تجديد الفقه وتيسيره

تجديد الفقه وتيسيره*

إعداد: د. خلفان بن سنان بن خلفان الشعيلي**

 

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، ففيها الحلول لكل القضايا التي تعتري حياة البشر. فالتجدد موجود في القضايا والأحكام منذ عهد الصحابة والتابعين، فقد اجتهدوا في قضايا عصرهم ويسروا على الناس في أحكامهم، وتبعهم على ذلك مؤسسو المذاهب الإسلامية، ولم يختلف فقهاء الإباضية عن غيرهم في استنباط الأحكام وتجديد الفقه بما يتلاءم مع الواقع.

والمتتبع للفقه الإباضي يلحظ أنه فقه متجدد؛ إذ إن علماءه لم يقولوا بخلو العصر من المجتهد، ولم يغلقوا باب الاجتهاد. كذلك نجد المسايرة للواقع في أحكامهم الفقهية، والتيسير على الناس في استصدار الأحكام.

وفي هذه الدراسة نحاول الإجابة عن الإشكاليات التالية:

–  ما هو موقف فقهاء الإباضية من منهج التجديد؟

–  هل للاجتهاد الجماعي دور في تجديد الفقه وتيسيره؟

–  هل للمنهج التيسيري دور في إثراء الحركة الفقهية؟

وسنتناول في هذا البحث الموضوعات التالية:

ـ تحديد المفاهيم (التجديد ـ التيسير)

ـ من هم الإباضية؟

ـ الاجتهاد عند الإباضية.

ـ الاجتهاد الجماعي.

ـ المقارنة بين فقه المذاهب الإسلامية.

ـ الخاتمة.

 

تحديد المفاهيم

ـ التجديد

التجديد لغة:

من أصل الفعل (تجدد)؛ أي: صار جديدًا، وتجدد الشيء تجددا: صار جديدا، تقول: جدده فتجدد وأجده أي الثوب وجدده واستجده: صيره، أو لبسه جديدا فتجدد. والجديد نقيض البلى والخلق([1]).

إن التجديد في معناه اللغوي يبعث في الذهن تصورا تجتمع فيه ثلاثة معان متصلة:

– أن الشيء المجدد قد كان في أول الأمر موجودا وقائما وللناس به عهد.

– أن هذا الشيء أتت عليه الأيَّام فأصابه البلى وصار قديما.

– أن ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أن يبلى ويخلق.

التجديد اصطلاحا:

عرف التجديد بعدة تعريفات نختار منها:

ـ التجديد: إعادة تفسير وصياغة الفقه بلغة العصر؛ وربط الواقع بأصول الشريعة وضوابطها([2]).

ـ التجديد: إعادة الطرح الإسلامي بصيغة مناسبة لمقتضى العصر، ويتناول تسليط الضوء على الجديد من القضايا التي لم تطرح سابقا مع الحكم عليها وفق معطيات الدليل ([3]).

إن التعريفين يدلان على حركية الفقه ومواكبته لتطورات المجتمع الإنساني ورقي العلوم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والطبية في ضوء المبادئ والقيم الإسلامية المأخوذة من الكتاب والسنة.


ـ التيسير:

التيسير لغة: مصدر يسر، يقال: يسر الأمر إذا سهله، ولم يعسره، ولم يشق على غيره، أو نفسه فيه، وفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾([4])؛ أي سهلناه للتذكر والفكر لاشتماله على حكم ومواعظ مناسبة للعقل([5]).

وفي الحديث: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا»([6])، وهو من اليسر. واليسر في اللغة: اللين والانقياد، ويقال: ياسر فلان فلانا، إذا لاينه. وتيسرت البلاد إذا أخصبت. واليسر والميسرة الغنى، وكذلك اليسار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلــَى مَيْسَرَةٍ﴾([7]).

ومن معاني التيسير في اللغة: التهيئة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾([8])؛ أي نهيئه للعود إلى العمل الصالح([9]).

والتيسير مبدأ أصيل من مبادئ الشريعة الإسلامية، ومقصد أعلى من مقاصد التشريع الإسلامي؛ فما من حكم من الأحكام إِلاَّ ويأخذ طابع التيسير. والذي يتأمل التشريع الإسلامي يوقن بهذه الحقيقة يقينا لا يخالطه شك أو ريب.

والمتأمل في القرآن والسنة يجدهما يفيضان بذلك حقا.

التيسير في القرآن والسنة:

يقول الله سبحانه وتعالى تعقيبا على أحكام الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِـكُمُ الْعُسْرَ﴾([10]). وقد ورد هذا النص مباشرة بعد النص على الترخيص، وكان كالصلة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّام أُخَرَ﴾([11]).

جاء في جامع ابن جعفر: “فهذه رخصة جائزة لمن قَبِلهَا أن يفطر إذا سَفَر وإذا مرض، ومن قَدِرَ على الصوم فصام فهو أفضل” ([12]).

وقد تكلم فقهاؤنا([13]) عن هذه الآية عند كلامهم عن مسألة (أيهما أفضل الصوم أم ا لفطر للمسافر والمريض)؟

ورجحوا التخيير للمريض والمسافر، وهذا التخيير راجع للمشقة التي يواجهها من عدمها، جاء في كتاب الفتاوى: “بل هو مخير بين الإفطار والصيام، وإنما يترجح الإفطار عندما يواجه الإنسان مشقة، ويترجح الصيام عندما يكون في راحة من غير مشقة”([14]).

ونثبت هنا بعض ما ورد في مصنفاتهم عن هذه الآية:

“فأباح الإفطار للمريض والمسافر، وأوجب عليهم القضاء بعد أيَّام فطره يريد الله بكم اليسر في الدين ولا يريد بكم العسر في التضييق عليكم”([15]).

وقال آخر: “فإن كان الفطر يسر عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل”([16])

ـ ومثل ذلك قوله تعالى﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾([17]).

وقد فسرت اليسرى بأنها: الشريعة السهلة الخالية عن الشدائد التي كلفت بها الأمم قبلك([18]). وقد قال الله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾([19])؛ ولم يقل نيسر اليسرى لك، مع أن الأصل تعليق التيسير بالأمور المسخرة للذوات لا تسخير الذوات للأمور، للإشارة إلى معنى قولك: نجعلك راسخا في اليسرى كأنك مالكًا لها ضابطا لها كأنها طبيعية لك([20]).

ـ ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾([21])، وقد ورد في تفسير التكليف بأنه: الالتزام بما فيه الكلفة أي المشقة والوسع: ما تسعه قدرة الإنسان أو ما يسهل عليه من المقدور، وهو ما دون مدى طاقته([22])؛ وفي هذه الآية إشارة إلى أن الله لا يكلف الإنسان إِلاَّ ما تسعه قدرته بالغة غايتها حيث إِنَّهُ لا تكليف بالمحال([23]).

وعلى الرغم من أن قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾([24])، ظاهر الدلالة في عدم التكليف إِلاَّ في حدود الطاقة والقدرة،إلا أن الله سبحانه وتعالى قد أعقب هذه الجملة بدعاء وجهه إلى عباده المؤمنين يبين فيه ما أمتن عليهم من عدم المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وحط الأصار والأغلال وعدم التكليف بما لا يطاق، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾([25]).

وبعد أن ذكرنا هذه الآية نذكر نظرائها من الآيات التي تبين أَنَّهُ لا تكليف إِلاَّ في حدود الوسع والطاقة ومن هذه الآيات:

ـ قوله U: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلاَّ وُسْعَهَا﴾([26]). فهذه الآية وردت بشأن إرضاع الوالدات أولادهن، وإنفاق الأزواج آباء الأولاد عليهن، كل بما هو في طاقته وقدرته على وجه الاتساع فلا يلحق ضرر بأي منهما.

ـ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾([27]). فالطلب بالوفاء في المكيال والميزان في حدود القدرة البشرية وتحري العدل، ولا تضر الـحبة والحبتان وما شابه ذلك من الأشياء اليسيرة، لكن لا يخفى أنها تدل على أن الشريعة في جملة أحكامها تسير على هذا المنهج العدل.

وعلى الرغم من أن هذا وارد في هذه الجزئيات التي أشرنا إليها التكليف بما لا يشق، وأن اليسر والسهولة هو روحها؛ لأن المقصود من الأحكام ليس هو العسر والإعنات، وإنما هو الامتثال، ومن ثم الحصول على السعادة في الدنيا والآخرة, ولاشك أن الأحكام الشرعية إذا كانت مطلوبة في حدود الوسع والاستطاعة دون بلوغ غاية الطاقة ففي ذلك الدلالة الظاهرة على أن الحرج مرفوع, أن الشريعة مبنية على التيسير وعدم التعسير فهي حنيفية سمحة سهله فلله الحمد والمنة([28]).

أحاديث يستفاد منها سماحة هذا الدين ويسره:

ما رواه جابر بن عبد الله أن النبي e قال: «بعثت بالحنفية السمحة» (أخرجه أحمد في مسنده). والحنيفية: هي المائلة عن الباطل إلى الحق، وأطلقت على ملة إبراهيم ـ عليه السلام ـ. والسمحة: السهله. ووجه الدلاله في الحديث أنه لو ثبت وجود الحرج في الشرع لم تكن الشريعة حنيفية سمحة، بل كانت حرجية عسرة، وهذا باطل لتكذيبه خبر النبي e فبطل ما أدى إليه وثبت أن لا حرج في الشرع([29]).

يقول ابن عاشور: “والحكمة من السماحة في الشريعة أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في النفوس سهل عليها قبولها، ومن الفطرة النفر من الشدة والإعنات”([30]).

وروى الشيخان عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «ما خير رسول الله e بين أمرين إِلاَّ اختار أيسرهما مالم يكن إثما» (أخرجه الإمام أحمد في مسنده).

وأيضا: ما رواه أنس عن النبي e قال: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» رواه البخاري في صحيحه، وقد عقد الإمام البخاري بابا فى صحيحه بعنوان: “الدين يسر”.

وقول النبي e: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إِلاَّ غلبه، فَسدّدُوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (رواه البخاري في صحيحه، باب الدين يسر).

وقال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لَـمَّا بعثهما إلى اليمن «يسِّرَا ولا تعسِّرَا وبشرا ولا تُنفِّرا» (رواه البخاري في صحيحه).

فهذه الأحاديث تبين سماحة الإسلام وأنه دين اليسر والرفق والتسهيل، وليس دين العسر، فالعسر منفي عنه، وهذا أيضًا نلحظه في بعض القضايا الخاصة كقضايا الأكل والشرب والأعياد والألعاب والمسابقات والتفريج عن النفس وغيرها مِمَّا تبين سماحة الدين ويسره.

ـ ضوابط التيسير:

من المؤكد أن كل تيسير لا يعد معتبرا في شريعة الإسلام؛ فمن التيسير لو تتبعناه لذهبت معه معالم الشريعة؛ ولذلك فهناك ضوابط تحكم التيسير حتى يكون تيسيرا موافقا مع روح التشريع ومنها:

ـ أن يكون التيسير مضبوطا بالدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو اجتهادات العلماء السابقين.

ـ عدم تتبع الرخص مِمَّا يؤدي إلى التلفيق بين المذاهب الإسلامية.

الإباضية يشددون على تتبع الرخص بقصد التلفيق أو الترخص، يقول السيابي في فصول الأصول: “ولا يجوز تتبع الرخص من المذاهب، فيأخذ من كل مذهب ما هو الأخف والأهون، فيما يقع له من المسائل تشهيًا لقضاء غرضه الفاسد، فذلك حرام لا يحل؛ لأنه يؤدي إلى الانهماك في الرخص، وعدم المبالاة بهدم الديانات. ولذا منع جل أصحابنا من إفتاء طالب الرخصه قبل أن يقع فيها، خوف التساهل في أمور الدين وطلبا لنجاة المسلمين، فإن العالم أمين الله في الأرض؛ فالواجب عليه أن لا يضع أمانته في غير موضعها، ومع غير مستحقها، وهو أيضًا كالطبيب لا يضع الدواء إِلاَّ على العلة”([31]).

وسبقه السالمي فأوضح ـ من قبل ـ رأيه الشافي في حكم تتبع الرخص حيث بين رأيه بقوله: “نعم نمنع الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد التشهي، والحظوظ العاجلة؛ لأن ذلك يؤدي الى الانهماك في الرخص وعدم المبالات بالديانة، حتى أن أصحابنا ـ رحمهم الله تعالى ـ منعوا من إفتاء طالب الرخصة قبل الوقـوع فيها، وما ذلك إلا لخوف التساهل في الديانة وطلب الحزم في أمور الدين، والنجاة للمسلمين”([32]).

ـ معرفة واقع الناس وأحوالهم، فالحكم الصادر لأناس بعينهم لا يصح أن يطبق على كافة أفراد المجتمع، فلكل واحد أحكامه الخاصة التي تتناسب مع حالته. وفي هذا يقول الشاطبي: “وبحسب قوة العزائم وضعفها وبحسب الأزمان وبحسب الأعمال، فليس سفر الإنسان راكبًا مسيرة يوم وليلة في أرض مأمونة ورفقة مأمونة وعلى بطء، وفي زمن الشتاء وقصر الأيَّام، كالسفر على الضد من ذلك في الفطر والقصر، وكذلك الصبر على الجوع والعطش يختلف باختلاف هذه الأحوال”([33]).

الإباضية

الإباضية أو الأباضية: فرقة لها امتدادها التاريخي من القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، وتنسب إلى عبدالله بن إباض وهي نسبة اِصطلاحية فحسب، ولم ترد في مصنفاتهم إِلاَّ في القرن الثالث الهجري، وقد كانوا يسمون أنفسهم (أهل الدعوة ـ الاِستقامة ـ جماعة المسلمين… )([34]).

والمتأمل في المصادر الإباضية يجد أن المُنَظِّر الحقيقي للإباضية هو جابر بن زيد الأزدي العُماني، حيث قام ببلورة أفكار هذه الفرقة، حتى غدا فكرًا متميزًا سواء أكان فقهيًا أم حديثيًا أم عقديًا، وكونوا لأنفسهم تكتلات سياسية ودينية في عدد من أقطار العالم (عُمان –تونس ـ ليبيا ـ الجزائر ـ زنجبار ـ غانا…)([35]).

واستمر الجدل السياسي والعقدي فيما بينهم وبين مخالفيهم لفترات طويلة، حيث وصموا بالخوارج وحشروا في زمرتهم وهم برآء من الخوارج وأفكارهم، وهذا ما نجده في رعيلهم الأول؛ إذ رفض عبدالله بن أباض آراء الخوارج (الأزارقة ـ الصفرية ـ النجدات) علنا، وقاتلهم المهلب بن أبي صفرة مرات عديدة([36]).

ويا للأسف أن بعضًا من الكُتَّاب المعاصرين ما زال يخلط بين الإباضية والخوارج، مع أن كثيرًا من المفكرين غير الإباضيين([37]) أظهروا حقيقة الإباضية وأنصفوهم في كتاباتهم وبينوا زيف الخطأ الذي ارتكبه كُتَّاب الملل والنحل([38])، وكُّتَّاب بلاط السلطتين الأموية والعباسية.

وعند النظر في السياق المذهبي الإسلامي نجد أن الإباضية وقفوا موقفًا متسامحًا ومعتدلاً مع بقية أصحاب المذاهب الأخرى([39])، فلماذا لا يبادلون نفس الموقف؟

ويتجه مثقفوا المجتمع الإسلامي وعلمائه إلى العمل على وحدة الصف والتجرد من الأهواء، والاتصاف بالعقلانية في إصدار الأحكام وقراءة فكر الآخر قراءة متأنية واعية.

*    *     *

الاجتهاد عند الإباضية

الاجتهاد الفقهي([40]) فريضة محكمة ينبغي على الأمة أن تحرص عليها كل الحرص، لأنه الوسيلة العملية للكشف عن أحكام الله تعالى في أفعال عباده، وإثبات أن الشريعة للتطبيق الدائم وأنها لا تقف أمام كل جديد موقفا سلبيا، وأنها مِنْ ثَمَّ شريعة حية نامية تأبى الجمود والركود([41]).

والتراث الإباضي بصفة عامة والعُماني بصفة خاصة برزت فيه مؤلفات([42]) في الميدان الفقهي والمجال الأصولي بداية من القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، ولم تتوقف عجلة الاجتهاد عند الإباضية في أي عصر من العصور، ولم يقولوا بخلو العصر من المجتهد،ولم يغلقوا باب الاجتهاد يوما، وَإِنَّمَا نصوا على أَنَّهُ ظل مفتوحا لأهله، ولا يملك أحد أن يوصده إلى يوم الدين. وفي ذلك يقول المزاتي: “من حرم الرأي على العالم المجتهد ظل وكفر. كذلك من جوزه وأحله للجاهل ضل وكفر. فالرأي حلال لكل عالم في كل زمان ومكان، وحرام في كل زمان ومكان للجاهل”.

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾([43])؛ قال الوارجلاني: فأطلق لهم الاستنباط إلى يوم القيامة ـ ولكل أهل زمان في محدثاتها أحكام ـ، فباب الاجتهاد مفتوح ماتوافرت في المجتهد شروط الاجتهاد([44]).

والمدرسة الفقهية الإباضية تأسست على يدي جابر بن زيد الشخصية الأولى للمذهب الإباضي، فبالإضافة إلى مهارته مفتيا صرف معظم حياته لإصدار الأحكام الشرعية، وضبط آرائه باستشارة صحابة رسول الله e والتابعين البارزين، وكان صلة الوصل الأساسية بين أتباع مذهبه وأولئك الصحابة الذين لعبوا الدور الرئيس في صياغة الآراء حول الشؤون الدينية والشرعية ونشرها.

ومجمل منهج الإباضية في استنباط الفتوى واستخراج المسائل أنهم يأخذون بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، كما أنهم يأخذون بالمصالح المرسلة، والاستحسان، وبقول الصحابي إذا وافق الحق، وبمرسل الصحابي، ومرسل التابعي إذا كان ثقة، ولا يأخذون الحديث من أهل الأهواء، وأهل البدع الداعين لبدعتهم وخصوصا ما ورد عنهم بعد الفتنة، ويلتزمون في استنباط الفتاوى بالقواعد الفقهية العامة.

والثابت أن مراجع الإباضية تبين بوضوح اتفاقها مع مذاهب أهل السنة في الأصول الأساسية لاستنباط الفتاوى واستخراج أحكام النوازل من كتاب الله وسنة رسوله e أو من إجماع المجتهدين من علماء الأمة، فما في الأصول الثلاثة (الكتاب ـ السنة ـ الإجماع) فهو أصل عندهم، وما لم يوجد فهو فرع؛ فالأصل ما عرف به حكم غيره، والفرع ما عرف حكمه بغيره([45]).

*    *     *

الاجتهاد الجماعي

ينقسم الاجتهاد من حيث صورته التي تقع من المجتهدين إلى قسمين:

الاجتهاد الفردي:

وهو الاجتهاد الذي يصدر من المجتهد نفسه، فيفتي في الواقعة أو النازلة على ما أرشده إليه اجتهاده.

وهذا المنهج هو الغالب في اجتهادات الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، وهو الذي أقره الرسول e لمعاذ حين سأله عما يفعل إذا عرض له قضاء، فقال بعد البحث عنه في الكتاب والسنة “أجتهد رأيي ولا آلو”. وهو الذي دل عليه أيضا قول الرسول e: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد»؛ (إن هذا الحديث لم يكتف بفتح باب الاجتهاد وتقرير جوازه، بل هو يفتحه ويغري به ويدفع إليه دفعا. ومن عجب أن يتحدث المتحدثون عن إغلاق باب الاجتهاد مع وجود هذا الحديث الذي يبشر المجتهد بأجر مضاعف، ويبشر المجتهد المخطئ بأنه أيضا مأجور.

لقد كان من الممكن ـ ذهنيا وقياسيا ـ أن يكون للمجتهد المصيب أجر، وأن يكون على المجتهد المخطئ وزر. وكان من الممكن أيضا أن يكون المجتهد المخطئ معفوا عنه بلا وزر ولا أجر، وفي هذا عدل وفضل، أما أن يكون المجتهد المخطئ غانما مأجورا، فهذه هي الحكمة البالغة والرحمة الواسعة.

وهذا من معانيه الضمنية أن المجتهد له الحق في أن يخطئ، وأن خطأه لا يجلب له إثما ولا عقابا ولا يحرمه من حق المكافأة على اجتهاده الذي أخطأ فيه.

ولنستحضر أن الخطأ هنا يتعلق بالدين ومعانيه، وبالشريعة وأحكامها، ويتعلق بحقوق الله وبحقوق العباد. وهذه هي ضريبة الفكر والتقدم العلمي، ألا فليتقدم المجتهدون والباحثون والمجددون وليقدموا مطمئنين مرتاحين غير متهيبين ولا وجلين([46]).

وهذا الاجتهاد الفردي هو المعول عليه في كثير من بلداننا الإسلامية؛ إذ إن المفتي يجتهد في الواقعة المستجدة ويصدر فتواه بناء على اجتهاده.

الاجتهاد الجماعي:

وهذا النوع يقوم على مبدأ الشورى بين الفقهاء، حيث يناقشون الواقعة ويصدرون الحكم. والحكم الصادر في الاجتهاد الجماعي يصدر عن مجموعة من الفقهاء وليس من الجميع.

وكان هذا الاجتهاد هو منهج الخلفاء الراشدين، وبخاصة أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ وهو المفضل؛ لأنه أقرب إلى الصواب من الاجتهاد الفردي، ويكون الاجتهاد الفردي هو الأساس بما يقوم به المجتهد من تأمل وجمع وتدقيق وتمحيص، ويحسن انضمام الاجتهاد الجماعي إلى الاجتهاد الفردي لمقابلة وجهات النظر، واختيار أنسب الآراء وأقربها إلى المصلحة والسداد والظروف المعاصرة. ومن أمثلة الاجتهاد الجماعي: مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، والمجمع الفقهي بمكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، وندوات الهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة في الكويت، وملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر.

*   *    *

المقارنة بين المذاهب الإسلامية

المقارنة بين المذاهب الإسلامية في العصر الحاضر أمر حتمي، وفرضية لازمة للفقيه والمفتي والمجدد والباحث على وجه سواء، فمعرفة آراء بقية المذاهب الإسلامية تجعل الفقيه بين عدة أقوال، يختار منها ما يشاء، وهذا بدوره يؤدي إلى تيسير الفقه وتجديده، خاصة إذا تمت المقارنة بين المذاهب الثمانية: الإباضية، الشافعية، المالكية، الحنبلية، الزيدية، والجعفرية، الأحناف، الظاهرية. وأيضا ستزيل التعصّب المقيت الموجود مع بعض المجتهدين والمفكرين أو الدارسين لمذهبهم، إذ سيدركون ما يحمله المذهب الآخر من مبادئ وأفكار وقيم وأحكام مطابقة لمنهج القرآن أو السنة.

وأيضا ستزيل التقليد الأعمى للمذهب أو الفقيه وستحرر الفكر من الجمود والانغلاق.

والمذهب الإباضي ليس كما يشاع أنه منغلق على نفسه، بل هو منفتح على كل المذاهب الإسلامية؛ فإننا عندما نستقرئ كتب العلماء العُمانيين نجد أنها تخلو عن النزعة المذهبية، ولم يلتفتوا إليها، وإن كانت توجد بعض الآراء التي تحمل صبغة المذهب الإباضي، ويشار إليها بقول: (أصحابنا)، إِلاَّ أنك في المقابل تجد مقارنة مع بقية المذاهب الإسلامية، حيث تجد كلمة ـ وهذا هو رأى الجمهور ـ، ونبذ التعصّب المذهبي هو السائد عندهم، فلا تكاد تطالع كتابا من كتبهم إِلاَّ وتجد الاعتماد على كثير من كتب غير الإباضية. ومن بين ما اِعتمد عليه السابقون: صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي([47]). والسالمي يقول عن نفسه في هذا الجانب:

ولا تناظـر بكتــاب   اللـــه              ولا كـلام الـمــصــطفـى الأواه

معناه لا تجعل له نظــيـرا              ولو يكـون عالــمـًــا خبـيـرا([48])

وقد علَّق الخليلي على فكر السالمي فقال: “والإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ غير متحيز إِلاَّ إلى الدليل، وقد كانت كتبه ملأى بآراء علماء المذاهب الإسلامية المختلفة، وكان يحرص دائما على ما يجمع الشمل ويرأب الصدع، وكان يستفيد مِمَّا كتبه الكاتبون من العلماء البارزين في شتى المجالات، فقد كان كثيرا ما يعتمد في التفسير على الإمام الفخر، وبصمات تفسير الإمام الفخر واضحة على (معارج الآمال)، كما أشبع كتابيه معارج الآمال، وشرح المسند بتحقيقات الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، ويبدو أن الإمام كان معتنيا بالفتح أكثر من غيره من شروح كتب السنة”.

أما العلامة الخليلي فقد أشبع كتبه نقلا عن الآخرين، وهذا واضح مثلا في كتابه جواهر التفسير؛ حيث نقل عــن أبي حيان من كتابه (البحر المحيط)، الألوسي (روح المعاني)، ابن عاشور (التحرير والتنوير)، الفخر الرازي (التفسير الكبير)، ابن جرير الطبري (جامع البيان)، ونقل كذلك عن محمد عبده ورشيد رضا من كتابه (المنار)، وسيد قطب وغيرهم كثير.

*    *     *

أمثلة للتجديد والتيسير في الفقه الإباضي

الناس بحسب طبائعهم يحبون التيسير وهذا الحب كان قديما، وما يزال بين الناس في العصر الحاضر، فلقد كان الصحابة يلحون على النبي e لييسر لهم فيما يقع لهم من أحداث ومواقع، وكان ـ عليه السلام ـ ييسر لهم في الأمور خوفا من إحراج أمته.

وهذا المنحى سار عليه السلف الصالح من تيسير للناس، وهذا ما نجده في كتب الفقه من اختلافات العلماء التي تختلف بين التشديد والتسهيل، حتى أن المسألة الواحدة تصل أقوال العلماء فيها إلى أكثر من عشرين قولا.

وفي العصر الحديث حيث برزت قضايا على الساحة لم تكن تعرف من قبل ولم يوجد لها نظير في فقه الفقهاء القدامى، دعت الحاجة إلى أن يشمر العلماء عن ساعد الجد ويبينوا حكمها للناس؛ لأن عدم توضيح الحكم فيه حرج شديد ومشقة، وتفسير حكمها فيه إعمال لمبدأ دفع الحرج في الشريعة الإسلامية، وللقاعدة الكلية “المشقة تجلب التيسير” و”إذا ضاق الأمر اتسع”، وأيضا عمل بمقتضى مبدأ اليسر والسماحة الذي قام عليه التشريع الإسلامي.

وهنا نبين بعض المسائل حديثة النشء والتي فيها لعلماء الإباضية حكم يبين مصيرها، وهذا ما يدلل على اجتهاد علماء المذهب الإباضي وعدم وقوفهم عند النص، وأيضا عدم وقوفهم عند اجتهاد من قبلهم؛ وإنما إيقانهم بأن المسائل تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص.

وأنا بدوري كباحث أعرض بعض المسائل المستحدثة والتي أرى أن الحكم فيها تيسير للناس ودفع للحرج والمشقة عنهم، وأكتفي هنا بعرض آراء الإباضية دون غيرهم لأن بالمقارنة يطول البحث ويخرج عن حدود المطلوب.

وهذه المسائل الحديثة التي نعرضها تتنوع حسب نوع العبادة من طهارة ومعاملة وجناية وغيره.

– التصوير الضوئي [الفوتوغرافي]

إن كلمة التصوير هذه تختلف في العصر الحديث عنها في العصر النبوي فيراد بها في العصر النبوي ـ حيث ينزل القرآن ـ التصوير المجسد أو المجسم، والذي له ظل من صورة حيوان أو إنسان، أما التصوير الخيالي الحديث –الفوتوغرافي ـ فليس مراد أصلاً من الكلمة التي يقصد بها الإنشاء والإبداع. مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي اْلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾([49])، أو يراد بها مضاهاة خلق الله مثل التماثيل أو كل ما له أثر مادي بارز، كعمل القطع الفنية أو اللوحات أو التطريز على صور مطبوعة وإبرازها، أو شغل الإبرة، بحيث يصير لها ظل فهذه حرام قطعًا.

وقد أجاب الشيخ بيوض ـ وهو من علماء الإباضيّة المغاربة ـ عندما سئل عن التصوير الشمسي بقوله: التصوير الشمسي مباح جائز، ومفيد ونافع وضروري في كثير من الحالات. ولا يدخل أبدًا في نهي النبي e عن التصوير، وما هو إِلاَّ كصنع المرايا التي تنطبع فيها الصورة وهي موجودة زمن النبي e مستعملة منتشرة ولم ينه عنها، ولا يزيد التصوير الفوتوغرافي منها إِلاَّ باستعمال مادة لحفظ الصورة بعد زوال الشخص من أمامها؛ فدعكم من الهوس والوسواس([50]).

-لعب الأطفال:

إن الأشكال التي تصور بها لعب الأطفال أشكال مجسمة على صورة دمى لرجل أو امرأة، أو على أشكال حيوانات ـ كلب، أسد،…. ـ، وهذه التشكيلات بطبيعتها تحمل طابع الحرمة الذي نص عليه حديث الرسول e: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو صور » (أخرجه الإمام الربيع في مسنده). وهذه الحرمة لهذه المجسمات مبنية على أنها تعلق بغير الله ـ عز وجلّ ـ، والمسلم مطالب بأن يكون تعلقه بالله وحده واتجاهه إلى الله وحده وليس إلى سواه. وكذلك مضاهاة لخلق الله وليس من حق المخلوق أن يضاهي الله في خلقه. وأيضًا تشبه بالكفار إذ إن اتخاذ الصور والتماثيل هو من أساليب الكفار، والمسلم يجب أن يكون متميزًا في سلوكه وفي أعماله وتصرفاته([51]).

وعلى هذا فإن الإسلام لم يبح من هذه المجسمات إِلاَّ ما كان ممتهنا كلعب الأطفال وما عداه فهو حرام([52]).

وإني أرى أن الاقتصار على لعب الأطفال والترخص فيه له ما يبرره، حيث تطالعنا الصيحات الحديثة بأشكال متعددة من الدمية ـ باربي ـ التي اتخذها الكبار والشباب زينة وملهى، كذلك ما تحمله هذه الألعاب من تسميات إلحادية أطلقها أعداء الإسلام وقصدوا بها غواية أبنائه وشبابه.

– أداء الإنسان الصلاة في وسائل النقل الحديثة:

أوضح الفقهاء في مصنفاتهم عن الصلاة، أنها واجبة على المكلف المسلم ولا تسقط عنه بأي حال من الأحوال، سواء أكان في سفر أم حضر صحيحًا أم سقيمًا؛ إِلاَّ أنها في السفر تنقص الرباعية إلى ركعتين مع جواز الجمع، وكذلك في حال المرض صلى ما أمكنه.

وقد أبان فقهاؤنا القدامى صلاة الإنسان وهو على ظهر الناقة في حال الأمن أو الخوف. ولكن في هذا العصر استجدت وسائل نقل حديثة (كالسيارة – القطار – السفينة – الطائرة – المركبات الفضائية)، فماذا يفعل المسلم في هذه الوسائل؛ هل يؤخر الصلاة حتى مع فوات الوقت؟ أم يصلي فيها مع عدم ثباتها وانحرافها عن اتجاه القبلة؟

ـ نجيب أولاً عن السؤال الثاني، وهو أن استقبال القبلة شرط في الصلاة ولا يجوز الانحراف عنها إِلاَّ في حالات اضطرارية يسقط فيها هذا الشرط وهي([53]):

أ‌- الصلاة عند التحام صفوف القتال، وتسمى صلاة المسايفة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾([54]). قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. (رواه البخاري في صحيحه).

و يلحق بها صلاة الخائف في غير المسايفة كالخائف على نفسه أو ماله.

ب‌- صلاة المكره أو المريض إذا عجزا عن استقبالها، لقوله e: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (رواه أحمد في مسنده).

جـ ـ صلاة النفل لراكب الدابة أو السيارة أو الطائرة؛ عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله e يصلي على راحلته حيث توجهت به([55]).

هذا وبعد أن بينا أن شرط القبلة يسقط في حال الصلاة وبخاصة النافلة إذا كان الإنسان على ظهر دابة أو نحوها، إِلاَّ أَنَّهُ في حال الوسائل الحديثة عليه أن يسأل عن اتجاه القبلة أو يستعمل الآلات الحديثة كالبوصلة ونحوها، فإن لم يوجدا تحرى القبلة وصلى ما أمكنه.

وحول إجابة السؤال الأول: يكفينا إياه الشيخ بيوض ـ حين سئل: كيف يصلى من أدركته الصلاة في حافلة أو طائرة؟ فأجاب: “من أدركته الصلاة في حافلة أو طائرة ولا يمكنه النزول إِلاَّ بعد خروج الوقت صلى كما أمكنه ولا إعادة عليه.

وقال أيضًا: “الصلاة على الطائرة كالصلاة على السفينة تؤدى في وقتها بحسب الإمكان، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها إلى النزول وليس لها كيفيه خاصة إِلاَّ ما أمكن، وإن كانت جماعة فليس على أصحابها صف كأصحاب السفينة([56]).

– طرق الذبح في المسالخ الحديثة.

لقد تكلم جمهور الفقهاء([57]) عن التذكية الصحيحة للحيوان، والتي هي قطع الحلقوم والمري والودجين([58]). وأوضحوا شروط الحيوان المذكى، وأيضًا شروط الذابح وآلة الذبح([59]). وهذا كله نابع من حرصهم الشديد على التطبيق الشامل لما جاء به الرسول محمد e، وحتى يتغذى المسلم على الحلال، ويبتعد عن كل ما هو شبهة وحرام. وفي العصر الحديث حيث تشابكت مصالح المسلمين مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، ظهرت طرقا جديدة للتذكية لم تكن معهودة من قبل، تستخدمها المسالخ الحديثة؛ فأبقت تلكم المأكولات المستوردة شكوكًا في نفوس المسلمين من حيث الحل والحرمة احتاجت إلى بيان واضح يستجلي اليقين، وهذا ما جعلنا نطرح سؤالا هو: ما هو حكم اللحوم المستوردة؟

إن اللحوم المستوردة يختلف حكمها باختلاف المكان الذي استوردت منه، فإن استوردت من البلاد الإسلامية فالأصل فيها الحلية حتى تثبت الحرمة بأي شكل من الأشكال. وإن استوردت من بلاد غير إسلامية فالأصل فيها الحرمة حتى تثبت حليتها بشهادة اثنين من أهل العدل وقيل: يكفي عدل واحد بأنها ذبحت على الشريعة الإسلامية، ولا يكفي الكتابة على الغلاف.

وأما ذبائح أهل الكتاب وهم اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، فإنها حلال بنص القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾([60]). واتفق العلماء على أن المراد بالطعام الذبائح؛ يعني: أن ذبائحهم حلال لنا إذا ذبحوها على الطريقة المشروعة عندهم بحيث تكون طعاما حلالا لنا بحسب شريعتهم، وهذا ما يستفاد من إضافة الطعام إليهم([61]).

وحديثا تستعمل المسالخ الحديثة وسائل تضعف من مقاومة الحيوان دون تعذيب له، وبناء عليه:

ـ يحل في الإسلام استعمال طرق التخدير المستحدثة غير المميتة قبل الذبح([62]).

ـ استعمال الصعق الكهربائي أو الخنق أو طرق الرأس بمطرقة أو رمية رصاص فهذه الوسائل إن أدت إلى وفاة الحيوان حرام أكله([63]). ولكن استعمال ما ذكر لا يمنع من أكل الحيوان بعد ذبحه إذا ظل حيًا حياة مستقرة. وإن كان سيموت بعد مدة لو ترك بغير ذبح، ولو بعد استعمال هذه الوسائل التي يراد منها تسهيل عملية الذبح([64]).

وهذا الذي تستعمله المسالخ الحديثة من طرق الذبح يشبه العقر الذي تكلم عنه الفقهاء قديمًا، والذي هو إصابة الحيوان غير المقدور عليه والذي يخشى فواته، وليس للإنسان حيلة في السيطرة عليه، وتكون إصابته بالسلاح النافذ في جسمه فيسيل منه الدم([65]). وأيضا: ما ترخص به صاحب الإيضاح عند ذكره لآية المحرمات حيث قال: “ثم استثنى من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فقال: ﴿إِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ يعني: إِلاَّ ما ذبحتم وذكر اسم الله عليه فهو حلال، وهو قول أصحابنا [الإباضية]”([66]).

ويتم الذبح الآن في المسالخ عادة بالآلات الحادة السريعة القطع، وقد نقل إلينا أن عملية الذبح تعقب عملية التخدير أو الصرع بثوان معدودات ([67]).

وقد اشترط الإباضية في عملية الذبح هذه أن لا يُفْصل الرأس عن الجسد، فإن حصل تعمّدًا حرمت الذبيحة؛ لأنه قتل وليس تذكية ([68]). ووافقهم جمهور الفقهاء([69]) ما عدا الحنابلة([70]) الذين قالوا بإباحته.

وهذا الذي ذكرناه ينطبق على معلبات اللحوم والدجاج وغيرها مِمَّا اشترط فيه ذكاة شرعية.


-أين يصرف المال المكتسب من الحرام (فوائد البنوك ونحوها)؟

لقد أجمع علماء الإسلام قديمًا في مصنفاتهم، وحديثًا من خلال مجامعهم الفقهية على تحريم الربا، وعدّوه تصرفا من التصرفات الغير مشروعة التي توجب سخط الله ورسوله على صاحب هذا التصرف الأخلاقي.

وقد تناول القرآن الكريم تحريم الربا في ثلاثة مواضع، متتبعًا في ذلك منهاجه التعليمي في محاربة بعض الرذائل التي تأصلت في المجتمع العربي متّخذًا سبيل الإصلاح المرحلي، وكان أول هذه المواضع هو قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾([71])، وهي موعظة تمهيد به يشير فيها إلى أن الربا لا ثواب له عند الله.

أما الموضع الثاني فكان درسًا وعبرة على أساس أنه تحريم جزئي نص عليه القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([72]).

أما الموضع الثالث فقد ختم به القرآن تحريم الربا تحريما قاطعًا، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾([73]). ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾([74]).

وتحريم الربا يعتبر لبنة من لبنات النظرة الإسلامية الاقتصادية التي تعتمد على قاعدة أن الكسب يقوم على أساس العمل المتفق فقط. أي أن العمل هو المبرر الأساسي لحصول صاحبه على مكافأة من صاحب المشروع الذي أنفق العمل لحسابه؛ أما الربا فهو أجر رأس المال النقدي الذي يسلفه الرأسماليون للمشاريع التجارية وغيرها لقاء أجر سنوي بنسبة مئوية من المال المقرض، ويطلق على هذا الأجر اسم الفائدة وهو محرم إسلاميًا([75]).

وإطلاق اسم الفائدة على هذه الأموال من المغالطات التي أراد بها أعداء الإسلام تشويه عقلية المسلم، وتحسين هذا العمل له.

ولكن يبقى السؤال: ما هو الحكم إذا أودع الشخص مالا في أحد المصارف الربوية، وحصل على فائدة ماذا يصنع بها؟

إن الكثير من الاستفسارات قد سمعناها من أناس تحصلوا على هذه الفوائد من جراء تعاملهم مع هذه البنوك؛ فمنهم من أراد أن يصرفها في وقود سيارته وغاز مطبخه، وآخر رأى تركها في البنك ولا يلطخ يده بتلكم الأموال الربوية، وآخر رأى إخراجها من البنك وحرقها؛ لأنها أموال خبيثة لا يصلح أن تكون موضع استعمال ـ لبيع وشراء أو تصدق ـ، أما الرابع فرأى أن الأفضل التصدق بها على الفقراء والمساكين.

وللإجابة عن هذه التساؤلات نترك الميدان لعلمائه ليجيبوا الإجابة الشافية للصدور، وليزيحوا الستار عن هذه المشكلة، فقد جاء في كتاب فتاوى معاصرة ما يلي: “أما ما سأل عنه الأخ بالنسبة للفوائد البنكية التي تجمعت له، فشأنها شأن كل مال مكتسب من حرام، لا يجوز لمن اكتسبه أن ينتفع به في الطعام والشراب أو اللباس أو المسكن، أو دفع مستحقات عليه لمسلم أو غير مسلم، عادلة أو جائرة، ومن ذلك دفع الضرائب ـ وإن كانت ظالمة ـ للحكومات المختلفة؛ لأنه هو المنتفع بها لا محالة، فلا يجوز استخدامها في ذلك، وكذلك دفعها في “المحروقات” بل هذا من باب أولى. وإن كنت سمعت عن بعض المشايخ في الخليج أَنَّهُ أجاز استخدام الفوائد في مثل ذلك، وفي بناء مرحاض أو نحوه من الأشياء التي تفتقد الطهارة، وهي فتوى عجيبة لا تقوم على فقه سليم؛ فالشخص في النهاية هو المنتفع بهذا المال الحرام في مصلحته الشخصية، فلا يجوز الاستفادة من المال الحرام لنفسه أو لأهله، إلا أن يكون فقيرًا أو غارمًا يحق له الأخذ من الزكاة.

وأما ترك هذه الفوائد للبنوك فلا يجوز بحال من الأحوال؛ لأن البنك إذا أخذها لنفسه ففي ذلك تقوية للبنك الربوي ومعاونة له على المضي في خطّته، فهذا يدخل في الإعانة على المعصية، والإعانة على الحرام حرام، كما بينا ذلك في الباب الأول من كتابنا “الحلال والحرام في الإسلام”. ويزداد الإثم في ذلك بالنظر للبنوك الأجنبية في أوروبا وأمريكا، والتي يودع فيها كثير من أغنياء المسلمين أموالهم للأسف الشديد، فإن ترك هذه الفوائد لها فيه خطر كبير؛ فهذه البنوك تتبرع بهذه الأموال –عادة ـ للجمعيات الخيرية، وهى في الأعم الغالب جمعيات كنسية تبشيرية، وكثيرًا ما تكون هذا الجمعيات ممن يعمل في بلاد المسلمين، ومعنى هذا أن أموال المسلمين تؤخذ لتنصير المسلمين، وفتنتهم عن دينهم، وسلخهم عن هويتهم.

أما الأمر المشروع في هذا المقام، هو دفع هذه الفوائد ـ ومثلها كل مال حرام ـ في جهات الخير، كالفقراء والمساكين، واليتامى وابن السبيل، والجهاد في سبيل الله، ونشر الدعوة إلى الإسلام، وبناء المساجد والمراكز الإسلامية، وإعداد الدعاة، وطبع الكتب الإسلامية وغير ذلك من ألوان البر وسبل الخير” ([76]).

وقد أسهب في الرد على من قال: إن هذا المال ملك للمقترضين، وكذلك من قال: إِنَّهُ لا يصلح أن يكون صدقة؛ لأنه خبيث، والصدقة لا تكون إِلاَّ من الطيب ([77]).

وقد أفتى العلامة الخليلي مفتي السلطنة ([78]) أن من تحصل على فوائد بنكية من البنك فلا يحل له أن يأخذها لنفسه، وَإِنَّمَا يأخذها ليوزعها على الفقراء والمساكين؛ لأن هذا المال جهل ربه، وكل ماجهل ربه فيوزع على الفقراء والمساكين.

وقد أفتى الإمام بيوض عندما سئل عن الفوائد البنكية بقوله: “أما صاحب هذه المعاملة فإنه عاص مرتكب لكبيرة الربا المنصوص عليها بصراحة لا تقبل التأويل، فعليه أن يتوب ويستغفر من ذنبه، وعليه أن يتصدق بجميع ما أخذه من ربا فوق رأس ماله على الفقراء والمساكين، ومن تاب وقد بقي له شيء من هذا الربا على البنك فَإِنَّهُ يأخذه لا على أنه مال له، بل على أنه مال جهل ربه ولا مالك له، والقاعدة الشرعية تقول: “كل مال جهل ربه فسبيله الفقراء والمساكين”، فليأخذه وليتصدق به كله، أعني الفائض على الفقراء والمساكين، ولا يتركه للبنك فإنه ليس له وما هو له برب”([79]).

وخلاصة الأمر: فإن المسلم مأمور بأن يبتعد في جميع معاملاته عن مواطن الشبه والحرام، ويحتاط لدينه لكي لا يقع في المحظور، فإن ابتلي بمثل هذه الفوائد الربوية فالأولى أن لا يتركها ليتصرف فيها البنك بتأليب أعداء الإسلام على الإسلام والمسلمين، وَإِنَّمَا يأخذها ويضعها في الموضع الذي ذكره العلماء سابقا، “وهم الفقراء والمساكين والجمعيات الخيرية الإسلامية وغيرها من وجوه البر والإعانة”.

ويبقى أن من أخذ هذه الفوائد البنكية وصرفها في مصرفها الخيري، ليس له أي ثواب من أجور الصدقة، وَإِنَّمَا يؤجر من ناحيتين أخريين:

1 ـ أَنَّهُ تعفف عن المال الحرام ومن الانتفاع به لنفسه بأي وجه، وهذا له ثوابه عند الله تعالى.

2 ـ أَنَّهُ كان وسيط خير في إيصال هذا المال للفقراء والجمعيات الإسلامية التي تستفيد منه، وهو مأجور على هذا إن شاء الله تعالى([80]).

– التأمين وأحكامه

يعرف التأمين بأنه: عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغا من المال، أو مرتبا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين في العقد، وذلك نظير قسط أو أي دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن حسب الشروط التي يتفق عليها بين الفريقين ويكون لعقد التأمين مدة محددة بالاتفاق([81]).

فمن هذا التعريف نستمد أن التأمين يكون بين جهتين:

ـ المؤسسة (المؤمِّنة) ولهم الحق في إدارة الشركة وجني أرباحها وتحمل خسارتها.

ـ المستفيدون: وهم الذين يحملون وثيقة التأمين من الشركة، وليس لهم دخل لا في الشركة ولا في إدارتها، ويحصلون على التعويض عند حصول الخطر وربما لا يحصل. وهذا التأمين يطلق عليه التأمين التجاري، حيث إن الشركة المؤمِّنة تقوم بالتعويض عن الأضرار الناجمة في الأشياء التي تضمنها الاتفاق أو عقد التأمين.

وقد ذهب كثير من فقهاء الإسلام إلى تحريمه، حيث إِنَّهُ مخالف للأحكام الشرعية لما يشتمل عليه من غرر ورِبا وجهالة، وأيضا عدم تورع الشركات من حفظ أموالها في البنوك الربوية لتحصل على الفائدة، أضف إلى ذلك الظلم المتحقق في التعامل؛ فآلاف الناس مسجلون ويستفيد القلة، وهذا كله مخالف في المنهج والوسيلة ما عليه الدين الحنيف([82]).

والإسلام ضمن لأتباعه الحياة الكريمة، لما شرعه من تكافل وتعاون بين أفراده، فالفرد يسعى لمصلحة الجماعة، والجماعة تسعى لمصلحة الفرد، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾([83])؛ حيث شرع لهم ما يقوم بتحصين المجتمع من المصائب التي تقع على الفرد، وكذلك توفير المال وادخاره لمشاكل مستقبلية قد تحدث، ويستلم التعويض عند حدوث الضرر وهذا النوع يطلق عليه التأمين التعاوني.

وعلى الرغم من أن هذا هو حكم التأمين في الشريعة الإسلامية إِلاَّ أن بعض العلماء في الآونة الحاضرة ذهب إلى جواز عقد التأمين مستندين إلى أَنَّهُ نوع من أنواع التعاون والتكافل بين الناس ومن هؤلاء نذكر الآتي:

مصطفى الزرقا: الذي أجاب عن سؤال حول التأمين بقوله: “إن الرأي الشرعي في موضوع التأمين بوجه عام ضد الأخطار هو محل خلاف طويل منذ أكثر من ثلاثين عاما بين علماء العصر، وإن رأيي أنا فيه أيضا معروف، وهو أن التأمين جائز شرعا بفروعه الثلاثة، وقد يصبح واجبا في بعض الحالات حفاظا على الأرواح وبعض الممتلكات، كعقارات الأيتام والأوقاف.

وقد بينت في كتبي وبحوثي في المجمع الفقهي أن التمييز بين تأمين تجاري وتأمين تعاوني هو خرافة، وأن هذا التمييز الوهمي هو نتيجة عدم الإدراك لحقيقة التأمين وواقعه ونشأته التاريخية، وما استلزمه توسعه لما ظهرت مزاياه، وأصبحت تتطلبها ملايين الناس، فاحتاجت إلى إدارة أو إدارات مختلفة لها وهي الشركات. لكن طبيعة التأمين كله حتى عن طريق الشركات هي طبيعة تعاونية لا تتبدل”([84]).

وأوضح صاحب كتاب الفقه للمغتربين حكم التأمين بقوله: “يحق للمسلم أن يتعاقد مع شركات التأمين المختلفة للتأمين على حياته أو أمواله من خطر الحريق، أو الغرق، أو السرقة، أو ما شاكلها، وهو عقد لازم لا ينفسخ إِلاَّ برضا الطرفين”([85]).

أما مؤلف كتاب الإسلام وقضايا الساعة فيقول: “كل عقد تأمين لا يتضمن الربا ـ سواء أكان تأمينا على النفس أو المال ـ فهو صحيح، وقبض المال من الطرفين حلال. وأما التأمين على الحياة المشتمل على شرط الربا فلا مانع من صحته وبطلان الشرط فقط؛ لأن بطلان الشرط لا يقتضى بطلان المشروط ([86]).

وقد ترخص بعض العلماء فيما كان جبرا للإنسان، حيث تقوم الحكومات بفرضه وتجعله أمرا لازما، ومن ذلك ما هو شائع معنا (في سلطنة عمان) من إلزام تأمين السيارات والتأمين الصحي ضد الحوادث، وقد بين حكم ذلك العلامة بيوض حينما سئل عن التأمين بقوله: “أنواع التأمين كثيرة لا تحصى، مختلفة الأحكام جوازا أو منعا، لا تمكن الفتوى فيها إِلاَّ على كل نوع بانفراده. ومن الأنواع الجائزة التأمين على السيارات الذي توجبه جميع أنواع الحكومات اليوم على سائر وسائل النقل الخاصة والعامة للوسيلة نفسها أو لركابها”([87]).

فهو مع ما يقوله بحرمة التأمين التجاري إِلاَّ أَنَّهُ استثنى ما كان إلزاما من الحكومات وجبرا منها مثل (تأمين السيارات…)، وقد تبعه سماحة مفتي السلطنة([88])، حيث أجاب بمثل ذلك.

والخلاصة: إن التأمين الحالي بجميع أنواعه لا يحل ولا يجوز، لما يحويه من غرر وربا وجهالة وظلم لكثرة لا تستفيد منه إِلاَّ نادرا، وما تعلق به المبيحون من أن التأمين نوع من أنواع التعاون والتكافل بين الناس، كما أن القاعدة الشرعية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”، رأي لا تقره الشريعة؛ لأن التعاون إنما يكون بغير قصد الربح الدنيوي، وإنما يكون ابتغاء وجه الله، فلا يكون التأمين بمعناه السابق من هذا التعاون الذي دعا إليه الإسلام. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾([89]).

وأما القاعدة الشرعية التي استندوا إليها فلا تتضمن قضية العقود؛ لأن العقود أفعال والقاعدة الشرعية تقول: “الأصل في الأفعال التقيد بأحكام الشريعة”. وأرى إن دعت الضرورة للتأمين وذلك بجبر الحكومات فلا مانع من اِستخدامه وفعله.

– حقوق الملكية الفكرية:

إن للإنسان حق التملك في هذه الحياة، على اختلاف هذا التملك وتنوعه؛ فهناك التملك المادي لأرض أو عقار أو سيارة ونحوها، ولكن لم يوجد لمن يملك موهبة علمية أثراها في التأليف حق الاحتفاظ بهذه الثروة والمقاضاة عليها؛ إذ التاريخ لا يذكر إِلاَّ بعض أعطيات الخلفاء للعلماء مقابل تآليفهم العلمية. والحق أن علماء عمان إلى وقت قريب لم توجد معهم كلمة حقوق الطبع محفوظة، بل إن أغلب الكتب تناقلوها فيما بينهم عن طريق النساخ؛ إذ إن الناسخ يفخر بهذا العمل ويذكر في آخر الكتاب ـ بخط ناسخه فلان أو نسخته لشيخي.. ـ حتى أن نفس الكلمة لا تكاد تجدها في مصنفاتهم، لأنهم يرون أن حق العلم مشاع للجميع، وكتم العلم لا يجوز لحديث الرسول ^: «من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»([90]).

وقد انقسم العلماء قسمين:

ـ قسم يرى أَنَّهُ لا يجوز طباعة أو نسخ أي مادة من المواد الفكرية إِلاَّ بإذن من أصحابها أو مالكيها.

ـ قسم يرى أَنَّهُ لا حقوق لهم؛ لأن ذلك يعد كتمانا للعلم وحجرا على نشره.

وقد فصل الخليلي في هذه المسألة حيث أجاب: “لا يجوز الاحتكار للعلم؛ فإن الانتفاع به حق مشروع، ولا أصل لقول: (إن حقوق الطبع أو النسخ محفوظة) هذا في حال عدم تضرر مؤلف الكتاب أو ناشره([91]). أما في حال تضرر المؤلف أو الناشر فقد قال: “فإن كان فتح باب الطبع أو التسجيل يؤدي إلى تضرر بعض المؤسسات التي قامت من أجل النهوض بالعلم ونشره، بحيث يخشى لو لم يتقيد بهذا النظام أن يفضي الحال إلى تعثرها وعدم قدرتها على النهوض بأعباء مهماتها العلمية فلا مانع من مراعاة هذا النظام والتقيد به، وهو مِمَّا يدخل ضمن المصالح المرسلة التي اعتمدها الفقهاء في ترجيح الآراء واستنباط الأحكام”([92]).

ومهما يكن من رأي للعلماء فإن الحكومات قد راعت دور النشر والإنتاج الفكري بمختلف أنواعها، وأصدرت في ذلك الأنظمة التي تحمي حقوق الملكية الفكرية للآخرين، وقامت في نفس المنوال منظمات مهمتها متابعة القرصنة الفكرية وتقديمها للعدالة القضائية، وحماية الفكر بكل أنواعه؛ لهذا فإنني أرى أن العمل الذهني الذي يبذله المفكر بكافة أنواعه وأشكاله لابد أن يقاس بالجهد البدني الذي يبذله العامل في عمله، وأيضا لابد من حماية هذا الإنتاج الفكري من العبث والاستغلال وإلا أدى الأمر إلى تقاعس الناس عن العلم وطلبه، وأيضا اِنتحال الآخر وفكره.

-حوادِث السيارات

السيارة نعمة من النعم الإلهية التي ابتكرها الإنسان ليقضي بها حاجاته، ويبلغ بها أماكنه التي يريد الوصول إليها، وهي إحدى المقصودات في الآية الكريمة: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾([93]). أي يخلق في المستقبل ما لا تعلمون الآن، كوسائل النقل الحديثة، والقاطرات والسيارات، والطائرات.

والسائق لهذه المركبات عليه أن يتقيد بجميع الضوابط الشرعية للقيادة، وأيضا الآداب الإسلامية والقواعد المنظمة لقيادة المركبات.

وقد يتغافل كثير من الناس عن الالتزام بقواعد تنظيم المرور التي أحدثتها القوانين الحديثة، ويرون أن الالتزام بها أمر غير ملزم شرعا؛ مع أن الفقهاء جعلوا المخالف لأنظمة السير والقيادة آثمًا، ويتحمل ما ارتكبه من جراء مخالفاته وتعمداته.

– حكم قيادة المرأة للسيارة:

المرأة مثل الرجل يباح لها شرعا([94]) قيادة السيارة، وعليها واجب التقيد والالتزام بالآداب الشرعية والأنظمة المرورية.

وقد خالف عبد العزيز بن باز هذا القول فأفتى بعدم جواز قيادة المرأة للسيارة([95])، ووافقه ابن عثيمين في نفس الفتوى([96]).

ـ مدى مسؤولية السائق عن ما يحدث بسيارته:

السيارة آلة في يد قائدها، وهو الذي يوجهها؛ فالأصل أن السائق مسؤول عن كل ما يحدث نتيجة قيادته لسيارته، ولا فرق في ذلك بين ما أصابته السيارة بجزئها الأمامي أو الخلفي، أو الإطارات الأمامية أو الخلفية([97]).

والفتوى العُمانية أن السائق يضمن إذا كان متعديا، ولا يضمن إذا لم يكن متعديا؛ كأن يكون قاد السيارة وفق أنظمة المرور وحدث له حادث لا يمكن الاحتراز عنه، مثل قفز دابة فجأة أمام السيارة، فهذا أمر سماوي لا يمكن الاحتراز عنه، فلا يضمن. وإنما يضمن إذا كان من الممكن الاحتزاز عنه فلم يفعل([98]).

ـ السائق بين التهور والاعتدال: ـ

السيارة نعمة أو نقمة، والسائق إما أن يكون معتدلاً في قيادته أو متهورًا، وكلا الأمرين له أحكامه. وقد بينا آنفا ما إذا كان السائق معتدلا في قيادته غير متهور فيها، ومتحرز لكل ما يقع له فَإِنَّهُ لا ضمان عليه.

أما المخالف لأنظمة السير بسبب سرعته الزائدة، فهو آثم شرعا، وضامن لكل ما يتسبب فيه من حوادث واصطدامات، وتعريض أنفس الغير للخطر، وقد عَدَّ المفتي العُماني السرعة الزائدة انتحارا حيث قال: “ثُمَّ إِنَّهُ من الانتحار أيضا أن يسرع الإنسان بسيارته إسراعا يترتب عليه ألا يتمكن من السيطرة عليها، وألا يتحكم في سيرها إذا حدثت حادثة؛ لأن السيارة معرضة للكثير مِمَّا يحدث؛ فقد ينفجر إطار من أُطرِهَا، وقد تصطدم بحيوان من الحيوانات يقطع الطريق، وقد تصطدم بأي شيء.. فإن كان الإنسان يسرع بحيث لا يمكن معه أن يتحكم في سيارته إذا حدث حادث فإنه بطبيعة الحال مِـمَّن ينتحرون ولا يبالون بإهلاك أنفسهم وبإهلاك غيرهم.

فالسرعة التي تخرج عن حدود الاعتدال تُعدُّ من الاِنتحار. ومما يعجب له كثيرا أن لا يعتبر أحد بهذه الحوادث الكثيرة التي تحصد النفوس حصدا وتدع البيوت خرابا. فكم من أسر فنيت بأسرها بسبب غرور قوَاد السيارات وعدم مبالاتهم بما يفعلون، وكم من شاب فقد حياته وهو في ريعان شبابه، وفي زهرة عمره. وكم من فتاة ترملت وهي في غضارة شبابها. وكم من أم ثكلت في فلذة كبدها، بل ربما فقدت الأم أولادًا متعددين لا ولدًا واحدًا وحسب في هذه الحوادث. كل ذلك يدعو إلى الاعتبار ووضع حدٍ لهذا الاستهتار بحياة الإنسان وعدم المبالاة بقيمة الأرواح”([99]).

ـ رأي مجمع الفقه الإسلامي في حوادث السيارات: ـ

قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة ببروناي – دار السلام، من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 – 27 يونيو 1993م بشأن حوادث السيارات ما يلي:

1 / أ – إن الاِلتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجب شرعا؛ لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناء على دليل المصالح المرسلة، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.

ب – مِمَّا تقتضيه المصلحة أيضا سنُّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزيز المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذا بأحكام الحسبة المقررة.

2 / الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ. والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر، ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية:

أ – إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.

ب – إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيرا قويا في إحداث النتيجة.

ج – إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.

3 / ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.

4 / إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.

5 / أ – مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعديا، فلا يضمن إِلاَّ إذا كان متعديا أو مفرطا.

ب – إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إِلاَّ إذا كان المتسبب متعديا والمباشر غير متعد.

ج – إذا اِجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء([100]).

وبعد هذا كله فإنني أرى أن السياقة هي دليل أخلاق السائق فعلى الجميع التمسك بأخلاقيات المرور، والمحافظة على أرواحهم وأرواح غيرهم، وعدم تعريضها للخطر، مع فرض عقوبة صارمة من قبل أولي الأمر على أولئك المستهترين من قادة المركبات، وأيضا عمل حلقات توعوية يبين للسائقين فيها أهمية المحافظة على الحياة، ومصير من يرتكب مثل هذه الحماقات الجنونية.

*    *     *
الخاتمة

– ينسب المذهب الإباضي إلى عبد الله بن إباض، أما التأسيس الأيديولوجي أو الفكري فقد تم على يد التابعي الكبير جابر بن زيد الأزدي العماني (ت93 هـ)، وهذا الأخير أسس المدرسة الفقهية الإباضية، وبذلك تعتبر من أوائل المدارس الفقهي وجودا على أرض الواقع.

– إن مراعاة أحوال المستفتين والتيسير عليهم يساعدهم على الاهتداء إلى طريق الصلاح، لأن الفقيه كالطبيب الحاذق الذي يعالج مرضاه وفق عللهم وأمراضهم.

– التجديد الصحيح يذلل العقبات في طريق الاجتهاد والإبداع.

– فقه الواقع يحدد طريق الاجتهاد المطلوب، والذي يتمثل بالتجديد والتطوير للواقع وفق ضوابط شرعية وأصول ثابتة.

– التجديد في العصر الحاضر ضرورة ملحة لتلبية حاجيات الناس في معاملاتهم ومصالحهم العامة والخاصة.

– الفقه المقارن نوع من أنواع العلوم الإسلامية، يقوم على البحث العلمي الأصيل، للفروع والمسائل المجتهد فيها، للوصول في نهاية الأمر إلى رأي راجح فيها يعمل به، مع احترام الرأي المرجوح، بعيدا عن التعصّب المذهبي والتقليد الأعمى.

– الوحدة بين المسلمين مطلب ديني، فعليهم ترك العصبية المذهبية، وعلى العلماء التوحد في الحكم الفقهي بما يخدم الأمة الإسلامية.

– إن نظام الاجتهاد الجماعي ضرورة من ضرورات العصر بسبب التخصص الدقيق وبسبب أنواع القضايا المركبة التي يستلزم النظر فيها، إلماما بكافة وجوه المسألة.

– الاجتهاد الفردي قد أدى دوره على أحسن وجه، إِلاَّ أن الاجتهاد الجماعي لم يجد طريقه في كثير من البلدان الإسلامية؛ لهذا فإن كثيرا من القضايا العصرية لا تجد لها الإجابة المعالجة من جميع جهاتها، لذلك فإنني أقترح:

إنشاء مجامع فقهية وفكرية في جميع البلدان الإسلامية تضم علماء شرعيين وعلماء اختصاصيين (طب، هندسة، اقتصاد، علم النفس، علم الاجتماع، علم الوراثة، علم الجينات…..) يجتمعون عند ظهور القضايا الاجتماعية أو الطبية… ويناقشونها كل في مجال اختصاصه ويصدرون الحكم الذي يحمل طابع التكامل.


*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**الواعظ المكلف بالإشراف عَلَى الكوادر الوعظية بولاية السيب، سلطنة عمان.

[1]) ابن منظور، لسان العرب، ج3 ص111.

[2]) علي أبو البصل، الاجتهاد ودوره في التجديد، ص172.

[3]) الخليلي أحمد، الاجتهاد وأثره في التجديد، ص107.

[4]) سورة القمر: 17.

[5]) اطفيش محمد، تيسير التفسير، ج12، ص590.

[6]) رواه البخاري في صحيحه، باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة والعلم، ج1، ص38، رقم 69.

[7]) سورة البقرة: 280.

[8]) سورة الليل: 7.

[9]) ابن منظور، لسان العرب، مادة يسر، ج15، ص447.

[10]) سورة البقرة: 185.

[11]) سورة البقرة: 184.

[12]) ابن جعفر، الجامع، ج3، ص232.

[13]) راجع: تفسير الآية اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص262-ص265. وعن المسألة المذكورة ينظر: ـ أبو مسلم، نثار الجوهر، ط/ الأولى 1421هـ- 2001 م مكتبة مسقط ـ ســـــلطنة عمان ـ ج5 ص184-ص191. والشماخي، الإيضاح ط/ 1404 هـ/ 1984 م ـ وزارة التراث العمانية ـ مسقط ـ ج3، ص176. البسيوي، جامع أبي الحسن تحقيق أبو الحسن محمد، ط/ الأولى 1404هـ- 1984 م وزارة التراث ـ سلطنة عمان ـ ج2، ص223.

[14]) الخليلي أحمد، الفتاوى، ط/ الأولى 1421هـ- 2001م، مكتبة الأجيال ـ روي، ص319.

[15]) البسيوي، جامع أبي الحسن، ج2، ص223.

[16]) أبو مسلم، نثار الجوهر، ج5، ص187.

[17]) سورة الأعلى: 8.

[18]) اطفيش، تيسير التفسير، ج15، ص69-ص104.

[19]) سورة الأعلى: 8.

[20]) م. ن، ج15، ص104.

[21]) سورة البقرة: 286.

[22]) اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص474.

[23]) م. ن، نفس الجزء، ص473.

[24]) سورة البقرة: 286.

[25]) سورة البقرة: 286.

[26]) سورة البقرة: 233.

[27]) سورة الأنعام: 152.

[28]) ابن حميد، رفع الحرج، ص70.

[29]) الباحسين، رفع الحرج، ط/2، 1416هـ، دار النشر الدولي، السعودية، ص67.

[30]) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص63

[31]) السيابي، فصول الأصول، ص386.

[32]) السالمي، شرح طلعة الشمس، ج2، ص298.

[33]) الشاطبي، الموافقات، ج1، ص314.

[34]) الجعبيري فرحات، البعد الحضاري، ص41.

[35]) معمر علي، الإباضية مذهب إسلامي معتدل، ص19 ـ 12.

[36]) النامي عمرو، دراسات عن الإباضية، ص45

[37]) راجع على سبيل المثال الكتب التالية: السهيل جابر، الإباضية في الخليج العربي، ط 2/ 1418هـ- 1998م، مكتبة الاستقامة ـ مسقط. المجدوب عبد العزيز، الصراع المذهبي بأفريقية، (د ـ ت ـ ط)، الدار التونسية للنشر ـ تونس. خليفات عوض، نشأة الحركة الإباضية، ط/ 1978 م، دار الشعب ـ عمان إذ كتب مؤلفوها عند الإباضية وأنصفوهم.

[38]) راجع: ابن حزم علي بن أحمد بن سعيد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ط/ 1986م، دار المعرفة ، بيروت، حيث حشر الإباضية في زمرة الخوارج.

[39]) غباش حسين، عُمان الديمقراطية، ص66.

[40]) لن أتعرض لتعريف الاجتهاد؛ لأن العلماء في أغلب مصنفاتهم الفقهية والأصولية أوسعوه تعريفا وبيانا، وللاستزادة، راجع: كتاب ندوة الاِجتهاد في سلطنة عُمان في ديسمبر 1998م، والاِجتهاد والتجديد مقالات قدمت للمؤتمر الدولي للوحدة الإسلامية/ ط/2003م. باجو: مصطفى صالح، منهج الاجتهاد عند الإباضية، ط1/ 2005م، مكتبة الجيل الواعد ـ مسقط، ص68 وما بعدها. وأغلب كتب الأصول تحتوي على تعريفه.

[41]) الكندي إبراهيم، الاِجت

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على تجديد الفقه وتيسيره مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف