التدوين والتقنين قراءة فِي التجربة الفقهية المعاصرة

التدوين والتقنين قراءة فِي التجربة الفقهية المعاصرة*

إعداد: أ. سعيد بنسعيد العلوي**

 

تمهيد:

يقضي منطق الحديث عن التجربة الفقهية المعاصرة بالنظر الى هذه التجربة في المجال الأكثر اتساعًا وهو مجال الفكر العربي الإسلامي المعاصر، فالتجربة الفقهية المعاصرة جزء من هذا الفكر الأخير ضرورة وإشكالاته وقضاياه تسم تلك التجربة بميسها. وإذا كان من المقرر اليوم أن اكتشاف الغرب الأوروبي، بعد طول انعزال وانطواء على الذات، قد أحدث في الوعي العربي الإسلامي المعاصر درجة كبرى فإن من الطبيعي أن ينال الفكر الفقهي الإسلامي المعاصر جزء من ذلك، أو إن المفروض أن يكون الأمر كذلك.

قد يلزم التنبيه أن النخبة العربية الإسلامية، بين ثلاثينات القرن التاسع عشر وثلاثينات القرن الماضي، كانت في سوادها الأعظم من الفقهاء. ونحن إذ نستعرض الأسماء الأكثر دلالة على يقظة الوعي العربي الإسلامي وأزمته معًا، فنحن نجد أن الغالب عليها هو سمة الفقه. فسواء تعلق الأمر بالتكوين العلمي لأهل النخبة المشار إليها، أو اتصل بالحرفة التي كان الاشتغال بها، أو كان راجعًا الى اللغة التي كان التعامل بها (أي الألفاظ والمصطلحات الأكثر تداولاً في أحاديث أولئك المفكرين)، فإن الشأن كان دائمًا يتصل بالفقه والفقهاء (الجبرتي، الطهطاوي، محمد عبده، قاسم أمين، علي عبد الرزاق، الطاهر ابن عاشور، علال الفاسي،…). الْـحَقّ أن الأمر لم يكن في وسعه أن يكون غير ذلك: بالنظر إلى أن مراكز التكوين الكبرى التي كانت النخب العالمة تتخرج منها هي المعاهد والجامعات الدينية المنتشرة في مختلف أرجاء العالم العربي الإسلامي، فتكاد تكون الوحيدة في البلاد التي توجد فيها (الأزهر، الحرمان الشريفان، الزيتونة، القرويين…). وبالنظر إلى أن التكوين المحصل عليه كان ثمرة وصدى لتلك المعاهد والجامعات، وهذا أمر طبيعي، كما أن المناهج الدراسية المقررة والنصوص المتداولة وكذا العلاقات القائمة بين الشيوخ وطلبتهم كانت تتم استعادتها ويعاد إنتاجها بموجب ميكانيزمات صارمة.

لست أريد، في هذا المقام، أن أرجع مرة أخرى إلى الحديث المكرر عن الوعي العربي الإسلامي المعاصر وتجلياته وعن الكيفيات المختلفة التي كان الغرب الأوروبي يحضر بها في ذلك الوعي، بل ولست أريد أن أتحدث عن مفكري المرحلة التي نتواضع على تسميتها بعصر النهضة بحسبانهم ـ كما أشرت الى ذلك ـ فقهاء ينتسبون إلى الفقه تكوينًا ودرسًا؛ ولكني أود الوقوف وقفة تأمل عند التجربة الفقهية المعاصرة باعتبارها قد حاولت تدوين الفقه والتأريخ له من جانب، وباعتبارها قد التمست أحيانًا غير قليلة سبيل الاجتهاد، وتعلقت حينًا قليلاً بأمل القول في الدين على وجه التجديد، أو قل: إنها قد جعلت التجديد في الدين ـ المطلوب شرعًا، بل والمأمور به أيضًا ـ أملاً تتعلق به.

وحيث وجب التخصيص واقتضته المنهجية العلمية فإنني أطلب النظر في هذه التجربة الفقهية المعاصرة من خلال فقيه أحسب أنه يستحق إدراجه في زمرة أهل التجديد والاجتهاد على الحقيقة، وأحسب أن صفة المفكر الإصلاحي تشمله من وجوه عديدة. أود معالجة النقطة التي حددت لي اللجنة المنظمة لهذا المؤتمر العلمي الهام القول فيها ملتمسًا ذلك في جوانب من نصوص دالة للفقيه محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الشهير بكتابه ” الفقه السامي في تاريخ الفقه الإسلامي “.

أرتب الحديث في التجربة الفقهية المعاصرة لمحمد بن الحسن الحجوي، باعتبارها تتصل بقضيتي التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر (موضوع لقائنا هذا) في العناصر التالية:

ـ محمد الحجوي ومشروعه الإصلاحي.

ـ تاريخ الفقه، صعوده وانحداره.

ـ سبيل مجاوزة حال الإنغلاق ومعادوة الاجتهاد.

ـ الفتوى بين الاتباع والإبداع.

ـ خاتمة.

 

1. محمد بن الحسن الحجوي ومشروعه الإصلاحي

لم يكن محمد الحجوي (1956 ـ 1874) يمتلك مشروعًا إصلاحيًا شاملاً ومتكاملاً، وإن كان ـ بكل تأكيد ـ يتوافر على عناصر قوية وواضحة لديه. الحق أن فكرة المشروع الإصلاحي (أو النظرية الإصلاحية، المتكاملة الأركان) هي أولاً وأساسًا مِمَّا يدعيه قارئ الحجوي الناظر في سلوكه وأطوار حياته، الباحث عن التفاعل والتكامل بين أفكار الرجل ومواقفه ومكونات شخصيته. وقد أتيحت لي في كتابات عدة وفي مناسبات عدة فرصة التنبيه على ثراء شخصية الحجوي، وغزارة معرفته الدينية، وإفادة الذين راموا التأريخ السياسي للمغرب المعاصر منه، وكذا لكل الذين سعوا للحديث عن الفكر العربي الإسلامي المعاصر في المغربي([1]).

وإنني أجمل القول في شخصية الحجوي إجمالاً فأقول: ـ اقتباسًا من دراسات وخلاصات سابقة:-

إن قراءة محمد الحجوي تجعلنا أمام صورة عجيبة ومثيرة، بل نادرة من حيث الوعي بها، تلك هي صورة الفقيه ـ التاجر التي يتجاور فيها السلفي ” المتنور” مع الليبرالي المتمسك بالفكر “السلفي”.

الحجوي رجل يجمع بين الموظف السامي المخزني الذي تنقل في وظائف خطيرة في عهود أربعة من ملوك الدولة العلوية في فترة حرجة من تاريخ المغرب هي الفترة السابقة على بسط النفوذ الفرنسي على المغرب بسنوات ثمانٍ والممتدة الى إعلان الإستقلال… وظائف اختلفت بين السفارة، والإشراف على الجند في منطقة خطيرة، والإشراف على إصلاح النظام التعليمي في جامعة القرويين، وتولى وزارة المعارف ثم وزارة العدل… وهو يجمع في شخصه بين كل ما ذكر، وبين الاشتغال بالتجارة داخل المغرب آنا، والانتقال إلى بريطانيا في مدينة مانشستر؛ حيث كان لأبيه ولجده قبله نصيب من المبادلات التجارية… والحجوي، مع الصفتين، فقيه مفتٍ ومدرس في جامعة القرويين وفي بعض المراكز العلمية (في الرباط خاصة)، وهو مؤلف غزير الإنتاج (فهو يعد في تأليفه رحلات أوروبية، قمنا بتحقيق ونشر إحداها، ورحلة حجازية)، وهو محاضر في الأندية العلمية ومتحدث في قضايا وموضوعات اجتماعية وتنويرية خلف المذياع إبان الحرب العالمية الثانية وبعدها بسنوات قليلة. والأبعاد الثلاثة تتمازج وتتفاعل (الفقيه ـ التاجر ـ الموظف السامي) ليكون ما نقول: إنه المشروع الإصلاحي الحجوي صدى لها.

البعد الأول هو الفقه إذن، ولكنه ليس الفقه في معناه التقني الذي يكاد يكون منحصرًا بموجبه في فقه الفروع، بل هو الفقه في معناه الشامل الذي يعنى الفقه في الدين أوَّلاً (بشقيه معًا: فقه الفروع وفقه الأصول)، والفقه في الأمور العلمية النظرية التي تتعلق بالمدنية الحديثة، وتحددها التجارة من وجه ثانٍ، التجارة من حيث هي علم بالتقنيات الحديثة وتطبيق لها في الوقت ذاته ومن حيث هي تتطلب تكوينًا وإعدادًا نظريًا وعمليًا في مدارس ومعاهد متخصصة. أما الوجه الثالث (= البعد الثالث في الشخصية) فهو السياسة من حيث هي حصيلة لتخطيط مزدوج طرفاه غير متساويان، هما غير متساويان؛ لأن أحد الطرفين هو ” المخزن ” (= الدولة المغربية) بحسبانها خاضعة لحماية الدولة الفرنسية في الشؤون الخارجية والعسكرية والإدارية ومن ثم المالية، في حين أن الطرف الثاني (“الحماية” أو السلطة الاستعمارية الفرنسية) يملك الوسائل الفعلية والأدوات الحقيقية في التسيير والتخطيط معًا.

تتفاعل الأبعاد الثلاثة، مستويات مختلفة من التفاعل والتأثير في شخصية الحجوي، لتكون عنها الموجهات في النظر وفي صياغة المكونات الضمنية للمشروع الإصلاحي عند محمد الحجوي.

والفحص المتأني لكتابات صاحب “الفكر السامي” ولمواقفه أيضًا تحملنا على القول:

إن قضايا ثلاث شغلت من الرجل مكان الصدارة والاهتمام: نقد النظام التعليمي في القرويين والدعوة إلى إصلاحه مقدمة وتمهيدًا للإصلاح الشامل للفقه. والدعوة إلى وجوب تعليم الفتيات سبيلاً للإصلاح الاجتماعي ولإدراك المغزى البعيد لمقدمات التجديد في الدين. والمناداة بوجود صرف الاهتمام الى التجارة وتشجيع أهلها، وتطوير أساليبها عند أهل الإسلام، وفتح أقسام في المدارس تتصل بالتجارة وتعليمها على الأسس العصرية التي أبانت عن نجاعتها في بلاد الغرب الأوروبي.

تلك، في خلاصة مركزة، هي الملامح البارزة في المشروع الإصلاحي للفقيه محمد ابن الحسن الحجوي.

2. تاريخ الفقه، صعوده وانحداره:

يسلك محمد الحجوي في ” الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ” (وهو الكتاب الذي اقترن اسمه به، فلا يكاد العديد من الذين يتحدثون عن الحجوي يعرفون غيره من المؤلفات) مسلكًا لا يخلو من طرافة وميل إلى التجديد في النظر إلى الفقه موضوعًا وتعريفًا وحديثًا عن المصادر غير الإسلامية التي استرشد بها التشريع الإسلامي أو أقرها، وكذا في الحديث عن مراحل الفقه ونشأته وتطوره. وإذا لم يكن هناك ذكر لابن خلدون عند الحجوي فإن القارئ سرعان ما يتبين النفحة الخلدونية في الحديث عن أطوار الفقه الأربعة (الطفولة، الشباب، الكهولة ثم طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم)؛ فكأن للفقه أطوارًا وعمرًا مثلما يكون ذلك للدولة على ذلك على النحو الذي يعرفه قراء المقدمة. وكما أن ابن خلدون يتحدث عن انصراف أبناء العرب عن طلب العلم والتأليف فيه، فكذلك نجد الحجوي في الحديث عن طور الشباب في الفقه يسجل أنه في “عصر أتباع التابعين كثر الموالي وفسدت اللغة واحتاجوا لعلومها (…) واعتبر بتراجم العلماء السابقين تجد الجل منهم موالي أو موالي الموالي”.

وعلى غرار صاحب المقدمة يلاحظ صاحب “الفكر السامي” أن انشغال العرب بالسياسة أدى الى غلبة الموالي في المناصب العلمية “التي هي في الحقيقة أصل المناصب السياسية” كما يقول؛ ليستنتج في منطق خلدوني واضح انحلال “العصبية العربية ـ إِلاَّ قليلاً ـ بإحراز المناصب العلمية، وكان ذلك مؤذنًا بانحلالها في المناصب السياسية”([2]).

إذا كان حديث ابن خلدون عن نشأة الفقه الإسلامي وتطوره حديثًا قصيرًا يكتفي فيه صاحبه بالإشارة إلى الانصراف عن الأمهات والفصول نحو الملخصات والشروح ويقف عند الإشارات العامة فإن الحجوي يستبطن المنطق الذي يحكم المقدمة في الكلام عن الدول والممالك وأطواره ليفسر به المسيرة التي عرفها الفقه في بلاد الإسلام. من ذلك أن الحجوي يذكر أن الفقه (في الطور الثاني) قد “طرأت عليه أطوار وتغير حاله تغيرًا بينًا”، وأن ذلك كان بموجب عوامل موضوعية. ومن ذلك أن الفقه، في طور الشباب، قد “صار تقديرًا بعدما كان واقعيًا وكثر فيه الخلاف واحتدم الجدال في أصول مهمة منها: إدخال الفلسفة والعقل في الأحكام الفقهية من حيث كونها بنيت على جلب مصالح واتقاء مضار نشأ عن ذلك الاختلاف في مبادئ وأصول كمسألة القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وأنواع الإستدلال، وخبر الواحد وما يشترط فيه من الشهرة، أو عدم مخالفة عمل أهل المدينة”([3]).

وأخذًا بالنظرة الخلدونية يذكر صاحب “الفكر السامي” في معرض الحديث عن مميزات هذا الطور الثاني من أطوار الفقه أن “المأمون عرَّب كتبًا كثيرة من كتب اليونان والروم وغيرهم وسرت أفكارهم إلى أفكار علماء الإسلام واطلع أهل الإسلام على كثير من أحوال الأمم الأخرى وقضاياهم وأحكامهم، فانسلخ الفقه عن حلة البداوة التي كان متحليًا بها إلى غيرها، إِلاَّ ما كان من فقه مالك الذي قطن في أفريقية ولم تكن مهدًا لتلك العلوم فإنه قد بقي متمسكًا ببدويتته، بخلاف مذهب الحنفية فإنه صار فقهًا معقولاً أكثر منه منقولاً “([4]).

تعريب كتب الفلسفة والحكمة عند اليونان والرومان من جانب أول، والتفاوت بين حال “البداوة” (في أفريقية على نحو وفي الحجاز على نحو آخر) وحال “الحضارة” في حاضرة بني العباس من جانب ثانٍ؛ يفسر سريان الأفكار العقلانية في الفقه فيوضح لماذا كان مذهب الحنفية فقهًا معقولاً أكثر منه منقولاً، ووجدانه في بغداد خاصة وفي العراق عامة أرضًا صالحة، في حين ملاءمة المالكية لوجود اجتماعي ـ ثقافي أقل انفتاحًا على تيارات العقل والفلسفة.

ثم إن الحجوي يقف عند سبب آخر ـ قوي ـ من أسباب ازدهار الاجتهاد الفقهي في طور القوة والشباب هذا. ذلك أن العصر المذكور كان “زاهيًا زاهرًا بسادات كبار أساطين الاجتهاد (…)؛ فلم يكن خلاف بعضهم لبعض مؤديًا إلى تحقير أو تعصّب أو تقاطع وتدابرٍ بل كانوا يثنون على المخالف لهم بالثناء الجميل (…) وكان جميع العلماء مجتهدين، لم يكن بينهم مقلد، ولا يقلد إِلاَّ العوام، فلم يكن الخلاف ضارًا لهم ولا مشينًا، بل كان سعيًا لإظهار الحقيقة، فلذلك عددنا الفقه فيه شابًا قويًا”([5]). فحيث كان الاحترام سائدًا ومتبادلاً بين العلماء، وهذا شرط سيكولوجي بقدر ما هو من العلامات الدالة على الحضارة، وحيث كان العلماء أنفسهم مجتهدين وكانوا يرتفعون عن رتبة التقليد، وهذا شرط علمي وسمة للمعرفة السامية وضمانه الرجوع الى الكتاب والسنة أولاً وأساسًا، وحيث كان للعقل سلطان على النفوس وكانت الحرية مناخًا اعتياديًا؛ فقد أمكن للفقه أن يبلغ ما بلغه في طور الشباب من مدارج التفوق وأسباب القوة والنجاح.

بعد الصعود والقوة يأتي زمان الضعف والانحدار، ولكن الضعف أخذ يستشري في أوصال الفقه منذ كفَّ عن التطور والصعود وارتكن في أول أمر الضعف إلى الاستقرار والسكون، وتلك سمة طور الكهولة عند صاحب “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي” “من مبدأ المائة الثالثة إلى منتهى الرابعة، إذ وقف في قوته ولم يزد قوة، ومال إلى القهقرى، ولكنه لم يسرع إليه الهرم ولا وصل إلى طور الانحلال؛ بل حفظ قوته الأصلية زمن قرنين”([6]). فكيف أمكنه ذلك ؟

أمكنه ذلك بفضل وجود طبقة الحفاظ من جانب أول، ووجود المجتهدين الكبار من جانب ثانٍ، وظهوره تآليف عظام في الفقه من جانب ثالث. أمكن لحال الاستقرار أن يستمر “زمن قرنين” كما قال. بيد أن الاختلال أخذ يظهر بفعل مسيرة أخذ فيها التقليد ينمو والمقلدون تتزايد أعدادهم مثلما أخذ الاجتهاد في الانحسار “إلى المائة الرابعة إذ أصبح كثير من علمائها راضين بخطة التقليد، عالة على فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وأضرابهم مِـمَّن كانت مذاهبهم متداولة إذ ذاك”.

أخذ الضعف يتسرب إلى الاجتهاد مع بداية الانصراف عن الاتصال المباشر بالقرآن الكريم وبكتب السنة، والدفع بكتب المذاهب إلى مراتب التعظيم المطلق. يكمن السبب المباشر في ضعف الاجتهاد ودخوله طور الانحسار والتراجع إلى انسياق الفقهاء “إلى اتخاذ أصول تلك المذاهب دوائر حصرت كل طائفة نفسها بداخلها لا تعدوها، وأصبحت أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة نصوص الكتاب والسنة لا يعدونها”. ابتدأ الأمر بالانحصار داخل المذهب والقصور عن سلوك طريق الاجتهاد المطلق الذي يعني رفض التقيد المطلق بمذهب من المذاهب، وطلب الحقيقة في قراءة المذاهب الكبرى جميعها ومعارضتها ببعضها البعض. ثم تطور إلى تهيب الاتصال المباشر بالكتاب والسنة ليصير في نهاية الأمر إلى نشوء “سدود بين الأمة وبين نصوص الشريعة خضعت شيئًا فشيئًا إلى أن تنوسيت السنة، ووقع البعد من الكتاب بازدياد تأخر اللغة، وأصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء وأقوالهم، لا أقوال النبي الذي أرسل إليهم”([7]).

بلغ الرضا بتقليد أئمة المذاهب ثم اللاحقين عليهم مبلغًا بعيدًا، جعل مؤرخ المالكية القاضي عياض يكتب في “المدارك” أن لفظ الإمام يتنزل عند مقلده بمنزلة ألفاظ الشارع. كما حمل مؤرخ الحنفية عبيد الله الكرخي على رأى مماثل؛ فكأن نصوص المذهب تغدو ـ كما يقول الحجوي ـ هي: “الجنس العالي والأصل الأصيل، حاكمة على نصوص السنة والتنزيل، معيارًا يعرض عليه كلام رب العالمين والرسول الأمين”. لا بل الأمر جعل متعصّبة المذاهب يذهبون ـ كما فعل أحدهم ـ مذهبًا يقضى بأن “المهدي المنتظر ـ بل عيسى ابن مريم ـ إذا نزلا آخر الزمان، فإنهما يقلدان أبا حنيفة ولا يخالفانه في شيء؛ فسدوا بهذه الأفكار التي تحكمت من نفوس العلماء والأمراء باب النظر في الكتاب والسنة”([8]).

بعد إذ تمكن التقليد من “العلماء والأمراء” على النحو المذكور، وبعد إذ أصبحت السدود قائمة بين الفقهاء وبين نصوص الشريعة لم يكن هنالك مفر من الدخول في “طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم”. فالفقه قد “وصل إلى منتهى قوته في القرون الأربعة السابقة، وتم نضجه فزاد بعد حتى احترق وذهب عينه، ولم يبق إِلاَّ مرقه في القرن الخامس وما بعده إلى أن صار الآن أثرًا بعد عين”([9]).

نعم، لقد ظهرت هناك نجوم لمعت في ليل العصور الوسطى الإسلامية البهيم والطويل؛ فكان هنالك ابن خلدون، والشاطبي، وابن رشد، وابن عبد البر القرطبي، وأقران لهم؛ ولكن لم يكن في مكنتهم أن يفعلوا في وجود غلب عليه التقليد والجمود على التقليد وبعدت الشقة بنصوص الشريعة، مثلما لم يكن في إمكان المتنورين من مؤسسي دول إسلامية وبعض الحكام المشهود لهم بالعزم أن يحدثوا أثرًا إيجابيًا. لكن التقليد سيصير إلى أسوأ أحواله؛ إذ تغدو الهيمنة ـ بالتدريج ـ لثقافة الملخصات وشروح الملخصات والهوامش على الشروح؛ فتبلغ مدى بعيدًا مع الشيخ خليل المصري في أواسط القرن الثامن الهجري “لأن مختصر خليل مختصر مختصر مختصر المختصر بتكرر الإضافة ثلاث مرات، وإن أخل بالفصاحة، وكاد جل عبارته أن يكون لغزًا. وفكرتهم هذه مبنية على مقصدين وهما: تقليل الألفاظ تيسيرًا على مريد الحفظ، وجمع ما هو في كتب المذهب من الفروع ليكون أجمع للمسائل، وكل منها مقصد حسن لولا حصول المبالغة في الاختصار التي نشأت عنها أضرار”([10]). وأول الأضرار هو حاجة المختصر إلى مجلدات حتى يصبح مفهومًا؛ لذلك أصبح من تقاليد الدراسة في القرويين –مثلاً ـ أن قراءة مختصر تستوجب قراءة تفسير الخرشي ـ وهذا كتاب من ستة مجلدات ـ، وقراءة الزرقاني ـ وهذا مؤلف آخر من ثمانية أجزاء ـ، بالإضافة إلى قراءة الرهوني ـ ومجموع أجزائه ثمانية مجلدات ـ ؛ فهذا مؤلف واحد يستوجب قراءة 22 كتابًا. لذلك لم يكن من الغريب في شيء أن “بعض أشياخنا” قد “ختم قراءة مختصر خليل في نحو أربعين سنة”([11]).

لقد جمد أهل الفقه على التقليد ما يقارب عشرة قرون متصلة لذلك لم يكن من الغريب في شيء أن يصل حاله الى ما ذكرنا. لذلك كان من المنطقي كذلك أن تكون بواكير “النهضة” والشعور بوجوب “اليقظة” أو الانتفاض أو ما شئنا من المعاني وعيًا بالتأخر المزدوج؛ تأخرًا أولاً بالنسبة لعهود الازدهار، لما صح اعتباره عصرًا مرجعيًا يلذ الحنين إليه في حال مراجعة الذات، عصر النظر الصريح المباشر في نصوص الشريعة كتابًا وسنة وزمان الاجتهاد على الحقيقة. وتأخرا ثانيًا بالنسبة لركب الإنسانية المتقدمة وقد قطعت أشواطًا بعيدة على درب الابتكار والتقدم فيما كان أهل الإسلام عاجزين عن اللحاق بهم بفعل ما أصبحوا عليه من الجمود، وما انتهوا إليه من كسل وضعف وخور.

يغدو السؤال الطبيعي المشروع، متى صدقت الإرادة في مجاوزة حال الانحطاط والتردي، كيف السبيل إلى إعادة فتح باب الاجتهاد بعد إذ استمر إغلاقه قرون عشرة كاملة؛ والحال أن الإنقاذ يكمن في ولوج طريق الاجتهاد المطلق ؟

*    *     *

3. مجاوزة الانغلاق ومعاودة الاجتهاد

يرجع الانغلاق الذي أصاب أهل الفقه، أول ما يرجع، إلى النظام التعليمي المسؤول عن إعداد الفقهاء وتكوين العلماء. والحجوي يسجل ـ بمرارة ـ أن نظام التعليم في الإسلام قد عرض له في الواقع ما عرض لمختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية من ضعف، وأصابه ما أصابها من فوضى؛ ففي محاضرة شهيرة مطبوعة تحت عنوان “النظام في الإسلام”([12]) يكتب الحجوي عن التحول السلبي الذي عرفه التعليم في الإسلام فيذكر أن أهل الإسلام بعدما كان “نظامهم الذي ساروا عليه في أخذ العلم هو بناؤه على المشاهدة والتجربة المجموع ذلك في قولهم: “جرب وشاهد ولاحظ تكن عارفا”، انتهى بهم الأمر إلى القول: “اقرأ ما في الكتب وقرر ما يقوله الأساتيد تكن عالمًا”. وبعدما كان المسلمون يأخذون في التعليم بنظام مبني على المشاهدة والتجربة أصبحوا على ما كان عليه “مَن قبلهم من أهل أوروبا إلى القرن العاشر الميلادي (…). والفرق بين النظامين ظاهر: هو كالفرق بين المجتهد والمقلد”([13]).

ويسجل الحجوي في كتاب مخطوط([14]) اندثار علوم عديدة من جامعة القرويين، كما يذكر خرافة شائعة منع الناس بموجبها من درس تفسير القرآن بدعوى التطير من ذلك لما ينتج عنه من “موت السلطان”.

ونحن قد رأينا ـ في القسم السابق ـ كيف ينعى الحجوي على شيوخ العلم في القرويين انصرافهم عن أمّات الكتاب والمراجع الأصلية نحو كتب الملخصات والحواشي والتعليقات التي تسهم في زيادة الغامض غموضًا وتكرس ثقافة الانحطاط.

وإذ يتحدث الحجوي عن البديل أو عن تجديد الفقه إلى أن يعود لشبابه “يقرر أن ذلك “ممكن بعلاج وبالكشف عن الداء يعرف الدواء “. وحيث كان الداء قائمًا في الملخصات والشروح والحواشي فإن القول في العلاج يغدو عند مؤلف “الفكر السامي” جليًا واضحًا: “فلنترك عنا الدراسة بكتب المتأخرين المختصرة المحذوفة الأدلة المستغلقة، ولنؤلف كتبًا دراسية فقهية للتعليم الابتدائي ثم الثانوي ثم الانتهائي، كل بحسب ما يناسبه. ولنرب نشأة جديدة تشب على النزاهة والأمانة ومكارم الأخلاق تربية صحيحة دينية كتربية السلف الصالح. ولنمرنها على أخذ الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، والاشتغال بكتب الأقدمين التي كان يتمرن بها المجتهدون كالموطأ والبخاري والأم للشافعي. ولنجعل كتبًا دراسية لأصول الفقه أيضًا على نسق ما بينا في كتب الفقه، وهكذا النحو وسائر الفنون العربية. ولنجعل من جملة التعليم للفقهاء كتب الأحكام القرآنية والحديثية كأحكام ابن العربي، وابن الجصاص، وبلوغ المرام لابن حجر والمشكاة للتبريزي وأحكام عبد الحق، ويقع امتحانهم على ذلك؛ فبهذا يتجدد مجد الفقه”([15]).

على أن هنالك أسبابًا أخرى بعيدة تشرح أسباب الانغلاق والجمود على التقليد، متى تبيناها وسعينا إلى مجاوزتها أمكننا إعداد العدة لسلوك سبيل الاجتهاد. وأخص تلك الأسباب ـ عند الحجوي ـ سببان:

السبب الأول: انتشار الأمية في أوساط العوام؛ وعلى الخاصة ـ في مختلف مراتبها ـ العمل على محاربة عدو الإسلام الألد داء الأمية حتى يصير جل أمتهم يقرأ ويكتب ويحسب ويعرب عن ضميره بعبارة صحيحة عربية بدوًا وحضرًا، كما كان نبينا u يحاربها وأصحابه بعده. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”([16]). والحجوي يجعل محاربة الأمية متصلة بمعرفة الدين الإسلامي على الحقيقة، “ولم تزل الترقيات العصرية والاكتشافات الفنية معجزة دالة على صحة الأديان وصدق مؤسسيها. فقد انكشف لنا بها سر حرمة الخمر والخنزير، وسر غسل الإناء سبعًا من ولوغ الكلب، وأسرار حرمة الزنا… “([17]).

أما السبب الثاني: فهو ما عليه المرأة من الجهل المطبق، وما تقابل به الرجل من إقصاء وتهميش، بل وعدم اعتبار لدورها. والحجوي يفرد الحديث عن المرأة في ترجمته الذاتية خطورة ذلك الدور وما ينتج من شرور عن التقليل من شأنه، “فلا غنى لنا عن إعانتهن في تربية رجال المستقبل الذين عليهم مدار حياة البلاد، وتعليمهن فن التربية ونظام البيت الحقيقي لا الخيالي”([18]).

لا سبيل إلى معاودة الاجتهاد إِلاَّ بانتهاج برنامج شامل، مقدماته التربية الصالحة وإعداد المرأة الإعداد المعرفي والسيكولوجي الذي يشرحه الحجوي، ويدافع عنه في محاضراته وأحاديثه عن ” تعليم الفتيات” وهذا من جهة أولى، ومحاربة الأمية التي تعنى بتهجي الحروف قراءة ورسمها كتابة، ولكنها تعنى أيضًا المعرفة الخاطئة بالدين من جهة ثانية.

أما قرع باب الاجتهاد وفك المغاليق والأختام التي أوصدته قرونًا عديدة فهو ـ كما رأينا ـ يتصل بمراجعة شاملة لبرامج التعليم وإعداد الفقهاء، مدرسين وقضاة ومفتين. وهو عند الحجوي يتعلق بما كان السر في كل مشاريع النهضة الحق شرقًا وغربًا: الرجوع الى النصوص الأصلية، والوقوف عند الكتب التأسيسية الأولى؛ تلك التي كان بموجبها تأسيس العلوم والفنون أساس النهضة. وشرط ذلك كله مراجعة العقليات السائدة، وإعادة النظر الشاملة في كيف التعليم ومضامينه.

الآن وقد وقفنا عند صاحب “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي” على جملة القضايا التي تتصل بالفقه درسا ً وتدوينا؛ إذ تبينا النظرية والمنهج في مستوى الخطاب، وبالتالي بعد أن وقفنا عند ما نعده عند الحجوي مشروعًا فقهيا إصلاحيًا ـ أو مشروعًًا إصلاحيا تنويريا يكون التجديد الديني بتوسط تجديد الفقه قوامه ـ يتعين علينا إلقاء نظرة على بيليوغرافيا الحجوي الفقهية، ويلزمنا الوقوف على طبيعة الفتوى عنده، وفي عبارة أخرى تبين منطق التقنين وآلياته.

*    *     *

4 ـ الفتوى بين الاتباع والإبداع

يحصي محمد الحجوي في فهرسته “مختصر العروة الوثقى” عددًا من المؤلفات تتفاوت بين المجلد الكبير والورقات القليلة العدد، وتختلف بين ما نشره منها وما كان لا يزال زمن تحرير الفهرست (سنة 1937) مخطوطًا([19]).

والتنبيه يلزم إلى أمرين اثنين: أولهما: أن بعض المؤلفات المذكورة ـ غير ذات الطبيعية الفقهية المباشرة ـ تشمل في ثناياها فتاوى.. هي إما إجابة عن أسئلة طرحت عليه في رحلة (مثلما هو الشأن مثلا في “الرحلة الأوروبية”([20])، أو في تقييد تاريخي (مخطوطة “اختصار الابتسام” على سبيل المثال)، أو في كتاب جدلي (ذلك هو الشأن في “صفاء المورد في عدم القيام عند سماع المولد” ـ وهو ردود على مجايله أحمد ابن المواز في قضية عرضت لها في كتابي “في أصول الفكر السلفي في المغرب” ـ مركز دراسات العالم الإسلامي، 8992 ـ مالطة ـ تونس).

وثاني التنبيهين: أن التلف قد أصاب العدد الكثير من مخطوطات الحجوي، إثر الأزمة التي عرفها وصودرت بها مكتبته الشخصية بعيد الاستقلال، ثم أودعت في قسم الوثائق في المكتبة الوطنية في الرباط. وبالتالي فهناك نصوص يشير إليها صاحبها دون أن يكون لها وجود فعلي في المكتبة المذكورة، أو أنها نصوص مبتورة.

متى أخذنا التنبيهين أعلاه بعين الاعتبار يكون في الإمكان الأخذ في البيبلوغرافية الفقهية الحجوية بتصنيف نجعلها به في ثلاثة أصناف من المؤلفات.

أ ـ الصنف الأول: فتاوى فقهية تتصل بفقه العبادات

الغالب على هذه الفتاوى الصفة الفقهية المذهبية “العادية”؛ فالمتمرس بقراءة نصوص الفتاوى المالكية المغربية لا يجد فيها ما يعتبر تجديدًا فعليًّا أو خروجًا عن النسق المعتاد، اللهم إلا أن يكون ذلك احتجاجًا بمصادر أولية ـ عملا بما كان يدعو إليه ـ، أو استدعاء لشواهد تاريخية قليلة.

تجدر الإشارة إلى أن الأسئلة كانت ترد على الحجوي باعتباره فقيها عالما بطبيعة الأمر، ولكنها كانت ترد عليه –أيضا ـ بحسبانه تاجرًا يعرف مقتضيات التجارة وإكراهاتها. كان يلتجأ إلى الحجوي باعتباره عالما يتوافر على شيء ليس يمتلكه العالم المنزوي في ركنه للتدريس في القرويين ونحوها.

ب ـ الصنف الثاني: فتاوى ترجع في أصولهاإلى استفتاء جماعي خوطب به علماء القرويين من قبل السلطان. والفتاوى تلك تتصل بقضايا اجتماعية، دينية شغلت الناس في مطلع القرن العشرين خاصة، مثل وجوب الزكاة في الأوراق المالية، وصحة الخبر الشرعي الذى يقرر صوم رمضان وهلال الفطر بواسطة البرق (= التلغراف)، جواز تلاوة القرآن أمام المذياع، جواز ترجمة معاني القرآن الكريم.

الحق أن المنحى الذى سلكه محمد الحجوي في فتاواه المتصلة بالموضوعات المذكورة يكشف ـ من جهة أولى ـ عن إرادة في مجاوزة التبريرات الاعتيادية والجنوح إلى التبرير مِـمَّن كان ينتقدهم (من أصحاب الشروح والهوامش والحواشي) وبين اجتهاد قليل في التماس الرأى عند قلة ممن كان يعدهم من متأخرة المجتهدين من جهة ثانية.

ج ـ الصنف الثالث: فتاوى نضالية أو جدالية؛ بمعنى أنها ترجع –جمعيها ـ إلى ما كان الحجوي يعتبره من العادات الاجتماعية بدعًا تنبغي محاربتها. من تلك البدع ما يراه عند فئة من كبار التجار والميسورين إسرافا في النفقات في المآتم والأعراس والحفلات، استجابة مع دعوته إلى تقنين الحياة الاقتصادية للأمة وتطوير شؤون التجارة.

على أن أخص تلك الفتاوى هي تلك التي قد بلغت في حجمها مستوى كتاب متوسط (في حدود 90 صفحة) نشره تحت عنوان: “صفاء المورد في عدم القيام عند سماع المولد”. والأصل في ذلك حكاية أوردتها في كتابي “الاجتهاد والتحديث ” مفادها: أن السارد في مجالس الاحتفال بالمولد النبوي الكريم، إذ يبلغ الحديث عن لحظة الولادة ووحدة أمه آمنة في البيت يقف الحضور على الأقدام مرددين الصلاة والتسليم على الرسول الكريم وقتا غير قصير. واعتراض الحجوي ردود على زميل له، موظف سامٍ مثله هو أحمد المواز، كان يدافع عن “القيام عند سماع المولد”. ومجمل رأيه في كتاب منشور في طبعة حجرية تحت عنوان “حجة المنذرين على تنطع المنكرين”([21]).

خارجا عن الأصناف الثلاثة المذكورة ـ وهي في أغلبها تتصل بفقه العبادات ـ يلزم التنويه بفتوى الحجوي المتعلقة بتجويز الأخذ بالتأمين على السلع والبضائع. والفتوى ـ ونصها الكامل في كتاب ” الفكر الإسلامي المعاصر في المغرب العربي” ـ جواب على سؤال ورد على الفقيه ـ التاجر من تاجرين يدخلان في علاقات تبادل مع مراكز تجارية موجودة خارج المغرب في عشرينات القرن الماضي. من الطبيعي أن “التأمين” كان من مستلزمات ذلك التعامل، كما أن من المعلوم أن عموم العلماء المفتيين (على قلتهم) في العالم العربي الإسلامي كانوا يميلون إلى القول بتحريم التأمين، فهو عندهم يلتحق ببيع الغرر، وهو “مخاطرة” حكمها التحريم في الأحوال كلها.

ولم تكن فتوى الحجوي تقول بتجويز التأمين فقط، بدعوى أنها ضرورة توجب المحظور، ولكنها كانت تجنح إلى الأخذ بقاعدة فقهية أكثر إيجابية وصرامة معا وهي أن مالا يكون الواجب واجبًا إِلاَّ به فواجب مثله. ولما كانت التجارة (على الأسس الحديثة) من مستلزمات التطوير والإصلاح الشاملين لبلاد الإسلام وجب أن يكون الحكم في أحد مقتضياتها واضحًا لا تحمل على الالتباس أو التردد.

يمكن القول ـ في كلمة جامعة ـ: إن فتوى تجويز التأمين على التجارة تمثل النموذج الإيجابي التام لَـمَّا كان الحجوي يعتقد أن التقنيين الفقهي يلزم أن يكون عنه، أخذًا بمبدأ الاجتهاد المطلق المأمول والتماسا لطريق التجديد في الدين، وإن كان هو نفسه يشير إلى هذا المعنى دون أن يأخذ في ذلك بأسلوب التصريح.

*      *

خـاتـمـة:

مع انشغال محمد الحجوي بقضايا الإصلاح والتجديد، ومع الوعي الحاد عنده بوجود التفاوت بين غرب متطور تكنولوجيا وعلميا؛ فإن الإيمان بقدرة الأخذ بالدين على الحقيقة على الأخذ بأسباب الحداثة دون التفريط في الدين لم يفارقه قط. هو في هذه المسألة تحديدًا لم يشذ عن المنحى السلفي الذي نعرفه عند محمد عبده وصاحبه. إذ كان صاحب ” الفكر السامي ” قد صرف جهدًا غير قليل في الحديث عن “النظام” ووجوب تطوير التجارة عند أهل الإسلام، وفي الدفاع عن وجوب تعليم المرأة، وفي التبشير بلزوم تعلم اللغات الأجنبية وإدماجها في مناهج التعليم، بقدر دفاعه عن ضرورة تطوير التعليم الديني الجامعي خاصة، والثانوي والابتدائي عامة.

ثم إذا كان الرجل في مرحلة متأخرة نسبيا من نشاطه العلمي قد رجع إلى القضية السلفية في الاحتجاج للإسلام بنصرة العلم والعقل.. إذا كان كل هذا صحيحًا؛ فإن الغالب ـ في المقابل ـ على منهج الفقيه المغربي في التقنيين لأحكام الإصلاح هو اعتبار ما يمثل أمامه من دعاوى نوازل يتعين البث فيها. لذلك فقد كان قليل الاحتفال بالسؤال السلفي المتعلق بقدرة الإسلام على مواكبة العصر وبالمواءمة بين الحداثة وبين الإسلام.

لاشك أن المسألة كانت في اعتقاده من البديهيات أو الأوليات ـ أيا كانت أبعادها ـ نوازل يتعين القول فيها برأي واضح لا يحتمل التباسًا.

الحق أن إمعان النظر في الجهد الذي بذله محمد الحجوي في مجالس التدوين والتقنيين معًا يسلمنا إلى القول: إننا أمام تجربة فقهية تحمل العديد من العناصر الإيجابية وهي تحملنا ـ في تواضع وغير ادعاء ـ على مشارف نظر تجديد في الدين بكل ممكناته وصعوباته معًا، بل وبما يعتوره من تردد ونكوص حينا؛ ولكنا نؤمن بجديه وأهمية الرجوع إليه بالتدبر والمراجعة، أهمية وجدية الرجوع بالفكر إلى نتاج عصر النهضة في زمن كثر فيه الغث، وأجاز لنفسه القول في الدين كل دعي وقاصر عن النظر السليم، وأصبح العقل مضطهدًا مطاردًا وأخذ صوت الغلو والجهل يعلو وينعق صنيع البوم في الخراب.


*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**باحث وأكاديمي من المملكة المغربية.

[1]) سعيد بنسعيد العلوى، الاجتهاد والتحديث، دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب، الطبعة الثانية، 2004، الدار البيضاء.

[2]) سعيد بنسعيد العلوي، الإيديولوجيا والحداثة، المركز الثقافي العربي، 1978، الدار البيضاء. الفكر الإصلاحي في المغرب المعاصر، محمد بن الحسن الحجوي، دار المدار الإسلامي، 2007 بيروت.

[3]) محمد الحجوي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، الربع الثاني، الصفحات 289 ـ 221، الطبعة الأولى (دون تاريخ)، المطبعة الجديدة، فاس.

[4]) المرجع السابق، الصفحة 219.

[5]) المرجع السابق، الصفحة 109 ـ 110.

[6]) المرجع السابق، الصفحة 219 ـ 221.

[7]) محمد الحجوي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، الربع الثالث، الصفحة 2، الطبعة الأولى (دور تاريخ) المطبعة الجديدة، فاس.

[8]) نفس المرجع، الصفحتان 3، 2.

[9]) نفس المرجع والصفحة.

[10]) محمد الحجوي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، الربع الرابع، الصفحة الثانية، الطبعة الأولى (د. ت). المطبعة الجديدة، فاس.

[11]) المرجع السابق، الصفحة 220.

[12]) المرجع السابق، الصفحة 222.

[13]) محمد الحجوي، النظام في الإسلام، المطبعة الوطنية، 8928، الرباط. انظر: الصفحة30 من الكتاب المشار إليه آنفا “الفكر السلفى في المغرب. . . “.

[14]) المرجع السابق.

[15]) محمد الحجوي، الرحلة الوجدية أو انتحار المغرب بيد ثواره. مخطوط في المكتبة الوطنية، قسم الوثائق، حرف ” الحاء “. والمخطوط تقرير عن حال منطقة المغرب الشرقي، حيث كان محمد الحجوي أمينا للمستفاد (= مسؤولا ً عن الجمارك) في مدينة وجدة، في مطلع القرن العشرين (1902 ـ 1904)، حيث عرفت المنطقة ظهور عدد من ” الثوار” أو المغامرين بالأخرى. والنص ممتع، مفيد، نشر مصورا نشرة غير عملية عسيرة القراءة.

[16]) محمد الحجوي، الفكر السامي. . . الربع الرابع. . سبقت الإشارة إليه، الصفحة 213.

[17]) المرجع السابق. . الصفحة 212.

[18]) المرجع السابق، الصفحة 211.

[19]) المرجع السابق، الصفحة 202.

[20]) انظر: النص الكامل لفهرست محمد الحجوي ” مختصر العروة الوثقى ” في كتابى المشار إليه آنفا ” الفكر الإصلاحي في المغرب المعاصر. . . ” الصفحات 61 ـ 134.

[21]) قمت بتحقيق ودراسة لنص “الرحلة الأوروبية” في كتابي” أوروبا في قراءة الرحلة: صورة الآخر في الرحلة المغربية المعاصرة، نشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط (1995).

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك