبت عليهم لعنة الله بلعن رسوله لهم ومنهم آكل الربا وموكل وكاتبه وشاهديه ، وبائع الخمر ومشتريها، وعاصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وشاربها والراشي والمرتشي والرائش وغير هؤلاء ؟!أيقال فيهم بأنهم أهل لمغفرة الله تعالى وشفاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أيلعنهم ويعدهم بالشفاعة؟!!!!

على أن حديث ( شفاعتي لأهل الكبائر ):
أولا / مصادم لصريح قول الله تعالى{ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء/26-28]،والعجب كل العجب من مفسري قومنا كيف أنهم عندما يمرون بهذه الآية ومثيلاتها يؤولونها بأحاديث الخروج من النار مع أن الذين في النار لا ينطبق عليهم قوله تعالى{إلا لمن ارتضى} فلو كان أهل النار من أهل الرضى ما دخلوها أصلا..فإذا تبين أن هذا الحديث – بهذا اللفظ – مصادم القرآن قيل ببطلانه.
ثم إن الله تعالى قد نهى عن مقارفة الكبائر فقال { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء/31]{ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى/37]{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ }[النجم/31، 32]فكيف يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليهون من شأنها ويعد أصحابه بشفاعته؟!!
ثانيا // الذي يمكننا الجزم به هو أن هذا الحديث قد عبثت به الأيدي الآثمة،وذلك لأن نصه عندنا (ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي) وهو من مراسيل الإمام جابر بن زيد رحمه الله تعالى ،،فمن هو العابث؟! هذا ما سنبينه في فصل مستقل بحول الله تعالى.

السلف يرفضون هذا الفكر//
ونعي بالسلف هم أولئك الذين لم يتلطخوا بالأفكار الدخيلة على الفكر الأصيل وذلك لقرب عهدهم وشدة اتصالهم بالنبع الأول، وقد وقفت على بعض من أقوالهم التي تفيد أنهم كانوا حذرين من المعاصي كلها الشرك وغيره مما يدل على أن هذا الفهم الاتكالي على التصديق القلبي وحده لا وجود له عندهم:
1) أنس بن مالك رضي الله عنه: جاء في آثار الربيع وصحيح البخاري وغيرهما
عنه أنه قال ” إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه و سلم من الموبقات “.
2) أبو الدرداء رضي الله عنه جاء في ترجمته في حلية الأولياء أنه اشتكى فدخل عليه أصحابه، فقالوا: ما تشتكي يا أبا الدرداء؟ قال: اشتكي ذنوبي، قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، قالوا: أفلا ندعو لك طبيباً؟ قال: هو الذي أضجعني. 3) عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جاء عنه في صفة الصفوة أنه قال لو وقفت بين الجنة والنار فقيل لي اختر نخيرك مابينهما تكون أحب إليك أو تكون رمادا لأحببت أن أكون رمادا.
وعن أبي وائل قال قال عبد الله وددت أن الله غفر لي ذنبا من ذنوبي وانه لا يعرف نسبي.
4) محمد بن كعي القرظي جاء في ترجمته في الحلية أيضا أن أمته قالت له :يا بني لولا أني أعرفك صغيراً طيباً وكبيراً طيباً لظننت أنك أحدثت ذنباً موبقاً، لما أراك تصنع بنفسك في الليل والنهار، قال: يا أماه وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي وأنا في بعض ذنوبي فمقتني .
5) يحيى بن معاذ وكان من كلامه ما رواه عنه أبن الجوزي في صفة الصفوة أنه قال :” عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب؟ هيهات، أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك “إ.هـ
6) وهذا الشبلي يقول كما في ترجمته في صفة الصفوة العارف سيار الى الله عز وجل تعالى غير واقف.
وسئل أي شيء أعجب قال قلب عرف ربه ثم عصاه.
وكان ينوح يوما ويقول مكر بك في إحسانه فتناسيت وأمهلك في غيك فتماديت وأسقطك من عينه فما دريت ولا باليت.
وقال ليت شعري ما اسمي عندك غدا يا علام الغيوب وما انت صانع في ذنوبي ياغفار الذنوب وبم تختم عملي يا مقلب القلوب؟ قال وكان الشبلي يقول في جوف الليل قرة عيني وسرور قلبي ما الذي اسقطني من عينك ثم يصرخ ويبكي.
قال وقال الشبلي لا تأمين على نفسك وان مشيت على الماء حتى تخرج من دار الغرة الى دار الامل.
وقال الشبلي اذا وجدت قلبك مع الله فاحذر من نفسك واذا وجدت قلبك مع نفسك فاحذر من الله “إ.هـ
ولو سردت من هذا القبيل ما أراد القلم لجمعنا مجلدا كاملا ،، فهل بعد كل هذا يمكن القول أن هؤلاء كانوا يعتقدون أن الذنوب كلها معفو عنها إلا الإشراك بالله تعالى؟!

إذن ماهو الفهم السليم للآية الكريمة //
علمنا كيف أن ذلك الفهم للآية الكريمة لا يستقيم مع بقية آيات القرآن الكريم والسنة المطهرة ومفاهيم السلف الصالح وقبل بيان المعنى الصحيح للآية الكريمة أقول لقد وضع القرآن الكريم قاعدة متينة لفهمه وذلك حينما قال{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء/82]،وإن مما يؤدي إلى اتهام القرآن بوقوع الاختلاف فيه أن تجتزأ آية منه دون أن تعرض على أخواتها من الآيات التي تدور في فلكها وتتحدث عن موضوعها،فتفهم فهما ظاهريا مجردا فيقع بذلك الاختلاف ،فالقاعدة التي يضعها لنا القرآن لنفهمه فهما جيدا هي عرض الآيات بعضها على بعض لاستتمام المعنى المراد واستجلائه ولنبعد عن الاختلاف..
وهذه الآية لو جنحنا بها نحو ما يريد هؤلاء فهمها به لأوقعنا القرآن في التناقض والاختلاف الذي نزه الله القرآن عنه،فهذه الآية إن كانت تخبرنا عن مغفرته تعالى للذنوب جميعا إلا الشرك – حسب فهم القوم – فهناك آيات أخرى تخبرنا أن الله يغفر كل الذنوب بلا استثناء لا للشرك ولا لغيره ومنها قوله تعالى{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر/53]،فالله يخبرنا هنا أنه يغفر جميع الذنوب ،بينما يقسم في آية أخرى الذنوب إلى صغائر وكبائر ويجعل اجتناب الكبائر هو المكفر للصغائر فيقول{ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء/31].
والفهم الصحيح هو أن يقال أن الآيات التي تخبرنا عن مغفرة الله للذنوب يكمل بعضها بعضا ولا يمكن فهم آية منها بمعزل عن الآيات الأخرى وإلا لوقعنا في إشكال عظيم ،فقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} المعنى الشرك أعظم الذنوب ولا طهارة منه إلا بالدخول في الإسلام وليس كذلك ذنوب من دخل في الإسلام وإنما يغفرها الله لمن شاء،والمشيئة المبهمة هنا بينتها آيات أخرى كقوله تعالى{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى }[طه/82]،{ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء/17، 18] وأوضحها في هذا الباب بيانا قوله سبحانه{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان/68-70].

إذا من جاء بذلك الفهم المغلوط؟!
إن من يتأمل حال الأمة بعد الخلافة الراشدة يجد أن حالها قد آل إلى الضياع والانحراف الشديد عن النهج السديد والذي تولى كبر إضلالها هم ساستها وأمراؤها،ومن ذلك ما في مروج الذهب – (ج 1 / ص 441) عن الوليد بن يزيد أحد الذين تولوا ما سموها زورا بالخلافة وإمرة المؤمنين حيث قال :” وكان الوليد بن يزيد صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء، وهو أول من حَمَلَ المغنين من البلدان إليه، وجالس الملهين، وأظهر الشرب والملاهي وَالعَزْف، وفي أيامه كان ابن سُرَيج المغني، وَمَعْبَد، وَالغَريض، وابن عائشة، وابن مُحْرز، وَطُويَس، ودحمان، وغلبت عليه شهوة الغناء في أيامه، وعلى الخاص والعام، واتخذ القِيَان، وكان متهتكاً ماجناً خليعاً، وطرب الوليد لليلتين خلتا من ملكه وأرق فأنشأ يقول:
طَال لَيْلِي وَبِتُّ أسقَى السُّلاَفَه … وأتاني نَعِيُ مَنْ بِالرُّصَافَةْ
وأتاني ببردة وقضيب … وأتاني بخاتم لِلْخِلافَه “إ.هـ
وهذا خليفة آخر يموت على كؤوس الخمر وبين المعازف وآلات اللهو والطرب ألا وهو المتوكل ،يقول الثعالبي عن ليلة واصفا ليلة مقتله كما في ثمار القلوب في المضاف والمنسوب – (ج 1 / ص 59):” هي الليلة التي قتل فيها؛ وكانت ثلمة الإسلام، وعنوان سقوط الهيبة، وتاريخ تراجع الخلافة. وكانت ليلة الأربعاء لثلاث خلت من شوال سنة اثنتين وثلاثين ومئتين؛ قتله باغر التركي بمواطأة المنتصر في مجلس أنسه؛ وقد أحدق به الندماء والمطربون، ودارت الكؤوس، وطابت النفوس، فانقلب مجلس اللهو والطرب إلى مجلس الويل والحرب.
وقد أكثر الشعراء في وصف هذه الوقعة؛ فمنهم إبراهيم بن أحمد الأسدي، يقول من قصيدةٍ:
هكذا فلتكن منايا الكرام … بين ناي ومزهرٍ ومدام
بين كأسين أروتاه جميعاً … كأس لذاته وكأس الحمام “إ.هـ
إن هؤلاء لا بد أن يقدموا لخلاعاتهم هذه مبررات يرضون بها الرأي العام ولا مبرر لها سوى التهوين من شأن ما يقترفون فعبثوا بتراث الإسلام وحرفوا ليكون خادما لملذاتهم وقدموا الرشاوى لعلماء السوء كي يعملوا على ترويج مثل هذه الأفكار التي لا أصل لها في دين الله تعالى،ولا أستبعد أن يطير بذلك اليهود فرحا فيعينوا على دس أفكارهم لتأييد أهواء الحكام من جهة ولدس عقائدهم وأفكارهم من جهة أخرى والله المستعان.
هذا وأسأل الله أن أكون قد وفقت فيما دونت والله هو المسئول أن يطهر هذه الأمة من كل درن وأن ينهض بها من كبوتها إنه على كل شيء قدير
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك