التجديد الفقهي في الاقتصاد والمعاملات المالية المعاصرة

التجديد الفقهي في الاقتصاد والمعاملات المالية المعاصرة*

إعداد: أ. د. علي محيي الدين القره داغي**

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد الهادي الأمين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله المطهرين وصحبه الطيبين، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين..

وبعد؛

فإن التجديد يعني: إصلاح ما أفسدته الدهور، وترميم ما خربته الأيدي، وإزاحة الغبار عما تركته الأزمان والعصور، وإعادة الشيء إلى ما كان عليه في عصر شبابه وجماله، ولكنه بعرض جديد، وإضافة المؤثرات العصرية إليه حتى يظهر في ثوب قشيب، وحلية جميلة رائعة شيقة جذابة.

لذلك فالتجديد بهذا المعنى مشروع في الأديان؛ بل إِنَّهُ مطلوب حتى في الإسلام الذي هو دين الكمال، والجمال، والدين الخاتم لجميع الرسالات.

ونحن في هذا البحث نتحدث عن التجديد في الاقتصاد والمعاملات المالية من خلال: مقدمة في الحديث عن التجديد بصورة موجز،. ثم تخصيص المبحث الأول لـ: كيفية التجديد في الاقتصاد والمعاملات المالية، والمبحث الثاني لـ: ضوابط هذا التجديد وشروطه، والمبحث الثالث لـ: مجالات هذا التجديد وأنواعه، والمبحث الرابع لـ: مزالق هذا التجديد في نطاق الاقتصاد والمعاملات المالية المعاصرة.

والله أسأل أن يوفقنا جميعًا فيما نصبو إليه، وأن يكتب لنا السداد في شؤوننا كلها، والعصمة من الخطأ والخطيئة في عقيدتنا، والإخلاص في أقوالنا وأفعالنا، والقبول بفضله ومنّه لبضاعتنا المزجاة، والعفو عن تقصيرنا، والمغفرة لزلاتنا، إِنَّهُ حسبنا ومولانا، فنعم المولى ونعم الموفق والنصير.

 

*    *    *
المقدمة:

في أهمية التجديد ومعناه

إن الله تعالى أراد لهذه الأمة الدوام والخلود فجعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس، وجعلها الأمة الخاتمة بختم الرسالة المحمدية والنبوة الأحمدية، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾([1]).

وهذا يعني في ذاته كمال الرسالة الإلهية المتمثلة في القرآن العظيم بحيث لا تحتاج معها إلى رسالة أخرى، ولذلك قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾([2])، ولكن ختم النبوة وكمال الدين يعنيان في الوقت نفسه أن رسالة هذا الدين صالحة لكل زمان ومكان، وقادرة لحل المشاكل وعلاج الحلول الناجعة لمختلف القضايا الدينية والفكرية والثاقفية، والعلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية… وحينئذ تكون شاملة لعنصرين أساسيين، ومقررين لهما، وهما:

‌أ-  الثوابت التي لا تتغير، والمتمثلة في: الأصول العامة والمبادئ الشاملة لمفاصل الحياة الكلية، وفي جوهرها هي الحماية للأمة من الانصهار في بوتقة الغير بالذوبان، والانسلاب الحضاري، وفقدان الهوية.

‌ب- التطوير والتجديد، وهذا من خلال الاجتهاد والاستنباط، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ….﴾([3]). وسواء كان ذلك الاجتهاد اجتهادًا واستنباطًا مباشرًا من الكتاب والسنة لمن كان قادرًا على ذلك ومتوافرًا فيه الشروط، أم كان اجتهادًا انتقائيًا ترجيحيًا بين الاجتهادات السابقة.

والاجتهاد ليس خاصًا بدائرة الفقه الفرعي، بل هو شامل لجميع النصوص القابلة للاجتهاد وللحالات التي ليس فيها نص، (وهي منطقة العفو كما في حديث سلمان الفارسي t)([4])، سواء كانت في دائرة العقيدة، أم الفكر، أم الفقه، أم غيرها. وبما أن الله تعالى ختم الرسالات بالقرآن الكريم، والأنبياء والمرسلين بسيدنا محمد e، فإن الله تعالى جعل لهذه الأمة علماء ومجددين وطائفة منصورة تبقى على الحق وتدافع عنه، وتجدد الدين وأمره حتى تعيده إلى ما كان عليه في عصر الرسول e وآله وصحبه أجمعين؛ حيث يقول الرسول e: «إِنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»([5]). ولفظ “من” في الحديث عام للفرد والجمع، كما قال ابن الأثير: «والأولى العموم، فإن “من” تقع على الواحد والجمع، ولا تختص أيضًا بالفقهاء، فإن انتفاع الأمة يكون أيضًا بأولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقراء، والوعاظ؛ لكن المبعوث ينبغي كونه مشارًا إليه في كل من هذه الفنون»([6]).

يقول فضيلة الشيخ القرضاوي: «والذي أراه أن الحديث يفيد أنه لا يبزغ قرن إلاّ ويبزغ معه فجر جديد، وأمل جديد، وبعث جديد، حتى تستقبل الأمة المسلمة القرن بقلوب يحدوها الرجاء في غد أفضل، وعزائم مصمِّمة على عمل أمثل، ونيات صادقة في تغيير الواقع بما يوافق الواجب، وخصوصًا أن المفروض في الأمة أن تقف على رأس القرن مع نفسها وقفة محاسبة وتقويم، محاولة أن تستفيد من ماضيها، وتنهض بحاضرها، وترقى بمستقبلها، مبتهلة إلى ربها أن يكون يومها خيرًا من أمسها، وغدها خيرًا من يومها»([7]).

تجديد الدين أو تجديد الفقه:

أسند الرسول e في الحديث نبذة موجزة عن حركة الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي.

إذا ألقينا نظرة فاحصة في تأريخ فقهنا العظيم لوجدناه قد مرّ بعدة أدوار من صعود وإبداع وابتكارات، نهضت معه الأمة وانتعشت في مختلف مجالات الحياة، ثُمَّ ضعف وانحسار وظهور التقليد وما صاحبه من نوع من الجمود، ثُمَّ ما يلبث أن ينهض مرة أخرى على أيدي مجتهدين مجددين لم يخل منهم أي عصر من العصور.

ولكن حديثنا في هذه العجالة عن سمات العصور السابقة بالنسبة للاجتهاد والتجديد؛ حيث كان عصر الصحابة التابعين وعصر من بعدهم مباشرة كان من أعظم العصور الإسلامية التي شهدت حركة اجتهادية واسعة، وحركة حضارية، وعلمية، ودعوية نتجت عن الاحتكاك السابق التجديد إلى الدين نفسه؛ وهو لا يعني تغيير الدين الإسلامي أو تبديله، أو الزيادة فيه أو النقص، أو تغيير أحكامه أبدًا؛ فالتغيير في الدين ليس من حق أحد سوى الله تعالى، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَن أُبَدِّلهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، إِن أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ…﴾([8]). فالإسلام مصون ومحفوظ في نصه القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾([9]). وبما أن السنة بيان له فهي أيضًا محفوظة. ولذلك يكون التجديد عبارة عن إحياء معالمه، «ومحاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد؛ وذلك بتقوية ما قهر منه، وترميم ما بلي، ورتق ما انفتق، حتى يعود أقرب ابتلى نقدًا قديمًا، ثُمَّ أعيد بفعل فاعل إلى سيرته الأولى المحددة ما يكون إلى صورته الأولى»([10])؛ إذ إن ما لشيء المجدد موجود، ولكن أصاب هذا إذا فسرنا “دينها” الوارد في الحديث بالدين الصحيح؛ ولكن يتبادر إلى ذهني معنى جديد له، وهو ما دانت له الأمة الإسلامية مِمَّا أدخل فيه بغير حق من البدع والخرافات، ومن الإفراط والتفريط، فيأتى المجدد ـ فردًا أو جماعة ـ فينفى عنه تحريف الضالين، وإفراط المفرطين، وتقصير المفرِّطين ـ شديد الراء المكسورة ـ كما قال الرسول e: «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»([11]).

وتفسير ” دينها ” بمعنى: ما حققت ودانت له الأمة مقبول في اللغة، ومؤيد بأن الرسول e أضاف ” دين ” إلى الأمة، ولم يضفه إلى الله تعالى، أو الإسلام. وهذا يعني أن ما دانت له الأمة الإسلامية وإن كان في ظاهره وأكثر هو دين الإسلام، ولكنهم أدخلوا فيه أشياء، أو تركوا، أو تركوا أشياء، فخضعوا لهذا المجموع، فيأتى المجدد فيبدد هذه الشبهات، ويعيد الدين إلى صفائه ومنهجه ليحيى بفطرته التي فطر الله المؤمنين عليها. وهذا لا يعني أيضًا وجود تحريف في الكتاب والسنة، وإنما أن الناس يظنون أن هذه الزيادات أو التروك من الدين، ثم يتبين الحق على أيدي هؤلاء.

وظل الاجتهاد مزدهرًا إلى المنتصف من القرن الرابع الهجري، ولاسيما في ظل الخلافة العباسية التي أعطت الأولوية للفقه، وشجعت العلماء في مختلف العلوم على الإنتاج والإبداع، والترجمة من مختلف الحضارات؛ بل طلب بعض خلفاء بني العباس ـ رحمه الله ـ تأليف كتب كانت الأمة بحاجة ماسة إليها، مثل ما طلب أبو جعفر من الإمام مالك في تأليف الموطأ، وطلب هارون الرشيد من الإمام أبي يوسف أن يؤلف كتابًا لتنظيم الحياة الاقتصادية للدولة، فألف كتاب الخراج.

أدت إلى هذا الازدهار مجموعة من العوامل من أهمها: التواصل بين مؤسستي الخلفاء والعلماء؛ حيث إن التطبيق العملي يؤدي الى حل مشاكله اليومية، مِـمَّايثرى به الفقه. فمثلاً أدت حركة المؤسسات المالية الإسلامية (البنوك والتأمين) إلى حركة اجتهادية واسعة في مجال الاقتصاد والمعاملات المالية.

وبالإضافة إلى هذا العامل فقد ساعد على هذا النحو الفقهي العامل الاجتماعي، المتمثل في ازدهار المجتمعات وثقافتها وتنوع علومها. وكذلك العامل العلمي، حيث دونت العلوم الأساسية مثل علوم التفسير، والقرآن، والسنة النبوية المطهرة، وعلوم الحديث، وكذلك علم أصول الفقه.

وكان من أهم سمات هذا العصر من الناحية الاجتهادية هو الاجتهاد المباشر من الكتاب والسنة؛ وبالتالي العودة إليهما مباشرة مع الاستفادة مِمَّا تركه السابقون، ومن علوم العصر، إضافة إلى دراسة الواقعة التي تحتاج إلى اجتهاد من كل جوانبها لتنزيل النص عليها بصورة صحيحة.

ومنذ أواخر القرن الرابع، أو بداية القرن الخامس ظهرت العناية بكتب المذاهب الفقهية، بل منهج التخريج والاستنباط من نصوص أئمة المذاهب، ناهيك عن شرحها واختصارها ونظمها؛ وبذلك اتجه الفقه الاجتهادي منحى آخر غير منحاه السابق، وحدث خلل، بل انقلاب في أصل منهج الاستنباط والاستدلال.

وحدث أمر آخر في تقرير الأحكام، حيث كان الفقه في السابق على فقه التنزيل من خلال ربط الاجتهاد بالواقعة فقط، والانطلاق من الواقعة الى الحكم؛ ولكن حدث العكس حيث انطلق العلاج من التنظير الى الواقعة، وظهر منهج التقرير للأحكام المجردة؛ ولذلك قلت العناية بمقاصد الشريعة، وفقد المصالح والمفاسد، والعرف، فقلب فقه الفهم على فقه التنزيل([12]).

ونحن في هذه العجالة لا ننكر دور علماء المذاهب الفقهية في إثراء الفقه المذهبي، وعلاج مشكلات العصر، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر ضمور الاجتهاد والتجديد إذا قسنا هذه العصور بالعصور الثلاثة الأولى.

غير أن الذي أضعف الفقه بصورة واضحة هو سقوط الخلافة العباسية على أيدي المغول والتتر بسقوط بغداد عام (656 هـ)، وتمر في الأمة ويلات؛ ولكن الوحدة للأمة عادت مرة أخرى بدعم آنثور الدين الزنكي، وصلاح الدين الأيوبي مِمَّا دفع بتنشيط الحركة العلمية، والفقهية والحديثية في مصر وبلاد الشام، والعراق وغيرها. فانطلق صلاح الدين من الاجتهاد الى الجهاد، ومن توحيد الأمة الى تحريرها([13]).

والخلاصة: أن الفقه الإسلامي منذ العصور الأخيرة قد ضعف دوره، وأن الاجتهاد أو التجديد فيه قد قل؛ ليس لسبب واحد، وإنما لأسباب كثيرة لا يسع البحث الخوض فيها، ولكن أهمها: منهجية التأليف التي ركزت على الاختصار، ثم الشرح، ثم الحواشي، وانقطاع الصلة بأمّات الكتب الأصلية لفقهاء المذاهب. والاعتماد على الحفظ المجرد دون الفهم والتحليل والتأمل. وأخطر من ذلك كله عدم العودة إلى الينبوع الصافي المتمثل بالكتاب والسنة.

وقد اكتشف ابن خلدون سلبية هذه الطريقة، وبين أضرارها، فقال:

” اعلم أنه مِمَّا أضر بالناس في تحصيل العلم، والوقوف على غاياته كثرة التأليف، واختلاف الاصطلاحات في التعاليم، وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذ يسلم له منصب التحصيل؛ فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرّد لها، فيقع القصور –ولابد ـ دون رتبة التحصيل”([14]).

وضرب ابن خلدون لذلك مثلاً بالمدونة في مذهب مالك، وما كتب عليها من الشروح التي اختلفت فيها طرق الكاتبين، من علماء قرطبة، وبغداد، والقيروان، ومصر؛ فإن المتعلم ـ كما قال: ـ ” لا يصل إلى بغيته من التحصيل، ولا يسلم له منصب الفتيا إِلاَّ إذا أحاط بهذه الطرق علمًا وميّز بينها، مع أن أحكام طريقة واحدة منها يستنفد العمر”([15]).

الفقه في عصر الاستعمار الحديث:

فقد أصيب العالم الإسلامي بنكسة كبيرة في مختلف مجالات الحياة، وبكارثة خطيرة من خلال الاحتلال المباشر وغير المباشر، منذ القرن السابع عشر الميلادي للهند، ثم الجزائر، والمغرب العربي، وأفريقيا، والشرق الأوسط، بل ومعظم العالم الإسلامي؛ حيث فرض المحتلون هيمنتهم السياسية والاقتصادية عليه، ولم يكتفوا بذلك، بل أبعدوا أحكام الشريعة عن الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية، وفرضوا قوانيهم الوضعية على البلاد الإسلامية رسميًّا.

فبعد إسقاط الدولة العثمانية قام الرئيس الجديد لتركيا مصطفى كمال بإلغاء جميع القوانين والأحكام الشرعية المطبقة في البلاد، وإحلال القانون السويسري محلها عام 1926 م. وقبل ذلك فرضت القوانين الفرنسية على الجزائر والبلاد التي احتلتها فرنسا. بل إن خديور معز إسماعيل قد فرض هو الآخر نيابة عن فرنسا القانون المدني المختلط الذي كان نسخة غير مهذبة عن القانون المدني الفرنسي في عام1876 م. وفرض القانون الإنجليزي في مصر والعراق، ثم تبعتها سورية ومعظم العالم العربي. والقانون الإيطالي في ليبيا، الصومال، وهكذا…

فقد ترك هذا الواقع الجديد الذي لم يشهد مثله حتى في عصر المغول. وأثر آثارًا سلبية على حياة المسلمين بصورة عامة، وعلى الفقه الإسلامي بوجه خاص من حيث المنهج والتأليف والإنتاج، والاجتهاد والتجديد.

النهضة الحديثة:

بدأت في معالم النهضة الحديثة منذ القرن الثالث عشر الصحوة، حيث ظهر عدد من المصلحين والمجددين في العقيدة والفكر والفقه أمثال الأصفهاني، والشوكاني في اليمن، والشيخ محمد عبد الوهاب بالحجاز، ثم الأفغاني، ومحمد عبده، والسيد رشيد رضا، وحسن البنا، والمودودي، والشيخ سعيد النورسي بتركيا، وهكذا.

وظهرت بداية النهضة الفقهية من خلال مجلَّة الأحكام العدلية، ومجموعات العلامة محمد قدرس باشاه، ثم المقارنات، وفقه المعاملات.

وأما النهضة الحديثة للاقتصاد الإسلامي فقد بدأت فعلا ً بعد إقرار حكم مجمع البحوث الإسلامية بحرصه فوائد البنوك، وأنها الربا المحرم الذي نزلت فيه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في عام 1964م، حيث تم فعلا ً إنشاء أول بنك إسلامي بدبي عام 1975، ثم بنك التنمية. وتوالت البنوك الإسلامية تترى إلى أن وصلت إلى المئات وعشرات الآلاف من الفروع والصناديق، من المؤسسات المالية الإسلامية.

وبما أن الفكر يتطور مع التطبيق فإن الفقه الإسلامي في مجال المعاملات المالية الإسلامية تطور تطورًا هائلاً استطاع أن يحل المشاكل المعقدة لمئات ـ بل آلاف ـ المسائل والوقائع والمستجدات في عالم المال والاقتصاد والبنوك.

أركان التجديد:

تتكون أركان التجديد وعناصره الأساسية من أربعة أركان، وهي: الشخص المجدِّد، والمجدَّد ـ بفتح الدال ـ : وهو الدين، والمجدَّد له: وهو الأمة، والمجدَّد به: وهو أدوات التجديد، ووسائله.

ونحاول أن نذكر هذه الأركان الأربعة بشيء من الإيجاز:

الركن الأول: المجدِّد، وهو الشخص الذى تتوافر منه شروط التجديد في المجال الذى يوفقه الله تعالى للتجديد؛ فقد يكون التجديد في الأمور العقائدية والفكرية التي شابها تصورات غير صحيحة، وبدع وخرافات، فيقوم المجدد بتصحيحها، ونشر العقيدة الصحيحة والفكر الصحيح، والتصورات الصحيحة، وهكذا… كما سيأتي.

الركن الثاني: المجدَّد: فهو الدين بمعناه الشامل للعقيدة، والفكر، والأخلاق والعبادات، والمعاملات، والسياسة والاقتصاد، والجهاد، والقضاء، والعلاقات الانسانية. ولفظ ” دينها ” في الحديث يشمل كل ما يسمى دينًا، وبالتالى فالتجديد لابد يشمل كل هذه الجوانب، ولكن بالمعنيين اللذين ذكرتهما للحديث.

ومن المعلوم أن التجديد له تحقيق أمور:

1- معرفة دين الله الصحيح كما حدث الكتاب والسنة.

2- معرفة ما أدخل فيه من الزيادات أو نقص منه..

3- الاجتهاد فيه بمنهجية واضحة لبيان كماله وشموله، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وقدرته على الحلول الناجحة، بل تقديم هذه الحلول فعلا ً التى تستقى من أصوله العامة، ومبادئه وقواعده الكلية، أو نصوصه الجزئية.

4- عرضه العرض المطلوب بلغة العصر، وخطاب مؤثر جذاب لإظهار جماله وروعته وسبقه ونفوقه. إذن فمجالات التجديد شاملة لكل فروع الدين والشريعة.

الركن الثالث: المجدد له، وهو: الأمة الإسلامية، والتي تكون مستعدة للتجديد، أو يعدها المجددون له، مثل هذه الصحوة المباركة التي قام الدعاة والمصلحون بها في شتى مجالات الحياة الفقهية، والفكرية، والسياسية والاجتماعية، والأخلاقية…

الركن الرابع: أدوات التجديد، وهي كثيرة، من أهمها: العلم بشتى أنواعه: الفكر، والفقه سواء كان فقهًا في العبادات، أم في المعاملات، أو نحوها. أو فقهًا سياسيًا، أو اقتصاديًا…

وقد تكون أدوات التجديد تتم من خلال التخطيط للفتوحات والجهاد بشتى أنواعه؛ فمثل نور الدين الزنكي مجدد من خلال تخطيطه. وأما صلاح الدين مجدد من خلال التخطيط والتحرير والفتح المبين، وهكذا. وقد يتم التجديد بالمشروعات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يقدم شخص (أو جماعة) مشروعًا اقتصاديًا معينا فيؤدى إلى إنعاش الأمة(أو جزء منها)، وتنميتها، والإيصاء بها، وإنقاذها من الفقر والمجاعة، أو من البطالة أو التضخم… وقد يقدم مشروعًا اجتماعيًا فتتحقق به إغاثة الأمة والخروج بها من أزمة اجتماعية، وهكذا.

فأدوات التجديد كثيرة تتحقق بالقول والعقل، والفكر، والفقه، وبالتقنيات الجديدة، والأفكار، والمشروعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

بين التجديد والاجتهاد:

إن من لوازم التجديد الاجتهاد، فلا يمكنه أن يكون هناك تجديد حقيقي مع التقليد والتعصّب الأعمى، ولا بد أن يعلم هنا أن التقليد المنبوذ هو غير الاتباع والقدوة، والموافق والآخذ رأي أهل العلم من لم يكن عنده العلم، فقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾([16]).

فالتقليد المرفوض هو الجمود على فكر شخص أو مذهب معين، وعدم تزحزحه عنه مهما كانت الأدلة واضحة قوية. ثم إن الناس في العلم مراتب؛ منهم من لديه القدرة على الاجتهاد يجب عليه الاجتهاد ما دامت شروطه متوافرة. ومنهم من هو قادر على الترجيح وله أهلية فعلية إن فعل ذلك. ومنهم من ليس له أهلية العلم؛ فهؤلاء يجب عليهم أن يسألوا أهل الذكر، لكن لا يجوز لهم التعصّب لرأي مطلقًا حتى لو لم يكن له دليل.

المبحث الأَوَّل:
كيفية التجديد في فقه الاقتصاد الإسلامي والمعاملات المالية

المقصود بالتجديد في فقه الاقتصاد والمعاملات المالية المعاصرة هو تحقيق ما يأتي:

1- تجديد الفكر الاقتصادي والنظام الاقتصادي، والنظريات الاقتصادية من خلال أصول فكرية متكاملة، وحلول عملية ناجعة لكل المشاكل الاقتصادية المحلية والعالمية، وربط محكم بين الأصول والحلول، وبين الجزئيات والكليات، وبين المسائل الفرعية والأدلة الجزئية والمقاصد العامة للشريعة الغراء.

2- تجديد أصول الاستنباط للقضايا الاقتصادية ومناهجه حتى تكون قادرة على تجديد الفقه؛ وذلك لأن أي تجديد للفقه لا يتم إلاّ من خلال تجديد في مناهجه، وذلك لأن أصول الفقه هو منهج الاستنباط التي ينبثق منه الفقه مباشرة. ولا يقصد بتجديد أصول الفقه التقليل من شأن القواعد الأصولية، أو التشكيك فيها، أو تغييرها، وإنما المقصود بذلك ما يأتي:

‌أ)  إعادة النظر فيما ليست له علاقة بعلم أصول الفقه واستبعاده من خلال منهج أصولي واضح كما فصله الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ في الرسالة، وكما بينه الإمام الشوكاني؛ حيث بيّن أهمية التجديد في علم أصول الفقه؛ لأن فيه بعض المسائل تؤدي إلى التقليد، بدل الاجتهاد؛ ولذلك فرض على نفسه في كتابه الحصري “إرشاد الفحول إلى علم الأصول “: أن يبين الراجح من المرجوح، والسقيم من الصحيح، وما يصلح لإدخاله في علم أصول الفقه، وما لا يصلح من خلال ربط الاجتهاد بالاستنباط من الكتاب والسنة، حيث قال “ويخرج بطريق الاستنباط: نيل الأحكام من النصوص ظاهرًا، أو حفظ المسائل، أو استعلامها من المفتي، أو بالكشف عنها في كتب العلم، فإن ذلك وإن كان يصدق عليه الاجتهاد اللغوي، فَإِنَّهُ لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي”([17]). كما حصر الاجتهاد في الاجتهاد المطلق المباشر؛ ولذلك ذكر شروط هذا النوع فقط، وهي العلم بالكتاب والسنة وبخاصة ما يتعلق بالأحكام، ومعرفة مسائل الإجماع، والعلم بأصول الفقه، والناسخ والمنسوخ، وباللغة العربية التي شددّ فيها فاشترط أن يكون له فيها ملكة تمكنه من معرفة معاني الألفاظ، وخواص تركيبها، ولطائفها ومزاياها([18]).

‌ب)  ربط الجزئيات بالمقاصد العامة، والمبادئ العامة، والقواعد الكلية، والتوازن بين الوسائل والغايات، وبين الفرعيات والكليات، وبين سد الذرائع وفتحها، وبين فقه المآلات والأحكام الظاهرة.

‌ج)  استحداث بعض الأصول المهمة التي تساعد على الفهم والاستنباط، مثل فقه الميزان الذي لا يستغني عنه باحث، ومثل المنهج الزوجي في الفهم بدل المنهج الأحادي.

3- السعي لاستخراج كليات وقواعد عامة، أو ما يسمى بالمبادئ العامة، أو النظريات العامة لتنتظم من خلالها فروع كثيرة ومسائل مختلفة.

فالاهتمام بالتنظير والتخريج والتقعيد يعتبر من أهم أنواع التجديد في عصرنا الحاضر، وقد نشطت هذه الحركة من خلال الرسائل الجامعية في مختلف المبادئ والنظريات الفقهية مثل: مبدأ الرضا في العقود، ومثل نظرية التعسف في استعمال الحق، وغيرهما، حيث جمعت كل المسائل الخاصة بموضوع المبدأ أو النظرية، ورتبت ترتيبًا جيدًا سهَّل على الباحثين الرجوع إلى الموضوع، وأعطاهم فكرة جامعة مانعة شاملة.

4- المقارنات الفقهية داخل المذاهب الفقهية كلها من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإباضية، والظاهرية، والإمامية، بل وصلت إلى آراء المذاهب المندثرة، وآراء الصحابة والتابعين.

فهذه المقارنات أحدثت حركة فقهية واسعة أدت إلى إحياء الفقه المقارن، ولا سيما إذا التزمت بالمنهج الصحيح الآتي:

‌أ. ذكر آراء جميع المذاهب من مصادرها الموثوقة بدقة وموضوعية.

‌ب. تحرير محل النزاع، وبيان ما هو المتفق عليه، وما هو المختلف فيه؛ أي تحديد الخلاف بدقة وعمق، مع بيان آثار الخلاف إن وجدت.

‌ج. ذكر أدلة كل فريق بأمانة وصدق.

‌د. مناقشة كل دليل من أدلة المختلفين.

‌هـ. بيان الراجح الذي يرجحه الدليل دون تعصّب لأي رأي مهما كان الرأي.

‌و. أدلة الرأي الراجح، وتطبيقاته، وآثاره على الواقع.

5- يربط الاجتهاد بفقه الميزان الذي يساعد كثيرًا على فهم الكتاب والسنة.

6- تعمم دائرة الفقه لتشمل فقه الأولويات، وفقه الموازنات والأوزان، وفقه الواقع ومعرفة فقه المراحل؛ ففقه التمكين غير فقه الاستضعاف (فقه المرحلة المكية كان غير فقه المرحلة المدنية)، وفقه السنن، سنن العرض الحاكمة للكون، وسننه الحاكمة في الشا*/. وصناعة الحياة، وصناعة الموت، حيث البقاء والتمكين والظفر والنصر، والقوة للأحسن، حيث يقول الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾([19]).

فبهذا الفقه الشمولي، وبهذا الفكر المتعمق يتحقق التجديد الحقيقي.

7- العناية القصوى بفقه التنزيل مع فهم النص؛ أي تنزيل النص على الواقعة، حيث يظهر دور الاجتهاد بشكل كبير مع جمع النصوص بما فيها النصوص القطعية. حيث نرى أن الخليفة الراشد عمر t لا يطبق النص القطعي المجمع عليه في حد السرقة من خلال فقه التنزيل؛ لأن ذلك النص القطعي لا ينطبق على حالة المجاعة، لأنه خالص بكامل أركان الجريمة، وهذا لا يتفق مع حالة المجاعة.

ومن باب فقه التنزيل الشروط والضوابط التي وضعتها الشريعة، أو الفقه لتحقيق الواجب، أو المحرم…

ولعدم الالتفات الى هذا الفقه والتجديد منه وقعت ـ ولا زالت تقع ـ أخطاء جسيمة، ولاسيما لدى الشباب المخلص المتحمس الذي يطبق نصوص الجهاد والقتال والغنائم دون النظر الى فقه. وبذلك طعن فقه الفهم والدلالة على فقه التنزيل والتحقيق.

ولأجل تحقيق هذا الفقه وضع المحقّقون من علماء الفقه والأصول مجموعة من الأصول المهمة العامة، فمثلاً وضع جماعة من الفقهاء ـ وبخاصة الحنفية ـ الاستحسان، والعرف لكبح جماح القياس. كما وضع آخرون مقاصد الشريعة لخدمة فقه التنزيل، وهكذا.

8- المقارنة بين الفقه الإسلامي بمذاهبه، وبين القوانين الوضعية، أو النظم الوضعية الأخرى الاقتصادية، أو السياسية.

هذه المقارنة بين النظامين (الإسلامي) و(الوضعي)تفيد الفقه الإسلامي فائدة كبيرة من حيث العلاج، ولكن بشرط واحد، وهو أن لا نضحي بمنهجية الفقه وأصوله وضوابطه في سبيل الوصول إلى قاعدة قانونية.

حيث لا يجوز أن يقرأ أصول الفقه من خلال قواعد القانون، ولا الفقه في إطار النظريات القانونية؛ وإلاّ دخلنا في عالم التقليد، والمحاكاة للغير، وهو أشد سلبية من التقليد الداخلي.

9- ربط الاجتهاد الفقهي بالعلوم الإنسانية، وبخاصة العلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية، بل العلوم ذات الصلة بالموضوع مثل الطب، فلا يستقيم للفقيه رأيه حول موضوع اجتماعي أو نفسي، أو تربوي إلاّ إذا كان لديه إلمام بهذه الجوانب، أو أن يستعين بأحد المختصين فيها. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالقضايا الطبية مثل: أحكام الجنين. وموت المريض في حالة حركة القلب بالجهاز، ولكن مع موت الدماغ. وقضايا البصمة الوراثية، وغيرها([20]).

وقد كان الأئمة السابقون يولون العناية بهذه العلوم، فكان معظمهم موسوعيين جمعوا بين الفقه والأصول، والعلوم الأخرى، واستثمروها لصالح الفقه مثل الغزالي، وابن رشد، والرازي، وغيرهم. ولذلك شدد الغزالي النكير على من يفصل بين علوم الشريعة وغيرها، فيقسم العلوم كلها إلى ما هو من فروض العين، أو الكفاية، أو الاستحباب، والإباحة([21]).

وفي مجال الاجتهاد في الاقتصاد والتجديد فيه، فلا يمكن أن يتحقق ذلك إِلاَّ من خلال المعرفة العميقة بالعلوم الاجتماعية، والسياسية ونحوهن.

10- الاجتهاد الجماعي: وقد عرف بأنه الاجتهاد الصادر من المجامع الفقهية، مثل: مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، ومجمع الفقه الإسلامي بالهند، والسودان، ويلحق بها المؤتمرات الفقهية والندوات الفقهية المتخصصة.

إن هذا النوع من الاجتهاد يقوم على المشاورة والمناقشة بين الأعضاء والحاضرين للوصول إلى رأي، أو فتوى، أو قرار يصدر بإجماع الحاضرين، أو بأغلبيتهم. وهذا ليس جديدًا، بل كان هو الأصل في عصر الخلافة الراشدة بالنسبة للقضايا الاجتهادية التي تهم الأمة الإسلامية، حيث سار الخليفة الأول أبو بكر الصديق ومن بعده من الخلفاء الراشدين ـ y جميعًا ـ على هذا المنهج، فقد كانوا إذا عرضت عليهم مسألة جديدة نظروا في كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيه نصًا نظروا في سنة رسول الله e، فإن لم يجدوا فيها جمع الخليفة علماء الصحابة وكبارهم، واستشارهم في القضية المعروضة. فقد روى البغوي والبيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران، قال: (كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله e في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين عن السنة، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله e قضى في ذلك بقضاء؟…. فإن أعياه ذلك جمع رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم، فإن أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك…، فكان إذا رفعت إليه قضية، قال: ادعوا لي عليًّا، وادعوا لي زيدًا، وكان يستشيرهم، ثم يفصل بما اتفقوا عليه)([22]).

وقد بعث عمر t رسالة إلى القاضي شريح الكندي (ت78هـ) عندما ولاه قضاء الكوفة قال فيها: «فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن رسول الله e، فاقض بما أجمع عليه الناس…»([23]).

بل إن أبا هريرة t وصف رسول الله e بكثرة المشاورة لأصحابه، فقال: “ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله e »([24]).

وعقد البخاري بابًا ترجم له: باب قول الله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾([25])، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾([26])، ثم ذكر مشاورة النبي e لأصحابه يوم أحد في القيام، والخروج فرأوا له الخروج… وقال: “وشاور عليًا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة… وكانت الأئمة بعد النبي e يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.. وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شبانًا…)([27]).

وذكر الحافظ ابن حجر عددًا كبيرًا من استشارات الخلفاء الراشدين y([28]).

وقد سار على هذا المنهج كبار التابعين، فهذا هو الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز لَـمَّا ولي المدينة جمع عشرة من فقهائها([29])وقال لهم: “إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم» ([30]).

وهذا المنهج الاجتهادي القائم على المشورة طبقه هؤلاء الخلفاء الراشدون تنفيذًا لأمر الله تعالى بالشورى في كل الأمور، ولأمر رسول الله e وسيرته العطرة؛ فقد أمر الله تعالى بالشورى، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾([31]) ووصف المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾([32]).

وروى مالك والطبراني عن سعيد بن المسيب عن الخليفة الراشد علي t أَنَّهُ قال: «قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا ما لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه منك سنة؟ قال: « أجمعوا له العالمين، ـ أو قال: العابدين ـ من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد» ([33]).

ولكن الاجتهاد الجماعي على الرغم من أهميته فلا يغني عن الاجتهاد الفردي، ولا يمنع منه؛ إذ الاجتهاد الفردي هو أهم الروافد له، كما أنه هو الأكثر احتكاكًا بمشاكل الأمة اليومية، وقضاياها المتجددة ونوازها الكثيرة.

11- تجزؤ الاجتهاد: المهم في هذا الميدان ما ذكره جماعة من الأصوليين مثل الغزالي([34]) الذي تبعه جمهور الأصوليين في تجزؤ الاجتهاد([35]). ويقصد به أن يكون العلماء مجتهدًا في باب واحد، مثل المعاملات، أو في مسألة واحدة منها ولا يكون مجتهدًا في غير ذلك. وهذا هو ما يحدث في عصرنا الحاضر من خلال الرسائل العلمية المتخصصة للدكتوراه؛ حيث يمكن أن يصبح صاحبها مجتهدًا في موضوع رسالته إذا توافرت شروط الاجتهاد.

12- تقنين الفقه الإسلامي وصياغة قانونية على شكل مواد منظمة مرتبة، وحتى يسهل فهمه والرجوع إليه، وحتى يعرف المتخاصمان الرأي الذي يطبق عليهما، ولكن دون التضحية بخصائص الفقه الإسلامي.

وقد بدأ تقنين الفقه الإسلامي منذ البدء بمجلَّة الأحكام العدلية 1285هــ ـ 1869هـ، ثُمَّ صدور المرسوم بتطبيقها في شعبان 1293هـ حيث تحتوي على 1851 مادة تخص المعاملات في المذهب الحنفي، وضمت في صدرها 99 قاعدة، ورتبت أبوابها وفصولها على غرار القانون المدني([36]).

وأصدرت الدولة العثمانية بعد ذلك قانون حقوق العائلة عام 1336هـ.

وقام العلامة محمد قدري باشا (ت1306هـ) بإصدار ثلاثة كتب بصياغة قانونية وهي: مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب أبي حنيفة في 1049 مادة. والأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية في 647 مادة. وقانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف في 646 مادة على المذهب الحنفي([37]).

وقام العلامة مصطفى الزرقا بجهود حثيثة للتقنين وتأصيله، وبخاصة في كتابه: قانون الأحوال الشخصية الموحدة.

وفي مجال فقه المعاملات والاقتصاد الإسلامي تعتبر المعايير الشرعية والمحاسبية من أهم التقنيات المعاصرة.

13-    التشجيع على الاجتهاد بنوعيه، مع توفير مستلزماته:

أ‌- الاجتهاد القائم على دراسة ما لدى الأمة الإسلامية من ثروة فكرية وفقهية وحضارية، ثُمَّ ترجيح ما يرجحه الدليل ومقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، والقيام بعملية انتقائية متجردة للوصول إلى ما فيها من كنوز وخبرات وبركات([38]).

وهذا الانتقاء والترجيح، أو التصفية والتخريج لا ينبغي أن يقف عند حدود الفقه وأصوله، بل لا بد أن يشمل كل ثروتنا الفكرية والحضارية مِمَّا سطره الأوائل في عالم التفسير، والحديث، والاجتماع، والنفس بالإضافة إلى الفقه وأصوله.

ويكون الغرض من هذا الاجتهاد تحقيق أربعة أهداف:

أحدها: الاستفادة من الحلول الموجودة ـ كما هي ـ داخل هذه الثروة العظيمة، حيث إن معظم المشاكل قديمة وجديدة، تتكرر مع تكرار الزمن، وأن الأسئلة عنها تتكرر مع مرّ العصور والأزمان.

الثاني: الاستفادة من حلول الفقه والفكر الإسلامي وأصوله من خلال شيء من التعديل والتقويم، أو إلباسه ثوب العصرنة، أو من خلال التلفيق المقبول بين الآراء، فمثلاً: إن الجمهور يقولون بأن عقوبات الحرابة المذكورة في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾([39])تنزل كل واحدة منها على فريق معين من المجرمين؛ فالذي يقتل ويأخذ المال يقتل ويصلب…، وهكذا. في حين أن المالكية يعطون الحرية للإمام أو من ينوب عنه في الاختيار حسبما يراه مصلحة، فيمكننا اليوم أن نجعل قول الجمهور هو الأصل، وقول المالكية في حالات معينة ينص عليها في النظام (القانون) العقابي ـ مثلاً ـ .

الثالث: إعادة النظر في الأدلة التي اعتمد عليها الفقهاء والأصوليون والمفكرون القدامى من النصوص الظنية دلالة وثبوتًا، أو دلالة فقط، أو ثبوتًا فقط؛ فهذه الأنواع الثلاثة تحتاج إلى إعادة النظر في معانيها وسياقها ومراميها، حيث تتجدد بتجدد العصر، فمثلاً فإن جل الاجتهادات السابقة في معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾([40]) تدور حول أَنَّهُ يقصد به العبد المكاتب الذي يريد التحرير، أو تحرير الرقيق مباشرة. وبما أن الرق قد انتهى، وأن هذه النهاية مقصودة للشارع من خلال تشريعاته، وبما أن نصوص القرآن خالدة أعدنا النظر في معناه، فوجدناه ليس نصًا في معناه السابق؛ بل يقصد به من أذلت رقبته، وهو معنى خالد لا ينتهي، حيث يطبق اليوم على الشعوب المحتلة من قبل المستعمرين، وعلى الأسير والمختطف، فتصرف حصته على هؤلاء([41]).

ويدخل في هذه المجال إعادة النظر على ما بني على ما ادعى من الإجماع حيث تبين فيما بعد أن الاجماع الأصولي لم يتحقق؛ بل كان إجماعًا سكوتيًا، أو أنه ثبتت مخالفة البعض، أو أن الاجماع كان مبنيًا على العرف، أو المصلحة فتغير العرف اليوم أو المصلحة المبتغاة من ذلك.

وكذلك ما بني على العرف فينبغي إعادة النظر فيه؛ لأن العرف المطلوب هو العرف المقارن وليس العرف السابق؛ يقول الإمام القرافي: (لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت. وتبطل معها إذا بطلت؛ كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك. فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها. وكذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم ترد به. وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، بل قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا ?وعلى هذا التحرير يظهر أن عرفنا اليوم ليس فيه الحلف بصوم شهرين متتابعين فلا تكاد تجد أحدا بمصر يحلف به، فلا ينبغي الفتيا به، وعادتهم يقولون: عبدي حر، وامرأتي طالق، وعلي المشي إلى مكة، ومالي صدقة إن لم أفعل كذا؛ فتلزم هذه الأمور. وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيَّام، فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده واجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك؛ فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين. وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا مستغنية عن النية)([42]).

وكذلك إعادة النظر في بعض الأحكام المأخوذة من الأحاديث النبوية الشريفة من حيث تصنيفها على أساس ما قاله الرسول e بلاغًا من رب العالمين، أو على أساس أَنَّهَا مِمَّا قاله بحكم كونه إمامًا، أو قاضيًا، أو أنه نطق به لأنه من الأعراف السائدة في عصره e، مثل وصف بعض الأدوية السائدة في عصره([43]).

الرابع: إحياء بعض الآراء الفردية لغير المذاهب المشهورة التي هجرتها العصور السابقة بسبب شهرة المذاهب المعتمدة في العالم الإسلامي، وهي الآراء النادرة لبعض الصحابة، أو التابعين، أو علماء الأمة على مرّ العصور؛ فمثلاً كان رأي ابن تيمية المعتمد على رأي ابن عباس في عدم وقوع الطلقات الثلاث بلفظة واحدة يعد في السابق من الآراء الشاذة التي حورب من أجلها. واليوم أصبح هذا الرأي مطبقًا في معظم قوانين العالم الإسلامي الخاصة بالأسرة، بل فيه إنقاذ للأسرة.

ب‌- الاجتهاد الإنشائي الذي يعالج به القضايا الجديدة التي ليس لها سابقة في العصور السابقة، وهي كثيرة في عالم الاقتصاد، والمعاملات المالية؛ فهناك مستجدات لم تكن موجودة في العصور السابقة، مثل الشركات المساهمة، والأسهم، والنقود الورقية، والتأمين، والبنوك وما فيها من حسابات واستثمارات، واعتمادات وخصم للكمبيالات وغير ذلك كثير، حيث إن كل ذلك يحتاج إلى اجتهاد جديد.

وهناك من المعاصرين من يقول: إن كل ذلك لا بدّ أن يعالج من خلال الفقه الموجود، مرددين قول من يقول: لم يترك الأوائل للأواخر شيئًا، بل الصحيح ما قاله أهل التحقيق: كم ترك الأوائل للأواخر([44]).

نعم، إن الاجتهاد في هذه القضايا مقيد بالمبادئ العامة، ومقاصد الشريعة، والضوابط العامة للاجتهاد، وشروطه التي يجب توافرها.

والاجتهادات في عصرنا الحاضر متاح لأهله؛ بل هو أيسر من السابق؛ لأن تقنيات العصر سهلت على المجتهد تسهيلاً لم يكن متوافرًا في السابق، فالكتب الكثيرة المطبوعة المتوافرة في جميع المذاهب، والعلوم لم تكن متوافرة في السابق مثل اليوم، ناهيك عن وسائل التصوير والوسائل الالكترونية التي تعطي الباحث الكثير من البحوث والمعلومات بمجرد إدخال المصطلح في جهاز الحاسوب، ناهيك عن الكتب الجامعية للفقه أو للحديث، أو التفسير….، وسهولة التصوير والنقل. يقول الأستاذ أحمد إبراهيم بك: (وليعلم أن بين أيدينا الآن كنوزًا ثمينة من المصنفات القيمة في التفسير وموسوعات السنة وشروح الحديث مِمَّا لم يكن ميسورًا وجوده كله مجموعًا عند سلفنا الصالح، الذين كان يرحل أحدهم إلى البلاد النائية لطلب الحديث الواحد، أو الحديثين… وبالجملة فالاجتهاد ميسور الآن لتكامل عدته تكاملاً أكثر مِمَّا كان عليه الحال من قبل)([45]).

14 ـ العناية القصوى بالعقل وتنشيطه، وإعادة دوره في ظلال الوحي، فالعقل خادم للوحي، ولا نجد دينًا ولا نظامًا أولى عنايته القصوى بالعقل مثل الإسلام.

والمسلمون اليوم ـ بل منذ فترة قصيرة ـ بين إفراط وتفريط في حق العقل؛ فمنهم من يحاول عزله، وإبعاده أو تقليل دوره وشأنه. ومنهم من يعطيه أدوارًا تخرج عن دائرته وقدرته، ويجعله حاكمًا على الشرع، وهذا لم يقل به أحد من علمائنا السابقين، حتى المعتزلة قالوا: بأن الحاكم هو الشرع، ولكن للعقل دورًا في بيان العلل، والحكم، وكشف الحسن والقبيح.

لذلك فعصرنا الحاضر يحتاج إلى أن يأخذ العقل دوره في الحياة الفكرية والاجتهادية والحضارية في إطار توازن تام وتكامل شامل بين الوحي والعقل.

والحق أن العقل ـ بالإضافة إلى كونه مناط التكليف ـ فَإِنَّهُ الوسيلة الوحيدة الفعالة للاجتهاد والاستنباط والانتقاء والترجيح، وأن دور العقل يصاحب جميع مصادر الفقه وأصوله، وجميع النصوص، حتى لو كان النص قطعيًا فإن دوره لن ينتهي حيث يبحث عن فقه التنزيل والواقع وكيفية التطبيق والتدرج، كما فعل الخليفة الراشد عمر في عام المجاعة بشأن حد السرقة.

وأَمَّا مع بقية أنواع النصوص الثلاثة (ظني الثبوت والدلالة معًا، وظني الثبوت فقط، وظني الدلالة فقط)؛ فإن دور العقل كبير من حيث الاجتهاد والاستنباط والبحث عن كل ما يحيط بها من ظروف وملابسات.

وأَمَّا اذا لم يوجد نص كما في منطقة العفو فإن دور العقل يتفاقم، ويتضخم أكبر للوصول إلى رأي متوازن.

ولكن العقل في جميع أنواع الاجتهاد يسترشد بنور الوحي، ويستنير بمصابيح المبادئ العامة والقواعد الكلية للشريعة الغراء.

15 ـ تجديد أساليب تعليم الفقه ـ ومنه الفقه الاقتصادي ـ وتدريبه، والتأليف فيه، ووضع البرامج الشاملة لتنشيط الاجتهاد والتجديد.

16 ـ إنشاء مؤسسات تهتم بصناعة المجتهدين والفقهاء، كما فعل نظام الملك المدارس النظامية في بغداد وغيرها، فأراد بها إحياء علوم الدين مرة أخرى، فما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه المؤسسات التي تقوم بصناعة الرجال، رجال الفكر والفقه.

15  ـ الاستفادة من حركات التأريخ، ودورات الحضارة، والترابط الوثيق في الحضارة الإسلامية بين حظيْ العلم والتكليفية، والعلوم الطبيعية حيث سارا بخطى ثابته متوازنة ومقارنه. لذلك وجدنا علماء مجتهدين عظامًا في مختلف العلوم الشرعية في الوقت الذي وجدنا علماء عظامًا في العلوم التطبيقية من الطب والكيمياء والفلك…

إن توقف المد الحضاري وظهور التقليد والجمود يؤدي إلى توقف حركة العلم والاجتهاد والتجديد، كما أن هناك ارتباطًا آخر بين الكبت السياسي ومنع التجديد؛ أشار القرآن الكريم إلى أن الشعب الذى ليس له حرية لا يؤمل منه الخير؛ بل يصبح عالة حتى على الدولة الكاتمة نفسها، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾([46]).

التجديد الحقيقي بتحقيق الأساليب المعاصرة في التعليم والتعليم، والتدريس والتأليف، حيث إننا نجدها على عدة طرق، منها:

ما يكمن في طرق التعليم والتدريس المطبقة في وزارة التربية والتعليم في عالمنا الإسلامي والعربي. فهي في معظمها لا تصنع الملكة الفقهية، والعقلية الأصولية، ولا الطرق التحليلية، إضافة إلى أن برامجها فيها العمق الفقهي واللغوي…

المبحث الثاني:
ضوابط التجديد في الاقتصاد والمعاملات المالية

لا شك أَنَّهُ يعتبر من أهم الضوابط للتجديد أو الاجتهاد، بل إن أولها هو توافر القدرات الذاتية، والمؤهلات العلمية التي ذكرها علماؤنا بالتفصيل عند تناولهم شروط المجتهد بكل أنواعه، وشروط المفتي من علمه باللغة العربية نحوًا وصرفًا، وبيانًا وبلاغة، وفقه لغة، وبعلم أصول الفقه، وبالكتاب والسنة، والمجمع عليه، والمختلف فيه على تفصيل ليس هذا محله…

وَإِنَّمَا نحن نتحدث في هذه العجالة عن أهم الضوابط الأخرى الخاصة بالتجديد في الاقتصاد والمعاملات المالية الإسلامية، وهي بالإضافة إلى الشرط السابق كالآتي:

أولاً: الالتزام بالثوابت الشرعية، والمبادئ الكلية للإسلام، فلا يجوز لأي اجتهاد تحت غطاء التجديد ـ أو غيره ـ أن يخرج عن النصوص القطعية (دلالة وثبوتًا)، أو يتعارض معها؛ فلا يجوز تحت أيّ غطاء تحليل الربا (الفوائد الربوبية) إِلاَّ في حالات الضرورة بالنسبة للمدين، وهي تقدر بقدرها.

ولكن هذا الشرط لن يشل حركة الاجتهاد والتجديد، بل يضبطها بالثوابت التي تحمي الأمة من الانصهار والذوبان، والتشريع من التحريف والتضليل، ويبقي الأمة على تمايزها الفكري والعقدي، والتشريعي والأخلاقي.

وهذا الشرط في حقيقته يعمل في دائرة ليست واسعة؛ إذ أَنَّهُ يبقي للاجتهاد مجالاً واسعًا، وليجد مكانًا رحبًا في أربع دوائر واسعة يسمح بها الإسلام أن يصول فيها ويجول، وهي:

1. دائرة نصوص ظنية الدلالة فقط، وهي كثيرة جدا من القرآن والسنة.

2. دائرة نصوص ظنية الثبوت فقط، وهي تشمل معظم الأحاديث ما عدا المتواتر.

3. دائرة نصوص ظنية الدلالة والثبوت معًا، وهي أيضًا ليست قليلة من الأحاديث الشريفة.

4. دائرة العفو ـ أي المنطقة التي لم يرد بها نص ـ كما سبق.

ثانيًا: معرفة بالاقتصاد علمًا ونظامًا، واقتصادًا كليًا أو جزئيًا، ونظريات، وسواء كان رأسماليًا حرًا، أو مقيدًا، أو اشتراكيًا، أو شيوعيًا؛ فمعرفة هذا العلم بوجهات نظره المختلفة تفيد الباحث الشرعي إفادة عظيمة. وإن أكبر مشكلة عندنا اليوم هو ندرة من يجمع بين العمق الفقهي والعمق الاقتصادي، وهذا يتطلب فعلاً دراسة هذا العلم بجانب فقه المعاملات والاقتصاد الإسلامي حتى يكون قادرًا على الاجتهاد والإبداع بعيدًا عن التكرار والاستجرار.

ثالثًا: أن يكون لديه إلمام بعلوم العصر من العلوم الإنسانية والتطبيقية بالقدر التي يحتاج إليه اجتهاده، يقول الإمام الشوكاني: “ولقد وجدنا الكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعًا عظيمًا وفائدة جليلة في دفع المبطلين والمتعصّبين وأهل الرأي والبحث، ومن الاشتغال بالدليل”([47]).

رابعًا: معرفة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية والعالمية، حيث إن لهذه التغيرات دورًا كبيرًا في الحياة الاقتصادية؛ فقد حدثت تغيرات ضخمة في عصرنا الحاضر، ولاسيما في المجال الاقتصادي وظهرت مشاكل كبيرة، وأزمات اقتصادية أدت إلى الركود الاقتصادي، وارتفاع معدل التضخم والبطالة بشكل مخيف. وهذه الأوضاع لا تأتي منفردة أيضًا، بل هي مرتبطة بالأوضاع السياسية والاجتماعية والسياسة العالمية، وسياسة الحرب والسلام.

ولذلك ينبغي للاجتهاد الإسلامي أن يتجه نحو إيجاد هذه الحلول من منطلقات تحل مشكلة الفقر، والفروق الطبقية، والتضخم ونحو ذلك، ويتجه نحو تحقيق وسائل التنمية الشاملة، وهذا ما يوجه الفقه الاقتصادي إلى ترجيح الأقوال التي تشد أزر هؤلاء، وتؤدي إلى تحقيق مقاصد الشريعة في الاستخلاف والتعمير؛ فمثلاً حينما ندرس الأقوال والآراء الاقتصادية لفقهائنا فإن المطلوب أن نرجح ما يحقق هذه المقاصد، ولذلك يتجه الفقه الاقتصادي المعاصر إلى ترجيح قول أبي يوسف في تفسير الاحتكار بأنه: (كل ما يضر بالناس حبسه فهو احتكار، سواء كان قوتًا أم غيره). وترجيح قول الشافعي في تحقيق تمام الكفاية للفقير بحيث يعطى له من حصيلة الزكاة ما يغنيه طول العمر من خلال إغنائه بتمليكه وسائل حرفته، أو تجارته. وترجيح قول ابن تيمية في جواز التسعير، بل وجوبه إذا تحقق تلاعب التجار بالأسعار، واحتكروا السلع لرفع الضرر عن الناس، وجواز تدخل الدولة لحماية الطرف الضعيف. وترجيح قول ابن حزم في وجوب التكافل بين أغنياء كل بلد وفقرائهم، بحيث يجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم.. ([48]).

ثُمَّ إن معرفة الفقيه الاقتصادي بالأزمات الاقتصادية، وأسبابها، وحلولها، وبالتجارب الناجحة، أو الفاشلة، والنظريات المتنوعة تعود بفائدة كبرى عليه، وعلى حلوله؛ وذلك لأن التجارب البشرية هي ملك للجميع، وأن المطلوب أن تبدأ حيث انتهى الآخر. ولذلك أخذ سيدنا عمر بنظام الدواوين المطبق في الامبراطورية الفارسية، وبذلك بدأ الاحتكاك الحضاري الإيجابي، والتفاعل العلمي والاجتماعي في وقت واحد.

فالاقتصاد الإسلامي، وحتى الفقه ـ ما عدا ثوابتهما المتمثلة في النصوص القطعية والمبادئ الكلية ـ اجتهاد بشري وإنتاج عقلي وإن كان في ظل الوحي، ولذلك لابد أن يستفيد من تجارب الماضي وواقع العصر.

خامسًا: أن يتم التجديد داخل المنظومة الفقهية من أصول الفقه ومصادره، والقواعد والتخريج، وليس داخل دائرة الغير من الاقتصاد أو القانون أو غيره فلا بدّ ـ كما يقول الأستاذ السنهوري ـ أن توضع التصورات العامة للفقه الإسلامي من داخل هذا الفقه نفسه، ومن مناهجه ومرجعياته الموثوق بها؛ فتقريب الفقه الإسلامي من القانون الوضعي يبتعد به عن الجدة والإبداع)([49]). وهذا لا يؤدي في نظري إلى منع تجديد الصياغة والاستفادة من آليات العلاج والحلول…

*    *     *


*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**أســــتاذ بكلية الشريعة_بجــامــعة قــطـــر.

 

[1]) سورة الأحزاب: 40.

[2]) سورة المائدة: 3.

[3]) سورة النساء: 83.

[4]) روى الترمذي وابن ماجه وغيرهما بسندهم عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله e عن السمن والجبن والفراء، فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم». وفي رواية أخرى رواها الحاكم والبزار بلفظ: «فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، وتلا: ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (سورة مريم: 64)».

[5]) الحديث رواه أبو داود في سننه، الحديث رقم 4270. والحاكم في المستدرك (4/522). ورواه غيرهما، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 599.

[6]) جامع الأصول: 11/ 320 – 324.

[7]) د. يوسف القرضاوي: بحثه الموسوم: تجديد الدين في ضوء السنة، المنشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الثاني 1407هـ، ص25.

[8]) سورة يونس: 15.

[9]) سورة الحجر: 9.

[10]) أ. د. يوسف القرضاوي: تجديد الدين في ضوء السنة، بحث منشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، جامعة قطر، العدد 72، 1987م، ص29.

[11]) الحديث متفق عليه.

[12]) يراجع: المراجع السابقة، ود. عبد المجيد النجار في فقه التدين فهماً وتنزيلاً، ضمن سلسلة الأمة الفطرية (1/68). ومعالم تجديد المنهج الفقهي، نموذج الشوكاني، سلسلة كتب الأمة، ص.

[13]) بحث للدكتور علي القره داغي بالعنوان الأخير ألف بجامعة قطر بمناسبة ذكرى صلاح الدين.

[14]) المقدمة، ط. دار الفكر، بيروت، ص(231).

[15]) المصدر السابق نفسه، ومعالم تجديد المنهج الفقهي…

[16]) سورة النحل: 43.

[17]) إرشاد الفحول، ص250، وما بعدها.

[18]) المصدر السابق، ص251-252.

[19]) سورة الملك: 1-2.

[20]) يراجع لمزيد من البحث: أ. د. علي محيى الدين القره داغي، وأ. د. علي يوسف المحمدي: فقه القضايا الطبية المعاصرة، ط. دار البشائر الإسلامية، بيروت، 2005م.

[21]) إحياء علوم الدين، ج1.

[22]) فتح الباري، 13/342. وأعلام الموقعين، 1/62.

[23]) أعلام الموقعين، 1/65. ويراجع: مجموع الفتاوى لابن تيمية، 19/200 – 201.

[24]) رواه الترمذي في سننه، كتاب الجهاد ـ مع تحفة الأحوذي-5/375.

[25]) سورة الشورى: 38.

[26]) سورة آل عمران: 159.

[27]) صحيح البخاري -مع الفتح-، 13/339 – 340.

[28]) فتح الباري، 13/342.

[29]) وهم: عروة بن الزبير (ت94هـ) وأبو بكر بن عبدالرحمن (ت94هـ)، وعبيدالله بن عبدالله بن زيد (ت98هـ)، وخارجة بن زيد (ت100هـ)، وعبدالله بن عبدالله بن عمر (ت105هـ)، وسالم بن عبدالله بن عمر (ت106هـ)، وسليمان بن يسار (ت107هـ)، والقاسم بن محمد (ت108هـ)، وأبوبكر بن سليمان بن أبي حثمة، وعبدالله بن عامر بن ربيعة (ت بضع و80هـ).

[30]) تاريخ الطبري، ط. دار المعارف، بيروت، 6/427-428. ويراجع للاجتهاد الجماعي: الدكتور يوسف القرضاوي: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ط. دار القلم بالكويت 1985، ص101 وما بعدها. ود. شعبان محمد اسماعيل، ط. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ص24-25.

[31]) سورة آل عمران: 159.

[32]) سورة الشورى: 38.

[33]) رواه الخطيب بسنده عن مالك، ورواه الطبراني كذلك في الأوسط؛ يراجع: مجمع الزوائد، 1/178. وإعلام الموقعين، 2/254.

[34]) المستصفى.

[35]) شرح الكوكب المنير.

[36]) الأستاذ الزرقا: المدخل الفقهي العام، 1/198.

[37]) المرجع السابق، ود. محمد زكي عبدالبر: تقنين الفقه الإسلامي، ط. قطر، ص61. وأ. د. محمد الدسوقي، ود. أمينة الجابر: مقدمة في دراسة الفقه، ط. دار الثقافة، قطر، ص290 – 194.

[38]) الدكتور القرضاوي: الاجتهاد، ص114- 115؛ حيث سمى هذا الاجتهاد الانتقائي، والنوع الثاني بالاجتهاد الإنشائي.

[39]) سورة المائدة: 33.

[40]) سورةالبقرة: 177.

[41]) انظر: بحثنا: «وفي الرقاب»، مقدم إلى الندوة الأولى للهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة، والتي عقدت بالقاهرة.

[42]) الفروق للقرافي، 1/176-177.

[43]) يراجع: فقه القضايا الطبية المعاصرة، ص131-135.

[44]) الدكتور القرضاوي: المرجع السابق، ص102- 107.

[45]) علم أصول الفقه: ط. دار الأنصار بالقاهرة، ص108.

[46]) سورة النحل: 76، 77.

[47]) يراجع: إرشاد الفحول، ص156.

[48]) يراجع: أ. د. يوسف القرضاوي: المرجع السابق، ص121 – 122.

[49]) مصادر الحق، 1/ 6.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك