التجديد والتقنين فِي المصارف الإسلاميّة المعاصرة رؤية منهجية

التجديد والتقنين فِي المصارف الإسلاميّة المعاصرة رؤية منهجية*

إعداد: أ.د.قطب مصطفى سانو**

 

تقديم الدراسة: في أهمية الدراسة

إنّ الحمد لله ربّ العالمين، وصلاة وسلاما دائمين متلازمين على سيّد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، وقدوة المتقين، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وأصحابه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان وإيمان إلى يوم الدين، وبعد،

فهذه صفحات قصار عنيت بإعدادها حول شرط من شروط النهوض الحضاريّ، وهمّ من هموم الفكر الإسلاميّ المعاصر، إنّه همّ تجديد أمر الدين والدنيا الذي أضحى اليوم الشرط الضروريّ والمقدمة الأساسيّة لذلك الشهود الحضاريّ الذي ترنو إليه الأمة، بل أمسى اليوم الملاذ الذي يلاذ به لاستعادة الأمة عافيتها الحضاريّة وريادتها الفكريّة، وقيادتها العلميّة، ورسالتها التي جعلها الله رحمة للعالمين.

إنّ تجديد الأمة في فكرها واجتماعها وسياستها واقتصادها يعدّ مبدأ إسلاميّا خالدا لا ينازع فيه أحد، ولا يشك فيه عاقل، كما أنّ تجديد الأمة في عقيدتها، وفقهها، وتربيتها يعدّ هو الآخر أساسًا ضروريّا لا يماري فيه امرؤ، ولا يجادل فيه لبيب؛ وذلك انطلاقا من كون التجديد المنشود في الحسّ الإسلاميّ ذلك الغذاء الذي يعيد الحيويّة والفاعليّة والديناميكيّة والواقعيّة إلى الفكر الإسلاميّ، ولكونه المستصفى الذي يغربل الأفكار ويصفّي الأنظار، ويزيل الشوائب ويمحي الزوائد في الفكر والتصور والسلوك والممارسة.

وانطلاقا من هذه الأهمية البالغة والمكانة العالية التي يحتلها التجديد في الذهنيّة الإسلاميّة، فإنّ الحاجة تمسّ إلى أن يولي الغيارى والمخلصون قضاياه ومسائله جانب التأصيل والتحقيق والتحرير والتفصيل. ومن أهمّ تلك القضايا المتصلة بالمسألة التجديديّة وسائله وطرق تحقيقه في أرض الواقع. وبإجالة النظر، وإمعان الفكر في العديد من وسائل التجديد المتعددة والمتنوعة، نجد أنّ ثمة وسيلة هامّة من تلك الوسائل ينبغي تأصيلها، وتحريرها، وتفصيل القول فيها، إنّها تلك الوسيلة التي باتت تسمّى اليوم في دنيا الناس التقنين.

وتلبية لدعوة كريمة عزيزة من وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة بسلطنة عمان ـ حماها الله وأدام على أهلها الأمن والأمان والاستقرار والرفاهة ـ نسجنا هذه الوريقة المتواضعة حول مسألة التقنين، بحسبانه وسيلة من أهمّ وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ شكلا ومضمونا. كما عنينا بإبراز كيفية توظيف هذه الوسيلة من أجل التجديد في مجال حيويّ من مجالات الحياة المعاصرة، إنّه مجال المصارف الإسلاميّة الناشئة الواعدة والآخذة في التنامي والانتشار.

وقد انتظمت الوريقة مدخلا معرفيّا، وثلاثة مباحث رئيسة وخاتمة. وأَمَّا المدخل المعرفيّ، فقد كان حديثا مقتضبا عن أهميّة التجديد وضرورته في العصر الراهن. وتناول المبحث الأول مصطلح التقنين وعلاقته بالتجديد والغاية منه في العصر الحاضر. وأما المبحث الثاني، فقد تصدّى لنبذة تاريخية عن نشأة المصارف وإمكانيّة توظيف التقنين للتجديد فيها. وتناول المبحث الثالث بالتأصيل والتحليل مرتكزات توظيف التقنين في مجال المصرفيّة الإسلاميّة المعاصرة. واحتضنت الخاتمة أهمّ النتائج التي توصلت إليها الدراسة.

والله المسؤول أن يكلل أعمال الندوة بالنجاح والتوفيق، ويجزي القائمين عليها عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما توفيقنا إلا بالله العليّ العظيم.

*    *     *

مدخل معرفي:

في أهمية التجديد وضرورته في العصر الراهن

إنّه ليس من مرية في أنّ الواقع الإسلاميّ الراهن يواجه اليوم تصاعدًا باهرا للتحدّيات الفكريّة المتراكمة، والتطورات السياسيّة المتلاحقة. كما يواجه واقعنا المعاصر تناميا متزايدا في التغيرات الاجتماعيّة المتتابعة، والتقلبات الاقتصاديّة المتعاقبة؛ بل إنّ واقعنا أمسى اليوم يعاني أزمات حادّة في الفكر، واضطرابات قلقة في التصور، وتشوهات موجعة في طرق التعامل مع المثال والعالم المتغير.

ومن نافلة القول أنّه ما كان لهذا الواقع الغريب على عموم الأمة ليشهد ـ في العاجل القريب ـ تغيّرا منشودا ولا تبدّلا مأمولا ما لم تكن ثمة قناعة راسخة بواجب إعادة النظر الحصيف في الموروث الفكريّ المتراكم، وإعمال العقل الرشيد في ذلك الإرث الثقافيّ العظيم، وتحكيم الوعي الرزين في ذلك الحمل الاجتماعيّ الغزير؛ وذلك بغية التمييز بين الثابت والمتغير من الأفكار والأنظار، وبين المطلق والنسبي من الأحكام والاجتهادات، وبين الدينيّ والثقافيّ من الممارسات والتطبيقات؛ بل ما كان لهذا الواقع الاستثنائيّ المخيّم على الساحة الإسلاميّة ليزول في الأيَّام القادمات ما لم يغد هنالك إيمان راسخ بجسامة المسؤوليّة الفكريّة الرصينة التي يجب أن ينهض بها أولئك الغيارى من أهل الفكر والنظر من كل المذاهب والاتجاهات الإسلاميّة سعيًا إلى لمّ الشمل، وجمع الكلمة، وتضييق دائرة المختلف الفكريّ، وتعظيم المتفق المصيريّ بين الشعوب الإسلاميّة في جميع أنحاء المعمورة.

ومن ثم، فإنّ استعادة الأمة ريادتها الفكريّة وقيادتها العلميّة تتوقف توقفا أساسا على إيمانها القاطع بكون التجديد في الفكر والنظر والعمل فريضة دينيّة وضرورة عصريّة لا ينبغي لمسلم مخلص لدينه وأمته أن يشغل العامّة أو الخاصّة بالتشكيك في مدى مشروعيّته، وضرورته، وديمومته. والحال أنّه يعدّ عند جميع المحقّقين من أهل العلم والفكر والنظر والعرفان مبدأ إسلاميّا خالدا، كما يعدّ معلما إسلاميّا راسخا نصّ عليه الشرع الحنيف، وجعل القيام به من جنس فروض الكفاية التي تأثم كل الأمة إن هم أهملوه أو تقاعسوا عنه في عصر ومصر.

إنّه ليس من ريب في أنّ تمكين الأمة اليوم من الفعل الحضاريّ المأمول والمشاركة الإيجابية المرجوّة في تقرير الشأن العالميّ الراهن، إن في السياسة أو في الاقتصاد أو في الاجتماع أو في الفكر؛ يتوقف كل ذلك توقفا رئيسا على صيرورة التجديد في الفكر والنظر والعمل منطلقا أجلّ وأساسا متينا لا يحيد عنه علماء الأمة ـ قيد أنملة ـ في تعاملهم مع المثال والواقع، كما لا يتنازل عنه مفكّرو الأمّة عند نظرهم في مختلف القضايا القديمة والمستجدة إيمانا منهم بأنّ صلاحيّة الشرع الكريم لكل زمان ومكان تتوقف على تجديد النظر في نصوصه، ومقاصده، وما نسج من أفهام واجتهادات حول تلك النصوص والمقاصد في ضوء ما يستجد في حياة الناس من قضايا ومسائل.

وتأسيسا على هذا، فإنّ التجديد بمفهومه العامّ يعدّ إحياء منهجيّا وتحريرًا موضوعيّا للأفكار والأنظار التي يطالها التقادم والبلى، وترسو عليها التراكمات السلبيّة، فتغدو أفكارًا فاقدة الحضور وعديمة التأثير، مِمَّا يستلزم تعهدها بمراجعةٍ عميقة هادفة إلى فضّ ما ران عليها من أفكار، وإزالة ما تراكم عليها من أنظار بالية.

واعتبارًا بأنّ التراكمات التي تداهم الأفكار والأنظار تغشى منطلقاتها حينا، وتلج مضامينها طورًا، وتحجب مقاصدها عن الظهور أحيانا كثيرة، لذلك، فإنّ تجديد الأفكار والأنظار يتطلب إعادة الحيويّة والقوة إلى منطلقاتها الفكريّة، وتصفية مضامينها ومحتوياتها مِمَّا خالطها من السلبيات والمثبطات، وإزالة الغبار عن مقاصدها ومراميها، وتحقيق هذا كلّه يتوقف على منهجيّة علميّة موضوعيّة واعية وجريئة ذات مرتكزات علميّة هادئة، وآفاق منهجيّة رصينة تبرأ من المداهنات الفكريّة، وتبتعد عن المجاملات النظريّة، وترفض الرضوخ والخضوع لتأثيرات التقليد والتبعيّة، وتأبى إلا أن تتعامل مع الأفكار والأنظار تعاملا موضوعيّا هادفا إلى النهوض بها نهوضا رشيدًا، وتمكينها من التفاعل الإيجابيّ والمشاركة الواعدة والتأثير المرجوّ، والتمكين المنشود.

لئن كانت للتجديد هذه الأهميّة القصوى، وتلك المكانة العليا في الحسّ الإسلاميّ المسؤول، فإنّه من الحريّ تقريره أنّ التجديد المنشود للفكر الإسلاميّ المعاصر شامل لسائر مجالات الحياة، بدءًا بمجال العقيدة، وتعريجا على مجال الفقه، ومروراً بمجال التربية والسلوك، وتوقفا عند مجال الفكر، ووقوفا عند مجال السياسة، ونزولا عند مجال الاجتماع، وانتهاء بمجال الاقتصاد؛ مِمَّا يعني أنّ ثمة تجديدا في العقيدة، وتجديدا في الفقه، وتجديدا في التربية والسلوك، بل إنّ هنالك حاجة ماسة إلى تجديد في الفكر، وتجديد في الاقتصاد، وتجديد في السياسة، وتجديد في الاجتماع؛ ذلك لأنّ تحقيق الشهود الحضاريّ المرتقب لعموم الأمة يتوقف على تحقيق تجديد رشيد في المجالات المشار إليها آنفا، اعتبارًا بأنّ الحضارة في أرقى معانيها تنتظم الفكر، والعقيدة، والثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والتربية، والاجتماع، وتعدّّ هذه القضايا برمتها روافد الحضارة وعناصرها ومكوناتها.

وانطلاقا من هذا، فإنّنا نرى أنّ أيّ حديث علميّ منهجيّ موضوعيّ مسؤول عن التجديد ينبغي له أن ينطلق من هذه الرؤية الشموليّة الواعية للمسألة التجديديّة، كما ينبغي له أن يلتفت التفاتا مباركا إلى بيان تلك الوسائل المعينة على تحقيق ذلك التجديد المنشود في المجالات السالف ذكرها. ويوم أن يغشى التجديد تلك المجالات بصورة علميّة واعية، حقّ للأمة ـ حينئذٍ ـ أن تستعيد عافيتها الحضاريّة، وتستردّ موقعها الرياديّ والقياديّ في هذا العالم الحائر.

ولئن كان للتجديد المأمول مجالات واسعة، فإنّه من الحريّ بالتقرير بأنّ ثمة وسائل متعددة لتحقيق التجديد المنشود في كلّ مجال من تلك المجالات، وتشهد تلك الوسائل تجددا وتغيرا وتبدلا بتجدد الأزمنة وتغير الأمكنة وتبدل الأحوال والأوضاع، بل ما كانت لتلك الوسائل لتعرف ركودا أو جمودا أو نكوصا، بل إنّ عليها ـ الوسائل ـ أن تكون هي الأخرى محلّ تجديد وتحديث كلما تغيرت الظروف، وتبدّلت الأوضاع، وتطورت الأحوال. ومن ثمّ، فإنّنا نفزع إلى تقرير القول بأنّه كما تتعدد مجالات التجديد، فإنّ وسائله هي الأخرى تتعدد بتعدد مجالاته، فضلا عن أنّ وسائل التجديد تشهد ـ على الدوام ـ تجددا وتبدلا وتغيرا اعتبارًا بأنّها تعدّ انعكاسا للواقع الإنساني الدائب التغير والتبدل والتطور.

وتأسيسا على هذا، فإنّ الفقه الإسلاميّ يعدّ مجالا خصبا من مجالات التجديد المنشود في العصر الراهن، وذلك بحسبانه تراكمات معرفيّة تشكلت في ضوء تلك الظروف الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي كانت سائدة عشية تدوين أولئك الأعلام ـ رحمهم الله ـ اجتهاداتهم إزاء تلك النصوص الشرعيّة المتعلقة بالأحكام الموسومة بالأحكام الشرعيّة العمليّة. وإنّما كان هذا الفقه ميدانا رحبا للتجديد المأمول، ذلك لأنّ شطرا كبيرا من تلك الاجتهادات التي انتظمها لم يخل ـ بأي حال من الأحوال ـ من التأثر المباشر وغير المباشر بالسقوف المعرفيّة والأوضاع الفكريّة والأحوال الاجتماعيّة والظروف السياسيّة التي كانت قائمة قرونئذٍ؛ الأمر الذي يعني أنّ أيّ تغير أو تبدل أو تطور في تلك السقوف والأوضاع والأحوال والظروف، يجب أن يقابله تغير وتبدل وتحول في تلك الاجتهادات، بحيث تغدو ثمة اجتهادات جديدة قادرة على توجيه الواقعات المستجدة، وتسديد الأوضاع المستحدثة في الملّة، كما يمسي هنالك اجتهادات تتناسب مع التغيرات والتطورات التي طرأت على الأوضاع والأحوال.

على أنّه من الجدير تقريره في هذا المقام أنّه ليس من محظور ـ نقلا وعقلا ـ ألا يكون لتلك الاجتهادات رحم مباشر بالاجتهادات السابقة؛ إذ ليس من الواجب في حسّ الشرع أن يكون لكل اجتهاد جديد أصل قديم، أو مثال سابق؛ ذلك لأنّ طائفة غير منكورة من الاجتهادات القديمة ذاتها ليست لها أصول قديمة، أو مثيلات سابقة، فقد كانت تلك الاجتهادات غداة نشأتها اجتهادات جديدة لا تنتمي إلى أصول قديمة أو مثيلات سابقة، ولذلك، فإنّه يكفي في الاجتهادات المتجددة أن تكون اجتهادات قادرة على النهوض بالأمة، وتوجيه التطورات المتلاحقة، ومجابهة التحديات المتصاعدة، فضلا عن تسديد الأحوال المتبدلة بتعاليم الشرع الحنيف.

وبناء على هذا، فإنّ التجديد المنشود اليوم في الفقه الإسلاميّ يعني في أبسط معانيه ومراميه الارتقاء العلميّ المنهجيّ المدروس بهذا الفقه ارتقاء يمكّنه من المواكبة الرشيدة لمتطلبات الحاضر، والمجابهة السديدة لتحديات المستقبل، وذلك من خلال اعتصام حكيم بكليات الشرع الكبرى، وأصوله العامة، واستنارة رشيدة بالمقاصد الكليّة، والتفات مبارك إلى مآلات الأفعال في ضوء التغيرات والتطورات الحثيثة التي تغشى حياة الأفراد والمجتمعات في العصر الراهن.

إنّ هذا الارتقاء يقتضي ـ كما أسلفنا ـ ضرورة مراجعة سائر موضوعات التراث الفقهيّ، ومباحثه المتعددة، بغية دراستها دراسة شموليّة مترابطة ومتماسكة ومتكاملة، وبغية تصفية كثير من موضوعاته، ومباحثه من الموضوعات والمباحث الظرفيّة التي لم يعد واقعنا المعاصر بحاجة إليها، وبغية تطعيم موضوعاته ومباحثه بموضوعات ومباحث مستجدة في دنيا الناس.

وزبدة القول: إنّ التجديد في الفقه ينتظم تجديد النظر الرشيد، وإعمال العقل الرصين، وإمعان الفكر الرزين في جملة حسنة من تلك الاجتهادات التي جادت بها قرائح السابقين ـ رحمهم الله ـ بغية تطوير ما يمكن تطويره، وتعديل ما ينبغي تعديله، والاستغناء عما يجب الاستغناء عنه؛ وذلك انطلاقا من القاعدة الفقهيّة الذهبيّة القارّة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعادات والتقاليد والأعراف!

وفضلا عن هذا، فإنّ التجديد في الفقه ينتظم ـ كذلك ـ تجديدا في صياغة رؤى وأنظار واجتهادات جديدة إزاء ذات تلك النصوص التي اجتهد فيها الأولون، اعتبارًا بأنّ اجتهادات أولئك الأئمة الأولين ـ على الرغم من مكانتها ومتانتها ـ ليست نصوصا (مقدّسة ومعصومة)، بل هي أفهام رشيقة للنصّ المقدّس الثابت الراسخ (الوحي)، كما أنّها لا تعدّ أفهاما نهائيّة للنصّ، وبالتالي لا يمكن لها أن تحول دون استحداث أفهام جديدة إزاء ذات النصّ مستندة إلى أصول الشرع الكليّة ومقاصده العامّة ومآلات الأفعال. فالأجيال في كل الأعصار والأمصار سواسية ـ في ملتنا ـ في فهم نصوص الشرع مادامت متمكنة من آليات الفهم وأدواته، وذلك في ضوء سقوفهم المعرفيّة، وظروفهم الفكريّة، وأحوالهم السياسيّة، وأوضاعهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

وَمِـمَّا يؤكّد هذا الأمر أنّ الاجتهادات التي نعدّها اليوم اجتهادات السابقين الأولين لم تتشكل في عصر واحد بعينه، بل تشكلت عبر قرون عديدة؛ فلو كان استحداث اجتهادات جديدة فيما اجتهد فيه السابقون أمرا محظورا لما كان ثمة فنّ يعرف اليوم بالفقه الإسلاميّ!!

ومن ثمّ، فإنّ التجديد المنشود في الفقه لا ينبغي له أن يقف عند عتبة الترجيح بين الاجتهادات السابقة، ولا ينبغي له أن ينحصر في تقديم الرؤى والاجتهادات فيما يستجد في الساحة من مستجدات وتطورات؛ بل يجب أن يشمل التجديد تكوين اجتهادات جديدة رشيقة إزاء العديد من القضايا والمسائل سواء أكانت تلك القضايا والمسائل قديمة أم جديدة، وسواء كان للسابقين اجتهادات في تلك القضايا أم لم تكن لهم اجتهادات إزاءها، ولتكن عدّة التجديد الانطلاق من الأصول الشرعيّة الكليّة، والمقاصد السنيّة العامّة، والموازنة بين المنافع والمفاسد، ومراعاة مآلات الأفعال.

وفضلا عن هذا، فإنّ التجديد في الفقه ينبغي عليه أن ينتظم ـ كذلك ـ تجديدا في وسيلة تقريبه وتيسيره وتسهيله على المتعلمين والمتفقهين، وذلك من خلال إعادة صياغته في لغة عصريّة تتناسب مع العصر، وإعادة تبويبه تبويبا حديثا يستفيد من فن التبويب المستحدث في الملّة في العصر الراهن، ويعدّ هذا التجديد تجديدا في الشكل والمظهر؛ فليس من المقبول اليوم الإصرار على تقديم التراث الفقهي وغيره من التراث الإسلامي الزاخر في العصر الحاضر في ثوبه القديم المتسم بالتعقيد والتلغيز والتعجيز في معظم الأحيان؛ بل ليس من المنطق في شيء الإصرار على تجريد الفقه الإسلاميّ من أدلة الأقوال، بل لا بدّ من ربط كل رأي فقهيّ قديم أو جديد بدليله، ولا بدّ من بيان درجات تلك الأدلة من حيث القوة والضعف، ومن حيث القبول والردّ، ولا بدّ ـ فوق ذلك كله ـ من بلورة مرتكزات علميّة منهجيّة يلاذ عند الهمّ بالترجيح بين الآراء الفقهيّة المختلفة في العصر الراهن.

وبناء على ما سبق، فإنّ هذه الدراسة المتواضعة محاولة هادئة تروم الإسهام ـ ولو بنقير ـ في بسط القول في وسيلة هامّة من وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ شكلا ومضمونا، وتعرف تلك الوسيلة اليوم في أروقة الباحثين بتقنين الفقه الإسلاميّ. فهلمّ بنا لنسلّط الضوء على هذه الوسيلة مفهوما وأهميّة، ولنتعرف على مرتكزات توظيفها للتجديد في مجال المصارف الإسلاميّة المعاصرة.

*    *     *
المبحث الأوَّل:

في التجديد والتقنين: المصطلح والعلاقة

الفقرة الأولى: في مصطلح التقنين في الدراسات المعاصرة:

لقد أسلفنا القول بأنّ التجديد المنشود في الفكر الإسلاميّ المعاصر يروم تعهّد مسائل هذا الفكر، ومباحثه، وموضوعاته، وقضاياه بالمراجعة العلميّة الدائبة والتطوير المنهجيّ المستمر بغية إعادة الحيويّة والقوة والديناميّة إليه، وتمكينا له من تحقيق مقاصده، ومواكبة متطلبات العصر، ومجابهة تحدّيات المستقبل. كما سبق أن أوضحنا بأنّ التجديد بمفهومه العامّ يعدّ إحياء منهجيّا وتحريرًا موضوعيّا للأفكار والأنظار التي يطالها التقادم والبلى، وترسو عليها التراكمات السلبيّة، فتغدو بعدُ أفكارًا فاقدة الحضور وعديمة التأثير، مِمَّا يستلزم تعهدها بمراجعةٍ عميقة هادفة إلى فضّ ما ران عليها من أفكار، وإزالة ما تراكم عليها من أنظار بالية.

واعتبارًا بأنّ التراكمات التي تداهم الأفكار والأنظار تغشى منطلقاتها حينا، وتلج مضامينها طورًا، وتحجب مقاصدها عن الظهور أحيانا كثيرة؛ لذلك، فإنّ تجديد الأفكار والأنظار يتطلب إعادة الحيويّة والقوة إلى منطلقاتها الفكريّة، وتصفية مضامينها ومحتوياتها مِمَّا خالطها من السلبيات والمثبطات، وإزالة الغبار عن مقاصدها ومراميها.

وتحقيق هذا كلّه يتوقف على الاستعانة بجملة حسنة من الوسائل العلميّة والآليات الموضوعيّة الواعية المنبثقة عن مرتكزات علميّة هادئة رصينة، تبرأ من المداهنات الفكريّة، وتبتعد عن المجاملات النظريّة، وترفض الرضوخ والخضوع لتأثيرات التقليد والتبعيّة، وتأبى إِلاَّ أن تتعامل مع الأفكار والأنظار تعاملا موضوعيّا هادفا إلى النهوض بها نهوضا رشيدًا، يمكّنها من التفاعل الإيجابيّ والمشاركة الواعدة والتأثير المرجوّ، والتمكين المنشود.

وبالنظر في الوسائل العلميّة المعاصرة التي يمكن لها تحقيق ذلك التجديد المنشود في العصر الراهن، نجد التقنين أهمّ تلك الوسائل المعاصرة التي تتوافر على المقومات والمرتكزات التي أشرنا إليها آنفا؛ وذلك اعتبارا في كون التقنين منهجيّة علميّة رشيدة تتعامل مع الاجتهادات والأفكار والأنظار تعاملا منهجيّا موضوعيّا آخذا بعين الاعتبار ظروف الزمان والمكان والحال.

وتأصيلا لهذا البعد في المسألة التقنينيّة، هلمّ بنا لنتعرف على حقيقة هذا المصطلح، فعلاقته بالتجديد والتحديث في الفكر الإسلاميّ عامّة وفي الفقه الإسلاميّ خاصّة.

بالنظر في الدراسات والمؤلفات الحديثة التي عني أربابها بالحديث عن التقنين، نجد ثمة محاولات جادّة لصياغة تصور عن المراد بمصطلح تقنين الفقه. ومن أوائل تلك المحاولات ما انتهى إليه الدكتور الكباشي في كتابه المعنون ـ تطبيق الشريعة الإسلاميّة في السودان بين الحقيقة والإثارة ـ بأنّه عبارة عن “..صياغة للفقه الإسلاميّ في مواد قانونيّة على غرار القوانين الحديثة من جنائيّة ومدنية وغيرها، وإلزام القاضي العمل بها، ولا يتعداها إلى غيرها..”([1]).

وذهب فضيلة الشيخ الدكتور القرضاوي في كتابه الموسوم: “مدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة” إلى تحديد المراد بتقنين الفقه بقوله: “..أن تصاغ الأحكام في صورة مواد قانونيّة مرتّبة مرقّمة على غرار القوانين الحديثة من مدنيّة، وجنائيّة.. وذلك لتكون مرجعا سهلا محدّدا، يمكن ـ بيسر ـ أن يتقيّد به القضاة، ويرجع إليه المحامون، ويتعامل على أساسه المواطنون..”([2]).

وأما الشيخ التيواجني، فأورد تعريفا قريبا من تعريفي الشيخ الكباشي والقرضاوي، حيث قال في كتابه الموسوم ـ الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا ـ بقوله: “…صياغة الآراء والأقوال الفقهيّة في عبارات مختصرة وواضحة على شكل قواعد ومواد مرقّمة، يأخذ بعضها برقاب بعض، بحيث يسهل على القاضي الرجوع إليها، واعتمادها في إصدار أحكامه..” ([3]).

وعني فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي بتحديد المراد بتقنين الفقه في كتابه ـ جهود تقنين الفقه الإسلاميّ ـ بأنّه عبارة عن “..صياغة أحكام المعاملات وغيرها من عقود ونظريات ممهّدة له، جامعة لإطارها في صورة مواد قانونيّة، يسهل الرجوع إليها..” ([4]).

وأما الدكتور العطار، فقد أورد تصورا عن التقنين نخاله تصورا دقيقا ومركّزا، حيث حدّد في كتابه أن تقنين الآراء الفقهية، يعني: “..جعلها قانونا، وهذا يتطلب صياغتها في صورة قواعد عامة مجرّدة، تنظّم سلوك الأشخاص في المجتمع، وإلزام الناس العمل بها ككل قانون..”([5]).

وقريبا من هذا التصور، ورد في بحث بعنوان “الشريعة الإسلاميّة” من قسم الدراسات والأبحاث بعمان، ما نصّه: “..جمع أحكام المسائل في كل باب، وصياغتها في عبارة سهلة في مواد متتابعة، بحيث يقتصر الحكم في كل مسألة على رأي واحد، يختاره المشرّع من بين الآراء المتعددة الواردة في المسألة، ويجري القضاء على هذا الرأي في جميع المحاكم وبين سائر المتقاضين..” ([6]).

وثمة تعريفات وتصورات متعددة عن المراد بمصطلح تقنين الفقه الإسلاميّ، ولا يسع المقام لسردها.

وبإمعان النظر فيما أوردناه من تعريفات وتصورات عن المراد بمصطلح تقنين الفقه الإسلاميّ، وخاصّة تلك التعريفات الأربعة الأولى (القرضاوي، والكباشي، والتيواجني، والزحيلي)؛ نجدها تعريفات ركّزت تركيزا واضحا على النظر إلى التقنين بحسبانه وسيلة من وسائل التجديد في الفقه من حيث الشكل، لا من حيث المضمون، إذ اتفقت هذه التعريفات على كون التقنين عمليّة هادفة إلى إعادة صياغة للأحكام والآراء الفقهيّة في شكل مواد قانونيّة، كما نصّت على أنّ الغاية من العمليّة التقنينيّة هو إعادة صياغة الأحكام الفقهيّة في عبارات سهلة ميسّرة على غرار القوانين الحديثة.

وفضلا عن هذا، فإنّ التعريفات عنيت ببيان أهمّ مقصد من التقنين، وهو تسهيل رجوع القاضي إلى الأحكام الفقهيّة بصورة ميسّرة.

ومن الملحوظ أنّ التعريفات الثلاثة الأولى (القرضاوي والكباشي والتيواجني) تضمنت إشارة إلى أنّ التقنين المنشود للفقه الإسلاميّ يشمل جميع أبواب الفقه وموضوعاته من معاملات، ومناكحات، وعقوبات، وسواها؛ مِمَّا يعني أنّه لا ينبغي حصره في باب من أبواب الفقه كباب المعاملات. وقد انفرد تعريف فضيلة الدكتور وهبة بالتنصيص على كون التقنين صياغة لأحكام المعاملات، والحال أنّ المسائل التي يمكن أن يغشاها التقنين لا ينبغي حصرها ـ بأي حالٍ من الأحوال ـ في أحكام المعاملات أو الأحوال الشخصية أو العقوبات، أو العبادات؛ بل إنّ التقنين يمكن أن يلج جميع أبواب الفقه من عبادات ومعاملات ومناكحات وعقوبات مادامت مسائل هذه الأبواب اجتهاديّة وعامّة تعم بها البلوى. بل ينبغي أن يغشى التقنين جميع مجالات التجديد التي ذكرناها من قبل، وتشمل مجال العقيدة، والتربية، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة وسواها. فالضابط الناظم لغشيان التقنين هذه المجالات هو أن تكون موضوعاتها مسائل اجتهاديّة عامّة تعمّ بها البلوى؛ فكل مجال صالح للتجديد، فإنّه يمكن توظيف التقنين فيه وسيلة من وسائل التجديد في ذلك المجال مادامت الركائز الأربعة التي أشرنا إليها آنفا متوافرة فيه.

ومهما يكن من شيء، فإنّه يمكن الخلوص إلى تقرير القول بأنّ التقنين يعدّ ـ وفق هذه التعريفات الأربعة الأولى ـ وسيلة من وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ من حيث الشكل لا من حيث المضمون؛ ولئن تجلى تنصيص التعريفات الأربعة الأولى على هذا البعد في مسألة التقنين، فإنّه من الإنصاف المبادرة إلى القول بأنّ التعريفين الأخيرين ـ أعني التعريف الذي انتهى الدكتور العطار، والتعريف الذي أورده قسم الأبحاث بعمّان ـ اعتبرا التقنين وسيلة من وسائل التجديد في الفقه لا من حيث الشكل فحسب، ولكن من حيث المضمون أيضا. وقد عبّر هذان التعريفان عن هذا البعد من خلال تنصيصهما على قيد مهمّ واجب التوافر في عمليّة التقنين، وهو قيد الإلزام بالحكم المقنّن، ومنع الجميع من مخالفته؛ مِمَّا يعني أنّ التقنين يروم في نهاية المطاف إعادة النظر في المعاني المنسوجة إزاء المسائل المختلف فيها، وترجيح معنى من تلك المعاني، وصيرورة ذلك المعنى المرجّح المعنى الملزم الذي يجب على الجميع الانصياع له، والنزول عنده. مِمَّا يعني أنّ الرأي الفقهيّ عند ما يقنّن، فإنّه يغدو بعدُ قانونا يلزم به، ولا يجوز لأحد مخالفته، أو العمل بخلافه؛ بل يعدّ المخالف شخصا خارجا على القانون، مِمَّا يجعله عرضة للعقاب السلطانيّ.

إنّ هذا القيد يجعل من عملية التقنين وسيلة هامّة من وسائل التجديد المنشود في الفقه الإسلاميّ لا من حيث الشكل فحسب، ولكن من حيث المضمون أصالة، حيث يمسي التقنين وسيلة من وسائل الترجيح في المسائل المختلف فيها؛ فأيّ رأي يختاره المقنّن ـ المشرّع ـ فإنّ ذلك الرأي يغدو القانون الذي يجب على جميع الرعية الالتزام به والصدور عنه.

فعلى سبيل المثال، من المعلوم أنّ ثمة خلافا بين فقهاء المذاهب الإسلاميّة حول مشروعيّة نكاح المتعة، وبيع العينة، وسواه من المسائل الفقهيّة المختلف فيها؛ فإذا اختار حاكم من الحكام في مجتمع من المجتمعات استنادا إلى مصلحة زمنيّة ذلك الرأي الفقهيّ الذي يعتبر نكاح المتعة حراما، فإنّ هذا الرأي يغدو بعدُ قانونًا ملزمًا لا يجوز لأحد من الرعيّة في ذلك المجتمع مخالفته والعمل بخلافه، ومن خالفه حقّ للمشرّع ـ الحاكم ـ معاقبته العقاب الذي يراه ويقرّره، ولن يشفع للمخالف كون المسألة مسألة مختلفا فيها قبلُ؛ ذلك لأنّ حكم الحاكم ـ كما هو معلوم عند عامّة أهل العلم بالفقه والأصول والمقاصد ـ يرفع الخلاف في المسائل الظنيّة. وأما وقد حكم الحاكم ـ أو من ينوبه عنه ـ في هذه المسألة الاجتهاديّة الظنيّة بالتحريم، فإنّ التحريم يصبح ـ حينئذٍ ـ هو الرأي الشرعيّ والقانون الواجب اتباعه في هذا المسألة.

إذًا، إنّ التقنين في الفقه الإسلاميّ يعدّ اليوم وسيلة من أهمّ وسائل التجديد في هذا الفقه، إذ إنّه يروم في ضوء ما سبق إعادة صياغة الآراء والاجتهادات الفقهيّة صياغة قانونيّة سهلة الهضم، ويسيرة الفهم، وجميلة الشكل، وأنيقة المظهر. كما يروم اختيار رأي من الآراء الفقهيّة الواردة في المسائل الاجتهاديّة، وإلزام الناس بذلك الرأي المختار بحيث يمنع مخالفته والعمل بخلافه.

الفقرة الثانية: في مصطلح تقنين الفقه الإسلاميّ من منظور هذه الدراسة

تأسيسا على أوردناه من نقد هادف للتصورات الشائعة عن المسألة التقنينيّة في الدراسات الحديثة، فإنّنا نرى أن يعاد تحديد المراد بمصطلح تقنين الفقه بأنّه عبارة عن إعادة صياغة علميّة منهجيّة لأبواب الفقه الإسلاميّ في شكل مواد قانونيّة سهلة الهضم ويسيرة الفهم، على أن يتمّ في تلك الصياغة الجديدة اختيار رأي واحدٍ من الآراء الواردة في المسائل الاجتهاديّة العامّة التي تعمّ بها البلوى، وذلك استنادا إلى رعاية مصلحة زمنيّة يعتبرها الحاكم عند الاختيار، وحفاظا في الوقت نفسه على مقصد انتظام أمر الأمة إزاء تلك المسائل الاجتهاديّة العامّة.

إنّ هذا التصور المتواضع عن مصطلح التقنين يقوم على النظر إلى التقنين بوصفه وسيلة يمكن الاستعانة به في إعادة صياغة المادة الفقهيّة في شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة بطريقة عصريّة توفّر للناظر في هذه المادة الجهد والوقت، وتكفيه مؤنة العناء والتعب في التنقيب والتعرف على الآراء، ويعدّ هذا البعد في المسألة التقنينيّة بعدا شكليّا آليّا لا يتطلب القيام به جهدا فكريّا ذا بال، بل يحتاج إلى جهد تنظيميّ وترتيبيّ مترابط.

وأَمَّا البعد الآخر في هذا التصور عن مصطلح التقنين، فإنّه يقوم على النظر إلى مسألة التقنين بوصفها وسيلة هامّة من وسائل التجديد فيالمادة الفقهيّة على مستوى المضمون والمحتوى، اعتبارًا بأنّه يراد منه القضاء على التعدّديّة في المسائل المختلف فيها. وبتعبير آخر: فإنّ التقنين من هذا البعد يعدّ عمليّة ترجيحيّة بين الآراء المختلف فيها، وربما كان عمليّة ابتكاريّة تتجاوز الموروث من الاجتهادات، وتجود بجديد الرأي فيما اختلف فيه السابقون قبلُ. ومن ثمّ، فإنّ المسألة التقنينيّة في هذه الحالة تغدو وسيلة من وسائل التخفيف من غلواء الاختلاف الفقهيّ، والتعدّدية الفكريّة في المسألة الواحدة.

إنّه ليس من ريب في أنّ هذا البعد في المسألة التقنينيّة يعدّ بعدا علميّا ذا خطورة وأثر كبيرين على التفكير المذهبيّ، والانتماء الطائفي إلى المذاهب المختلفة؛ إذ إنّه يفضي إلى التخلص التدريجيّ المنظّم من التعددية الشائعة داخل المذهب الواحد، والتعدّدية القائمة بين المذاهب، مِمَّا يفضي في النهاية إلى اختفاء المذهبيّة بصورة تامّة إذا كان التقنين شاملا، أو بصورة جزئيّة إذا تمركز التقنين حول بعض القضايا.

واعتبارًا بالأهمية الفكريّة والمنهجيّة البالغة لهذا البعد العلميّ من التقنين، فإنّنا نرى أنّ التقنين المنشود للفقه الإسلاميّ من هذا البعد، ينبغي أن يتوافر فيه أمور أربعة ليغدو وسيلة من وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ، وهذه الأمور الأربعة هي:

الأمر الأول: ضرورة كون التقنين منصبا في المسائل الموسوم بالمسائل الاجتهاديّة، وهي المسائل الظنيّة التي تتعدد فيها الآراء في كل عصر ومصر، مِمَّا يعني أنّه إذا لم تكن المسألة اجتهاديّة ـ ظنيّة ـ بأن كانت من المسائل المتفق عليها بين الفقهاء، فإنّ التقنين يعدّ ـ حينئذ ـ وسيلة من وسائل التجديد في الفقه من حيث الشكل لا من حيث المضمون؛ إذ إنّ التقنين في تلك الحالة لا يتجاوز إعادة صياغة تلك الأحكام في شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة.

الأمر الثاني: ضرورة كون المسألة التي يراد تقنينها من جنس المسائل العامّة التي تعمّ بها البلوى، مِمَّا يعني أنّه لا يجوز إقحام التقنين بوصفه وسيلة تجديد في المضمون في المسائل غير العامّة، والمسائل العامّة التي لا تعمّ بها البلوى؛ إذ إنّ تقنين تلك المسائل يعدّ خرقا للقاعدة الفقهيّة الشهيرة التي تقرّر بأنّه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وتقنين هذه المسائل يعدّ شكلا من أشكال الإنكار؛ لأنّه يترتب عليه الإلزام برأي دون سواه؛ وإن يكن ثمة تقنين في هذه المسائل، فإنّه لا يعدو ذلك التقنين أن يكون وسيلة تجديد للفقه من حيث الشكل لا من حيث المضمون.

الأمر الثالث: ضرورة كون المسألة العامّة المراد تقنينها من جنس المسائل العامّة التي يؤدّي التعدديّة فيها إلى الإخلال بمقصد الحفاظ على انتظام أمر الأمة، ومقصد نبذ الخلاف والنزاع المؤدّي إلى هلاك الأمم وفنائها. ويعني هذا أنّ الغاية العظمى من عمليّة التقنين تتمثل في توظيفها وسيلة من وسائل التجديد في الفقه من حيث المضمون، صيانة لمقصد انتظام أمر الأمة. وبناء على هذا، فإنّه ما كان للتقنين ليلج في جميع المسائل العامّة ولو كانت تعمّ بها البلوى إذا لم يكن التعدد فيها مفضيا إلى الإخلال بمقصد الحفاظ على انتظام أمر الأمة. وإنّما لا بدّ للتقنين المنشود أن يقتصر على المسائل الاجتهاديّة العامّة التي يؤدّي فسح المجال فيها للتعدديّة إلى الصراعات والنـزاعات.

الأمر الرابع: ضرورة كون مراعاة المصلحة أساس اختيار الرأي الذي يراد تقنينه وصيرورته قانونا واجب الالتزام به، وإذا كان الأصل المقرر عند عامّة أهل العلم بالفقه والأصول هو منع الإنكار في مسائل الاجتهاد سواء أكانت تلك المسائل عامّة أم خاصّة، فإنّ هذا الأصل الأصوليّ الفقهيّ العتيد مقيد بألاَّ يكون للحاكم حكم في المسألة الاجتهاديّة مبنيّ على مراعاة المصلحة. فإذا اختار الحاكم رأيا من الآراء الواردة في المسألة الاجتهاديّة بناء على رعاية مصلحة معتبرة، فإنّ اختياره يرفع الخلاف في تلك المسألة. ولهذا، فإنّه حريّ بالحاكم أن يكون أساس اختياره مراعاة المصلحة؛ إذ إنّ حكم الحاكم ـ كما هو معلوم ـ منوط برعاية المصلحة. وعليه، فإنّ الرأي الذي يختاره ليغدو قانونا لا بدّ من أن يتوافر في ذلك الرأي جلب منفعة معتبرة، أو درء مفسدة معتبرة. ويعني هذا أنّه لا ينبغي للحاكم أن يتجاوز مراعاة المصلحة عند اختياره رأيا من الآراء للتقنين والإلزام.

هذه هي الأمور الأساسيّة الأربعة التي يجب توافرها في عملية التقنين ليغدو وسيلة من وسائل التجديد في الفقه شكلا ومضمونا. وبهذا يتبدى لنا المراد بمصطلح تقنين الفقه بحسبانه وسيلة من وسائل التجديد في الفقه شكلا ومضمونا. كما يتبدى لنا كون التقنين صالحا لأن يكون وسيلة للتجديد في الفكر، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد وسواه شكلا ومضمونا.

الفقرة الثالثة: في العلاقة الجدليّة بين التجديد والتقنين:

في ضوء ما أوردناه من تصور ونقد عن كلا المصطلحين، وانطلاقا مِمَّا انتهينا إليه من تصور متواضع عن المراد بمصطلح التقنين وقبله التجديد في العصر الراهن؛ فإنّنا نفزع إلى تقرير القول بأنّ العلاقة بين التجديد والتقنين علاقة مقصد بوسيلة، وعلاقة غاية بسبب؛ فالتجديد يعدّ مقصدا ثابتا من مقاصد الشرع، والتقنين يعدّ وسيلة من وسائل تحقيق هذا المقصد، كما يعدّ التجديد غاية يجب على الأمة تحقيقها. وأما التقنين، فيعدّ سببا من الأسباب التي ينبغي الاستعانة بها لتحقيق التجديد.

ويعدّ التجديد فريضة دينيّة ومطلبا شرعيّا لا يصح لامرئ يؤمن بالله العظيم ورسوله الكريم إنكاره أو التشكيك فيه، بل تأثم الأمة كلها إن أهملوه أو تقاعسوا عنه؛ فقد ورد في شأنه العديد من النصوص الشرعيّة الدالة على وجوب قيام الأمة بها، ولعلّ حديث أبي داود من أكثر تلك النصوص تنصيصا على فرضيّة التجديد، إذ وعد الله الأمة أن يبعث لها على رأس كل مائة عامّ من يجدّد لها دينها أو أمر دينها.

وأما التقنين، فإنّه كان ولا يزال محلّ خلاف واختلاف بين الباحثين، ولا يزال العالِمون ـ قديما وحديثا ـ يختلفون في مشروعيّته، وفرضيته؛ إذ يرى عدد غير يسير من المعاصرين عدم مشروعيّته، ويرى آخرون مشروعيّته.

وبناء على هذا، فيمكن الخلوص إلى القول بأنّ التجديد فرض في كل عصر ومصر، ووسائله متعددة ومتجددة، ولا ينبغي حصرها في وسيلة دون أخرى، بل يجب البحث عن مزيد من الوسائل المعينة على تحقيق التجديد الشامل في الفكر والعقيدة والتربية، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والثقافة.

*    *     *
المبحث الثاني:

في نشأة المصارف الإسلاميّة وإمكانيّة توظيف التقنين للتجديد فيها

لئن تبدى لنا المراد بمصطلح التقنين في الدراسات الحديثة، ولئن انتهينا إلى تقرير القول بأنّ التقنين يعدّ اليوم من أهمّ وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ من حيث الشكل والمضمون، فإنّنا نرى أن نقف على مدى إمكانيّة توظيف هذه الوسيلة في باب من أبواب فقه المعاملات، وهو الباب الموسوم بالمصارف الإسلاميّة. وحريّ بنا أن نعرج قليلا على التعريف بهذه المصارف تمهيدا لبيان كيفية توظيف التقنين للتجديد في مسيرتها ورسالتها.

الفقرة الأولى: في نشأة المصارف التقليديّة والمصارف الإسلاميّة([7])

من القديم الجديد في عالم الفكر الماليّ، تلك المؤسّسات الراسخة التي تعنى بتحقيق وصل مكين بين أرباب الأموال وأرباب الأعمال، حماية للأموال من الضياع وللأعمال من الابتزاز، وتنظيما للوسائل والسبل والمجالات التي ينبغي أن تتكامل فيها الأموال والأعمال، وتتكاتف فيها الأفكار والجهود. وقد شهدت هذه المؤسّسات عبر العصور والدهور اهتماما وعناية ورعاية من لدن المفكّرين وصنّاع القرار، وهذه المؤسّسات تعرف في دنيا الناس بالمصارف أو الأبناك أو البنوك.

إنّ أصل كلمة مصرِف (بكسر الراء) مشتق من صرف يصرف صرفا، والصرف يعني: بيع النقد بالنقد. والمصرف (على زنة مَفعِل ومَجلِس): يراد به المكان الذي يتم فيه الصرف.

وقد أصبح هذا الاسم يطلق اليوم على ما يعرف باللغات الأوروبية بالبنك، وهذا المصطلح (بنك) مشتق في أصله من الكلمةالإيطاليّة “بانكو” “banco” وتعني هذه الكلمة في الإيطاليّة المائدة أو الطاولة. ويرجع تسمية ذلك المكان الخاصّ بهذا الاسم إلى أنّ المشتغلين بأعمال الصرافة في لمبارديا كانوا يضعون الأنواع المختلفة من العملات التي يتعاملون بها على موائد ذات واجهة زجاجيّة، وكانوا إذا توقف أحدهم عن أداء التزاماته قبل غيره حكم عليه بأن يحطّم الجمهور زجاج مائدته علنا إمعانا في تحقيره، ويطلق على عملية تحطيم زجاج المائدة بالإيطاليّة “bancaratta”. ومنها اشتق أصل كلمة الإفلاس في اللغات الأوروبيّة الأخرى كالإنجليزية التي تطلق على الإفلاس “bankruptcy”.

يحدّثنا مؤرّخة تاريخ نشأة المصارف (=الأبناك=البنوك) بأنّ بنك البندقيّة الذي أسّس عام 1157م يعدّ أقدم بنك بالمفهوم المصرفي الحديث. وقد كان هذا المصرف في بادئ الأمر جمعيّة ذات امتيازات خاصّة ألّفها دائنو الدولة؛ إذ كانت حكومة الجمهوريّة مثقلة بالديون بسبب الحروب المتعددة التي خاضت غمارها، وسمح إذ ذاك بنقل الحقوق التي كانت لهؤلاء الدائنين من شخص لآخر، واشترط أن تكون المدفوعات الخاصة بالبضائع والصكوك بالعملة الحسابيّة الخاصّة بالبنك، وأن يدفع المدينون ديونهم في البنك، فيتلقاها الدائنون بهذه الطريقة، وبهذا أصبحت تسوية المعاملات مجرد نقل مبالغ في دفاتر البنك من حساب إلى آخر.

هكذا توالت نشأة سائر الأبناك في فرنسا، وأنجلترا، وهولندا، وأسبانيا (=الأندلس)؛ حيث أسس في مدينة برشلونة بنك الودائع عام 1401م..كما أسس في مدينة البندقيّة لاحقا في القرن السادس عشر الميلادي أشهر بنك تحت مسمى “Banco della Pizza di Rialto”، وأنشئ على منواله في القرن السابع عشر الميلادي بنك أمستردام الهولندي عام 1609م. ويعدّ هذا البنك الأنموذج الذي احتذت به معظم الأبناك الأوروبيّة منذ ذلك الزمان إلى يومنا هذا.

بطبيعة الحال، لئن كان هذه نبذة موجزة عن التطور التاريخيّ للمصارف، فإنّه من الحريّ بالتقرير أنّ الأعمال المصرفيّة سبقت إنشاء المصارف. وقد عرفت كلّ الحضارات الإنسانيّة أنماطا متعددة وأشكالا متنوعة من الأعمال الموسومة اليوم بالأعمال المصرفيّة؛ بل إنّ عددا من الأناجيل أشار إلى بعض هذه الأعمال، ففي إنجيل متى (الإصحاح 21/12) ما نصّه: “.. ودخل يسوع إلى هيكل الله، وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة، وكراسي باعة الحمام، وقال لهم: مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارّة لصوص”..اهـ. وأما إنجيل لوقا (الإصحاح 19/23) فقد جاء فيه ما نصّه: “..لماذا لم تضع فضتي على مائدة الصيارفة، فكنت متى جئت أستوفيها مع ربا..” اهـ.

وقد دل عدد من الحفريات الأثرية أن السومريين بجنوب بلاد الرافدين قبل أربعة وثلاثين قرنا قبل الميلاد عرفوا ألوانا من النشاط المصرفي الذي باشرتهم معابدهم المقدّسة كالمعبد الأحمر. وكذلك عرفت الحضارة البابليّةالتي قامت على أنقاض الحضارة السومريّة أشكالا من النشاط المصرفيّ. وكذلك عرفت الحضارة الإغريقيّة ألوانا متعددة مِمَّا يعرف اليوم بالأنشطة أو الأعمال المصرفيّة. وتابع الرومان الإغريق في الاستفادة من تلك الأنشطة وتطويرها، ونشرها في جميع الأرجاء، وقد بلغ الفن المصرفي أوجه في الحضارة الرومانية قبل أن تطالها يد الخراب والزوال..

أما بالنسبة للحضارة الإسلاميّة، فإنّها لم تختلف عن الحضارات السابقة في ممارسة المسلمين الأوائل أشكالا من الأعمال المصرفيّة، وخاصّة فيما يتعلق بقبول الودائع، واستثمارها، وممارسة بعض الأعمال الاستثماريّة كالمضاربة وسواها؛ فقد كانت هذه الأنشطة وسواها مطبّقة قبل البعثة وبعدها.. وعلى العموم، يمكننا الخلوص إلى القول بأنّ الفكر المصرفيّ شهد عبر القرون والحضارات تطورات متلاحقة، ولا تزال الأيَّام حبلى بمزيد من التطور والتقدم والاستقرار والتوسع لهذا الفكر. ولئن شئنا أن نؤرّخ لأول مصرف عرفته الأقطار الإسلاميّة بالمفهوم الحديث، فإنّ البنك الأهليّ المصريّ يعدّ أقدم المصارف التجاريّة في العالم الإسلاميّ حيث يعود تأسيسه إلى عام 1898م تقريبا، وقد كان رأسماله عند تأسيسه يقدّر بحوالي 500.000 جنيه إسترليني.

واعتبارًا بالتمازج القارّ الثابت بين المال والفكر والعقيدة، واعتدادًا بتلك الأهميّة القصوى التي تناط بالبعد العقديّ في مجال ترشيد النشاط الماليّ من حيث رسم الخطى والقواعد والأسس التي ينبغي أن يتم في ضوئها صيرورة المال أداة للإعمار والتعمير، وخادما لصاحبه والمجتمع حوله؛ لذلك ليست ثمة غرابة في أن يكون للشريعة الغرّاء حضور أيّ حضور في المجال الماليّ إن كسبا واكتسابا، أو إنفاقا واستهلاكا وإنتاجا، بل لم يكن من عجب في شيء أن تتسم أحكام الشرع المتعلقة بالمال بالمرونة والسعة والانفتاح تمكينا للعقل من ابتكار ما يقدر على ابتكاره من وسائل وأساليب وسبل تمكّنه من اكتساب المال، واستهلاكه واستثماره!

ومن تلك الوسائل القديمة التي اهتدت إليها العقول في غابر الأزمان وسالف الأوان، المصارف التي تعدّ في واقعها من جنس الوسائل التي يتوصل بها إلى تحقيق أكبر قدر من النماء والإنماء والتثمير والتوفير للمال، كما يتوصل بها إلى تحقيق أقصى حماية وأعلى صيانة للمال من أن يقع اعتسافا في أيدي زمرة العابثين والمبذرين والمسرفين والجناة؛ فضلا عن أنّها تعدّ عند العقلاء ذلك الملاذ الآمن لتنظيم حركة الأموال في المجتمعات، والحفاظ عليها من الضياع والانقراض.

ومن ثمّ، ليس من المقبول في شيء أن تطال الخلافات الفكريّة والانتماءات المذهبيّة هذه المؤسّسات الهامّة في حياة الأفراد والمجتمعات، بل لا بدّ من الحفاظ على حياديتها ورسالتها، ولا بدّ من العمل الجادّالمخلص على الارتقاء بأدائها وأجهزتها، وتطوير أدواتها لتحقيق الآمال العالقة بها والمتمثلة في الحفاظ على الأموال، والحقوق، والأعمال تحقيقا لمقصد حفظ المال!

ولئن غدا الاحتماء اليوم بالإسلام سمة بارزة وحاضرة بالقوة والفعل في كل مجال من مجالات الحياة، بل لئن أمسى وصف “إسلاميّ” لكل تصرف وعمل غاية تتنافس الأفراد والجماعات والمنظمات في الاستئثار به دون غيرهم؛ فإنّ المجال المصرفيّ لم يسلم من هذا السباق المحموم المتصاعد على كافة الأصعدة؛ إذ جادت الأيَّام في القرن الميلادي المنصرم بظهور دعوات ونداءات إلى تأسيس ما بات يعرف اليوم بالمصارف التجاريّة الإسلاميّة أملا في أن تسير تلك المصارف في أنشطتها وأعمالها وخدماتها وفق الأسس والقواعد العامّة التي أقرّتها الشريعة الإسلاميّة في مجال تداول المال ورواجه ونمائه وإثباته ووضوحه!

أما بالنسبة لتاريخ ظهور المصارف الموسومة اليوم بالمصارف الإسلاميّة، فإنّ المؤرّخة لنشأة هذا الصنف من المصارف يعيدون تاريخ ظهورها إلى بنوك الادخار التي أسّسها الدكتور أحمد النجار في ميت غمر عام 1963م، وكانت لها فروع في المنصورة، وبلقاس، وشربين..بيْد أنّ هذه البنوك لم يكتب لها نجاح لأسباب عدّة، من أهمّها عدم تهيئة الظروف والأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة تهيئة كافية، فضلا عن غلبة روح المواجهة مع المصارف التقليديّة مِمَّا عجّلت بفشلها، فالقضاء عليها.

وقد بقيت فكرة تأسيس مصارف جديدة على ذات الأساس محل محاضرات ومؤتمرات وندوات في أروقة الجامعات والمعاهد في كثير من أنحاء العالم؛ حتى إذا ما أسّست منظمة المؤتمر الإسلاميّ عام 1969م، تجدّدت الدعوة إلى ضرورة تأسيس مصرف إسلاميّ عالميّ يعنى بتنمية التجارة الداخلية والخارجية لدول منظمة المؤتمر الإسلاميّ. فتلبية لتلك الدعوة تمّ تأسيس البنك الإسلاميّ للتنمية بجدة عام 1975م، وذلك بقرار من منظمة المؤتمر الإسلاميّ آنذاك، ثُمَّ انتشرت بعدُ فكرة المصارف التجاريّة الإسلاميّة في عدد من الدول الإسلاميّة؛ فأنشئ في الإمارات بنك دبي الإسلامي عام 1975م، كما أنشئ بنوك تجاريّة (إسلاميّة) في عدد من الدول الإسلاميّة كالسودان، والباكستان، وماليزيا، والأردن، والكويت، وقطر، وأندونسيا، وبنغلادش، وغيرها. وقد انتقلت تجربة هذه البنوك في الآونة الأخيرة إلى عدد من الدول الغربيّة كالولايات المتحدّة، وبريطانيا. ويقدّر عدد هذه البنوك في العالم اليوم بأكثر من 300 بنك، وتقدّر استثماراتها بأكثر من 500 مليار دولار في أكثر من 30 دولة من دول العالم!

وقبل عقد من الزمن، ظهر نمط جديد من هذه المصارف، عرف ذلك النمط بالنوافذ الإسلاميّة في البنوك التقليديّة. ويراد بهذه النوافذ قيام البنوك التقليديّة بتقديم جملة حسنة من الأعمال والأنشطة والخدمات المصرفيّة وفق الرؤية الإسلاميّة لتلك الأنشطة والأعمال والخدمات، وذلك إلى جانب قيامها بتقديم أعمالها وأنشطتها وخدماتها الأساسيّة الأصليّة. وأشبه هذه النوافذ بالسلع والبضائع الجديدة التي تجلبها المحلات التجاريّة الكبرى لعملائها الجدد.

وبتعبير آخر: إنّ هذه النوافذ تشبه حال بعض المحلات التجاريّة الكبرى التي تقدّم لعملائها مختلف البضائع والسلع التي يحتاجونها، وتسعى جاهدة إلى استجلاب البضائع التي يطلبها عملاؤها، حيث إنّها لا تهتم ـ في كثير من الأحيان ـ بحصر نفسها في تلبية حاجات صنف خاصّ فقط من عملائها، بل إنّها تفتح بابها لجميع العملاء والزبائن سعيا منها إلى الاستحواذ على رضاهم جميعا، ونيل أقصى الأرباح من جلب ما يبتغونه من بضائع وسلع.

ولقد لقي هذا النمط الجديد في فكرة المصرفيّة الموسومة بالمصرفيّة الإسلاميّة رواجا منقطع النظير لدى البنوك التقليدية في الأقطار الإسلاميّة؛ حيث إنّ كبرى تلك البنوك مثل: City Bank, HSB وغيرهما فتحت لعملائها هذه النوافذ المسماة بالنوافذ الإسلاميّة. وسار على سننهم بعض البنوك التجاريّة في عدد من الأقطار الإسلاميّة كالبنك الأهلي المصريّ، والبنك الأهليّ السعوديّ، وبنك الجزيرة، وغيرها كثير.

هذه نبذة جد مختصرة عن نشأة المصارف والنوافذ الإسلاميّة، كما نشأ عدد غير يسير من المؤسسات الماليّة، كمؤسّسات التأمين التكافلي، ومؤسّسات الأوقاف، وسواها.

الفقرة الثانية: في مدى إمكانيّة توظيف التقنين لترشيد مسيرة المصارف الإسلاميّة المعاصرة:

لقد أسلفنا القول بأنّ التقنين يروم في بعده الشكليّ المظهريّ إعادة صياغة الآراء والاجتهادات الفقهيّة في شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة، كما يروم في بعده العلميّ الموضوعيّ اختيار رأي من الآراء الاجتهاديّة وصيرورة ذلك الرأي قانونا واجب الالتزام والإلزام به في مجتمع من المجتمعات، وذلك قصد حماية المجتمع من التنازع والتخاصم إزاء القضايا والمسائل.

كما أوضحنا قبلُ بأنّ التقنين المنشود بحسبانه وسيلة علميّة من وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ، فإنّه ينبغي أن يتوافر فيه أمور أربعة، وأهمّها:

أن يكون موضوع التقنين منصبا على تلك المسائل الموسومة بالمسائل الاجتهاديّة العامّة التي تعمّ بها البلوى، وأن يترتب على التعدّديّة في تلك المسائل العامّة إخلال بمقصد الحفاظ على انتظام أمر الأمة، مِمَّا يعني أنّه إذا لم تكن المسألة المراد تقنينها عامّة، أو كان الاختلاف فيها غير مخلّ بالمقصد الآنف ذكره، فإنّه لن يكون ثمة حاجة علميّة أو موضوعيّة إلى إقحام التقنين وتوظيفه في تلك المسائل التزاما وإعمالا للقاعدة الأصوليّة الفقهيّة القارّة: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، واعتدادا بأنّ الاختلاف حينئذ يغدو ـ والحال كذلك ـ مصدر ثراء وتنوع وتطور للفكر، ولا ضير فيها البتة.

بناء على هاتين التقدمتين، نبادر إلى تقرير القول بأنّ المسائل الاجتهاديّة التي تختلف حولها المصارف الإسلاميّة المعاصرة متعددة ومتنوعة؛ فبعضها مسائل اجتهاديّة ذات طابع عامّ لا يترتب على الاختلاف فيها إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كما هو الحال في اختلافها في عدد من الصيغ الاستثماريّة القديمة، وطرق تطبيقها من إجارة ومرابحة. واختلافهم في مدى إلزام الوفاء بالوعد ديانة وقضاء في عقود الأمانات من مرابحة. واختلافهم في مدى مشروعيّة ضمان المضارب مال المضاربة، وسواها.

كما أنّ بعضا آخر منها مسائل اجتهاديّة ذات طابع عام يترتب على الاختلاف فيها إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كاختلافهم في مدى مشروعيّة إيداع الأموال الإسلاميّة في المصارف الربويّة الصرفة، أو في المصارف الربويّة غير الصرفة. واختلافهم في مدى مشروعيّة قبول الفوائد البنكيّة من الأموال المودعة في المؤسّسات الماليّة الربويّة داخل وخارج الديار الإسلاميّة. واختلافهم في مدى مشروعيّة اقتناء البيوت والمساكن عن طريق التمويلات المصرفيّة الربويّة. واختلافهم في مدى مشروعيّة افتتاح نوافذ إسلاميّة في المصارف الربويّة التقليديّة الصرفة. واختلافهم في مدى انطباق الربا المحرم على القروض الإنتاجيّة. واختلافهم في مدى تحريم الربا في دار الحرب. واختلافهم في مدى انطباق الربا المحرّم على بعض صور الفوائد البنكيّة كالحسومات والخصومات المتحصلة من الشيكات وسواها الخ.. ([8]).

إنّ اختلاف الباحثين في المصرفيّة الإسلاميّة إزاء هذه المسائل المشار إليها نخالها اختلافا في مسائل اجتهاديّة عامّة يترتب على الاختلاف فيها إخلال جليّ بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كما يترتب على الاختلاف فيها إخلال في المقصد الكليّ المتمثل بحفظ المال. إذ إنّ هذا الاختلاف في مآله يفضي إلى أن تكون في المجتمع طوائف يتحاملون على بعضهم البعض؛ فطائفة لا ترى محظورا في تعاطي المصارف الإسلاميّة تلك المعاملات والبياعات، وطائفة أخرى ترى تعاطيها مخالفة صارخة لأمر الشرع في الشأن المالي، وتعاملا جريئا بالربا المحرّم الذي توعد الله متعاطيه بحرب منه وحرب من رسوله الكريم ـ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ .

ومن ثم، فإنّ التجديد في باب المصرفيّة الإسلاميّة يتحقق بتوظيف التقنين في هذه المسائل لاختيار تلك الآراء التي يلزم بها الرعيّة في مجتمع من المجتمعات استنادا إلى رعاية مصلحة زمنيّة يقدّرها ولي الأمر الحاكم بأمر الله، فما اختاره قنّن، ووجب على الرعيّة ـ كما أسلفنا ـ العمل بذلك الرأي المختار دون خجل أو وجل.

وبطبيعة الحال، لا يحقّ لطائفة أية طائفة أن تعتبر ما يختاره الحاكم من رأي من تلك الآراء المختلف فيها خروجا على شرع الله، أو تهاونا في شأن الربا والبيوع المنهي عنها؛ ذلك لأنّ هذه المسائل تندرج ضمن المسائل المختلف فيها، ولا يصحّ لأحد ـ عند محقّقي المتفقهة والأصوليّة ـ الإنكار على المخالفين فيها، بل إنّ للحاكم باتفاق عامّة النظار والمحقّقين من أهل العلم بالفقه والأصول والمقاصد أن يرفع الخلاف فيها باختياره أحد الآراء استنادا إلى رعاية المصلحة الزمنية المعتبرة.

وأما المسائل الاجتهاديّة الأخرى التي لا يترتب على الاختلاف فيها إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن المالي ـ كما أسلفنا ـ ولا بمقصد حفظ المال، فإنّه لا حاجة إلى توظيف التقنين فيها؛ بل ينبغي أن يفسح المجال فيها للاجتهادات المتجددة في ضوء ما يطرأ على الساحة من تغيرات وتحولات.

على أنّه من الحريّ بالتقرير يمكن الانتقال بالمسألة التقنينيّة من الدائرة القطريّة في المسائل الماليّة بحيث يغدو ثمة تقنين للمسائل الماليّة في المصارف الإسلاميّة بغض النظر عن مواقعها في الأقطار، ويتمّ تقنين الآراء وفق أسس منهجيّة معتبرة، ثُمَّ إلزام كافة المصارف الإسلاميّة بتلك الآراء المقنّنة تحقيقا لحلم الوحدة الإسلاميّة في المجال الاقتصاديّ في المرحلة الراهنة، وتضييقا لدائرة الفجوة والجفوة بين المصلّيين في المسألة الماليّة، وتخفيفا لحالة الرهق الفكريّ، والتناقض الذهني الذي يعيش فيه الإنسان المسلم العاديّ إزاء مختلف المسائل الماليّة وخاصّة المتصلة بالمصارف الإسلاميّة.

وعليه، فإنّ الحاجة تمسّ اليوم إلى توظيف التقنين للقضاء على العديد من تلك الاختلافات الشائعة بين المصارف الإسلاميّة نتيجة اختلاف الفقهاء في الاجتهادات الفقهيّة المتصلة بالعقود والمعاملات التي تمارسها المصارف في مختلف الدول الإسلاميّة.

إنّ على المصارف الإسلاميّة أن تعمل جاهدة من أجل القضاء على تلك الاختلافات، وخاصّة منها تلك الاختلافات التي تأتي على فكرة المصرفيّة كلها بالتقويض والتدمير، ولا بدّ لها من السعي الدؤوب من أجل التقريب بين الممارسات والتطبيقات المنتشرة للبياعات والعقود والمعاملات الماليّة.

وبطبيعة الحال، لا بدّ من الإشادة في هذا المقام بما يقوم به عدد غير قليل من المؤسسات الرائدة التي أنشئت من أجل تحقيق تقارب وتوحيد في تطبيقات المصارف للبياعات والعقود من المنظور الإسلاميّ؛ وتأتي على تلك المؤسّسات، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة بالبحرين، حيث إنّ ثمة جهودا مباركة بذلتها ولا تزال تبذلها هذه الهيئة من أجل التقريب بين المؤسّسات الماليّة التجاريّة، غير أنّها لقلّة إمكاناتها، لا تزال جهودها في مجال صياغة المعايير الشرعيّة والحسابيّة محدودة التأثير، ولا تحظى معاييرها بأي مستوى من الإلزام على مستوى المصارف في العالم الإسلاميّ؛ ذلك لأنّها ليست هيئة حكوميّة ملزمة، ولا تمثّل ـ بأي حال من الأحوال ـ جميع المصارف الإسلاميّة، وبالتالي، فإنّ المعايير التي أصدرتها لا تعدّ ملزمة على المصارف الإسلاميّة التجاريّة، فضلا عن أنّها لا تملك أدنى سلطة لإلزام أيّ مصرف إسلاميّ بالعمل بتلك المعايير.

وثمة هيئة أخرى تعمل في مجال تقنين أعمال المصارف المركزيّة في العالم الإسلاميّ، وتعرف بمجلس الخدمات المصرفيّة بماليزيا. وقد نشط هذا المجلس في الآونة الأخيرة، واستطاع في فترة وجيزة أن يحقق قفزة في التقريب بين المصارف المركزيّة في العالم الإسلاميّ سعيا إلى توحيد تطبيقاتها للعقود والبياعات والمعاملات الماليّة التي تمارسها هذه المصارف؛ ولا يختلف هذا المجلس عن هيئة المحاسبة والمراجعة من حيث محدوديّة التأثير، والإلزام لذات الأسباب التي سبقت الإشارة إليها.

ومهما يكن من شيء، فإنّ الحاجة تمسّ إلى تقنين المصارف الإسلاميّة المعاصرة تخفيفا للتفاوت والتباين بينها من حيث مواقفها تجاه العديد من العقود والبياعات والمعاملات الماليّة التي تمارسها.

وتحقيقا لتقنين رشيد لهذه المصارف، فإنّنا نرى أنّه ينبغي البدء ببلورة مرتكزات علميّة منهجيّة يتم من خلالها اختيار تلك الآراء والاجتهادات الفقهيّة للتقنين، فالإلزام، وهذا ما سيتصدّى له المبحث الأخير القادم.

*    *    *
المبحث الثالث:

في مرتكزات توظيف التقنين في مجال المصرفيّة الإسلاميّة المعاصرة

لئن تجلى لنا أهميّة توظيف التقنين في مجال المصارف الإسلاميّة، ولئن أوضحنا بعضا من تلك المسائل التي يمكن للتقنين أن يلجها، قضاء على آفة الاختلاف المخل بمقصد انتظام أمر الأمة في المسائل العامّة التي تعمّ بها البلوى، ولئن قرّرنا قبلُ بأنّ التقنين وسيلة عصريّة هامّة من وسائل التجديد في الفقه، والعقيدة، والتربية والسلوك، والفكر، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، وسواه؛ لذلك، فإنّه حريّ أن نسلّط مزيدا من الضوء على المرتكزات التي ينبغي الاعتداد بها عند إرادة تقنين رأي من الآراء والاجتهادات الفقهيّة المتصلة بالشأن الماليّ عموما، وبالمصرفية الإسلاميّة خصوصا.

ونبادر إلى تقرير القول بأنّنا نروم بمرتكزات توظيف التقنين في هذه الدراسة تلك المبادئ المنهجيّة والمنطلقات الفكريّة التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند اختيار رأي من بين الآراء الاجتهاديّة الواردة في مسألة اجتهاديّة من مسائل المال والأعمال، وصيرورة ذلك الرأي المختار قانونا يلزم به في العصر الراهن، وتتلخص تلك المبادئ في نظرنا في ثلاثة، وهي:

المبدأ الأول: تحكيم مقاصد الشرع الخاصّة في المعاملات في الآراء الفقهيّة.

المبدأ الثاني: الموازنة بين المنافع والمفاسد المترتبة على الآراء الفقهيّة.

المبدأ الثالث: الاعتداد بمآلات الأفعال عند العمل برأي من الآراء الفقهيّة.

وحريّ بنا أن نسلّط الضوء على كل واحد من هذه المبادئ الثلاثة كالتالي:


المبدأ الأول: تحكيم مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات في الآراء الفقهيّة:

نروم بمقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات تلك المعاني الكريمة والغايات النبيلة التي لاحظها الشرع الحكيم في ثنايا نصوصه المتصلة بالمسألة المالية تنظيرا وتطبيقا([9]). بحيث لا يخلو تشريع أو مبدأ متعلق بالشأن الماليّ من ملاحظة تلك المعاني والغايات.. “([10]).. وبتعبير آخر، إنّ تلك المعاني والغايات تعدّ أسرار التشريع([11]). العامّة الكامنة في المسألة الماليّة، ويجدها الناظر مبثوثة في كلّ المبادئ والتشريعات المتعلقة بالشأن الماليّ، بل إنّ كافّة الأسس والمبادئ والأحكام الشرعيّة الماليّة صيغ جميعها من أجل تحقيق تلك المعاني والغايات، مِمَّا يجعل الاعتداد بها في المسألة التأصيليّة شأنا مركزيّا لا يمكن لامرئ الاستهانة به، بله الاستغناء عنه مادام ذلك الناظر قاصدا الوصول إلى مراد الشرع الحكيم من تلك المبادئ والتشريعات الماليّة المختلفة.

إنّ المتأمل الحصيف في جملة نصوص الوحي الواردة في المسألة الماليّة (باب المعاملات) يجدها نصوصا تتضمن ـ أصالة ـ تقريرا جليّا لمعاني خالدة وغايات نبيلة، وأسرار عظيمة، لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأوضاع، وتتمثل كبرى تلك المعاني والغايات والأسرار في الحفاظ على جملة من المعاني، وهي الحفظ، والتثمير، والرواج، والتداول، والإثبات، والعدل.

وبناء على هذا، فإنّه يمكن الخلوص إلى القول بأنّ مقاصد الشرع في المسألة الماليّة تتمثل في:

ـ مقصد رواج المال، ويراد به ضرورة دوران المال بين أكثر عدد ممكن من الناس بوجه حقٍّ.

ـ ومقصد وضوح المال، ويراد به إبعاد المال عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان.

ـ ومقصد حفظ المال، ويراد به النظر في حفظه سواء في تبادله مع الأمم الأخرى وبقاؤه بيد الأمة.

ـ ومقصد إثبات المال، وهو تقرره لأصحابه بوجهٍ لا خطر فيه ولا منازعة.

ـ ومقصد العدل في المال، ويتمثل في أن يكون حصوله بوجهٍ غير ظالمٍ، وهو إما أن يحصل بعمل مكتسبه، وإما بعوض مع مالكه أو تبرع، وإما بإرث([12]).

إنّ هذه المعاني تعدّ الأسباب الموضوعيّة التي يرتد إليها كل مبدأ أو تشريع متصل بالمال؛ إذ لا يخلو ـ كما أسلفنا ـ مبدأ أو تشريع في الشأن الماليّ من أن يكون هادفا إلى هذه المعاني مجتمعة أو متفردة. فالمبادئ الشرعيّة القارّة في المسألة الإنتاجية عناصر وتكاليف وعوائد يروم جميعها تحقيق مقصد حفظ المال، ومقصد تقريره، ومقصد رواجه، ومقصد تداوله، كما أنّ الأحكام الشرعيّة الماليّة من عقود ومعاملات وتصرفات يراد منها جميعها تحقيق المقاصد المشار إليها آنفا، إذ ليس ثمة عقد شرعيّ معتبر لا يتحقق من خلاله تحقيق هذه المقاصد، كما أنّه ليس هناك تصرف ماليّ مشروع يعتدّ به لا يفضي إلى تحقيق هذه المقاصد، بل إنّ هذه المقاصد العليّة تعدّ الغايات السَّنيّة التي من أجلها شرّعت الزكوات والأوقاف والصدقات وسواها.

وتأسيسا على هذا، فإنّه يجب عرض جميع الاجتهادات والأنظار والأفكار التي تنسج حول مختلف المسائل الماليّة على هذه المقاصد بحيث يعتدّ منها ما لا يتعارض معها، ويرفض منها ما كان متعارضا مع أيّ من هذه المقاصد، اعتبارًا بأنّ هذه المقاصد تعدّ في حقيقتها ثوابت لا يمكن تغييرها أو تحويرها أو تبديلها، وأما الاجتهادات والأنظار والأفكار، فإنّها وسائل يراد لها تحقيق الثوابت، فإذا عجزت عن ذلك وجب صرف النظر عنها والبحث عن سواها.

إنّ الاحتكام إلى المقاصد للترجيح والاختيار من شأنه التخفيف من غلواء التطبيقات العشوائية للمبادئ والأحكام الشرعيّة المتصلة بالمال. كما أنّ من شأنه التخفيف من الصراعات والخلافات النظريّة حول العديد من المبادئ والأحكام الشرعيّة الخاصّة بالمعاملات الماليّة.

وصفوة القول: إنّ اختيار رأي من الآراء الاجتهاديّة الواردة إزاء مسألة من المسائل الماليّة سواء أكانت تلك المسألة جديدة أم قديمة، ينبغي أن يتمّ من خلال النظر إلى علاقة ذلك الرأي بهذه المقاصد قربا وبعدًا، بحيث يتمّ ترجيح الرأي الذي يراد تقنينه من التأكد من كونه رأيا يؤدّي العمل به إلى تحقيق رشيد لهذه المقاصد كلها أو أغلبها.

وتطبيقا لهذا المبدأ، فإنّنا نضرب هذا المثال، وهو أنّه من المعلوم لدى العالِمين من المتفقهة والأصوليّة أنّ ثمة خلافا قارّا بين الفقهاء الأقدمين والمعاصرين حول مشروعيّة بيع العينة؛ حيث يذهب الجمهور إلى القول بعدم مشروعيّته، ويرى السادة الشافعيّة جوازه، ولكل فريق أدلته، وحججه. ونتيجة لهذا الخلاف الفقهيّ، فإنّ المصارف الإسلاميّة في جنوب شرق آسيا تمارس هذا البيع، وتتفنن في تطبيقه بأشكال متعددة، بينما يلقى هذا البيع رفضا في سائر المصارف الإسلاميّة في الشرق الأوسط، إذ إنّها تعدّه من البيوع المنهي عنه.

وبناء على هذا، فإذا رغب ولي أمر للمسلمين في دولة من الدول تقنين أحد هذين الرأيين الواردين في هذه المسألة وصيرورته قانونا ملزما في المصارف الإسلاميّة، فإنّ على السادة المقنّين تحكيم مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات في هذا البيع، بحيث إذا وجدوا أنّ القول بالمنع أكثر تحقيقا لتلك المقاصد، وجب ـ عندئذ ـ تقنين الرأي القائل بالمنع، وأما إذا وجدوا أنّ القول بالجواز هو الأكثر تحقيقا للمقاصد، حقّ عليه تقنين الرأي القائل بالجواز، وهكذا دواليكم.

إنّ أساس الترجيح بين هذين الرأيين، فتقنين الرأي المرجّج، يعود إلى كون ذلك الرأي المرجّح الرأي الألصق بالمقاصد، والأقدر على تحقيق الأسرار والمعاني المرادة للشرع من تجويزه أو تحريمه تلك المعاملة. وتأسيسا على هذا، فإذا نظرنا إلى بيع العينة وتطبيقاته المعاصرة ألفيناه يحول دون تحقيق ثلاثة من مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات؛ أعني: مقصد تنمية المال، ومقصد رواج المال، ومقصد تداول المال. فهذا البيع بتطبيقاته الحالية لا يؤدّي إلى تحقيق هذه المقاصد، وإنّما يتعارض معها، ولذلك، فإنّ القول بالمنع أولى وأسدّ لا لأنّه هو رأي الجمهور، ولكنّه لأنّ ذلك هو الذي ينسجم مع مراعاة مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات. ويقال مثل هذا الأمر في تطبيقات البيع الموسوم ببيع التورق المصرفي، فإنّ التأمل في تطبيقات هذه المعاملة في المصارف الإسلاميّة المعاصرة يجدها المتأمل أنّها لم تعد في واقع الأمر تحقق مقاصد الشرع الخاصة بباب المعاملات، بل إنّها لا تختلف في المآل عن بيع العينة من حيث عدم تحقق مقاصد الشرع في كل واحد منها. ولذلك، فإذا أريد تقنين هذه المسألة، وجب اللواذ بالرأي القائل بالمنع وذلك لافتقار الرأي القائل بالجواز إلى تحقيق مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات، ولا يضير القول بالمنع أن يكون رأيا مخالفا لرأي الجمهور، فالعبرة للمقاصد أولا وآخرًا؛ إذ حيث المقاصد، فثمة شرع الله تعالى، لأنّ المقاصد ـ كما هو معلوم ـ تعدّ الأسرار والحكم التي أودعها الله في تشريعاتها، فإذا غابت عن تشريع، فإنّه لا يصح نسبة ذلك التشريع إلى الشرع!!

وانطلاقا من هذا، فإنّه يجب عرض كل الآراء الفقهيّة الواردة في المسائل الماليّة الاجتهاديّة العامّة على مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات، وذلك قبل اختيار رأي منها للتقنين، فما أفضى منها إلى تحقيق هذه المقاصد، وجب ترجيحه، فتقنينه، وصيرورته قانونا ملزما واجب العمل به في المصارف الإسلاميّة. وأما الآراء التي لا تقضي إلى تحقيق تلك المقاصد، فإنّه لا يصح اختيارها، ولا تقنينها، وذلك بغض النظر من أن تكون آراء لجمهور أو مغمور.

وعلى هدي من هذا المبدأ، ينبغي اليوم تجديد النظر في جملة العقود والمعاملات المالية التي تمارس المصارف الإسلاميّة، وذلك بعرضها جميعا على مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات، فما كان من تلك العقود والمعاملات مفضيا إلى تحقيق مقاصد الشرع اعتدّ بها، ووجب تقنينها، وما خالف منها تلك المقاصد، وحال دون تحقيقها، تبرئ منها، وبدّل بغيرها.

على أنّه من الحريّ بالتقرير أنّ الاحتكام إلى المقاصد بوصفها معيارا للترجيح يجب أن يغدو اليوم الملاذ الفكريّ للترجيح بين سائر الاجتهادات الفقهيّة سواء أكانت تلك الاجتهادات في الشأن الماليّ، أم في الشأن الاجتماعي، أم في الشأن السياسيّ.

المبدأ الثاني: الموازنة بين المنافع والمفاسد المترتبة على الآراء الفقهيّة:

لئن اعتبرنا المقاصد معيارا يحتكم إليه لمعرفة الرأي الأولى بالاختيار من بين الآراء والاجتهادات عند التقنين، فإنّ ثمة مبدأ آخر ينبغي اللواذ به عند إرادة تقنين رأي جديد للشرع في مسألة ماليّة مستجدة لا يؤثر فيها رأي لأحد من الأقدمين لحداثتها وجدّتها. ويتمثل هذا المبدأ في الاستناد إلى مبدأ الموازنة بين المنافع والمفاسد المترتبة على الفعل حلاّ أو تحريما، بحيث إذا ترجحت المنافع، كان الرأي التحليل، ثُمَّ يقنّن ذلك الرأي بعد. وأما إذا ترجحت المفاسد، فإن الرأي يكون التحريم، ثُمَّ يقنّن ذلك بعدُ.

إنّ هذا المبدأ يختلف عن المبدأ السابق من حيث إنّ ذلك المبدأ يلاذ به لمعرفة الرأي الجدير بالاختيار والترجيح. وأما هذا، فإنّه يلاذ لمعرفة رأي الشرع في مسألة ماليّة مستحدثة ليس للأقدمين رأي فيها إن بالتحليل أو التحريم، مِمَّا يتطلب الاجتهاد والتفكير في تحديد حكم مناسب لتلك المسألة المستحدثة في ضوء الأثر الذي يترتب عليه من منافع راحجة أو مفاسد راحجة.

وبتعبير آخر: إذا كان القول بتحليل ذلك التصرف الماليّ المستجد يؤدّي إلى جلب منافع راجحة، فإنّه يجب ـ حينئذٍ ـ تقرير القول بالتحليل، ثُمَّ تقنين ذلك الرأي بعدُ. وأما إذا كان القول بالتحريم يترتب عليه درء مفاسد راحجة، فإنّه يجب ـ عندئذٍ ـ تقرير القول بالتحريم ثُمَّ تقنين ذلك الرأي بعدُ.

وتأسيسا على هذا، فإنّ تقنين رأي للشرع ـ حلاًّ أم تحريمًا ـ في المسائل الماليّة المستجدة يتوقف توقفا على الأثر الذي يترتب على الرأي المختار حلاّ أم تحريما.

وتوضيحا لهذا الأمر، مسألة تصكيك الصكوك للإجارة، والمشاركة، والمضاربة، والمرابحة، والوقف وسواه؛ فمن المعلوم أنّ التصكيك يعدّ من المسائل المستحدثة في الملّة لم يتناولها الفقهاء الأقدمون بتحريم أو تحليل، وبالتالي، فإنّ القول بتحليله أو تحريمه يجب أن يرتبط بما يترتب على كلا القولين من أثر متمثل في جلب منافع راجحة، أو درء مفاسد راحجة. فإذا كان القول بالتحليل جالبا منافع راحجة وجب اعتماد التحليل، فتقنينه. وإذا كان القول بالتحريم دارئا مفاسد راحجة وجب اعتماد القول بالتحريم، فتقنينه.

إنّ الاعتداد بهذا المبدأ في عملية التقنين من شأنه إبعاد الاضطراب والخلل عن التقنين، بحيث يتمّ تقنين تلك الآراء التي تمّت الموازنة فيها بين المنافع والمفاسد، فترجحت إحداها على الأخرى.

على أنّه من الحريّ بالتقرير أنّ هذه الموازنة لا تتعارض مع الأصول العامّة المقرّرة في الشرع للمستجدات ككون الأصل في المعاملات الإباحة، والأصل في العقود اللزوم، والأصل في الشروط الصحة. وإنّما يجب النظر في كل مستجد أو مستحدث في ضوء ميزان المنافع والمفاسد انطلاقا من أنّ المصلحة المعتبرة في الشرع تعني جلب كل ما فيه منفعة، ودرء كل ما فيه مفسدة، ومادامت المصالح الغايات المقصودة للأحكام الشرعيّة، فإنّ اعتبارها والانطلاق منها يعدّ ضمانا للوصول إلى مراد الله في المسائل المستجدة والقديمة على حدّ سواء.

وزبدة القول: لا بدّ لحركة التقنين المنشود من الاستناد إلى هذا المبدأ عند الهمّ بتقنين رأي، وصيرورته قانونا تلزم به المصارف الماليّة الإسلاميّة المعاصرة، فالصدور عن هذا المبدأ يفضي إلى تحقيق مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات، كما يفضي إلى تحقيق مراد الشرع في مستجدات الأموال والأعمال. ورحم الله الإمام الشاطبي الذي نبّه على أهميّة هذا البعد في التعامل مع المستجدات، حيث قال ما نصّه: “..أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إِلاَّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعيّة، فربمّا أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعيّة، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعيّة..” ([13]).

وصفوة القول: لا بدّ من الاحتكام إلى هذا المبدأ لضبط الرأي الذي يراد تقنينه، فإلزام العامّة والخاصّة بذلك الرأي.

المبدأ الثالث: الاعتداد بمآلات الأفعال عند تقنين رأي من الآراء الفقهيّة:

إذا كانت الموازنة بين المنافع والمفاسد أساسا يلاذ به لمعرفة الرأي الأجدر بالتقرير والاعتماد لمسألة ماليّة مستحدثة في الملّة، فإنّ ثمة مبدأ ينبغي اللجوء إليه عند الهمّ بتقنين رأي من الآراء الفقهيّة السائدة، ويعرف هذا المبدأ بمآلات الأفعال، ويراد به أن يؤخذ بعين الاعتبار المآلات التي تنجم عن تقنين رأي من الآراء في مجتمع من المجتمعات. فإذا كانت المآلات تفضي إلى الإضرار بمقصد من مقاصد الشرع إن لسوء تطبيق أو تنزيل للحكم في الواقع المعاش، أو لكون الواقع غير جاهز لتقبل الحكم الشرعيّ، فإنّ على التقنين الالتفات إلى هذا المبدأ قبل اعتماد الرأي وتطبيقه. ومقتضى هذا أنّ صحة الرأي لا تعني صلاحيّته للتقنين، فالتطبيق والتنزيل، بل لا بدّ من النظر فيما يؤول إليه ذلك الرأي عند التطبيق.

وبناء على هذا، فإنّ تقنين أيّ رأي جديد أو قديم لا بدّ له من أن يتم بعد النظر في مآلاته، بحيث يكون ذلك النظر المحط الأخير للهمّ الاجتهاديّ النظريّ الهادف إلى تحقيق قيوميّة الدين، وتسديد الحياة الماليّة وسواها بتعاليم الشرع الحنيف.

إنّ الاعتداد بمآلات الأفعال عند اختيار رأي قديم أو جديد للتقنين يعدّ ضمانا أكيدًا لحسن تطبيق تلك الرأي في عالم التنـزيل؛ إذ إنّ الرأي المقنّن يجد طريقه نحو الوقوع بصورة مرنة ويسيرة. كما يعدّ الاعتداد بالمآلات وسيلة فاعلة للقضاء المبرم على الازدواجيّة المموقوتة، والتباين المنبوذ بين النظر والتطبيق في كثير من الأحيان، إذ إنّه من الملاحظ اليوم أنّ ثمة جملة حسنة من الاجتهادات الماليّة التي تؤصلت بعيدا عن الاعتداد بالمآلات تعاني تشوّها في التطبيق، وقلقا في التنـزيل، واضطرابا في الرؤية كما هو الحال في حال كثير من المصارف والمؤسّسات الماليّة الموسومة بالمصارف والمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، حيث إنّها لم تحقق هذه المصارف ـ على الرغم من مرور عقود أربعة على ظهورها ـ أهمّ هدف من نشأتها، وهو المتمثل في مكافحة الفقر بين الشعوب الإسلاميّة، ومحاربة الربا بجميع أشكاله وصوره وتطبيقاته. ومردّ هذا كله إلى تمركز معظم أنشطة هذه المصارف حول عقود ومعاملات تزيد الجفوة والفجوة بين الأغنياء والفقراء، حيث إنّها تتوسع في المديونيات على حساب الشراكات!!

وعليه، فإنّ المخرج اليوم من التيه المنهجيّ المتصاعد والتناقض الموضوعيّ المفظع بين التنظير والتطبيق، يكمن في ضرورة تقنين تلك الآراء الفقهيّة القادرة على إعادة الوصل بين المثال والواقع من جهة، وتحقيق الأهداف والغايات المرجوّة من المصارف الإسلاميّة من جهة أخرى. ورحم الله الإمام الشاطبي الذي نبّه ـ ذات يومٍ ـ على تلك الأهمية البالغة لهذا الأمر، فقال في موافقاته ما سبق أن نقلنا جزء منه، وهو قوله: “..النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلَّفين بالإقدام أو بالإحجام إِلاَّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعيَّة فربَّما أدَّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعيَّة. وكذلك إذا أطلق القول الثاني بعدم المشروعيَّة ربَّما أدَّى إلى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح القول بعدم المشروعيَّة.. (فالنظر في مآلات الأفعال) مجالٌ للمجتهد صعبٌ المورد إِلاَّ أنَّه عَذْبُ المذاق، محمود الغبِّ (العواقب)، جارٍ على مقاصد الشريعة”([14]).

إنّ مكافحة المعالجات السريعة والتطبيقات المشوّهة للاجتهادات الماليّة تكمن في عرضها على هذا المبدأ سواء أكانت تلك الاجتهادات قديمة أم جديدة، سواء أكانت في مجال العقود والبياعات والمعاملات، أم كانت في مجال الزكوات والأوقاف والهدايا وسواها، فما كان من تلك الاجتهادات قابلا للتطبيق والتنـزيل في الواقع المعاش اعتدّ به، وقنّن. وما لم يكن منها قابلا للتطبيق والتحقيق لتقادمها أو ظرفيّتها تُجُوِِزَ مطلقا، وربما أُجّل العمل ببعض منها إلى حين. مِمَّا يعني أنّ توافر قابليّة التطبيق والتحقق في الاجتهادات الماليّة شأن لا يمكن تجاهله ولا تجاوزه عند التقنين، كما يعني هذا أنّه لا حاجة في الحسّ الإسلاميّ الواقعيّ الرصين إلى اجتهاد فقهيّ ماليّ لا يمكن تطبيقه في دنيا الناس، ولا يتحمله الواقع، ولا يطيقه الزمان. فالنظر والتطبيق يتكاملان في النظر الإسلاميّ الموضوعيّ الرشيد!!

وعلى العموم، هذه هي أهم المرتكزات التي ينبغي الاستناد إليها عند توظيف التقنين في مجال المصرفيّة الإسلاميّة المعاصرة؛ وينضاف إليها ما سبق الإشارة إليه من أنّ المسألة التقنينيّة لا ينبغي إقحامها في كل المسائل والقضايا، وإنّما ينبغي توظيفها في تلك المسائل الاجتهاديّة العامّة التي تعمّ بها البلوى، ويترتب على تعدّدية الآراء فيها إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة؛ مِمَّا يعني أنّه إذا لم تكن المسألة المراد تقنينها من جنس المسائل العامّة، أو كانت التعدّدية فيها غير مخلّ بالمقصد المشار إليه آنفا، فإنّه لا حاجة إلى التقنين، بل يجب أن يفسح المجال للتعدديّة؛ إذ إنّها تغدو ـ بعدُ ـ مصدر ثراء وتنوع وقوة وتطور.

*   *    *

الخاتمة: أهم نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى جملة حسنة من النتائج، ويحسن بنا تلخيصها في النقاط التالية:

أولا: لا بدّ من تجاوز الحديث عن مشروعيّة التجديد، فالتجديد فريضة دينيّة وضرورة عصريّة؛ وبالتالي فإنّ إنكاره أو التشكيك فيه يعدّ خروجا على الجادّة، واعتداء صارخا على هذا المبدأ الإسلاميّ الشامخ الذي به تتبين صلاحيّة الإسلام لكل زمان ومكان. بل إنّ استعادة الأمة عافيتها الحضاريّة وريادتها المعرفيّة وقيادتها العلميّة، يتوقف كل أولئك على تجديدها مناهج تفكيرها، وآليات تفاعلها مع العالم الذي حولها. إذ من المتعذر أن تكون للأمة صولة حضاريّة أخرى ما لم تجدّد النظر في موروثها الثقافيّ، وإرثها الفكريّ، وحملها الاجتماعيّ تمكينا لها من المواكبة الواعية، والمجابهة الرشيدة، والاستنارة الرشيقة.

ثانيا: إنّ التجديد المنشود في الفكر الإسلاميّ لا ينحصر في دائرة الفقه، فحسب، ولكنّه يتنظم العقيدة، والتربية، بل إنّه يتنظم جميع مجالات الحياة الإنسانيّة، فثمة تجديد في الفقه، وتجديد في العقيدة، وتجديد في التربية، وتجديد في الفكر، وتجديد في السياسة، وتجديد في الاجتماع، وتجديد في الاقتصاد، وتجديد في الثقافة، وذلك اعتبارًا بأنّ هذه المجالات كلها يطالها البلى، ويداهمها التقادم مِمَّا يعجزها على المواكبة والتأثير. وعليه، فإنّ التجديد هو الرافد والملاذ الذي يلاذ به لإعادة الحيويّة والديناميّة والنشاط إلى هذه المجالات تمكينا لها من تحقيق أهدافها ورسالتها.

ثالثا: إنّ التجديد في الفقه الإسلاميّ لا ينبغي أن يكون تجديدا في الشكل، بل يجب أن يكون تجديدا في المضمون، وفي المنهج، وينبغي الاستعانة بكافة الوسائل والطرق الممكنة من أجل تحقيق تجديد شامل للفقه الإسلاميّ شكلا ومضمونا ومنهجا وموضوعا.

رابعا: إن تقنين الفقه الإسلاميّ يراد به إعادة صياغة الأحكام والاجتهادات الفقهيّة في شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة، كما يعني اختيار رأي من الآراء الاجتهاديّة، وصيرورته قانونا تسير عليه المحاكم، ويحتكم إليه المتقاضون في مجتمع من المجتمعات وفي عصر من العصور. وبناء على هذا، فإنّ التقنين يعد اليوم من أهم وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ شكلا ومضمونا، فمن حيث الشكل ينبغي توظيفه من أجل إعادة صياغة الآراء والأحكام الفقهيّة في شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة. وأما من حيث المضمون، فإنّه يمكن توظيفه من خلال اختيار رأي من الآراء الفقهيّة وصيرورته قانونا واجب الالتزام والإلزام في مجتمع من المجتمعات في عصر من العصور.

خامسًا: إنّ علاقة التجديد بالتقنين علاقة مقصد بوسيلة، فالتجديد مقصد ثابت وراسخ، وأما التقنين فوسيلة هامّة من وسائل تحقيق هذا المقصد، ولذلك لا غرو أن يساغ الخلاف في مشروعيّة التقنين، ولا يساغ أدنى خلاف في فرضيّة التجديد وضرورته في كل عصر ومصر.

سادسا: إنّ المصارف الإسلاميّة تمثل اليوم واجهة مهمة دالة على شموليّة الإسلام وقدرته على توجيه حياة الإنسان في جميع شعابها، وقد أسّست هذه المصارف في النصف الثاني من القرن المنصرم وذلك من أجل إبراز أسس النظام الماليّ في الإسلام، ومكافحة الربا، وسائر المعاملات التي تخرج المال عن وظيفته الأساسيّة، بيْد أنّ هذه المصارف لما تحقق كثيرا من الآمال التي علّقتها عليها الأمّة، إذ لا تزال جوانب من المعاملات الربويّة حاضرة بالقوة والفعل في كثير من هذه المصارف. كما أنّ هذه المصارف لم تتحول بعدُ إلى بنوك خدميّة تضيق الفجوة والجفوة بين الأغنياء والفقراء، إذ إنّها لا تزال تنافس مثيلاتها في التوسع في العقود والمعاملات القائمة على الديون، وأما المعاملات القائمة على المشاركة، فإنّها تشكو شحا في هذه المصارف مِمَّا يشكّل قلقا لأولئك الذين كافحوا من أجل تأسيس هذه المصارف.

سابعًا: إنّه من الممكن توظيف التقنين للتجديد في العديد من المسائل الاجتهاديّة التي اختلفت فيها الأنظار الفقهيّة قديما وحديثا، ويتوقف ذلك التوظيف على كون تلك المسائل الاجتهاديّة مسائل عامّة تعم بها البلوى، ويؤدّي الاختلاف فيها إلى إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كما هو الحال في اختلاف الفقهاء في مدى مشروعيّة إيداع الأموال في المصارف الربويّة في حالة عدم وجود مصارف إسلاميّة، واختلافهم في مدى مشروعيّة الاستفادة من الفوائد المتحصلة من الأموال المودعة في المصارف الربويّة خارج الديار الإسلاميّة، وغيرها من المسائل المختلف فيها اليوم. وأما المسائل الاجتهاديّة الأخرى التي لا يترتب على الاختلاف فيها إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كاختلافهم في مدى مشروعيّة الإلزام بالوفاء بالوعد ديانة وقضاء، واختلافهم في الحسومات والخصومات المتحصلة من الأوراق البنكيّة وسواها، فإنّه لا حاجة إلى توظيف التقنين في هذه المسائل، ويجب فسح المجال للتعدّدية المسؤولة فيها.

ثامنا: إنّ المصارف الإسلاميّة تحتاج اليوم إلى تقنين العديد من الاجتهادات الفقهيّة التي تطبّقها خروجا من الخلافات المريرة حول بعض العقود والبياعات الهامّة، وَمِـمَّا يؤسف له أنّ هذه المصارف لا تتوافر ـ حتى هذه اللحظة ـ على دعم سلطانيّ يجعل تقنين أعمالها ممكنا على المستوى العالميّ؛ مِمَّا يعني أنّ التقنين الممكن لهذه المصارف لا يتجاوز اليوم دائرة القطر الواحد، والمأمول أن يغدو تقنين قابل للتطبيق في جميع أنحاء العالم الإسلاميّ. والجدير بالإشادة والذكر في هذا المقام ما تنهض به هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات الإسلاميّة من محاولات جادة من أجل تحقيق هذا التقنين من خلال إصدار المعايير الشرعية والمحاسبيّة، وكذلك ينبغي الإشادة بما يقوم به مجلس الخدمات المصرفيّة من محاولات مشكورة في التقريب بين المصارف المركزيّة في العالم الإسلاميّ وخارجه.

أخيرا: إنّ ثمة مرتكزات ينبغي الاعتداد بها عند الهمّ بتقنين المصارف الإسلاميّة على المستوى العالمي، وتتمثل تلك المرتكزات في جملة من المبادئ العلميّة والمنهجيّة التي تتلخص في مبدأ الاحتكام إلى مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات لاختيار الرأي الذي يراد تقنينه. وأما المبدأ الثاني، فيتمثل في الموازنة بين المنافع والمفاسد في تحديد الرأي الذي يراد تقنينه، وذلك في القضايا والمسائل المستجدة. وأما المبدأ الثالث، فيتمثل في الاعتداد بمآلات الأفعال عند الهمّ بتقنين رأي من الآراء سواء أكان ذلك الرأي قديما أم جديدا، فمآل الرأي هو المعيار الذي يبنغي أخذه بعين الاعتبار عند تقنين الآراء والاجتهادات.

وبهذا نضع رحالنا عند نهاية هذه الدراسة سائلين المولى الكريم أن يمنّ علينا بفيض رحمته، ويكلأنا بعظيم رعايته، ويزيدنا فقها في دينه وعملا بكتابه وسنة نبيه، إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما توفيقنا إلا بالله العليّ العظيم.

أهم مراجع الدراسة

1. تطبيق الشريعة الإسلاميّة في السودان بين الحقيقة والإثارة، المكاشفي طه الكباشي، (القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، طبعة ثانية لعام 1986م).

2. جهود تقنين الفقه الإسلاميّ، وهبة الزحيلي، (بيروت، مؤسسة الرسالة، طبعة أولى لعام 1987م).

3. مدخل لدراسة القانون وتطبيق الشريعة الإسلاميّة، توفيق عبد الناصر العطار، (القاهرة، دار الفضيلة.).

4. الجامع في أصول الربا، رفيق يونس المصري، (دمشق، دار القلم، وبيروت، الدار الشامية، طبعة أولى لعام 1991م).

5. الشريعة الإسلاميّة من قسم الدراسات والأبحاث بعمان بدون تاريخ ودار نشر).

6. الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا، مهني بن عمر التيواجني، (عمان، طبعة أولى لعام 1996م).

7. قواعد الأحكام في مصالح الأنام، سلطان العلماء عز الدين ابن عبد العزيز السلمي، ضبط وتصحيح عبد اللطيف حسن عبد الرحمن (بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة أولى لعام 1999م).

8. مدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة، يوسف القرضاوي، (بيروت، مؤسسة الرسالة، طبعة ثانية).

9. مقاصد الشَّرِيعَة الإسلامية، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي (..البصائر للإنتاج العلمي، طبعة أولى 1998م).

10. مقاصد الشريعة ومكارمها، علال الفاسي، (بيروت، دار الغرب، طبعة خامسة لعام 1993م).

11. الموافقات في أصول الشريعة، إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق محمد الإسكندراني، وعدنان درويش، (بيروت، دار الكتاب العربي، طبعة أولى لعام 2002م).


* التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

** أستاذ الفقه وأصوله والماليّة الإسلاميّة بالجامعة الإسلاميّة العالميّة، بماليزيا

[1]) انظر: تطبيق الشريعة الإسلاميّة في السودان بين الحقيقة والإثارة، المكاشفي طه الكباشي، (القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، طبعة ثانية لعام 1986م) ص13.

[2]) انظر: مدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة، يوسف القرضاوي، (بيروت، مؤسسة الرسالة، طبعة ثانية) ص259 بتصرف واختصار..

[3]) انظر: الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا، مهني بن عمر التيواجني، (عمان، طبعة أولى لعام 1996م) ص55 باختصار.

[4]) انظر: جهود تقنين الفقه الإسلاميّ، وهبة الزحيلي، (بيروت، مؤسسة الرسالة، طبعة أولى لعام 1987م) ص26 باختصار.

[5]) انظر: مدخل لدراسة القانون وتطبيق الشريعة الإسلاميّة، توفيق عبد الناصر العطار، (القاهرة، دار الفضيلة..ص45 باختصار.

[6]) انظر: الشريعة الإسلاميّة من قسم الدراسات والأبحاث بعمان بدون تاريخ ودار نشر) ص51 باختصار.

[7]) لمزيد من المعلومات حول المصارف نشأة وتطورا، يراجع تطوير الأعمال المصرفيّة بما يتفق والشريعة الإسلاميّة للدكتور سامي حمود.

[8]) لمزيد من المعلومات حول هذه الاختلافات يراجع الجامع في أصول الربا، رفيق يونس المصري، (دمشق، دار القلم، وبيروت، الدار الشامية، طبعة أولى لعام 1991م).

[9]) عقد الإمام العز بن عبد السلام ـ رحمه الله ـ فصلا لببيان مصالح المعاملات والتصرفات، وسلّط في هذا الفصل على جملة من القضايا الهامّة يمكن الاستفادة منها للتعرف على مزيد من مقاصد الشرع في المال والأعمال، يراجع فصل في بيان مصالح المعاملات والتصرفات من كتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، سلطان العلماء عز الدين ابن عبد العزيز السلمي، ضبط وتصحيح عبد اللطيف حسن عبد الرحمن (بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة أولى لعام 1999م) ج2 ص45 وما بعدها..

[10]) وقد عرف الإمام الطاهر ابن عاشور مقاصد الشريعة العامّة بقوله بأنّها عبارة عن “.. المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختــص ملاحظتُها بالكون في نوع خاص من أحكام الشَّرِيعَة، فيدخل في هذا أوصاف الشَّرِيعَة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضًا معان من الحِكَم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها…”. مقاصد الشَّرِيعَة الإسلامية، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي (..البصائر للإنتاج العلمي، طبعة أولى 1998م) ص171. وبالنظر في هذا التصور عن مقاصد الشرع العامّة يمكن القول بأنّ ثمة مقاصد عامّة للشرع في مسائل المعاملات، كما أنّ هنالك مقاصد عامّة للشرع في مسائل المناكحات، ومسائل العقوبات، وسواها. ويطلق بعض الباحثين المعاصرين على هذه المقاصد بأنّها مقاصد خاصّة اعتبارا بأنّها تخصّ بابا من أبواب التشريع، وعلى العموم، لا مشاحة في الاصطلاح؛ فهذه المقاصد عامّة؛ لأنّها لا تختص جزئيّة من جزئيّات المسائل المتصلة بالمال أو العقوبات أو المناكحات، وهي مقاصد خاصّة أيضا؛ لأنها لا تعدو أن تكون مقاصد الباب من أبواب التشريع، ولا تعم سائر الأبواب. فليتأمل!

[11]) وقد عرّفها الإمام علال الفاسي مقاصد الشريعة بقوله: الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها.. (بيروت، دار الغرب، طبعة خامسة لعام 1993م)، ص7 وما بعدها..

[12]) هذه هي خلاصة ما انتهى إليه ابن عاشور في حديثه عن مقاصد الشرع في الأموال بشكل عامٍ، وثمة تحقيقات رائعة لهذه المقاصد الخمسة، ولكنها تظل تصورا عامًا عن مقاصد الشرع في الأموال سواء المنعقدة منها على الأموال أو على الأبدان، مما يتطلب مزيدًا من الدراسة العلمية الموصلة المركزة. انظر: مقاصد الشَّرِيعَة ص338ـ 357 باختصار.

[13]) انظر: الموافقات، مرجع سابق، ج4 ص552 ـ 553 باختصار وتصرف.

[14]) انظر: المصدر السابق ج4 ص552.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك