شبهات خصوم الاسلام في الحج

تدور على ألسنة خصوم الإسلام شبه منها يقولون بأن في الحج بقايا من الوثنية من حيث تقديس الأحجار والطواف حولها والازدحام من أجلها، فكيف يرد على مثل هذه الشبهة؟
(الإجابة لمفتي عام سلطنة عمان الشيخ أحمد الخليلي )
ـ أعوذ بالله، هذه شبه أهل الجاهلية، نحن وجدنا هذه المقالة قالها من قالها من الملاحدة، وقالها من قالها من النصارى من أمثال زويمر الذي حاول أن ينتقد الإسلام بسبب ما كان يعتمل بين جوانحه من حقد على الإسلام والمسلمين وكان هو يطمح إلى تنصير الجزيرة العربية بأسرها والقضاء على الإسلام في مهده كان من ضمن ما انتقد به الإسلام أن الإسلام لا تزال فيه بقايا وثنية ومن بين هذه البقايا تعظيم البيت الحرام.
هذا ولا ريب أن البيت الحرام أولاً قبل كل شيء تعظيمه ليس تعظيماً ناشئاً من فكر الإنسان القاصر المحدود، هنالك فارق بين أن يكون الإنسان معظماً لشيء أُمر بتعظيمه من قبل ربه سبحانه وتعالى، وبين أن يكون معظماً لشيء تعظيمه أخترع تعظيمه من تلقاء نفسه، فإن الله تبارك وتعالى تعبد عباده بما تعبدهم به، تعبدهم بأمور يعرفون غاياتها ويعرفون حكمها وأبعادها فهذه الأمور هي أمور كما يعبر عنها العلماء معقولة المعنى لأن حكمها واضحة ونتائجها وثمارها ظاهرة، وهنالك أمور أخرى هي بخلاف ذلك، أمور تعبدنا الله تبارك وتعالى من غير أن نعرف الحكمة فيها مثال ذلك الصلوات الخمس،
الصلاة من حيث العموم هي معقولة المعنى والغاية لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ولأجل هذا اُمرنا بإقامتها (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(العنكبوت: من الآية45)، ولكن هل معنى هذا أن كل ما تنطوي عليه هذه الصلاة هو معقول المعنى ندرك أبعاده وغايته؟. لا، فهنالك فارق بين صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الفجر، ففرض الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، وفرض المغرب ثلاث ركعات، وفرض الفجر ركعتان لماذا كان ذلك؟ ذلك أمر لا ندريه، كذلك نفس هذه الصلاة بعض الأعمال تتكرر فيها في كل ركعة، وبعضها لا تتكرر، الركوع في كل ركعة هو متكرر، الركوع يتكرر في كل ركعة ولكن مرة واحدة بينما السجود يتكرر في كل ركعة مرتين، كذلك تكبيرة الإحرام هي تكبيرة واحدة وإن كان التكبير يتكرر في جميع الانتقالات ولكن هو غير تكبير الإحرام، التشهد يتكرر مرتين في الرباعية والثلاثية ويكون مرة واحدة في الصلاة الثنائية لماذا ذلك؟

هذه أمور لا ندريها إنما علينا أن نسلّم بأمر الله تبارك وتعالى لأننا لو حاولنا أن نتكلم فيها فإننا ننطلق في حديثها عن التخمين والظن، وليس لنا أن نقطع في هذه الأمور بمجرد ما يعتمل في نفوسنا من ظنون لأن هذه الظنون كثيراً ما تكون خاطئة. فهذه أمور تعبدية علينا أن نتقبلها ولو كنا لا نعرف الحكمة منها فليس لنا ان نتساءل لماذا يتكرر السجود ولا يتكرر الركوع، بل علينا أن نمتثل أمر الله وبهذا يتبين الفارق بين المطيع والعاصي وبين المؤمن والكافر وبين البر والفاجر.

كذلك بالنسبة إلى أعمال الحج هناك أعمال هي غير معقولة المعنى وإنما هي أعمال تعبدنا بها فعلينا أن نمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، قد تكون هنالك أسباب نتصور ونعتقد أنها هي من وراء مشروعية بعض هذه الأحكام ولكن ليس لنا أن نقطع بهذه الأسباب إذ هذه أمور ظنية لا يقطع بها ما لم يكن هنالك دليل قطعي نصي يدل عليها، مثال ذلك السعي بين الصفا والمروة ذلك أمر نحن لا نستطيع أن نقطع بأن سببه كذا وإنما قيل بأن سببه ما كان من قصة هاجر عليها السلام، ولكن لماذا خلد الله تبارك وتعالى هذا الأمر وجعله عبادة تجب على العباد؟ ذلك أمر لا ندريه.
الهرولة التي تكون في السعي كذلك نفس الشيء أمر نحن لا نستطيع أن نقطع بسببها وإن كان قيل بأننا نهرول حيث كانت هاجر تهرول، كذلك بالنسبة إلى الوقوف بعرفات ولماذا خص باليوم التاسع دون غيره من الأيام، والبقاء في منى لمدة ثلاثة أيام ورمي الجمار فيهن كل ذلك من الأمور التي علينا أن نسلم تسليماً لها من غير أن نخوض في أعماقها.
أما بالنسبة إلى تعظيم الكعبة وتعظيم الحجر الأسود فإن هذا أمر فرضه الله تبارك وتعالى علينا، ونحن نرى فيما جعله الله سبحانه وتعالى من أعراف العباد ما فيه مقنع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، نحن نرى أن خرقة تعلق فتكون تلك الخرقة لها شأن عند الناس بسبب أنها علم لدولة من الدول، أصحاب تلك الدولة يحرصون على ألا تمس بسوء قط مع أنها مجرد خرقة ليست لها ميزة دون غيرها من الخرق ولكن صارت رمزاً لتلك الدولة.
فالكعبة البيت الحرام إنما هو رمز لامتثال دين الله والانصياع لأمر الله. وهنالك تلتقي وفود الله تبارك وتعالى التي تأتي من بقاع الأرض كما قال سبحانه وتعالى (ِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج: من الآية28)، ومن بين هذه المنافع ما يحصل ما بينهم من التعارف وما يحصل ما بينهم من التآلف وما يحصل ما بينهم من الانسجام، وما يحصل بينهم من التعاون على البر والتقوى.
فإن وفود الحق سبحانه تأتي من بقاع الأرض إلى تلكم الأماكن المقدسة على اختلاف أحوالها وهم كلهم يأمون تلكم الكعبة، وهم جميعا يرددون شعاراً واحداً قائلين جميعاً : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك، هم يرددون هذا الكلام نفسه على اختلاف ألسنتهم، والكل أيضاً يتجرد في ثوبين مع ما يكون بينهم من التمايز عندما يكونون في حالاتهم العادية بحيث يكون هذا متميزاً هذا بزيه وذاك متميزاً بزيه إلا أن كل واحد يترك زيه ليتجرد في ثوبين،
ثم مع هذا يحصل أيضاً تلاقي أصحاب المهارات وأصحاب الخبرات على اختلاف أنواعها وفي هذا ما يجعلهم يتعارفون ويبحثون قضاياهم ومشكلاتهم المتنوعة ويعطون الحلول فيكون في ذلك تعاون على البر والتقوى بمشيئة الله وينطلقون من هنالك وكل واحد منهم أخذ شحنة إيمانية في نفسه من خلالها يتمكن بأن يشق طريق الخير داعياً إلى الله سبحانه وتعالى ممتثلاً لأمره متجرداً من جميع ما يعوقه عن السعي إلى الخير والدعوة إليه، هذا كله من حكمة مشروعية الحج كما قال سبحانه وتعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ….) (الحج: من الآية2

منقول

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك