مصائر المذاهب الفقهية

مصائر المذاهب الفقهية*

إعداد: أ. د. رضوان السيد**

تمهيد:

يعود انتقادُ التقليد الفقهي المرتبط بالمذاهب الفقهية السُنِّية الأربعة إلى القرن الثامن عشر، ومن جانب الشيخ محمد بن عبد الوهّاب، والإصلاحيين اليمنيِّين من مثل محمد بن إسماعيل الأمير والشَّوكاني والمقبلي، وبعض الشخصيات السَلَفية الهندية.

بيد أنّ الذي يدخُلُ في الفترة التي نُعالِجُها هو ما كان بعد منتصف القرن التاسع الميلادي، وهو ينصبُّ على ثلاثة أُمور:

أ. نَقْدُ المذاهب الفقهية والدعوةُ لإزالتها أو تجاوُزها، وذلك لسببين: التفرقة التي أحدثتْها وتُحدثُها بين المسلمين، والتي بلغتْ حدودًا بعيدة ومستمرة. والنزعة التقليدية التي تستعصي على العقل والمنطق والتطور والتلاؤم مع مستجدات الظروف. وقد ذكر ذلك السيد جمال الدين الأفغاني، ثم تابع الأَمْرَ تلميذُهُ محمد عبده ومدرستُه. وتميَّز من بين أتباع مدرسته السيد محمد رشيد رضا مُضيفًا إلى البُعْدَين أو السبَبَين الآخَرَين سببًا ثالثًا هو المتعلّق بالسَلَفية وتوجُّهاتها الطهورية والاجتهادية.

ب. نقدَ مظاهر التواكُل والخمول والدروشة وهي متمثلةٌ جميعًا في التقاليد والطرق الصوفية. وفي حين انصرف السلفيون الهنود للحملة على انحرافات التصوف، والدعوة للعودة للتصوف السُنّي كما قالوا؛ حمل الإصلاحيون على التصوف مباشرةً للعقائد والممارسات، ونقدوا المذاهب الفقهية التي تحتضن التصوف مطلقًا وبدون تفرقة كالشافعية بمصر، والمالكية بالمغرب.

ج. نقدُ العقيدة الأشعرية، وهي عقيدةُ كثرةٍ من أهل السنة، للطابع الجبري الذي تتّسمُ به، ونقدُ المالكية والشافعية على الخصوص لتبنّيهم الجبرية الأشعرية في مسائل الفعل الإنساني. وهذا النقدُ الذي ظهر لدى محمد عبده والسَلَفيين المغاربة، ما لبث أن صار مَعْلَمًا من معالم السَلَفية المشرقية (الوهّابية) بعد بدء نشر رسائل ابن تيمية وابن قيمّ الجَوزية في الهند، ثم في مصر.

بيد أنّ القرنَ العشرينَ، الذي شهد متغيراتٍ عاصفةً في حياة المسلمين والإسلام، نال من سائر المذاهب الفقهية، وبخاصةٍ المذاهب السنية الأربعة نيَلاً شديدًا، وما تزال التطورات جاريةً لغير صالحها. وما تزال قِلَّةٌ قليلةٌ من الباحثين والمراقبين ترى إمكان بقاء التوجّهات الفقهية الكلاسيكية لكنْ من ضمن تعديلٍ شديدٍ وجديدٍ؛ في حين تذهبُ كثرةٌ من الباحثين إلى أنّ التقاليد الفقهية قد آذنت بالزوال منذ أكثر من نصف قرن. وسيبقى الموروث الفقهِيُّ اعتباره جزءًا رئيسيًا من التاريخ الديني والثقافي والاجتماعي، لكنه لن يكونَ أكثر من تاريخ، ولن يعود للتأثير في توجُّهات الإسلام أو مصائره. وسأوردُ فيما يلي بسطًا للمتغيرات المتعلِّقة بالمذاهب الفقهية السنية بالذات.

*    *     *

المتغيرات والمذاهب

أولاً: انهيارُ الأشعرية:

تحدث كثيرٌ من الباحثين المسلمين وغير المسلمين قديمًا وحديثًا عن انفصال الفقه عن الكلام منذ عصور الإسلام الأولى. وهم يستشهدون على ذلك بأنّ المعتزلة والشيعة والسنة، والذين اختلفوا كثيرًا في العقائد، ظلوا متقاربين في التوجُّهات والممارسات في العبادات وسائر الفروع الفقهية. وقد كان هناك أعلامٌ كبارٌٌ من المعتزلة حنفيةً أو زيديةً أو شافعيةً في الفقه. لكنّ الواقع أنّ كثيرًا من مقولات علم الكلام سادت لدى علماء أُصول الفقه، فاقترنَ عِلْما الأصلين لدى كثرةٍ ساحقةٍ من أهل السنة هم الشافعيةُ والمالكيةُ. وقد افترق الأحناف عنهما قليلاً بالماتُريدية، ثم ما لبثت الاختلافاتُ أن زالت ليتحركوا جميعًا تحت عنوان الأشعرية. وبقي المذهب الحنبلي الصغير متمايزًا في الاعتقاد وليس في الفقه عن المذاهب الثلاثة، لكنه اضطر للانضباط تحت راية الأشعرية في مسائل الذات والصفات والتنزيه والفعل الإنساني. وهكذا استطاع تقي الدين السُّبكي أن يقول في القرن الثامن الهجري: أهل السنة جميعًا من الأشعرية أو لا يخرجون عن أُصولها. وشذّت عنهم قلّةٌ من الأحناف التحقت بالاعتزال، وقلّةٌ من الحنابلة قالوا بالتشبيه والتجسيم.

وقد قدّمْتُ بهذا الاستطراد، لأقولَ: إنّ الأشعريةَ تعرضت لهجماتٍ قاسيةٍ من الإصلاحيين والسلفيين والتحديثيين ومؤرِّخي الفكر من غير المسلمين على مدى القرن العشرين. بدأ ذلك المستشرق الألماني شبيتا الذي كان أمينًا لدار الكتب المصرية باعتباره المعتزلة أحرارَ الفكر في الإسلام، واعتبار الأشعرية جبريةً سادت بعد القرن الخامس الهجري فقضت على مظاهر وظواهر الانفتاح والتحرر في العقيدة والممارسة. وبذلك قال غاستون فييت فيما بعد. وبين هذا وذاك تعرض محمد عبده وتلميذه رشيد رضا للأشعرية بالنقد ولسببين مختلفَين. محمد عبده في “رسالة التوحيد” لرأيها في القضاء والقَدَر، ورأيها في اعتبار الأعمال الإنسانية مخلوقةً لله تعالى. أمّا السيد رشيد رضا فلأنه كان يقول بقول السلفيين في تحريم الخَوض في علم الكلام، ويرفض تأويل الآيات القرآنية المُوهِمة للتشبيه أو التجسيم. وما بدا لدى محمد عبده بشكلٍ خَجول، جرى التصريحُ به لدى سائر مؤرَخي الفكر الإسلامي من المُحْدَثين والمعاصرين، وبخاصةٍ عند الحديث عن الغزالي وفخر الدين الرازي وعضُد الدين الإيجي. وعندما ذهبنا للدراسة بالأزهر أواسطَ الستينات ما كان هناك أحدٌ يُدافعُ عن الأشعرية في مصر كُلّها غير الدكتور علي سامي النشّار. أمّا أُستاذُنا في علم الكلام بكلية أصول الدين فقد كان سلفيًا، وكان يتعمد تدريسنا كتاب الإيمان لابن تيمية بدلاً من العقائد النسفية وحواشيها.

وهكذا فقد كان التحديثيون يتشرّفون بالانتماء إلى الاعتزال الجديد، بينما كان المتحّمسون الجُدُد يرفعون الصوتَ بالانتماء إلى السلفية، ومُعاداة الأشعرية. أما أستاذُنا الشيخ عبد الحليم محمود ذو النزوع الصوفي، فقد كان يرى أنه لا داعيَ لعلم الكلام كلِّه، فالمعتزلة وابن رشد يؤلهون الإنسان، والأشعريةُ يُلْغونه، ولا صحة َ إلاّ فيما يعيشه العرفانيون مع الله.

كيف أثر انهيارُ الأشعرية على المذاهب الفقهية؟

السلفيون قالوا دائمًا: إنّ التقليد إذا كان غير جائزٍ في الفروع، فكيف يكونُ جائزًا في أصول الدين وعلم التوحيد؟! في العقيدة لا بد من الاتّباع، بالنظر في النصّ تسليمًا وتفويضًا أو فهمًا حيث يمكنُ ذلك؛ وفي كلا الحالين فإنّ الأشعريةَ المتحذلقة لا تُفيد. والتحديثيون والعلمانيون قالوا: إنّ الجبرية الأشعرية يستحيلُ معها فتح باب الاجتهاد في الفروع، ولذلك لا بد من تحرير أصول الفقه وقواعده من الأشعرية ليصبح الاجتهاد ممكنًا من الناحية النظرية. وأُستاذُنا محمود قاسم الذي كان يخاصمُ أُستاذنا الآخر علي سامي النشّار كان يرى أنّ الفقه الإسلاميَّ كُلَّهُ مجالُ عمله أفعالُ الإنسان، وقد تجمَّد الفقهُ السُنّيُّ بالفعل لقول سائر الفقهاء بالقضاء والقَدَر وبخلْق أفعال العباد، ولذلك كان من الطبيعي أن ينتشر التوكُّل والتواكُل، والتصوُّف المُلْغي لكل فَعَاليةٍ إنسانية. وما كان شيخُنا محمد أبو زهرة حاسمًا في هذا الشأن، لكنه كان يقول أحيانًا: إنّ تركيب أصول الدين على المنطق اليوناني لا يستقيم، وربما أخرَّ ذلك بالاجتهاد الفقهي في القديم. لكنه نبَّه إلى أمرٍ آخَر وهو أنّ الهجومَ على الأشعرية هو في الحقيقة هجومٌ على مذهب أهل السنة والجماعة، والسلفيون واهمون إذا اعتقدوا أنه إذا تحطّمت الأشعرية فسيسودون هُم. وقد استنتج طه عبد الرحمن قبل سنواتٍ قليلة أنّ العقيدة السنية الأشعرية انكسرت، وانكسرتْ معها سائرُ المذاهب الفقهية، واليومَ بدلاً من أن نتحدث عن أهل السنة والجماعة، سيكون علينا الحديث عن السلفية والأُصولية والمتصوفة.

ثانيًا: ضربُ التقليد الفقهي:

قامت المذاهبُ الفقهيةُ منذ القرن الخامس الهجري وحتى القرن الثالث عشر الهجري على تقاليد معينة للسلطات والصلاحيات والأصول والقواعد والآليات والحركية داخل المذهب، وفي العلائق والأعراف بين المذاهب. وجاء تعيين الظاهر بيبرس عام 665هـ لقُضاةٍ من المذاهب الأربعة، بعد ظهور المدرسة المستنصرية بمذاهبها الأربعة بثلاثين عامًا، تعبيرًا عن صورةٍ معيَّنةٍ للمشروعية الدينية، وصورة معيّنة لعلاقة الدين بالدولة، وصورة معيَّنة لوظائف الإسلام داخل مجتمعاته، وفي العالَم الأوسع. ومثَّل إلغاءُ الخلافة العثمانية نهايةً رمزيةً لصورةٍ كلاسيكيةٍ للعالم، كانت قد انتهت بالفعل قبل أكثر من مائة عام. فقد جرى ضربُ التقليد الفقهي للمذاهب بالتدريج من خلال أربعة أُمور:

– الحاجاتُ المستجدة للدولة الجديدة المتكوّنة. والتي عمدتْ منذ أربعينات القرن التاسع عشر لسنّ قوانين في شتّى المجالات تحلُّ محلَّ القضاء الشرعي لقُضاة سائر المذاهب، وبخاصةٍ المذهب الحنفي. وفي النهاية ما بقي غير مجال الأحوال الشخصية، والذي يخرج على التقاليد المذهبية بالمزج بين سائر المذاهب، وباشتراع أحكامٍ وتنظيماتٍ جديدة مأخوذة من التشريعات الحديثة.

– هجومُ الإصلاحيين على التفرقة المذهبية، وعلى إقفال باب الاجتهاد. وقد قال محمد عبده في تفسيره لسورة النساء: إنّ الأحناف يتحملون مسؤوليةً كبرى عن جمود الاجتهاد في قضايا الأُسرة.

– هجوم السلفيين طَوالَ القرن العشرين على المذاهب والتقليد، ودعوتُهم للاجتهاد بالعودة المباشرة لنصوص القرآن والسنة.

-هجومُ الإحيائيين والأُصوليين الإسلاميين على المذاهب بعد تردد، وذلك لعدة أسباب: في البداية لإزالة عوائق التحشيد والجمع، ثم للميل للحلول الجذرية بدلاً من حِيَل الفقهاء وتسوياتهم القاصرة. وأخيرًا لارتباط تلك المذاهب بعلاقاتٍ معينةٍ بالسلطة السياسية من ضمن ترتيباتٍ لتقسيم العمل ما عدا الإسلاميون الجدد يعترفون بها.

وهكذا فإنّ أهل الدولة والإصلاحيين كافحوا المذاهب الفقهية والفقه المتوارَث بدوافعَ تحديثية. في حين أراد السلفيون تجاوُزَ التقاليد لصالح النصّ الحديثي. وأراد الإحيائيون إعادة تأسيس هوية الفرد والجماعة بالتأصيل المباشر وفي أذهانهم كَسْرُ الارتباط المشبوه بين المسلمين والعالَم.

ثالثًا: إضعافُ الفقيه بإضعاف المؤسَّسة والأدوار:

لا مجالَ هنا لدراسة أسباب ظهور الفقيه والمؤسسة الفقهية، والأدوار التي تولتْها المؤسسة ومارسها الفقيه إلى مشارف الأزمنة الحديثة. لكنْ يمكنُ القول: إنه حتى مطالع القرن التاسع عشر كان الفقيه يمارس ضمن مهامّ: مهمة الاشتراع من خلال القضاء والفتاوى، وقيادة الشعائر الدينية، وممارسة التعليم الديني، وحلّ مشاكل الأفراد بالفتوى، والتوسط والملاءمة بين ضرورات الدولة واحتياجات الناس. ويمكن القولُ الآن: إنّ هذه المهامّ زالت أو ضعُفت باستثناء قيادة الشعائر، والتعليم الديني، والتصدّي لحلَ مشاكل الأفراد بالفتاوى. لكنّ هذه المهامّ الباقية أيضًا يتعرض فيها الفقيه أو رجلَ الدين للتحدي ويشاركُهُ فيها غيره. وإيضاحُ ما أقصِدُهُ من هذا التضاؤل على النحو التالي:

أ. الدولة والمؤسسة الدينية: شهد القرن العشرون وبعد سقوط الخلافة العثمانية، ثلاث تجارب للدولة الوطنية البازغة مع المؤسسة الدينية: تجربة الإلغاء أو الإضعاف الشديد، وتجربة الاستتباع، وتجربة الحياد الإيجابي أو السلبي.

والشاهد الأكبر على تجربة الإلغاء ما جرى في تركيا الكمالية حيث لم يعد للمؤسسة الدينية أي دور، وتعرض رجالاتُها للمُلاحقة. وما اعتُرف لها بعد لأْيٍ إلاّ بتلقّي بعض التدريب لقيادة الشعائر والعبادات. وحدث الأَمْرُ نفسُه في ألبانيا خلال الحكم الشيوعي. أما بقيةُ الدول العربية والإسلامية فما حدث أن اضطُهِدَ الدينُ نفسُه، لكنّ المؤسَّسة الدينيةَ تعرضتْ للإضعاف الشديد في عدة بلدانٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ أُخرى، بحيث ما بقيت لها غير مهمة قيادة الشعائر. أمّا مجالُ الأحوال الشخصية فقد مارس ويمارسُ الحكمَ فيه قَضاةٌ مدنيون من غير ذوي التربية الدينية في كثيرٍ من الأحيان.

أمّا التجربةُ الثانيةُ: والبارزة في طرائق تعامُل الدولة مع المؤسسة الدينية فهي تجربةُ الاستتباع. وهي تعني أن تبقى المؤسَّسة، وتبقى لها مناصبُها الشكليةُ والرمزيةُ وبخاصة في التعليم الديني والفتوى وأحيانًا قضاء الأحوال الشخصية، لكنها تخضعُ خضوعًا كاملاً للسلطة السياسية أو الفئة الحاكمة سواءٌ في اتجاهات التعليم وبرامجه، أو في الفتاوى للأفراد. وهذه التجربةُ تمتْ وما تزال في دولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ رئيسية.

والتجربةُ الثالثة: وهي تجربةُ الحياد الإيجابي أو السلْبي، وفيها يَدَعُ النظامُ السياسيُّ المؤسسة الدينية وشأنْهَا، لكنه لا يسمحُ لها بالعمل إلاّ في مجالي التعليم والفتوى؛ ثم قد يُساعدُها ماديًا في ذلك أو لا يُساعدُها، تبعًا لنظام الدولة المَعْنية.

والملاحَظُ أنّ الحركات والحزبيات الإسلامية الجديدة ظهرت بأقوى ما يكون في دول الإلغاء والاستضعاف. وظلّت أقلّ راديكالية في دول الاستتباع. وهي أقلُّ حضورًا وسطوةً في دول الحياد، حيث ما تزال المؤسسةُ تتمتع بقوةٍ نسْبيةٍ معقولة.

ب. المؤسسةُ الدينيةُ والأُصوليات: ما كانت المؤسسة الدينيةُ بين أسباب ظهور الأصوليات السلفية والإحيائية. لكنّ تلك الأُصوليات سُرعان ما اصطدمت بالمؤسسة الدينية بعد ظهورها واستتبابها. وقد ذكرْنا من قبل وجوهَ نقد الأصوليات للمؤسسة الدينية التقليدية ومن بينها قُصورُها عن مواجهة مشاكل العصر، وعدم عنايتها بصفاء العقيدة والممارسة، واستتباعها للسلطة السياسية. وقد نافستْها الأصوليات في التعليم الديني وفي الفتوى. ثم ظهرت مقولة الدولة الإسلامية التي تطبّقُ الشريعة، أي تقول بفرض الدين من خلال سلطة الدولة القادمة، فوقعتْ المؤسسة الدينية مع تصاعُد الوعي بالاندماج بين الدين والدولة لدى جمهور الأُصوليين، في إحراجٍ شديد. فهي لا تستطيع القول بفصل الدين عن الدولة، لكنها لا تستطيع القول أيضًا بالاندماج بين الأمرين؛ إذ تكونُ قد سلّمت بحتمية الصراع والفتنة وسفك الدم.

 

الفقه والمذاهب ومقاومة الزوال

أثمرت جهود التجديد وفتح باب الاجتهاد عن إنجاز اجتهاداتٍ كبيرةٍ وكثيرةٍ في مجالاتٍ شتّى، ويمكن إدراجها تحت البنود التالية: الاجتهادات في مجال الأحوال الشخصية، والاجتهادات في مجال المعاملات المالية، والاجتهادات في مجال الفقه السياسي، والاجتهادات الرامية لمنافسة القوانين المدنية( التقنين)، والإنجازات في مسائل التجدد المنهجي والمؤسَّسي، والأعمال ذات الأبعاد المستقبلية في أصول الفقه، والجهود البارزة في مجالي نشر النصوص الفقهية، والدراسات في قضايا المذاهب التاريخية، والفقه الْمُعاصر.

ويمكن القول إنّ الإنجازات في مجالي الأحوال الشخصية، والمعاملات المالية كانت هي الأبرز خلال القرن العشرين، ويرجع الإنجازُ الأولُ إلى تعطُّل الفقه الإسلامي وخروجه من الاستعمال باستثناء مجال فقه الأُسرة وقوانينها. وقد أنجز الفقهاء بالفعل، ولكنْ ليس بمفردهم، إنجازاتٍ كبيرةً في هذا المجال، بدت في المدونات العديدة لدى عددٍ كبيرةٍ من الدول العربية والإسلامية. ومجالُ الأحوال الشخصية هذا هو المجالُ الأبرز بالفعل لتتبُّع كيفيات التعامُل على مدى قرنٍ مع المدارس الفقهية. فقد جرى تقنينُ أحكام المذهب الحنفي في هذا المجال في البداية، ثم تبعة تقنينُ أحكام المذهب المالكي، فالتقنينُ العملي لأحكام المذهب الحنبلي. وبعد الستينات من القرن العشرين، وأحيانًا قبل ذلك جرت الإفادةُ بطرائق انتقائية وفي المدوَّنة الواحدة من سائر المذاهب. وقد استُعيرت فكرتا التقنين والتنظيم من القوانين المدنية، وجرى أحيانًا تجاوُز آراء سائر المذاهب للإفادة من وجوه التفكير الحديثة والمعاصرة في هذا الشأن، وفي الشأن المالي والاقتصادي.

ولا شكَّ أنّ أهمَّ الإنجازات التي وجدتْ لها أصداء في الواقع العملي، إلى جانب قوانين الأحوال الشخصية، جرت في المجالات المالية، أو ما عُرف بالبنوك اللاربوية ثم بالمصارف الإسلامية. فهي تحتضن اليومَ ما لا يقلُّ عن الـ 500 بليون دولار، وتظهرُ باعتبارها مُنافسًا مقبولاً للبورصات، وللبنوك العاديّة.

لكنْ، كما في شأن الأحوال الشخصية، ما انفرد الفقهاءُ بهذين الإنجازين، بل شاركهم القانونيون، والخبراء الماليون الذين درسوا مسائل المعاملات والشركات والموجبات والعقود في الفقه الإسلامي، وفي مجلَّة الأحكام العدلية العثمانية، وبنَوا عليها. وبذلك نُظر للفقه الإسلامي باعتباره موروثًا اجتهاديًا بمجموعه وبغضّ النظر عن المذهب، وعن فئة الفقهاء التي أنتجتْه وأدارتْه تاريخيًا.

وما كان الجَهْدُ في مجال الفقه السياسي، أو فقه الدولة، قويًا أو بارزًا بالقدْر نفسه. وذلك لعدة أسباب: الانشغال المنقطع النظير باستعادة تجربة الخلافة ومقارنتها بنظريات الدولة الحديثة، وابتعاد الفقهاء المتزايد عن مجال العمل العامّ، وظهور الأصوليات التي جاءت بنظرية الدولة الدينية ( أو الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة)؛ فأحدثت صراعًا ما يزال مُشتعل الأُوار بين الدين والدولة ما عرفه تاريخُنا القديم أو الوسيط، وأعادت إنتاج القداسة للدولة بسبب ارتباطها الشديد بالدين في هذه النظرة، وأحالت كلَّ دواعي وعوامل المشروعية والشرعية السياسية على مسائل رمزية وتقديرية، أخرجت الفقهاء في كلّ الأحوال من مجال التفكير والقدرة على التصرف في مجال النظرية ومجال التقدير والتدبير.

والأَمْرُ على هذا النحو من التأزُّم، وانقطاع صِلة الفقهاء أو ضعفها في مجال الفقه الدولي أو العلاقات بين المسلمين وغيرهم. إذ بعد حقبةٍ قصيرةٍ من التفكير للإنجاز باتّجاه المشاركة، أعادت الأصوليات الإسلامية التأزُّم إلى هذا الملفّ سواءٌ لجهة العلاقة بالديانات الكتابية، أو العلاقة بالعالم. لكنْ ينبغي النظرُ بعنايةٍ أكبر في سلبيات وإيجابيات تجارب إصدار الإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان، وإعلانات الرؤية الإسلامية للعلاقات بين الأُمم والدول، وقبل ذلك وبعده الإعلانات الإسلامية للدساتير. وفي هذه المجالات أيضًا شاركت الفقهاءَ فئاتٌ أُخرى من الخبراء ومن الإسلاميين الجُدُد الذين انطلقوا في الغالب من مقولة الدولة الدينية أو الإسلامية التي تطبّق الشريعة. وبذلك غلب عليها في كثير من الأحيان إمّا طابع الصورة التاريخية المعيَّنة، أو طابع المثالية الْمُفارق للقوانين والأعراف الدولية الحالية.

وتجلَّى الإنجازُ المنهجيُّ أو التجدد المنهجي في عمل علماء أُصول الفقه على فقه المصالح وما عُرف فيما بعد بفقه المقاصد. وقد مضى في ذلك الإصلاحيون من الفقهاء، ثم كانت فترةُ الحيرة والضياع، ليدخُلَ بعدها في قضية المقاصد معتدلو الإسلاميين الجُدُد مركِّزين على تأصيل المسألة، اعتقادًا منهم بأنّ ذلك حريٌّ أن يُعيدَ رَبْطَ هذا الأُفُق الواعد بالنصّ من جهة، وبكليات الشريعة من جهةٍ ثانية. بيد أنّ هذه الإمكانية الجيّدة للتجديد الأصولي والفقهي، ما أمكن الوصولُ معها أو من خلالها لاجتراح آلياتٍ أُخرى لقراءة النصّ واستقرائه، ولا لتأمَّل الواقع ومتطلّباته. ويرجعُ ذلك إلى النقص المعرفي من جانب الباحثين في المقاصد بالآليات القديمة، ونقص المعرفة بالآليات العصرية. لكنْ قبل ذلك وبعده بسبب الاختلال في العلاقة بين الدين والدولة، والاختلال في مفهوم الشريعة وعلاقتها بالفقه، وأخيرًا ضعف المؤسسة الفقهية واتّجاهها للتضاؤل والزوال، دون أن يستطيع فقهاءُ الإسلاميين الجدد انتزاع المرجعية أو الانفراد بها.

وهناك إضافةً إلى الجهود والإنجازات التي ذكرْناها، ووجوه تجديدها وقصورها معًا، التطورات المؤسَّسية المتعلقة بالمؤسسة الدينية أو الفقهية، في البلدان المعيَّنة، وفي المجال الإسلامي العام. هناك تطور مؤسسات التعليم الديني التقليدية إلى جامعاتٍ وكلياتٍ للشريعة. وهناك وزارات الأوقاف والشؤون الدينية. وهناك المجامعُ الفقهية التي نصرتْ فكرة الاجتهاد الجماعي.

وبخلاف مخاوف الشيخ محمد عبده والأصوليين المسلمين؛ فإنّ هذه المؤسسات جمعت بين أهل المذاهب، بحيث ما عادت هناك فروقٌ أو حساسياتٌ ظاهرة؛ وإنما برز التنافُسُ وأحيانًا الصراع بين فقهاء المؤسَّسة من جهة، وفقهاء الإسلاميين الجُدُد من جهةٍ ثانية. وذلك إمّا لاختلاف الرؤية والموقع، أو للتناقُض الظاهر بين الإحيائيين الحزبين هؤلاء وبين السلطات القائمة التي ما يزالُ الفقهاءُ يعملون في ظلِّها.

ولدينا الآن، ومن خلال تأمُّل التطورات المؤسَّسية حركةٌ نشريةٌ زاخرةٌ لسائر النصوص الفقهية في المذاهب التاريخية، وجمعُ مطّردٌ لآثار المدارس المنقرضة، والفقهاء الأوائل. وبالتساوُق مع ظهور هذه الوثائق المهمة لتاريخ المذاهب الفقهية وطرائق عملها وإنتاجها، تظهرُ دراساتٌ كثيرةٌ عن مسائل مختلفة في تلك المذاهب، ومقارناتٌ بنيها، وقد ظهرت كما نعلمُ ولأغراض المقارنة والتقنين والتوثيق موسوعاتٌ فقهيةٌ وأصولية، وأخرى للقواعد الفقهية أو لفقه هذا المذهب أو ذاك.

*  *  *  *

حوصرت المذاهبُ الفقهيةُ، ثم حوصرت المؤسَّسةُ الدينيةُ، عَبْرَ القرن العشرين المنقضي، بثلاثة عوامل مدمِّرة:

الظروف والبيئات الحديثة التي خَرَبَتْ الأشعرية، وخَرَبَتْ الترتيبات الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، التي قامت عليها المذاهبُ والمؤسَّسة الدينية.

والعاملُ الثاني: الضرورات التحديثية، ثم تطلُّبات المشروعية من جانب الدول الوطنية الحديثة في ديار العرب والمسلمين.

والعاملُ الثالثُ: اكتساحَ السلفية فالأُصولية للمجالين الديني والسياسي، وبأفكارٍ وممارساتٍ جديدة، تُعادي مؤسسة المذاهب والفقه أو أن ّالمؤسَّسة لا تستطيعُ التلاؤمَ معها.

وفي النتيجة فقدت المذاهب ثم فقدت المؤسسة الدينية أكثر مهامّها وأدوارها، وما بقي لها غير قيادة الشعائر، والتعليم الديني، والفتوى. وهي ليست ضروريةً للأمر الأول، أمّا الأمران الآخَران فصار يشاركها فيهما غيرها من الجهات الإسلامية الجديدة.

ولا بد هنا من عودةٍٍللتحقيب التاريخي، لفهم التطورات المتعلّقة بالتقنين وتطبيق الشريعة، وبتطورات علائق المؤسسة الدينية بالدولة وبالإسلاميين الجدد وبالعالَم. في مرحلة التقنين المستمرة بين أواسط القرن التاسع عشر، وأواسط القرن العشرين، كان الطابعُ السائدُ هو السعيُ لانضمام المذاهب الفقهية في مشروع الدولة الحديثة، ومنافسة القانون المدني، والإسهام في صنع التلاؤم الجديد الديني والسياسي في عالَم الإسلام. وأولى الثمرات الجادّة لهذا المسعى مجلَّة الأحكام العدلية العثمانية، وذروةُ هذا النشاط ما قام به عبد الرزاق السنهوري ورفاقه من مزجٍ بين القانون المدني ومسائل كثيرة من الفقه الإسلامي في المجالات الثلاثة: الأصول، والقواعد، والفروع. لكنْ كان من نتائج هذه المرحلة، وبسبب متغيِّرات الظروف، تراجُعُ فروقات المذاهب وحيوياتها، لصالح الانتقاء من سائر المذاهب وإقبال المذاهب الفقهية باستثناء السلفية على التكامُل والتوحُّد.

وعلى مشارف النصف الثاني من القرن العشرين، ودون أنينتهي التقنين أو مساعيه، جرى الانتقال، وهذه المرة ليس من جانب الدولة أو الفقهاء، بل من جانب الفئة الجديدة الصاعدة آنذاك من الإسلاميين الجدد، من التقنين إلى أُطروحة تطبيق الشريعة. وهنا لا يجري الحديث عن الفقه أو تقنينه أو عن منافسة القانون المدني والامتزاج به؛ بل عن الافتراق الكامل بين الشريعة الإسلامية أو القانون الإلهي من جهة، والقانون المدني أو الوضعي من جهةٍ ثانية. وهكذا يُصبحُ منطقيًا المُطالبة بالشريعة وليس بالفقه، وبالتطبيق وليس التقنين الذي يتطلب اجتهادًا كبيرًا؛ في حين تُوهِمُ المطالبةُ بالتطبيق أنّ كل شيء جاهز، وأنَّ العلّة في الواقع والخارج، وليس في الإسلام. واكتمل الافتراقُ بين الإسلاميين الجدد والدولة الوطنية بالقول بعد تطبيق الشريعة بالدولة الإسلامية المكلَّفة بذلك التطبيق.

وهكذا تضافرت ثلاثُ مقولات: مقولة النظام الشامل، ومقولة التكليف بتطبيق الشرعية، ومقولة الحاكمية؛ وهي تعني ضرورة الاستيلاء على الدولة من أجل إحقاق الحقّ، ووضع الشريعة في موضوع الاحترام والنفاذ. ولأنّ مقولة تطبيق الشريعة، تعني تعليق الشرعية كلّها عليها؛ فإنّ أصحاب مقولة التطبيق، نازعوا المؤسسة الدينية والدولةَ القائمة معًا. نازعوا المؤسسة الدينية من أجل الحجية والمرجعية، ونازعوا أصحاب الشأن السياسي، للاستيلاء على السلطة التي تضعُ على رأس أولياتها تطبيق الشرعية ليعودَ للدولة طابعُها الإسلامي. وقد استطاع الإسلاميون بسبب احتجاجيتهم وجماهيريتهم أن يضعوا المؤسسة الدينية في أحد موضوعين: المكافحة أو الاختراق.

وكان الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي قد لاحظ في النصف الثاني من الستينات منالقرن الماضي خَطَرَ اللامذهبية ( أي عدم التمذْهُب بمذهب فقهي معين، بحجة البُعد عن الفُرقة وعن التقليد) على الإسلام، واعتبر بحقٍ أنّ السلفية ليست مذهبًا جديدًا، بل هي توجُّهٌ وتيار. لكنّ الدكتور البوطي ما لاحظ انحشارَ المؤسَّسة الدينية الإسلامية بين الدولة والأُصوليين، وأنها في طريقها للزوال، بسبب تضاؤل أدوارها وضياعها التدريجي إمّا لصالح الدولة أو لصالح الإسلاميين الجدد.

*    *     *
الخاتمة

وهناك في الخاتمة موضوعان:

موضوع نهاية المذاهب الفقهية التاريخية، وتراجُع المؤسسة الدينية التقليدية، وسؤالُ النخبة التي ينبغي أن تظهر لتحلَّ محلَّها أو تخترع آلياتٍ أُخرى للقيادة والمرجعية والإرشاد.

وهناك موضوعُ الشرعية للمجتمع والدولة، وقد كان الفقهاءُ المسلمون جزءًا من شبكة الشرعية والمشروعية هذه، وقد اشتركت الأنظمة والإسلاميون في نزعها عنهم، ثم هاهم يتصارعون عليها، فما هي مآلاتُ الشرعية والمشروعية، وأين هي أُطروحة الدولة المدنية ودولة المصالح، من هذا كلِّه؟

قبل أيَّام كنتُ أُراجع ثلاثة كتبٍ في الفقه الإسلامي القديم للباحث العربي الأصل وائل حلاّق، وقد تُرجمت عن الإنجليزية حديثًا: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، والنظريات الفقهية وأصول الفقه الإسلامي، وتكوّن المذاهب الفقهية وسلطة الفقيه والمذهب. لقد كان عالمًا هائلاً من الثقافة والترتيبات والتقاليد والبُنى، يسودُهُ السلامُ مع نفسه، والمُماحكة المسلّية حينًا والمزعجة حينًا آخر مع الآخر والعالم؛ لأنه كان يعتبرُ نفسه المقياس للشرعية والمشروعية.

أمّا اليومَ فإنّ هذا العالَم قد انقضى أو كاد، وتحوط مصائر المؤسسة الدينية وليس مصائر الإسلام أسئلةٌ كبيرةٌ وسط المخاض الكبير:

فيا دارَها بالخَيفِ إنّ مــــزارَهــــا           قريبٌ ولكنْ دون ذلــــك   أهــــوالُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**أستاذ الدراسات الإسلامية والفكرية بالجامعة اللبنانية بالجمهورية اللبنانية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك