الفقيه والأزمنة المعاصرة

الفقيه والأزمنة المعاصرة*

إعداد: أ. معتز الخطيب**

كاتب وباحث من سوريا

مقدمة:

يقوم هذا البحث على افتراض رئيسٍ مُفاده: أن ما أسميه بـ”الفقه الحركي” الذي نشأ في ثلاثينيات القرن العشرين قد تبنى مقولتين مركزيتين: التجديد الفقهي، وتقنين الشريعة. جرى ذلك على خلفية مقولة “شمولية الإسلام”، المقولة المركزية للحركة الإسلامية، والتي تبنت مقولة “الدولة الإسلامية” التي تتلخص في “تطبيق الشريعة”.

ومقولة “الإسلام نظام شامل”  تعني: “بلورة” الإسلام بوصفه “حلاً” يوازي ـ من حيث الصياغة والشمول ـ الحلول “الغربية” المطروحة آنذاك، بل ويتفوق عليها لا من جهة تشريعاته وشموله فقط، بل من جهة كونه “تشريعًا إلهيًّا” منزلاً، ومن جهة أنه نابع من “الهوية الإسلامية” نفسها، ويصل الحاضر بالماضي، والأصالة بالمعاصرة، وهي المقولات التي كانت تسود الخطاب الإسلامي آنذاك، وتدور من حولها المعارك الفكرية الكبرى.

تجاوُزُ التفكير الفقهي الحركي للتفكير الفقهي الكلاسيكي([1]) السائد في المؤسسة الدينية آنذاك (بما فيها كليات الشريعة)، ثَوّر التفكير الفقهي، وأنتج تراثًا فقهيًّا كبيرًا وجديدًا أيضًا لم يألفه الفقه الكلاسيكي ولم يشغل اهتمامات الفقيه المدرسي الذي كان حبيس تراثه القديم لا يكاد يجاوزه إلا في نطاق ضيق جدًّا ربما لا يتعدى مستوى الصياغة والترتيب أحيانًا.

وفي هذا التجاوز يكمن كثير من الانتقادات الموجهة لهذا الفقه الجديد، سواء الانتقادات السلفية أم العلمانية؛ الخصم الحقيقي للحركة الإسلامية، أم الانتقادات الكلاسيكية حامية الموروث، ومن تلك الانتقادات النقد الموجه لفكرة فقه الأقليات، وفكرة الديمقراطية، والحريات، والمواطنة، وتقنين الشريعة، بل والاجتهاد الفقهي نفسه، ومقاصد الشريعة، وغيرها من المقولات التي لم يفرض بعضُها نفسه إلا بعد عقود من الزمن، مع الولع بالتقييدات والضوابط من جهة الفقيه الكلاسيكي.

 

أولاً: الفقه من المركز إلى الهامش

على المستوى النظري الفلسفي يمكن القول إن الفقه ـ وهو ينتظم جميع أفعال المكلَّفين المسلمين ـ يقع في مركز العلوم وحياة المجتمع الإسلامي([2])، “فالحياة في الفقه ليست مقصورة على أمور العبادات وحدها، فالفقه الإسلامي ضم فروع الحياة والحقوق المدنية والسياسية والعقوبات، ولا يفلت فصل من فصول الفقه من أن يدخل تحت قاعدة مبنية على أساس ديني، وكل الأمور المتعلقة بالحياة الشخصية أو العامة داخلة في الواجبات الدينية، وبواسطة هذا يعتقد الفقهاء أن كل حياة المؤمنين موافقة لمتطلبات الدين”([3]).

وتتلخص مهام الفقه في ثلاث: الأولى: التطبيق في المحاكم والقضاء. والثانية: أنه معيار المؤمنين في تصرفاتهم، ومرجعهم الدائم في حياتهم اليومية من خلال المفتي أو رجل العلم. والثالثة: أنه مصدر المشروعية للمجتمع والدولة بحيث يضفي المشروعية على مشروعاتها الخاصة والعامة. فقد كان بمنزلة “نظرية يقوم عليها النظام القانوني”، ويضع أساسًا يقوم عليه يقين الأفراد من المسلمين، بل وأحيانًا من غير المسلمين، بأن الكثير من المشاكل التي يجابهها المجتمع أو سيجابهها مستقبلاً يمكن أن تجد لها حلاًّ بالرجوع إلى الفقه عبر مصادره التشريعية التي تحدث عنها علم أصول الفقه([4]).

وعلى هذا، فالفقه هو الذي كان يقوم بدور المشرّع وليس الدولة ([5])، وسلطة الفقهاء كانت سارية على الدولة؛ فهو مصدر الشرعية للأفراد والمجتمع والسلطة، وبهذا فُصلت عملية التشريع عن السلطة، فالتشريع قائم في المصادر المنزلة: القرآن والسنة، والعلماء وحدهم المؤهلون لتفسيره والتوسع فيه، وإسلام المسلم لا يصح إلا بامتثال الشريعة التي تقوّم سلوكه لتجعله متماشيًا مع التعاليم الدينية.

وكان ثمة عدة أدوار في التاريخ الإسلامي تتداخل في عملية التشريع هذه، وتصحيح السلوك الفردي والمجتمعي، تتمثل في: الفقيه المصنِّف والمفتي والقاضي. و”نادرًا ما وجدت هذه الأدوار بمعزل عن بعضها، فالفقيه قد يجمع بين اثنين أو ثلاثة أدوار وربما جمع بينها جميعًا”([6])، لكن “لم يكن الاشتغال في القضاء يعد ضرورة من تمام الحياة المهنية الفقهية الناجحة؛ لأن عددًا من كبار الفقهاء لم ينخرطوا فيه أبدًا،… والقاضي من حيث هو قاضٍ كان له دور ضئيل ـ هذا إن كان له أي دور في التغيير الفقهي ما بعد فترة التكوين [المذهبي] ـ وذلك بحكم طبيعة وظيفته وحدودها المفروضة”([7]). بل إن القاضي يسعى بشكل منتظم إلى الاستشارة الفقهية للمفتي([8]) الذي تمتع بدور مركزي في المحاكم الشرعية، وحُكم القاضي “لا يتمتع بأهمية شرعية تتجاوز الاهتمامات المباشرة والمستقبلية للمتقاضيين. أما مراجعة وتقويم جملة التشريعات التي تتمظهر فيها الممارسة فليست من مهام القاضي، بل هي من اختصاص المفتي وربما الفقيه المصنف إلى حد أكبر. فإذا عمد القاضي إلى تقويم أهمية الدعاوى القضائية للممارسة الفقهية فهو لا يقوم بذلك بوصفه قاضيًا، بل مفتيًا أو فقيهًا مصنفًا أو كليهما معًا”. ولعل هذا ما يبرر عدم الاهتمام التاريخي بتدوين الأقضية (باستثناء أقضية النبي e والخلفاء الراشدين) على خلاف الفتاوى التي ساهمت مساهمة عملية في التغيير الفقهي وفق الممارسة الاجتماعية؛ ومن هنا اقترح بعض المجدّدين([9]) أن تكون الأقضية أحد مصادر الفقه وأن تُدخَل في جسم الفقه.

فالفقيه هو الذي ينتج المعرفة المعيارية في المجتمع ويُرسي السلطة المرجعية التي تمثلت في “التقليد” الفقهي، أما القاضي فكان يختص بالممارسة القانونية فقط ويتولى عملية الإجراءات القانونية التي تم إرساؤها في الفقه ومن قبل الفقيه بالاستناد إلى مصادر الوحي: القرآن والسنة. ومهمات القاضي مهمات عملية كالفصل بين المتخاصمين والولاية على القاصرين وإنفاذ الوصايا وإدارة الوقف وتطبيق الحدود ونحو ذلك. وبالإضافة إلى كونها مهمة عملية فهي إلزامية نافذة وبهذا افترق عن المفتي والفقيه.

وعلى المستوى التاريخي: يذهب العديد من الباحثين والقانونيين إلى أن بداية انقطاع العمل بالشريعة بدأ مع النفوذ الاستعماري أواخر القرن التاسع عشر([10])، حتى إن أحد القانونيين المصريين الكبار يقول: “طوال 14 قرنًا كانت الشريعة هي الحاكمة في جميع بلاد المسلمين وعلى كافة المواطنين: مسلمين وغير مسلمين، وطنيين وأجانب، إلى أن جاء القرن التاسع عشر الميلادي فتغيرت الظروف والأوضاع بقدوم الاستعمار الأوربي إلى بلادنا”([11])، “فقد انهارت المراكز الرئيسة للسلطة الإسلامية في الإمبراطورية العثمانية وإيران والهند، واضطرت اضطرارًا إلى قبول النماذج الأوربية للدولة القومية والنظام الدولي، وإلى التخلي عن تظاهرها بالالتزام بالقانون العام في الشريعة، وأصبحت الأنظمة القانونية الأوربية هي المعيار في تطبيق القانون القومي وفي مجالات العلاقات الدولية، ولم يُترك للشريعة غير مجال الأحوال الشخصية للمسلمين وأحكام المواريث”([12]).

ومع أن ثمة وجهة نظر أخرى تذهب إلى “أن دلالة التاريخ تشير إلى أن تطبيق الشريعة الإسلامية لم يخضع لمبدأ الاستمرارية المتماثلة في مختلف البلدان العربية والإسلامية، كما لم يتعرض لانقطاع فجائي بسبب التدخلات الاستعمارية”([13])، لكنها لا تجد بدًّا من الإقرار في نهاية الأمر “بأن هذا لا يعني نفي وقوع انقطاع في استمرارية النظام القانوني عند نهاية القرن التاسع عشر”([14]).

وفيما يخص التاريخ العثماني فإن الأمر فيه متعرج وملتبس بخصوص تطبيق الشريعة، ويتفاوت من حاكم إلى آخر عبر هذه المدة المديدة للحكم؛ فالخطاب الرسمي للدولة العثمانية أعلى من شأن الشريعة، بوصف السلطان حامي العقيدة، وبفضل المناصب الدينية التي كان يضمها البلاط العثماني. لكن هذا لم ينفِ أبدًا وجود انحرافات عن الشريعة هنا أو هناك، في هذا العهد أو ذاك.

ويذهب البعض إلى “أن كتب القانون تجاوزت الشريعة إلى حد كبير، وبينما كانت تتعامل معها بإجلال أوكلتها إلى هوامش الممارسة الحكومية… وكان مطلوبًا من القضاة أن يحكموا وفق القوانين العرفية جنبًا إلى جنب مع الشريعة، أي أن القضاة كانوا يُعاملون بوصفهم موظفي دولة يديرون قانون الدولة وليس مجرد قضاة دينيين يتبعون كتب الفقه،… وكان قدر كبير من الممارسة الأساسية للحكم العثماني على خلاف واضح مع مبادئ الشريعة”([15]).

ومما يوضح أن الفقه لم يكن وحده هو الممسك بزمام الأمور في هذا العهد، وأن الشريعة الإسلامية قد استُبعدت من بعض المجالات، أن قانون العقوبات لم يتمتع بأهمية عملية كبيرة ([16])، وأنه كانت هناك قوانين تصدر من ولي الأمر ويصادق عليها القاضي بوصفه موظفًا حكوميًّا، على ضوء اعتبارات تقدرها الدولة؛ قد لا تكون موافقة بالضرورة لمذاهب الفقهاء.

ومن ناحية أخرى كانت الأعراف والعادات المحلية تتمتع بمكانة مهمة بين الأحكام المطبقة في مجموعها، وأحيانًا كان الفقه يقرها، وأحيانًا أخرى كانت تسري بحكم ما لها من ذاتية، وهو أمر نجده ساريًا في فترات مختلفة من التاريخ القديم والمعاصر.

ومع كل هذا، فإن الحديث عن استمرارية الشريعة أمر سائغ، فلم يوجد حتى هذه المرحلة إعلان أو تقنين عام لا يعبأ بالتراث الفقهي، وهذه الانقطاعات هنا وهناك، سواء في الممارسة الحكومية أم الممارسة الشعبية أمر طبيعي وليس هو المعنيّ حين الحديث عن انقطاع في الشريعة؛ بل المعنيّ انقطاعها على مستوى التطبيق القانوني على مستوى الدولة، وبشكل كلي قانوني وليس بشكل انحراف، وهو الأمر الذي لم تتنبه له تلك الدراسات التي نقلنا بعض مقولاتها.

لكن الذي يمكن تأريخ بداية انقطاع الشريعة به، هو مرحلة الإصلاحات العثمانية، والتي تمت بعد الاحتكاك بالهيمنة الأوربية العسكرية والاقتصادية؛ الأمر الذي فرض إعادة التفكير بالإسلام في البلدان العثمانية، سواء على مستوى النخب الفكرية، أم على مستوى النخب الحاكمة، حيث تعرضت فكرة “تفوق الإسلام الحتمي” إلى زعزعة بفضل صدمة الواقع. وهنا بدأت محاكات الأوربي المهيمن، ولم تكن تلك المحاكاة لتقف عند حدود التفكير ببناء جيش جديد بدل الانكشارية الواهنة، بل تعداه إلى المجالات القانونية والمدنية، بهدف تشكيل دولة حديثة في البلاد العثمانية التي تدعمت مع السلطان محمود الثاني الذي هزم الانكشاريين عام 1826م. وبموازاة ذلك كانت نجاحات محمد علي في مصر الساعي إلى بناء دولة عصرية كذلك.

“ويمكن تقسيم تاريخ الإصلاح العثماني في القرن التاسع عشر بصورة واضحة إلى ثلاث فترات: الإصلاحات الأولى على يد محمود مع تلمس السلطان وأنصاره للأفكار الجديدة عن الحكومة والمؤسسات والقانون، ومرحلة التنظيمات الإدارية والإصلاحات المالية والقانونية التي كثيرًا ما جرت تحت الضغط الأوربي، أخيرًا تكييف عناصر المدونات والإجراءات القانونية الأوربية وتبنيها، وذلك كان في عصر الدولنة على القانون، بما فيها تصنيف العناصر القانونية للشريعة وإدراجها في قانون الدولة، وكان دستور عام 1876م تتويجًا لفترة التنظيمات وأساسًا للمرحلة التي تلتها”([17]).

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن القوى الأوربية فرضت تنظيمات اقتصادية من أجل فتح البلدان العثمانية أمام التجارة الأوربية، ونشأت عنها المحاكم التجارية التي تحكم وفق الطريقة الأوربية، وكانت أول محاكم تخرج عن إطار الشريعة، وأن السلطان عبد الحميد حاول مقاومة تلك الهيمنة الأوربية وإن لم يتوقف عن الإصلاحات، وأن الاستعمار البريطاني في مصر 1882م أوقف إصلاحات محمد علي وفرض تجديدات قانونية وغيرها ([18]).

وليس هدفي هنا التأريخ للإصلاحات، بل الإشارة الوجيزة إلى بدايات التغير القانوني وجذور انقطاع الشريعة تاريخيًّا. فالإصلاحات العثمانية أسهمت في تغيير بعض المفاهيم والممارسات، بفضل مزيج من الهيمنة الأوربية، ومحاولات سعي الدولة العثمانية لمواجهة تلك التحديات بإنشاء دولة عصرية قوية، وكان القانون أحدَ تلك المجالات التي دخلها التغييرُ من خلال([19]) :

1- انفصال الحكومة عن سلطة السلطان وعن السلطة الدينية، فقد وُضعت السلطة التشريعية بين أيدي مؤسسة رسمية (ديوان الأحكام العدلية)، غير شخصية وغير دينية، واعتُبر ابتعادًا عن مبادئ الشريعة بوصفها قانونًا إلهيًّا.

2- وفصل الدين عن الحكومة ففُصلت الوظائف والمؤسسات الدينية عن وظائف الدولة، مِمَّا أدى إلى وجود حيز خاص بالحكومة والتشريع والقانون خارج نطاق الدين.

3- كما أدى نشوء مفهوم المواطنة إلى خلخلة بعض تشريعات الفقه، وزوال الامتيازات التي كانت تُمنح لفئات من المجتمع دون غيرها، وكان من بينها المسلمون، والعلماء والعسكر.

4- نشوء مفهوم القانون العام الذي يختلف عن الشريعة والعادات والتقاليد، بهدف التطوير والتقدم.

وقد خفّضت هذه الإصلاحات العثمانية (1839 ـ 1876م) التي عُرفت بالتنظيمات من نفوذ العلماء؛ ففي دمشق مثلاً “قللت الإصلاحات من قوة العلماء عن طريق توطيد الرقابة المركزية على دمشق، وزيادة التمثيل العلماني في المجالس المحلية المتنوعة الجديدة، وقد تحدت الافتراضات الأساسية للإصلاحات والآراءُ الواضحة: سلطة العلماء من خلال تشكيكها في ملاءمة خبرتهم. فالبيروقرطيون والموظفون الذي استنبطوا الإصلاحات مثّلوا مجموعة اجتماعية ناشئة لها نظرتها العامة الخاصة ومصالحها التي اصطدمت مع نظرة ومصالح العلماء”([20]).

وقد خضع تهميش نفوذ العلماء إلى تجاذب ومد وجزر، خاصة مع وجود المحاكم المختلطة التي تنظر في القضايا الناشئة عن القانون التجاري، وكانت هذه المحاكم إحدى المحاكم القانونية التي أزالت من ولاية العلماء صلاحية النظر القانونية في القضايا التجارية والجزائية والمدنية، وإن كان العلماء احتفظوا بدور في ما عدا ذلك، وخففوا من تأثير الإصلاحات حتى ستينيات القرن التاسع عشر. وفي سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر تضاءل نفوذهم بانتشار المحاكم القانونية المدنية واستبعادهم من مجلس الولاية بالكامل بين 1970 و1900م.

أحد أسباب هذا التهميش يرجع إلى أن مركزية دور العالم/الفقيه كانت نابعة من مركزية المعرفة الدينية، في حين أن الإصلاحات جاءت بالانفتاح على لون آخر من المعرفة غير الدينية، والتي تحاكي الغرب الناهض، وتحاول أن تسلك مسالكه في النهضة([21]). ترافق ذلك مع فكرة عامة شاعت بين الكثير من علماء أوربا وهي “أن الفقه في طريقه إلى الاختفاء كقانون، وانتهوا إلى هذا الرأي على ضوء دراستهم لمختلف الأنظمة القانونية السارية في البلاد العربية وما لاحظوه من انكماش مطرد لمجال تطبيق الفقه منذ نهاية القرن الثامن عشر. وهم يرون أن هذا الانكماش يرجع إلى طابع الجمود في الفقه… ومع اتساع التأثير الغربي في مجال تدريس القانون وفي مختلف المهن المرتبطة بالقضاء تم تهميش الفقه”([22]).

وبالتأكيد ثمة خلفيات أيديولوجية خلف هذا الاستنتاج سنعود إلى مناقشة تأثيراتها لاحقًا بين تياري المحافظة والتجديد داخل الفقه الإسلامي.

هذا الانقطاع الذي وقع في القرن التاسع عشر شكّل قوة دافعةً للبحث عن الإصلاح الفكري والفقهي، وأخذ أشكالاً متعددة من الإصلاحية الإسلامية على يد محمد عبده ورشيد رضا، إلى الإحيائية الإسلامية على يد حسن البنا وحركة الإخوان المسلمين.

انعكس هذا الإصلاح في اختلاف صورة الدولة التحديثية لدى الفاعلين، انطلاقًا من تغير طبيعة السلطة والقوى الاجتماعية والشعبية الحاكمة، فقد حلم الإصلاحيون بالدولة الإصلاحية أو الحديثة، بعد أن رأوا منذ منتصف القرن التاسع عشر أن “السيل الذي لا يمكن دفعه” المتمثل بالغرب الزاحف لا يواجَه إلا بدولة عصرية قوية تقود عمليّات التجديد في التعلم من الغرب، وفي مقاومة سيطرته العسكرية والسياسية بوسائله الفعالة التي يستطيع المسلمون اكتسابها واستخدامها.

ولكن نخبة الدولة هذه لم تلبث أن انفصلت تدريجيًّا عن رجالات الفقه مطلع القرن العشرين واستحدثت التعليم المدني المنفصل عن التعليم الديني، واتجهت لوضع قانون مدني وإنشاء كيانات وطنية خاصة على نهج الأمة/الدولة الأوربي القومي. ومن هنا نشأت “الدولة الوطنية” وهي النمط الثاني للدولة. بدأ هذا النمط في المشرق وبلغ ذروته في تركيا وصولاً لإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة، وحدث في المغرب في الخمسينيات من القرن العشرين. وهذا الانفصام بين الفقه والدولة سيكون التغير الجذري الذي كان له تأثيرات كبيرة لاحقًا([23]).

الانفصال المشار إليه بين رجال مشروع الدولة ورجال الإصلاح الإسلامي أدى إلى فك التحالف مع الدولة الوطنية الحديثة مع وجود جدل كبير حول الخلافة، واعتزال التجربة السياسية الجديدة المتمثلة بالدولة الوطنية التي تعتنق ثقافة الغرب وأنظمته السياسية، بين الثلاثينيات والخمسينيات، لكن منذ مطالع الخمسينيات ومع الاتجاه إلى العلمنة تحول الإخوان المسلمون إلى معالجة القضايا السياسية فاصطدموا بالدولة. وفي هذه المرحلة ظهرت أطروحة “الحاكمية” و”العدالة الاجتماعية” لدى سيد قطب، والقضايا القانونية والسياسية في معالجات عبد القادر عودة، وغير ذلك من الحديث عن الإسلام وقضايانا السياسية، والنظام السياسي في الإسلام، ونظام الحكم في الإسلام. وهذا عكس قناعة مؤداها أن “الدولة هي الأداة العظمى لتحقيق غائية المشروع القصوى”([24]).

وبالرغم من أنه حين صيغت الدساتير في تلك الدول “الوطنية” وُضع نصٌّ ـ في معظمها ـ يفيد بأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، والشريعة الإسلامية هي مصدر رئيس أو المصدر الرئيس من مصادر التشريع فيها([25]) ؛ بالرغم من ذلك نشِب صراع حادّ بين تلك السلطات وبعض الإسلاميين حول حقيقة “إسلامية” الدولة على وقع تصاعد الصراع بين الإسلاميين والقوميين في الخمسينيات والستينيات، وفي ظلّ الحديث عن الحاكمية والجاهلية وغير ذلك. وفي المقابل كانت تلك الكتابات السياسية الإسلامية عن نظام الحكم تسعى لبلورة نظام سياسي إسلامي من أجل بناء “الدولة الإسلامية” التي تتلخص مهمتها في تطبيق الشريعة، وهو المطلب الذي تتفق عليه جميع حركات ما يُسمى بـ”الإسلام السياسي”، وإن اختلفت في وسائل تنفيذه، في مقابل ما بدا تملّصًا وتهميشًا من مرجعية الشريعة باتجاه العلمانية من جانب الأنظمة القائمة المستأثرة بالسلطة.

 

ثانيًا: مبدأ التقنين.. ومتغيرات الزمان

1 ـ فكرة التقنين وسياقاتها التفسيرية

القوانين في اللغة: الأصول، واللفظ ليس بعربي([26])، فهو من الألفاظ المعرّبة. وعلى مستوى المفهوم ـ وهو أن يكون ثمة أصل عام مدون يحتكم إليه الناس في معاشهم ـ فقد بقيت هذه الفكرة موضع تردد في قرون الإسلام الأولى، فحتى القرآن الكريم وقع التردد في جمعه بين دفتين مدونًا بادئ الأمر، واستمر ذلك زمنًا، وإن كان قد جُمع في الصدور، وكانت هناك صحف متفرقة إلى أن جُمع بين دفتين لاحقًا. وكذلك وقع التردد في جمع السنة النبوية، إلى أن أمر عمر بن عبد العزيز عمّالَه بجمع ما تفرق من الأحاديث، لكنه لم يكن قانونًا أو أصلاً ملزمًا، حتى إنّ الخليفة أبا جعفر المنصور حاول أن يجعل من موطَّأ مالك مرجعًا للقضاة يلزمهم به، ولكن مالكًا أبى ذلك. وبقيت السلطة التشريعية التي يملكها الفقهاء ـ كما قلنا ـ حرة ومتعددة، واعترف لهم بذلك الخلفاء في غالب الأحوال، لكن هذا التعدد في الآراء والأحكام بقي مقلقًا، وهو ما دفع عبد الله بن المقفع (ت 756م) لأن يقترح على المنصور أن يجمع الناس على أصل/قانون واحد، من خلال رسالته التي سماها “رسالة الصحابة” بحيث يجمع أقضية الصحابة وفتاويهم فتكون مرجع القضاة، ومن هنا عُزي إليه أول محاولة للتقنين.

وصحيح أنه كان ثمة شرائع قديمة قبل الميلاد اعتُبرت قوانين([27])، إلا أن التقنين بمعنى الصياغة القانونية على شكل مواد ملزمة في القضاء، وتغطي مناحي الحياة المختلفة، بين قانون عام وقانون خاص، ومدني وجنائي أو جزائي ونحو ذلك، لم يُعرف إلا في العصر الحديث. وأول قانون عرفه العرب في هذا الخصوص كان قانون نابليون (القانون المدني الفرنسي) 1804م، وشهد القرن التاسع عشر اتجاهًا نشيطًا نحو التقنين حتى يمكن تسميته “عصر المجموعات القانونية”([28]).

وأول عمل متكامل ظهر لتقنين الفقه الإسلامي كان مجلَّة الأحكام العدلية في زمن الإصلاحات العثمانية، سنة 1876م، وجرى العمل بها لاحقًا في البلاد الخاضعة للحكم العثماني، ثم تلتها محاولات فردية كتلك التي قام بها وكيل وزارة الحقانية (العدل) محمد قدري باشا في كتابه “مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان” الذي طبع سنة 1890م، وكتابه “الأحوال الشخصية” وكتابه “العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف” الذي طبع سنة 1893م، ثم بدأ العمل الجماعي في هذا النوع من التأليف في العقد الثاني من القرن العشرين. وتبع ذلك محاولات عديدة ليس من غرضي هنا استقصاؤها، بل تأمل سياقاتها ومجالاتها، والتحولات التي طرأت في تشكيل الثقافة القانونية داخل المجتمعات العربية بتأثير اتصالها بالثقافة الغربية، وما نتج عن ذلك من ازدواجية ثم انقطاع في الثقافة الإسلامية.

يميز بعض الباحثين([29]) بين ثلاث فترات متتالية لحركة التقنين:

1 ـ خلال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر حاولت دول في طور التكوين (مصر) أو تمر بأزمة (الدولة العثمانية) تجديد مؤسساتها القانونية مع الحفاظ على سيادتها.

2 ـ وعند نهاية القرن استمرت محاولة التحديث، ولكن تحت سيطرة مباشرة من دول أجنبية.

3 ـ وفي فترة ما بين الحربين العالميتين بدأت إعادة النظر في التقنين السابق على أسس وطنية وازدهرت العملية في البلدان التي أصبحت مستقلة.

وهذا التمييز يبدو مفيدًا، لكنه غير كافٍ أو دقيق لما نود التعبير عنه بعد تأمل سياقات التقنين، ومساراته، كما أن تفسيرات لجوء الدولة العثمانية إلى التقنين عبر مجلَّة الأحكام العدلية اضطربت تفسيراته لدى الكاتبين، فالبعض فسره بأن الدولة العثمانية “أحست بخطر القوانين الوضعية الذي يهددهم في عرضه الجذاب وتنسيقه المحكم، فشكلت لجنة من فقهائها البارزين فأصدروا المجلَّة”([30]). في حين يرى آخرون أن الدافع لذلك ذو طابع عملي، هدفه إنشاء قانون “يسهل الرجوع إليه وأخذ الأحكام منه”، بعد أن “أنشئت المحاكم النظامية ونقل إليها بعض اختصاصات المحاكم الشرعية، ولم يكن باستطاعة قضاة تلك المحاكم أن يأخذوا الأحكام من الكتب الفقهية لاختلاف أساليبها وكثرة الآراء فيها، ولأن التمييز بين تلك الآراء يحتاج إلى ملكة فقهية خاصة، وتدريب خاص، ولم يتوفر لهؤلاء القضاة غير الشرعيين شيء من ذلك”([31]). وثالث يرى أن انهيار السلطة العثمانية اضطرها لقبول النماذج الأوربية([32]).

لكن الذي يفسر تلك المحاولة العثمانية ـ وهي لم تكن أول محاولة([33]) ـ أنها جاءت ضمن سياق الإصلاحات العثمانية أو ما سمي بالتنظيمات التي امتدت على عهدي السلطانين عبد المجيد وعبد العزيز، وانتهت في حدود 1880م بعد تولي عبد الحميد الثاني بأربعة أعوام. وفي هذه الفترة نشأت المحاكم التجارية التي تحكم على الطريقة الأوربية، ثم تحولت إلى المحاكم المختلطة عام 1847م (وهي محاكم مدنية وجنائية)، بالاتفاق مع السلطات الأوربية، وصدرت عام 1840 مجموعة قوانين جنائية، وسُنّ القانون التجاري عام 1850م المأخوذ عن القانون الفرنسي، وسلخت الدعاوى الجزائية من القضاء الشرعي، وتوسعت الأنظمة القضائية حتى وصلت إلى تقنين الشريعة ذاتها([34]).

“وهكذا، على مدى أربعين عامًا، اطرد زحف التشريعات الغربية في نظم الدولة العثمانية، كما اطرد انحسار الشريعة الإسلامية، وهيمن التشريع الغربي على نظام القضاء وعلى تنظيم التجارة وتنظيم الأراضي والتنظيم الجنائي” ([35])، لكن السؤال الذي يجب تأمله هنا هو لماذا أفلت من هذا كله مجلَّة الأحكام العدلية؟ وكيف ظهرت الفكرة؟

لا تبدو التفسيرات السابقة كافية ـ على الأقل ـ لفهم هذا الاستثناء من موجة تغريب التشريعات هذه، وربما يمكن فَهم ملابسات الأمر من خلال شخصية أحمد جودت باشا (1822م ـ 1895م) الذي كان مقربًا من رشيد باشا المبادر الرئيس بالتنظيمات، وكان قد تعلم الفرنسية، ووصفه بعض الباحثين([36]) بأنه “علماني” يعتبر أن المحاكم العلمانية تتوافق مع الإسلام وضرورية له، لكن في الوقت نفسه كان أحمد جودت قد عارض تبني القانون المدني الفرنسي الذي اقترحه علي باشا (كان رئيسًا للوزراء سنة 1867م)، على اعتبار “أن تبني القوانين الأوربية في هذا الحقل الحساس الذي تمتلك فيه الشريعة دعاوى قوية يشكل دعوة للمعارضة النشيطة، وطرح جودت ضرورة المحاكم المدنية التي تحكم بحسب قانون واضح ينال ثقة الأجانب والعثمانيين غير المسلمين”([37]). وأحمد جودت هذا هو الذي كان يرأس لجنة مجلَّة الأحكام العدلية التي قننت الشريعة بشكل كامل لأول مرة، على الصيغة الأوربية، ووفق المذهب الحنفي، واستمرت من 1969 حتى 1976م.

حتى الآن يبدو ثمة ارتباك في تفسير هذه المحاولة، برئاسة شخص بهذه الصفات، لكن يبدو لي أن ما ذكره في مذاكرته يساهم في مزيد من التوضيح، إذ يقول: “لقد تبنى بعض الأشخاص فكرة ترجمة القوانين المدنية الفرنسية إلى اللغة التركية للحكم بموجبها في المحاكم النظامية، ولكن هذه الفكرة غير مقبولة؛ لأن تغيير القوانين الأساسية لأمة ما، قد يعني دمارها. وقد رأى العلماء أن أولئك الذين ضلوا وحملوا أفكارًا إفرنجية كتلك، ليسوا بمؤمنين. ومن جهة أخرى دأب الإفرنج على القول: سُنُّوا قانونكم ودعونا نعرّف رعايانا به”([38]). وبهذا يبدو أن محاولته تلك كانت محاولة “وطنية”، فنبرته نبرة وطنية وليست إسلامية كما هو واضح من نصه والملابسات التي أحاطت بالموضوع، في الوقت الذي يحسب حسابًا للآراء الأخرى التي تعتقد بأن استيراد القوانين في هذا المجال ضلال.

أما بخصوص مصر التي كانت خارج النفوذ العثماني، ولم تسرِ عليها القوانين العثمانية الجديدة ولا مجلَّة الأحكام العدلية، وتسرب إليها التشريع الغربي بعد معاهدة لندن سنة 1840م من مدخل التجارة، بعد انفتاح سوقها بعد المعاهدة، وكان الأجانب يخضعون لقضائهم القنصلي حتى في معاملاتهم مع المصريين، وبلغ الأمر أن وصل عدد المحاكم القنصلية إلى 17 محكمة، و17 نظامًا قانونيًّا كلٌّ حسب جنسيته، إلى أن تحولت مصر إلى النظام القانوني الفرنسي في منتصف الستينيات من القرن التاسع عشر حين ترجم القانون الفرنسي على عهد الخديوي إسماعيل (1863م ـ 1879م).

لكن اختلفت الآراء في تفسير هذا التحول، ففي حين أن المستشار البشري يرى أن هذا “أمر بُيِّت بليل”([39]) ؛ يُنقَل عن رشيد رضا أن الخديوي إسماعيل كان يتعرض لضغوط أوربية لتطبيق قوانينها وخاصة القانون الفرنسي([40]). لكن رفاعة الطهطاوي الذي ترجم القانون الفرنسي رأى أن هدف الخديوي من الترجمة تقريبها للمصريين، “حتى لا يجهل أهل هذا الوطن أصول [قوانين] الممالك الأخرى، ولاسيما أن علاقات الاقتضاء ومناسبات الأخذ والعطاء تدعو إلى الإلمام بمثل تلك الأصول الوضعية ليكون من يتعامل معهم في تسوية الأمور على بصيرة”([41])، بينما يذهب الشيخ مخلوف المنياوي القاضي إلى أن مقصود الخديوي من الترجمة “التعليق على هذه القوانين من الوجهة الشرعية لمعرفة مدى اتفاق هذه القوانين واختلافها مع أحكام الشرع”، وقد قام مخلوف بهذا التكليف من الخديوي وعلق عليها في كتاب سماه “تطبيق القانون المدني والجنائي على مذهب مالك”([42]).

وبعد عهد إسماعيل، أنشئت المحاكم الأهلية عام 1883م بستة من التقنينات أُخذت من القوانين الفرنسية. ويوضح البشري بأن الأخذ بالقوانين الفرنسية هنا لم يكن بسبب جمود رجال الشريعة كما يقال؛ لأن المجلَّة العثمانية كانت قائمة، ولأن محمد قدري باشا في مصر كان يقوم بتقنين الأحكام وقتها. ويقول: “إن الوثائق التاريخية تكشف عن أن السبب الذي دعا المصريين إلى الأخذ بهذه التقنينات هو رغبتهم في أن يقدموا لدول الامتيازات نظامًا قانونيًّا مصريًّا ينشأ على شاكلة ما ارتضته هذه الدول بالمحاكم المختلطة، فترضى من بعد خضوع رعاياها له، وتسترد مصر سيادتها التشريعية القضائية المنقوصة”([43]).

بعد هذا كله، أمكن إدراك تفاعلات تلك المرحلة التاريخية والتأثيرات التي تركها الاحتكاك بالغرب، سواء في نفوذه السياسي الاستعماري، أم في الاحتكاك بمنجزاته الفكرية التي تمثلت على شكل إصلاحات أو تنظيمات، وكذلك في شكله الاقتصادي التجاري الذي كان بوابة استعارة القوانين أو فرضها لحماية التجار الأوربيين والاحتكام إلى قوانينهم. وليس اختلاف تفسير تلك التحولات الذي أبرزتُ طرفًا منه في مواضع؛ إلا علامة على اضطراب توجهات تلك المرحلة، التي كانت تعج بالتوجهات المتغربة، والإصلاحية التي تحاول المزاوجة، والمحافظة([44]).

ومما لفت نظري، أن كل محاولات التقنين الفردية والجماعية، الرسمية وغير الرسمية، بدءًا من مجلَّة الأحكام العدلية العثمانية وصولاً إلى ما بعد الدولة الوطنية، لم تكن تطرح تقنين الشريعة كاملة، بل كانت تقتصر على قانون الأحوال الشخصية في الغالب الأعم، وحتى مجلَّة الأحكام العدلية لم تقنن الفقه، بل قننت (العقود والالتزامات والمرافعات المدنية) دون الأحكام التجارية وأحكام الأراضي وغيرها، والتي كانت أخذت تشريعاتها من القوانين الأوربية.

فلم تبرز فكرة تقنين الشريعة كاملة إلا في العصر الحديث في ظل الدولة الوطنية، مع أطروحة “شمولية الإسلام”، أي في ظل الفقه الحركي، وتدعّم ذلك مع أطروحة تطبيق الشريعة التي شاعت في العقود الأخيرة في ظل الحديث عن الحل الإسلامي، حتى وقع في الأوهام أن تطبيق الشريعة يعني تطبيق الحدود، أي النظام الجنائي.

كما أن دعوة تطبيق الشريعة جاءت شاملة للأحوال الشخصية والمعاوضات والشركات التجارية والعقوبات([45])، وتم التركيز على الجنايات أو العقوبات؛ لأن “أول عدوان على أحكام الشريعة كان عدوانًا على أحكام الجنايات والحدود”([46]). وهنا تأتي أهمية كتاب عبد القادر عودة “التشريع الجنائي” ([47])، الذي كتبه بإيعاز من حسن البنا، والذي وصفه العوا قائلاً: “كتاب التشريع الجنائي الإسلامي هو الكتاب الأول في تاريخنا الفقهي الذى يتناول أحكام الفقه الجنائي الإسلامي بترتيبها الذى تعرفه كتب القانون الحديثة مقارنة بنظرائها في القوانين العصرية مع معالجة الفقه الإسلامي في مذاهبه الأربعة، وأحيانا يضيف إليها رأي الإمام ابن حزم الظاهري.

واكتسب الكتاب أهمية خاصة؛ لأن الفقه الجنائي الإسلامي تُرك تطبيقه في كثير من بلاد الإسلام (باستثناء المملكة العربية السعودية واليمن وإيران وأفغانستان) منذ حلت محله في الدولة العثمانية تنظيمات سليمان القانوني، ولذلك قلّت العناية به ووقف العمل العلمي لتجديده؛ إذ إنهما تابعان ـ عادة ـ للمصلحة العملية والتطبيق القضائي.

وكان حظ الفقه المدني الإسلامي أفضل كثيرا من نظيره الجنائي؛ لأنه استمر العمل به في صورة مجلَّة الأحكام العدلية… ولم تمض خمس عشرة سنة حتى كان الكتاب ملهِمًا رئيسيًّا للمشرعين والباحثين في عدد من الدول العربية والإسلامية، ثم تُرجم إلى الفارسية والأردية والإنجليزية، وأضاف إليه عدد من العلماء الشيعة مقارنته بالمذهب الجعفري، وصدرت له عدة طبعات في إيران، واستخدم في أفغانستان ـ أيَّام العهد الملكي وما زال حتى الآن على نطاق واسع ـ فكان مَعينًا للقضاة والمحاميين”([48]).

إن مِمَّا يلفت النظر هنا، أن نقل القوانين الأوربية وترجمتها، لم يدفع إلى إنشاء مجلَّة الأحكام العدلية فقط، بل أنشأ عددًا من الدراسات القانونية المقارنة بين القانون والشريعة، كنحو ما فعل الشيخ مخلوف، أو محمد قدري باشا ـ وقد سبقت الإشارة إلى مؤلفاتهم ـ، والشيخ سيد عبد الله علي حسين في كتابه “المقارنات الشرعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي: مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس”.

وَمِـمَّا يستدعي التأمل أن تلك الدراسات المقارنة انتهت إلى وجود اتفاق في نسبة كبيرة بين القانون المدني الفرنسي وبين الأحكام الفقهية، وخاصة المذهب المالكي، حتى إن بعض الباحثين ذهب إلى القول: “الناظر إلى هذه المؤلفات يجد عمق التشابه في الفروع بين الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي، ويكاد ينحصر الخلاف في نسبة من المسائل اليسيرة التي يرجع الخلاف فيها إلى ظروف التطور الحضاري ومقتضيات الصناعة الفنية”([49]). بل أكثر من ذلك، لوحظ “وجود تطابق بين بعض أحكام مجلَّة الأحكام العدلية والقانون المدني الفرنسي، ولفت دافيسون إلى فكرة أن ذلك التطابق ربما يكون نابعًا من الصدفة، أو نتيجة تأثير الرومان قديمًا على القانون الإسلامي”([50]).

لكن ثمة مواقف مختلفة تجاه هذا الاتفاق، بعضها حركي يرى أن ذلك الاتفاق لا يعدو أن يكون “تكأة باطلة للتغرير بالناس”([51])، لكن مؤرخًا رصينًا كالبشري يذهب إلى “أن كثيرًا من القوانين الوضعية الحالية تتفق في الحكم مع أحد الآراء الفقهية في مذهب من المذاهب، وهو يرى إسناد الحكم القانوني إلى الرأي الفقهي الذي يتفق معه بما يجعل له أساسًا فقهيًّا ويقطع صلته بمصدره الوضعي الأجنبي، وبذلك نمهد لاستقاء القوانين وتفسيرها وتطبيقها بوساطة القضاء من مصادرها الفقهية ـ مع أنها لم تُستقَ منها في الأصل ـ خاصة إذا كان للرأي الفقهي دليله الشرعي”([52]).

2 ـ مبدأ التقنين.. ومنطقه

حظيت فكرة تقنين الفقه ـ منذ ظهرت ـ بمعارضة، فقد اعتبر شيخ الإسلام آنذاك حسن فهمي أن مشروعًا كمجلَّة الأحكام العدلية من اختصاصه وليس من اختصاص وزارة العدل([53]). وقد رأى المعترضون أن في ذلك استيلاءً من الدولة على سلطتهم كناطقين باسم القانون وحراس له([54]). واستمرت هذه الاعتراضات تاريخيًّا، فقد لقيت محاولات تقنين عدة في مصر معارضة حقيقية: تارة لأن التقنين سيلتزم مذهبًا معينًا فيعارض علماء المذاهب الأخرى، وتارة لخروجه عن المذاهب الأربعة، أو لمخالفته أعراف الناس كقانون 1926م بمنع الزواج بأكثر من واحدة إلا بإذن القاضي([55]).

واستمرت المعارضة، حتى إن بحوثًا عديدة انشغلت بإيراد حجج المانعين والرد عليها ([56]). لكن الفارق أن معارضي الفكرة في هذا العصر انحصر أكثرهم في تيار مخصوص يغلب عليه التيار السلفي من أمثال محمد الأمين الشنقيطي وبكر أبو زيد وعبد الله البسام وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية([57])، حتى إن أحد الفقهاء المعاصرين حصر معارضي التقنين بعلماء السعودية فقط([58]).

لست معنيًّا هنا بإيراد حججٍ ولا ترجيحٍ، ولا الاستدلالِ لفكرة التقنين على الطريقة الكلاسيكية، بل إدراك مسارات الوعي ومتغيرات التاريخ، فالتاريخ والفقه الإسلاميان ـ كما أوضحنا ـ كانا يرهنان التطبيق القانوني أو القضائي بالقاضي وحده، فهو الذي يفصل بين الناس، وأحكامه وأقضيته لازمة للمتخاصمين، وكانت له حرية واسعة في باب التعزير، كما أنه لم يكن القضاة ملزمين بنصوص مرجعية واحدة، ولهذا تنوعت أحكامهم بين مصر وآخر، وبين مذهب وآخر؛ لأن القاضي كان يحكم باجتهاده، وبناء على مذهبه الفقهي الذي يقلده.

وقد “حظيت النصوص التي وضعها المفتي والفقيه المصنّف بمرجعية عالية، فمنها كان الفقهاء المعاصرون واللاحقون بكل مراتبهم: كتّابًا بالعدل أو قضاة أو مفتين أو فقهاء مصنِّفين يستمدون أحكامًا معيارية تعتبر بمثابة مذهب نموذجي”([59])، وكان هناك عمليات استبدال مستمرة للحالات والآراء تعكس مرونة المذهب وقابليته الواضحة للتكيف.

أما التقنين فهو يقوم على عنصرين: صياغة الحكم الفقهي بعبارة قانونية، وإلزام القاضي بالقضاء وفقًا لهذا الحكم ولو كان مخالفًا لرأيه ([60]). وإنما وقع الإشكال في العنصر الثاني، ولهذا وقع الاعتراض على التقنين.

وفي الواقع أن الجدال في الموقف من التقنين ـ إن تجاوزنا ظاهره ـ نجده في حقيقته جدالاً بين موقفين متعارضين: موقف محافظ يسعى للحفاظ على البناء الفقهي القديم ومنطلقاته، ويحتفظ بتصوره التراثي للقضاء وحاكمية الشريعة؛ مقابل موقف تجديدي يحاول أن يتوسل بالنظم المعاصرة الأوربية لإرساء حاكمية الشريعة في ظل دولة حديثة أوربية المنشأ، وفي ظل صراع مع قوانين مستوردة، فهو يُدخل الفقه في طور جديد، هذا الطور إما “ثوب جديد” أو “فقه عصري” أو “فقه معاصر” أو نحو ذلك، لبيان مرونة الفقه وصلاحيته لكل زمان ومكان، فهذا الموقف يعيش عصره ويتفاعل مع تحدياته.

وفي حين أن من الفريق الأول من يعتبر التقنين ضلالاً ومحرمًا وبدعة غربية إلى غير ذلك من الأوصاف([61]) ؛ من الفريق الثاني من يرى أن التقنين واجب، وليس جائزًا فقط([62]) ؛ لأنه السبيل إلى تطبيق الشريعة في هذا العصر. وشَرْحُ منطق كل فريق من شأنه أن يثبت صحة ما قدمناه من صورة الخلاف بين الفريقين.

إن المنطق الفقهي الكلاسيكي والواقع التاريخي الذي يرتهن إليه الفريق الأول المعارض للتقنين يقضي بطرح إشكالات عدة:

أولها: أن القاضي يملك حرية كبيرة، سواء لجهة اجتهاده في تقرير أحكامه، أم لجهة حريته الواسعة في تقرير التعازير، وهذا أمر مقرر فقهًا وتاريخًا، فلا يجوز إلزام القاضي بالحكم وفق مذهب معين([63]). والتقنين يودي بتلك الحرية، ويُلزم القاضي بالحكم بناء على القانون المحدد مسبقًا. في حين يرى أصحاب التقنين أن حرية القاضي لم تعد مقبولة في ظل الدولة الحديثة وتتعارض مع مبدأ فصل السلطات، ومع المبدأ القانوني الذي يرى أنه لا عقوبة إلا بنص([64]).

ومما يتصل بتخوفات شيخ الإسلام وعلماء عصره عند نشوء المجلَّة العثمانية مِمَّا أشرنا إليه، أن القانون الجديد المنبثق عن الفقه، يصبح قانون الدولة، والقاضي موظف لديها، وعليه أن يتوصل إلى حكمه استنادًا إلى القوانين التي أقرتها الدولة، وليس بالرجوع إلى المصادر الفقهية الواسعة.

“والأهم من ذلك أن القوننة في النظام القانوني الحديث تحرم الشريعة من موقعها التقليدي الذي منحها شخصيتها المميزة، وكان القاضي ـ كما رأينا ـ يتوصل إلى حكمه بالرجوع إلى القواعد والتفاسير وليس إلى قوانين معممة، ويعتبر حكمه قطعيًّا غير قابل للاستئناف. ورغم الاعتراف بإمكانية وقوع القاضي في الخطأ، فلن يُحكم عليه بأنه ابتعد عن طريق الفضيلة طالما أنه جاهد ـ بنزاهة ـ للوصول إلى أفضل حكم يستطيعه”([65]).

ثانيها: يصرّ محرّمو التقنين على الوفاء للتراث الفقهي بكل تنويعاته، وعلى الإبقاء على حرية مفترضة للقاضي في تقرير الأحكام، خاصة أن التوجه السلفي يعادي ـ بتكوينه ـ التقليد المذهبي، فيرون أن إلزام القاضي بقانون موحد لا يمنعه فقط من حرية الاجتهاد، ومن الحكم برأي قد يعتقد خلافه، بل إنه سيهمش التراث الفقهي لصالح التقنين الجديد([66]). كما أن حصر القانون برأي، يضيق عن الحوادث المتعاقبة، ومن شأنه أن يرسي الجمود ويحول دون تغير الأحكام بتغير الأزمان، فيصعب تغيير القانون، ويصبح مثقِلاً لكاهل المتحاكمين.

ومما يصحّ أن يُذكر هنا أن ابن المقفع لما كتب إلى المنصور “رسالة الصحابة” عاب فكرة أن القضاء متروك للقاضي واجتهاده، “حتى تصدر عن ذلك الأحكام المتناقضة حتى في البلدة الواحدة، فتُستحل دماء وفروج وأموال في ناحية، وتُحرم في ناحية أخرى تبعًا لحكم القاضي”، لكن باحثًا مقتدرًا رأى “أن حل الإشكالية الناجمة عن تعددية الآراء في الفترة التأسيسية وما بعدها أصبح في حد ذاته خلاصًا للنظام الشرعي خلال الفترات اللاحقة لتطورها، وما كان للتغيير الشرعي وقابليته للتكيف أن يصبح ممكنًا لولا هذه التعددية”([67]).

ومما يؤكد ذلك، العُسرُ الذي أصاب الناس أثناء القضاء العثماني الملزَم بالمذهب الحنفي، والذي استدعى أن يصدر به إذن سلطاني حتى يجوز الحكم بغير المذهب الحنفي ـ استثناءً ـ، وجاء في نصه: “ومن المعلوم أن كثيرًا من مسائل القضاء الشرعية كمسألة فسخ عقد من يغيبون غيبة منقطعة، إنما يتمشى القضاء بها على بعض المذاهب دون البعض، فكم من أقضية لا يتيسر القضاء بها الآن على مذهب النائب الشرعي الحنفي؛ لانحصار قضائه في مذهبه الذي أنيب للحكم به؟ وأما على غير مذهبه فيمكن القضاء بها، إلا أن أمر تنفيذ القضاء بها موقوف على توسيع الإذن للنائب الحنفي؛ بأن يولي القضاء لمن يقضي بتلك النازلة على مذهبه ممن يراه أهلاً للقضاء والحكم، فإذا قضى هذا نَفذ النائب الأصلي قضاءه فيَنْفُذ حينئذ”([68]).

ومن المثير أن هذه الأفكار نفسها والتخوفات، تلتقي عليها أطراف مختلفة التوجه، بل إن عسر الالتزام بالمذهب الحنفي وحده ـ أثناء الحكم العثماني ـ كان هو السبب في طرح الشيخ محمد عبده ورشيد رضا فكرة تقنين الفقه؛ فرشيد رضا يستحسن تلك الفتوى من حسن فهمي شيخ الإسلام، لكنه يرى أن المشكلة تُحل بغير هذا، وبعد أن يقرر أن القضاة لا مجتهد بينهم الآن، يقول: “فالحق أنه لا فرق في القضاة المقلدين الذين ليس لهم رأي في المسائل بين حنفي وشافعي، ومسألة التنفيذ تابعة للسلطة؛ فكل من عيَّنه السلطان القادر على التنفيذ ينفذ حكمه مهما كان المذهب الذي أمره بالحكم به، وليست المسألة تعبدية”.

أما محمد عبده فبعد أن ولي الإفتاء في مصر، طاف على المحاكم الشرعية وكتب تقريرًا ضافيًا عن المشكلات التي تكتنف عملها، واستعرض مسائل وقع فيها العنت على المتخاصمين، وبهذا لم تعد تقي الأعراض والأنفس التي جاءت الشريعة لصيانتها، وقال: “كل ذلك يجب أن يوضع بين يدي لجنة من العلماء ليستخرجوا من الأحكام الشرعية ما فيه شفاء لعلل الأمة في جميع أبواب المعاملات، خصوصًا ما لا يمكن النظر فيه لغير المحاكم الشرعية من الأحوال الشخصية والأوقاف، ويكون ما يستخرجونه كتابًا شاملاً لكل ما تمس إليه الحاجة في تلك الأبواب، ويُضم إلى ما يستخلص في أبواب المرافعات الشرعية، ويصدر الأمر بأن يكون عمل القضاة عليه، فإذا أغمض عليهم أمر راجعوا فيه من يكون في وظيفة إفتاء الحقانية أو الديار المصرية، وعليه أن ينظر فيه: بنفسه أو مع لجنة العلماء؛ على حسب الحاجة”.

لكن رشيد رضا يقول: إن الاقتراح لم يُنفذ ولم يُعمل به؛ بسبب “جمود قاضي مصر الذي يجيء من الآستانة وتعصّبه، وجمود سائر القضاة والعلماء، وعدم اهتمامهم. ولو أنهم اجتمعوا وألفوا الكتاب الذي اقترحه الأستاذ الإمام، وطالبوا الحكومة بتنفيذه لفعلت. فهذا الجمود والإهمال من العلماء قد كان أكبر أسباب اقتباس الحكومتين العثمانية والمصرية للقوانين الأوربية، واتسع التشريع الأوربي بمصر أكثر من الآستانة؛ لأن نفوذ العلماء فيها أضعف، وعنايتهم بشئون الحكومة أقل”، ثم يقول بعدها: “إن من لم تقنعه الأقوال والأحاديث تقنعه الأحوال والحوادث رغم أنفه”.

ثالثها: وهو أن “التقنين يهيئ الأذهان لقبول القانون الوضعي، وهو ما استغله المثقفون ثقافة غربية”([69])، والحجة السلفية تقول: “القانون المصنوع يتكون من صورة وحقيقة، فصورته على هيئة مواد وذات أرقام… ؛ لأنه يُخشى من وجود الصورة والشكل أن يُنفخ فيه روح أصله في الأجيال المتعاقبة وإن كان ذلك في حكم المستحيل إن شاء الله، إلا أنه يجب أخذ الحيطة والحذر”([70]). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: “النظام الوضعي تتركب حقيقته من شيئين: أحدهما: صورته التي هي شكله وهيئته في ترتيب مواده والحرص على تقريب معانيها وضبطها بالأرقام. والثانية: حقيقة روحه التي هي مشابكة لذلك الهيكل والصورة، كمشابكة الروح للبدن. وتلك الروح هي حكم الطاغوت، فصار التدوين مشتملاً على أحدهما، والواحد نصف الاثنين.

ومما يُظَن ظنًّا قويًّا، ويُخشى خشية شديدة: أن وضع شكل وصورة النظام الوضعي بالتدوين، وضعُ حجر أساسٍ لنفخ روح هذا الهيكل الأصلية فيه، ولا شك أن الظروف الراهنة ومخايل الظروف المستقبلة تؤكد أن تيارات الإلحاد الجارفة في أقطار المعمورة الناظرة إلى الإسلام بعين الحط والازدراء، يغلب على الظن ويُخاف خوفًا شديدًا أنها بقوة مغناطيسها الجذابة التي جذبت غير هذه البلاد من الأقطار من نظامها الإسلامي التي توارثته عشرات القرون إلى النظام الوضعي الذي شرعه الشيطان على ألسنة أوليائه، ستجذب هذه البلاد يوماً ما إلى ما جذبت إليه غيرها من الأقطار التي فيها مئات العلماء؛ كمصر”([71]).

مرة أخرى ننبه إلى أن الهدف من هذه الإيرادات ليس الاستدلال لرأي دون آخر، ولا عرض وجهات النظر، بل تجلية المنطق الذي يحكم كل موقف، ومعرفة حدود وعيه والمؤثرات الفاعلة فيه، هل هي مؤثرات حديثة أم تراثية.

غير أن مِمَّا يثير الانتباه أن هذا المنطق السلفي الأخير نجده لدى بعض الباحثين من المستشرقين والأنثروبولوجيين، فسامي زبيدة يورد الإشكالات التالية: “كُتبت المجلَّة [العدلية] بالتوافق مع المنهجية والصيغة الفرنسيتين، مع أنها استمدت مادتها ومحاورها الأولى من الشريعة، وهكذا كان الشكل أوربيًّا والمضمون إسلاميًّا. وربما نتساءل عن المدى الذي يستطيع فيه المضمون أن يحافظ على الشكل… فقد كان المضمون الفعلي لها عاديًّا ودنيويًّا… فالقوننة ـ بحسب ممارسة القانون المدني في المحاكم المدنية ـ تجرد الشريعة من جميع أرديتها الدينية المؤسساتية وتطوقها وتُفقدها طقوسها… أما العناصر التي بقيت من الفقه والشريعة في الأنظمة القانونية الحديثة فكانت على حساب تحويل تلك العناصر ضمن القانون الوضعي للدولة وتطبيقها في المحاكم الحديثة على الطريقة الأوربية والأنظمة التشريعية؛ ما شكل في الواقع انتصارًا للنماذج الأوربية”([72]).

رابعها: أن التقنين من شأنه أن يعرّض أحكام الشريعة لكثرة التغيير والتبديل، وهذا سيزج بالشريعة في التاريخ، ويوهن مصدريتها الإلهية، فقد “ظلت الثقافة الإسلامية الحديثة تنكر صراحة وحتى وقت قريب بأن تكون هذه الشريعة قد مرت بأي تطور مشهود”([73])، والوعي الفقهي المعاصر الذي انشغل بالتمييز بين الشريعة والقانون ـ على الدوام ـ يرى أن الشريعة نزلت من أول يوم “شابة مكتملة”([74])، وحتى ما سمي بعلم “تاريخ التشريع” فهو علم حديث، وينقصه الوضوح حتى الآن على رغم كثرة الكتابات فيه([75])، وبحثنا هذا يجسد الشكل الذي نطمح إليه في تأريخ التشريع الإسلامي.

هكذا أمكن للفقيه الحركي أن يعي متغيرات التاريخ، فتفاعل مع موجة التغيرات الاجتماعية والسياسية والقانونية التي رافقت السيطرة العسكرية والثقافية للغرب، هذه المتغيرات التي فرضت واقعًا جديدًا وجد الفقيه نفسه فيه مهمّشًا، وفقهه يفقد ملاءمته لهذه المتغيرات، فظهرت الحاجة لاستبدال النظام التقليدي في النصف الأول من القرن التاسع عشر مع دخول القوانين الأوربية. ثم لم تلبث حركة التشريع التي نهضت مرتكزة على القوانين المحلية والأجنبية أنْ أحوجت الفقيه المعاصر إلى تغيير بنية النظام الفقهي الموجود من أجل الحفاظ على صلة بين القانون والمرجعية الإلهية، لكنها صلة تتلاءم مع هذا الواقع الجديد، وتمتلك في ذاتها قابلية للاستمرار والتطبيق.

لكن هذه التحولات مع ما فيها من إيجابيات، ومع محاولة الفقيه أن لا يتخلف عنها وأن يحاول أن يجد له دورًا جديدًا في التغيير، حملت سلبيات أخرى، فقد برزت مهنة جديدة اسمها القانون، أمعنت في تهميش الفقيه ثانية، وأنهت الدور الذي كان يقوم به الفقهاء في النظام الفقهي، وبهذا لم يعد ممكنًا اعتبارهم جزءًا من النظام القانوني، حتى إن هذا التأثير طاول كليات الشريعة في العالم الإسلامي التي اضطرت إلى إجراء بعض التعديلات في مناهجها القانونية، وفقدت الدعم الرسمي والمادي، وتهمش دورها الاجتماعي.

وهذا التأثير لم يقتصر على الفقيه والممارسة الفقهية، فقد “شكّل انتقال صناعة القانون من أيدي الفقهاء التقليديين إلى محامي الدولة تغيرًا أساسيًّا في أصول الفقه، فاختفت مسائل من قبيل المجتهد والمقلد، واختفى الاجتهاد الفردي واستبدلت به لجان تشريعية حكومية مؤلفة من محامين معاصرين”([76]).

ولم يبق خارج هذا التوجه إلا تلك الفئة القليلة التي تعيش خارج تلك التأثيرات، محتفظة بتصوراتها التراثية النظرية، لكنها لا تؤثر في الواقع التاريخي شيئًا. وبهذا فإن فكرة التقنين فرضت نفسها على الاتجاه الكلاسيكي في الفقه، وخرجت عن كونها مشروعًا حركيًّا يسعى لبلورة متطلبات “الحل الإسلامي” الواجب تطبيقه على الدولة الوطنية، التي تتطلب تشريعات واقتصادًا وسياسة، وغير ذلك؛ لضرورات عملية واجتماعية، وحرصًا على الإمساك ببقية دورٍ أو تأثير.

هذا التحول نلحظه من خلال معالجات فكرة التقنين من رجال ليسوا بحركيين، ومن خلال المناقشات الفقهية الكلاسيكية التي تتخلل بحوثهم، ومن خلال أدلتهم على جواز التقنين وإجاباتهم على حجج المعارضين، في حين لو قارنا هذه الكتابات بكتابات فقهاء قانونيين حركيين أمثال عبد القادر عودة أو توفيق الشاوي مثلاً فسنجد اللهجة والاستدلال مختلفًا مِمَّا سنفصل فيه لاحقًا في تحول الوعي الفقهي. معنى هذا أن فكرة التقنين أُدمجت في الوعي الفقهي ووفق آلياته ومنطقه.

ونتيجة للتفكير القانوني الجديد الذي أوجدته عملية التقنين، ظهر لدى رجال القانون في الغرب من خلال تناولهم للفقه الإسلامي نظرة جديدة “بجوار النظرة التي ترى الفقه متسمًا بالجمود وهي النظرة السائدة في كتب الاستشراق القانوني، نظرة أخرى تقوم على طابع التحول والتغير في الفقه، وظهرت فكرة مؤداها أن الفقه الإسلامي قد انفصل عن جذوره المتمثلة في الكتب الفقهية القديمة والتي أصبح من الصعب على غير المتخصصين التوصل إلى فهمها”([77]).

ويمكن تلخيص تلك المسارات والتحولات على طريقة طلال أسد الذي قال: “يمكننا النظر إلى الإحياء الإسلامي المعاصر بوصفه محاولات لاستحضار التقاليد الإسلامية القابلة للتكيف وربطها بالحداثة بما هي وضعية يختبرها العالم الإسلامي راهنًا، لا بل أكثر من ذلك، أي بوصفه محاولات لصياغة سبل ممانعة ومناجزة ليس فقط مع الغرب، بل أيضًا مع التاريخ الإسلامي”([78]).

هذا ما أسفرت عنه حركية التاريخ الحديث والمعاصر، التي تركت تأثيراتها العميقة على الوعي الفقهي ومساراته، فيما يمكن اعتباره آخر مرحلة وقع فيها التصادم بين النزعات الوضعية الإنسانية وبين الوحي ونصوصه، وما خلفه ذلك من انقسامات وسجالات وتدمير للبنى الثقافية والإسلامية والأنظمة القانونية، لصالح ما عرف بالدولة الحديثة وأنظمتها. لكن بقي بحث تلك الجدالات التي ظهرت في ظل هذه الحركية وأخذت صورة مفاهيم واصطلاحات اختُزلت فيها وجهات النظر، وكانت عناوين لذلك الصدام، أعني مصطلحات: الفقه، والشريعة، والقانون، كيف ظهرت وكيف تطورت؟ ولماذا وقع الجدال والسجال والالتباس فيها؟ وكذلك بقي بحث مسألة تقنين الفقه ـ الشريعة، من زاوية تتبع مسارات الوعي الفقهي في التعامل معها، والوظيفة التي عُلّقت عليه، أو أَمِل تحقيقها من خلاله. وهذه مسائل عويصة تحتاج إلى إفرادها ببحث مستقل ومكمل، نسأل الله التوفيق لاستكماله مستقبلاً.

والله ولي التوفيق، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.


[1]) من المهم الإشارة إلى أن كلمات مثل: سلفي، كلاسيكي، حركي، الواردة في البحث، هي مجرد توصيفات دالّة لا تحمل أي حكم معياري أو تقويمي.

[2]) انظر: حول مركزية الفقه: معتز الخطيب، مسالك الفتوى وجدلية الفقه والسياسة، بحث مقدم إلى مؤتمر: فقه النوازل وتجديد الفتوى، عُمان، 1 ـ 4/4/2007.

[3]) جولد تسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، (الترجمة العربية) القاهرة، بغداد: دار الكتب الحديثة، مكتبة المثنى، ط2، دون تاريخ، ص65.

[4]) انظر: برنار بوتيفو، الشريعة الإسلامية والقانون في المجتمعات العربية، القاهرة: سينا للنشر، ط1، 1997م، ص31 ـ 32، وهو قد أفاد من جلبير دولانو وكلاهما يتحدث عن أن هذا النموذج كان سائدًا في القرن التاسع عشر. إلا أنني أرى أن هذه المهام وجدت عبر تاريخ الفقه الإسلامي نفسه عبر القرون.

[5]) انظر: جوزيف شاخت، تراث الإسلام، ترجمة حسين مؤنس وإحسان صدقي العمد، الكويت: عالم المعرفة، ط3، 1998م، 2/106، وانظر: 2/ 95 ـ 100.

[6]) وائل حلاق، السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي، ترجمة عباس عباس، بيروت: دار المدار الإسلامي، ط1، 2007م، ص236.

[7]) المرجع السابق، ص240.

[8]) حلاق، السلطة، ص244، وسامي زبيدة، الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي، ترجمة عباس عباس، بيروت: دار المدار الإسلامي، ط1، 2007م، ص82، ويقول: إن هذا شاع في الممارسة العثمانية. وفي كتب: “الأم” وأدب القاضي، إشارات إلى وجوب استشارة القاضي للفقيه.

[9]) هو د. جمال الدين عطية، تجديد الفقه الإسلامي، بيروت: دار الفكر، ط1، 2000م، ص27 ـ 28.

[10]) محمد سراج، الفقه الإسلامي بين النظر والتطبيق، مصر: دون مكان، 1994م، ص9، وعبد الله النعيم، نحو تطوير التشريع الإسلامي، ترجمة حسين أمين، القاهرة: مركز القاهرة لحقوق الإنسان، ط2، 2006م، ص61، وفضلاً عن أن هذا هو تشخيص الإسلاميين كمناع القطان ود. يوسف القرضاوي، والسلفيين.

[11]) صوفي أبو طالب، مشروع تقنين الشريعة جاهز منذ 1983م، حوار أجراه معه عاطف مظهر، منشور على شبكة إسلام أونلاين، بتاريخ 22 مايو 2007م. وقد سبق أن ذكر ذلك أيضًا في: صوفي أبو طالب، تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، القاهرة: جامعة القاهرة، ط3، 1986م، ص9.

[12]) عبد الله النعيم، نحو تطوير التشريع، ص61.

[13]) برنار بوتيفو، الشريعة الإسلامية والقانون، ص306.

[14]) المرجع السابق، ص307.

[15]) سامي زبيدة، الشريعة والسلطة، ص197. ويقرر أن قانون العقوبات بمعظمه يندرج ضمن دائرة اختصاص العرف لا اختصاص الشريعة، مع الإقرار بوجود اعتراضات من العلماء تلقى استجابة في بعض الأحيان.

[16]) انظر: زبيدة، الشريعة، ص192.

[17]) زبيدة، الشريعة، ص209.

[18]) عزا مناع القطان أول تطبيق للقانون الوضعي في مصر إلى الخديوي إسماعيل، الذي طبق قانون نابليون المدني بعد أن ترجمه رفاعة الطهطهاوي، لكن محمد سراج يوضح أن تلك الترجمة كانت بهدف التعرف عليه، مع وجود ضغوط أوربية لتطبيقه، وأنه ـ بحسب الشيخ مخلوف المنياوي الذي علق عليه ـ يتفق بنسبة كبيرة مع الشريعة، وهو ما اعتبره القطان “تكأة باطلة يحاول أصحابها أن يعطوا القانون الوضعي صفة شرعية”. انظر: مناع القطان، تاريخ التشريع الإسلامي، القاهرة: مكتبة وهبة، ط5، 2001م، ص401، ومحمد سراج، الفقه الإسلامي، ص271 ـ 272.

[19]) انظر: في الإصلاحات العثمانية: زبيدة، الشريعة، ص208 وما بعدها.

[20]) ديفيد كومنز، الإصلاح الإسلامي: السياسة والتغير الاجتماعي في سوريا أواخر العهد العثماني، ترجمة مجيد الراضي، دمشق: دار المدى، ط1، 1999م، ص23.

[21]) انظر: نبذة عن ذلك في: كومنز، الإصلاح الإسلامي، ص24 ـ 25.

[22]) بوتيفو، الشريعة الإسلامية، ص34 ـ 35. وانظر: وصف منّاع القطان لتسرب القانون “الدخيل” عبر كليات الحقوق وحَمَلة الفكر الغربي. في: مناع القطان، تاريخ التشريع الإسلامي، ص399 ـ 401.

[23]) قارن بـ: رضوان السيد، سياسيات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1997م، ص160 ـ 161، وبرهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1993م، وعبد السلام الطويل، الدولة العربية في مهب الريح، القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ط1، 2006م، ص324 ـ 327. ولمعرفة أثر تحالف رجال الإصلاح مع الدولة في ظهور منهجية مقاصد الشريعة، انظر: معتز الخطيب، الوظيفة المقاصدية: مشروعيتها وغاياتها، بحث منشور ضمن أعمال ندوة “مقاصد الشريعة وسبل تحقيقها في المجتمعات المعاصر”، الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا، 2006.

[24]) جدعان، في الخلاص النهائي، عمّان: دار الشروق، ط1، 2007م، ص85.

[25]) يرى عبد الحميد متولي أن “هذا النص لا يمثل أكثر من تحية معنوية لدين الأغلبية أو بالأحرى مجرد تكفير عن ذنب الدولة لعدم احترامها أحكام الشريعة الإسلامية في تشريعاتها”. انظر: بوتيفو، الشريعة الإسلامية، ص308.

ويحاول الرافضون لهذا النص من العلمانيين وغيرهم، القول: إن هذا النص وجد تحت تأثير حركات “الإسلام السياسي”، ولكن المؤرخ والقاضي طارق البشري أثبت تاريخيًّا بأن هذا النص وجد قبل نشوء حركات الإسلام السياسي أصلاً، وبأنه كان تعبيرًا عن واقع حال المجتمعات، وأُقرّ بالاتفاق من كل الأطراف دون جدل يذكر. انظر: طارق البشري، حول تعديل المادة الثانية من الدستور، مقال منشور بتاريخ 7/3/2007 على http://www. islamonline. net/Arabic/index. shtml.

[26]) ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر، 13/348 (قنن).

[27]) انظرها في: جمال الدين عطية، تاريخ فكرة التقنين، مجلة المسلم المعاصر، عدد 11، سنة 1977م، ص37.

[28]) المرجع السابق، ص41.

[29]) بوتيفو، الشريعة، ص158 ـ 159.

[30]) مناع القطان، تاريخ التشريع، ص403.

[31]) محمد مصطفى شلبي، المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيها، بيروت: دار النهضة العربية، 1985م، ص158. وانظر: كذلك: جمال عطية، تاريخ تقنين الشريعة، ص45، وبوتيفو، الشريعة الإسلامية، ص56.

[32]) عبد الله النعيم، تطوير التشريع، ص61.

[33]) سبقها على عهد سليمان القانوني في القرن السادس عشر الجهد التجميعي الذي قام به شيخ الإسلام أبو السعود، وملتقى الأبحر للشيخ إبراهيم الحلبي (ت956هـ) ، ثم جاء الجهد التجميعي الفذ في القرن السابع عشر الذي أعده فقهاء الهند باسم الفتاوى الهندية (عبادات ومعاملات وعقوبات) بتكليف من السلطان محمد أورنك زيب عالمكير. انظر: طارق البشري، الوضع القانوني المعاصر، ص15. وملتقى الأبحر كان يُدرّس في أنحاء الإمبراطورية العثمانية وتُرجم إلى الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، واعتمد عليه شاخت، واعتبره “يقدم الفقه الإسلامي في شكله النهائي دون أن يأخذ شكل مدونة قانونية”. انظر: بوتيفو، الشريعة الإسلامية، ص56.

[34]) انظر: تفاصيل إجراءات هذه المرحلة، في: طارق البشري، الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1996م، ص14 وما بعد، وزبيدة، الشريعة، ص221 وما بعد.

[35]) البشري، الوضع القانوني، ص14.

[36]) هو سامي زبيدة، في الشريعة، ص223.

[37]) المرجع السابق، ص224.

[38]) Berkes, Niyazi, The Development of Secularism in Turkey, London: Hurst, 1964, p 167. وعنه نقله زبيدة، الشريعة، ص224.

[39]) البشري، الوضع القاني، ص17.

[40]) انظر: محمد سراج، الفقه الإسلامي، 272.

[41]) قال ذلك في صدر تعريبه للقانون المدني الفرنسي. محمد سراج، الفقه، ص271.

[42]) سراج، الفقه، ص272.

[43]) البشري، الوضع القانوني، ص16.

[44]) قارن بطارق البشري، الوضع القانوني، ص5 ـ 6 حيث يعزو الاضطراب في البناء التشريعي إلى ثلاثة عناصر تفاعلت مع بعضها وتضاربت في القرن التاسع عشر، سواء في الدولة العثمانية أم فيما انفصل عنها: جمود الوضع التشريعي الآخذ عن الشريعة، أسلوب الإصلاح الذي اتُّخذ لمواجهة الأوضاع الاجتماعية والسياسية، والغزو الأوربي السياسي والاقتصادي والعسكري.

[45]) انظر: مثلاً مجادلة مناع القطان مع وزير الأوقاف المصري بهذا الخصوص: القطان، معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية، القاهرة: مكتبة وهبة، ط1، 1991م، ص138.

[46]) القطان، معوقات تطبيق الشريعة، ص13، والقطان، تاريخ التشريع، ص400. وقد سارعت الدول الأوربية إلى إلغاء قانون العقوبات “المتخلف” – على حد وصفها ـ. انظر: بوتيفو، الشريعة، ص90.

[47]) انظر: عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، بيروت: دار الكتاب العربي، 1/9.

[48]) محمد سليم العوا، تقديم كتاب موسوعة الفقه الجنائي الإسلامي، القاهرة: دار الشروق، 1/5.

[49]) محمد سراج، الفقه الإسلامي، ص278، وانظر: ص272.

[50]) زبيدة، الشريعة، ص225.

[51]) القطان، معوقات تطبيق الشريعة، ص14.

[52]) قال ذلك ضمن بحث له في ندوة تدريس القانون بجامعة قطر، سنة 1995م، ونقله عنه: جمال الدين عطية، تجديد الفقه الإسلامي، ص40.

[53]) للشيخ حسن فتوى بخصوص حكم القاضي بغير المذهب الحنفي، يرى فيها أن الإذن للنائب [القاضي] بأن يحكم بأقوال بقية المذاهب مخالف للقول المفتى به ومؤدٍّ لتشويش أمور العباد. انظرها كاملة في: مجلة المنار، مجلد 16، عدد 4، سنة 1913م، ص264.

[54]) انظر: زبيدة، الشريعة، ص225 ـ 226.

[55]) انظر: لتلك المحاولات التي حصلت معارضتها في: مصطفى شلبي، المدخل في التعريف بالفقه، ص159 ـ 160.

[56]) مثل: جمال الدين عطية، مسألة تقنين الشريعة الإسلامية من حيث المبدأ، مجلة المسلم المعاصر، عدد12، سنة 1977، ص56، وعبد الرحمن الجرعي، تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين، بحث منشور على شبكة إسلام أونلاين، بتاريخ 2005م، والقرضاوي، مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص305، ووهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، بيروت: م%

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على الفقيه والأزمنة المعاصرة مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف