حول تقنين أحكام العقوبات في الفقه الإسلامي

حول تقنين أحكام العقوبات في الفقه الإسلامي*

إعداد: د. رجب أبو مليح محمد**

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد..

فهذه ورقة نقاشية حول تقنين أحكام العقوبات في الفقه الإسلامي، ليس الهدف منها سرد الأحكام الفقهية في باب العقوبات، فهي لا تتسع لذلك، كما أنها لا تتحدث عن التقنين في باب العقوبات لأنه أهم من غيره، فالشريعة كلها سواء لا يجوز الاجتزاء منها أو النقصان أو الزيادة عليها.

ولكن الهدف الأول من هذه الورقة هوطرح النقاش حول أهمية التقنين في هذا العصر الذي حدث فيه تغيير للنظام القضائي الذي كان يعتمد على قضاة يتعاملون مع النصوص مباشرة، فاستبدل بهؤلاء مؤسسات قضائية تحكم وفق نظام معين يعتمد فيه القاضي على قوانين ونظم ولوائح أعدت له سلفا، ويتيح لمن يمثل أمام القضاء أن يعترض أو يستأنف هذه الأحكام وفق نظام محدد أيضا.

والهدف الثاني هو طرح إشكالات ظهرت في العصر الحديث نتيجة ما يسمى بالحوار مع الآخر، سواء أكان داخليا أم خارجيا. وهذه الإشكالات أثارت مخاوف لدى هذا الآخر من تطبيق الشريعة الإسلامية، وعلينا أن نجليها أمامه -كما هي- حتى لا تتحول هذه المخاوف إلى حقائق يؤمن بها، ويرى أنه لن يأمن على ماله ونفسه وعرضه في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية.

وقد جاءت هذه الورقة في مقدمة وتمهيد وأربعة فصول؛ يتناول التمهيد تعريفا موجزا للتقنين، وللعقوبات، والفصل الأول: حول ضوابط تقنين العقوبات ومراعاة مقاصد الشريعة من تشريع العقوبة، والفصل الثاني: حول قضايا القصاص والدية. والفصل الثالث: حول القضايا المتعلقة بقضايا الحدود، والفصل الرابع: حول جهود المجامع الفقهية في تقنين العقوبات، ثم الخاتمة ونتائج البحث.

والله من وراء القصد.

تمهيـــد

يتناول تعريفا موجزا للتقنين، وللعقوبات:

التقنين لغة: مصدر “قنن” بمعنى “وضع القوانين”، وهي كلمة مولدة (أي غير عربية الأصل)، والقانون “مقياس كل شيء وطريقه”.

والتقنين اصطلاحا هو: صياغة الأحكام في صورة مواد قانونية مرتبة مرقمة، على غرار القوانين الحديثة من مدنية وجنائية وإدارية… الخ، وذلك لتكون مرجعا سهلا محددا، يمكن بيسر أن يتقيد به القضاة، ويرجع إليه المحامون، ويتعامل على أساسه المواطنون.

أو هو: “صياغة أحكام المعاملات وغيرها من عقود ونظريات ممهدة لها، جامعة لإطارها، في صورة مواد قانونية يسهل الرجوع إليها”.

وعرفه بعض الباحثين بأنه: صياغة الأحكام الفقهية ذات الموضوع الواحد التي لم يترك تطبيقها لاختيار الناس، بعبارات آمرة يميز بينها بأرقام متسلسلة ومرتبة ترتيبا منطقيا بعيدا عن التكرار والتضارب.

وهذا التعريف احتوى على العناصر التالية للتقنين:

1 –الصياغة: وهي ميزة التقنين عن الفقه المدون.

2 –الترتيب والترقيم: وهي ميزة أخرى تجعل الرجوع للأحكام سهلا.

3 -قوله: “الآمرة” هو للتمييز بين مجرد بيان الأحكام، والإلزام بها، وهو من طبيعة القوانين.

4 -قوله: “لم يترك تطبيقها لاختيار الناس”؛ أي: ليس لهم أن يمتنعوا عن تطبيقها فإن امتنعوا فإنها غير متروكة لهم، بل تدخل في جوانب أخرى بذلك، كالعقوبات.

5 –ذات الموضوع الواحد: لأن القوانين عادة تفصل بين كل موضوع وآخر، ولا يمنع ذلك أن يكون مجموع هذه المواضيع يمثل تقنين الفقه الإسلامي([1]).

وقد أجاز التقنين جمهور الفقهاء المعاصرين، ومنهم بعض أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، كما تبين ذلك في وجهة نظر المتحفظين على قرار الهيئة بمنع التقنين من أقوال الفقهاء وهم: الشيخ صالح بن غصون، والشيخ عبد المجيد بن حسن، والشيخ عبد الله خياط، والشيخ عبد الله بن منيع، والشيخ محمد بن جبير، والشيخ راشد بن خنين. وممن يرى الجواز كذلك من أعضاء هيئة كبار العلماء الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد، ومن المجيزين للتقنين كذلك الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والدكتور عبدالرحمن القاسم؛ حيث كتب فيه بحثا واسعا خلص فيه إلى جواز التقنين، بل وضرورته.

ومن مشاهير المعاصرين الذين رأوا جواز التقنين: الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا والشيخ أحمد شاكر والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ مصطفى الزرقا والشيخ علي الطنطاوي والدكتور وهبة الزحيلي والدكتور يوسف القرضاوي والشيخ محمد بن الحسن الحجوي.

وقال بالمنع طائفة من المعاصرين ومنهم: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ بكر أبو زيد، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام.

حيث نقل الشيخ بكر أبو زيد عن الشيخ الشنقيطي رحمه الله كلاما طويلا له في مخاطر التقنين. وأما الشيخ بكر فله بحث منشور ضمن كتابه فقه النوازل وعنوان بحثه (التقنين والإلزام).

والشيخ البسام له رسالة بعنوان (تقنين الشريعة.. أضراره ومفاسده).

وممن قال بالمنع كذلك: هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية حيث تناولت موضوع التقنين تحت عنوان: (تدوين الراجح من أقوال الفقهاء)، وقسمته إلى جزأين: الأول حول التدوين، والثاني حول اللزوم. وصدر قرارها بالأغلبية بالمنع من التقنين([2]).

ولم أعثر على رأي للمجامع الفقهية في هذه المسألة الهامة، وأعجب من عدم تناولها من قبل المجامع حتى الآن فيما اطلعت عليه من بحوث وقرارات، وإن كان واقع حال المجامع الفقهية يرى جواز هذا، وما تصدره من قرارات بعد مناقشة البحوث والتعقيب عليها يعتبر صورة قريبة جدا من صور تقنين الشريعة الإسلامية.

وأحسب أن القول بالجواز أو الندب -ما لم يكن الوجوب- هو الرأي الراجح الآن، بعد أن تحول القضاء من أفراد مجتهدين (هم الذين يستنبطون الأحكام العملية من النصوص الجزئية ثم يحكمون بها) إلى مؤسسات تحكم وفق قوانين معدة مسبقا، وهذا يضمن الاستقرار لمؤسسة القضاء، ويضمن للماثلين أمامها حق الاستئناف أو النقض أمام دوائر أخرى.

وقد نقل شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي كلِمات مُضِيئة لعالِم كبير، ومُحَدِّث جليل، هو العلَّامة الشيخ “أحمد محمد شاكر” ـ رحمه الله ـ في محاضرة له بعنوان: (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر) ألقاها منذ نحو نصف قرن من الزمان، قال ـ رحمه الله ـ في بيان الخطة العملية لاقتباس القوانين من الشريعة:

لا تَظُنُّوا أني حين أدعوكم إلى التشريع الإسلامي أدعوكم إلى التَّقَيُّد بما نصَّ عليه ابن عابدين أو ابن نجيم مثلا، ولا إلى تقليد الفقهاء في فروعهم التي استنبطوها غير منصوصة في الكتاب والسنة، وكثير منها فيه حرَج شديد، كلاَّ؛ فأنا أرفض التقليد كله ولا أدعو إليه، سواء أكان تقليدًا للمتقدمين أم للمتأخرين… ثُمَّ الاجتهاد الفردي غير مُنْتِج في وضع القوانين، بل يَكَاد يكون مُحالا أن يقوم به فرد أو أفراد. والعمل الصحيح المُنْتِج هو الاجتهاد الاجتماعي (أي الجماعي)، فإذا تُبُودِلَت الأفكار، وتدوولت الآراء، ظهر وجه الصواب، إن شاء الله.

فالخطة العَمَلية، فيما أرى: أن نختار لجنة قوية من أساطين رجال القانون وعلماء الشريعة، لتضع قواعد التشريع الجديد، غير مُقَيَّدة برأي، أو مُقَلِّدة لمذهب، إلا نصوص الكتاب والسنَّة، وأمامها أقوال الأئمة وقواعد الأصول وآراء الفقهاء، وتحت أنظارها آراء رجال القانون كلهم، ثم تستنبط من الفروع ما تراه صوابًا، مناسبًا لحال الناس وظروفهم، مِمَّا يدخل تحت قواعد الكتاب والسنة، ولا يصادِم نصًّا، ولا يخالف شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة.

وهذه اللجنة يجب أن تكون موفورة العدد، يُكَوَّن منها لجنة عُلْيا، تضع الأسُس وتَرْسِم المناهج، وتُقَسِّم العمل بين لِجان فرعية، ثم تعيد النظر فيما صنَعُوا ووَضَعُوا، لتنسيقه وتهذيبه، ثم صَوْغه في الصيغة القانونية الدقيقة، فيُعْرَض كاملا على الأمة، ليكون موضع البحث والنقد العلمي، حتى إذا ما استَقَرَّ الرأي عليه، عُرِض على السلطات التشريعية، لإقراره واستصدار القانون للعمل به.

وأول ما يجب على اللجنة العليا عمله أن تدرس ـ بنفسها أو باللجان الفرعية ـ مسائل علم أصول الفقه، ومسائل علم الحديث (مصطلح الحديث) لتحقيق كل مسألة منها، وتوحيد منهج الاستنباط من الأدلة. فتُحَقِّق المسائل التي يُرْجَع فيها لدلالة الألفاظ على المعاني في لغة العرب، من نحو الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والصريح والمؤول، والمُفَسَّر والمجمَل، وسائر قواعد الأصول، كأبواب القياس والاستحسان والمصالح المُرْسَلة، وما إلى ذلك.

وتُحَقِّق القواعد في نقد رواية الحديث ورواته، من ناحية المتن وناحية الإسناد، وما يكون به الحديث صحيحًا يصلُح للاحتجاج ويجب الأخذ به، وما يكون به ضعيفًا لا يصلح للاحتجاج.

وتُحَقِّق القواعد الجليلة الدقيقة، التي لم يُحَقِّقْها أحد من العلماء المتقدمين -فيما نعلم- إلا أن القرافي أشار إليها إشارة موجزة في الفرق السادس والثلاثين من (كتاب الفروق)، وهي الفَرْق بين تصرُّف رسول الله e بالفتوى والتبليغ، وبين تصرُّفه بالإمامة، وبين تصرفه بالقضاء([3]). وهو بحث أساسي لدرس الأحاديث والاستدلال بها درسًا صحيحًا، فيفرق بين الأحاديث التي جاءت عن رسول الله e تصرفًا منه بالإمامة، فليست لها صفة العموم والتشريع، بل المرجع في أمثالها إلى ما يأمر به الإمام من المصالح العامة، وبين الأحاديث في أقضية جزئية، تصرفًا منه صلعم بالقضاء، فيكون الحديث عن قضية بعَيْنها، يُسْتَنْبَط منه ما يُسَمَّى في عصرنا: (المبدأ القضائي).

وقد حقَّقْتُ مثالا من مُثُل هذه القاعدة العظيمة في شرحي على (كتاب الرسالة) للإمام الشافعي (ص240 – 242).

وأجلُّ عمل وأعظمه أثرًا أن تُحَقِّق اللجنة باب (تعارُض الأدلَّة والترجيح بينها)، فذلك هو علم الأصول على الحقيقة، وذلك هو ميدان الاجتهاد، وذلك هو أساس الفقه والاستنباط.

فإذا تمَّ هذا، ووُحِّدَت القاعدة التي يُبْنَى عليها الاستدلال والاستنباط، نُظِر في القواعد العامة التي يَرْجِع إليها الفقهاء في فقههم على اختلاف مذاهبهم، وطُبِّقَتْ عليها قواعد الأصول التي أقرَّتْها اللجنة العليا أو اللجنة العامة (أصول الفقه وأصول الحديث) ثم وُزِنَت بميزان الكتاب والسنة الصحيحة، وأُخِذ منها ما قام الدليل على صحته وموافقته للتشريع الصحيح.

ثم تَدْرس اللجنة القواعد العامة الوضعية، على اختلاف مبادئها وأنواعها، وتَزِنها بميزان القواعد التشريعية الإسلامية، فتختار منها ما تَقْضِي المصلحة العامة باختياره، مِمَّا لا يعارض نصًّا من نصوص الكتاب والسنَّة، ولا يناقض شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، ولا قاعدة أساسية من قواعد التشريع الإسلامي.

وبعد هذا كله، بعد أن تَسْتَقِرَّ القواعد التي تُسْتَنْبَط الفروع والمسائل على أساسها، وتُوضَع الموازين الصحيحة البَيِّنة، حتى لا تَتَشَعَّب الطرُق بالمُجْتَهِد، تُقَسَّم أبواب الفقه بين اللجان الفرعية، لتطبق فروع المسائل وجزئياتها على القواعد التي أُقِرَّتْ، وتضَعَ لها الأحكام الصحيحة التي تقتضيها الأدلة الصحيحة نصًّا أو استنباطًا.

وهذا عمل كبير ضخم، لا يضطلع به إلا العلماء الأفذاذ المخلصون، من علماء الشرع وعلماء القانون، فيجب أن يَسْمُوَ اختيارهم على الرَّغَبات الشخصية والأهواء الحزبية، وما إلى ذلك مِمَّا قد يفسد الاختيار أو يُضَعِّفُه.

وسيدعوهم هذا العمل إلى أن يَفْرُغُوا له وحده، فلا يجوز أن يُعْهَد إلى أي واحد منهم بعمل غيره، حتى يكون وقتهم كله وَقْفًا عليه، ليسير على وتيرة واحدة، سيرًا حثيثًا موصِّلا إلى الغرض المقصود منه في أقرب وقت وأوجزِه. وسيدعو إلى اختيار عشَرَات كثيرة من الأعضاء والمساعدين، ولعلَّه مع كل هذا لا يَتِمُّ في أقلَّ من عشرين سنة) اهـ([4]).

وهذا الذي نادى به الشيخ ـ رحمه الله ـ منذ أكثر من نصف قرن هو ما نصبو إليه الآن، ونأمل أن تقوم بها المجامع الفقهية، أو اللجان المتخصصة في الفقه والقانون؛ حتى تصدر لنا تقنينا لا يقف عند مذهب فقهي بعينه، ولكنه يضع كل المذاهب الفقهية المعتبرة -سواء كانت سنية أو غيرها- أمامه؛ ليأخذ منها مواد القانون المستمد من الشريعة الإسلامية، ويكون الضابط في القبول أو الرد هو قوة الدليل، ومناسبة التطبيق للزمان والمكان ومراعاة الأحوال التي يطبق فيه هذا القانون، وتكون اللجنة في حالة انعقاد دائم لتلقي المشاكل التي تنشأ من خلال التطبيق والسعي لحلها.

نعم ثمة جهود مشكورة بذلت في موضوع التقنين، لكنها ما زالت حبيسة الأدراج لم تر النور بعد، ولا يمكن الحكم عليها أو تقييمها إلا إذا طبقت على أرض الواقع. فالفقه كائن حي ينمو ويزدهر في البيئات التي يعمل فيها، ويقود حركة الحياة؛ ليؤثر فيها ويتأثر بها، ويجمد وينزوي في البيئات التي تكتفي بالتنظير والتقعيد دون أن تنزل به لأرض الواقع.

هذا عن التقنين أما العقوبات:

فالعقوبة في اللغة: اسم من العقاب، والعِقاب بالكسر والمعاقبة: أن تجزي الرجل بما فعل من السوء. يقال: عاقبه بذنبه معاقبة وعقابا: أخذه به، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾([5]).

والعقوبة في الاصطلاح: هي الألم الذي يلحق الإنسان مستحقا على الجناية، كما عرفها الطحاوي. وعرفها بعضهم بالضرب أو القطع ونحوهما، سمي بها؛ لأنها تتلو الذنب، من تعقبه: إذا تبعه([6]).

ويقول الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (وجماع ذلك: أن العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماض جزاء بما كسب نكالا من الله، كجلد الشارب والقاذف، وقطع المحارب والسارق. والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قتل، وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤديها. فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول؛ ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة، حتى يؤدي الصلاة الواجبة، أو يؤدي الواجب عليه)([7]).

*    *     *
الفصل الأول:
حول ضوابط تقنين العقوبات ومراعاة مقاصد الشريعة من تشريع العقوبة

العقوبات في التشريع الإسلامي شرعت من أجل أمرين هامين هما من أهم مقاصد الشارع من فرض هذه العقوبات.

المقصد الأول: الجبر، ونعني به جبر الضرر الذي لحق بالمجني عليه من جراء الجاني.

والجبر في اللغة خلاف الكسر. يقال: جبر عظمه جبرا؛ أي أصلحه بعد كسر. ويأتي بمعنى الإحسان إلى الرجل فيقال: جبره جبرا إذا أحسن إليه، وأغناه بعد فقر. ويأتي بمعنى التكميل فيقال: من ترك واجبا من واجبات الحج أو أتى بمحظور فيه جبره بالدم. كما يقال: جبر المزكي ما أخرجه إذا لم يجد السن الواجب في زكاة إبله فأخرج ما دونه ودفع الفضل، ويسمى دفع الفضل جبرانا. ويأتي بمعنى الإكراه على الشيء، فيقال: جبره على الأمر جبرا، وحكى الأزهري: جبره جبورا وأجبره إجبارا: أكرهه عليه([8]).

وفي الاصطلاح الفقهي يعرف بأنه إصلاح ما وقع من خلل، أو تكميل ما حصل من نقص، أو استدراك ما حدث من فوات في حكم من الأحكام الشرعية العملية)([9]).

المقصد الثاني: الزجر، والزجر في اللغة المنع والنهي. ويقصد به النهي عن إتيان فعل محذور بأساليب متعددة، منها الوعيد والتهديد، ومنها العقوبة سواء كانت مقدرة أو غير مقدرة. وثمة فوارق يذكرها القرافي ـ رحمه الله ـ بين الزجر والجبر فيقول:

وتحرير هاتين القاعدتين العظيمتين أن بينهما فرقا من وجوه:

الوجه الأول: أن الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة، والجوابر مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة.

الوجه الثاني: أن معظم الزواجر على العصاة زجرا لهم عن المعصية، وزجرا لمن يقدم بعدهم على المعصية؛ وقد تكون مع عدم العصيان كما في الصبيان والمجانين فإنا نزجرهم ونؤدبهم لا لعصيانهم، بل لدرء مفاسدهم واستصلاحهم. وكما في البهائم، وكقتال البغاة درءا لتفريق الكلمة مع عدم التأثيم؛ لأنهم متأولون. ومعظم الجوابر على من لا يكون آثما، فقد شُرع الجابر مع العمد والجهل والعلم والنسيان والذكر وعلى المجانين والصبيان.

الوجه الثالث: أن معظم الزواجر؛ إما حدود مقدرة وإما تعزيرات غير مقدرة، فهي ليست فعلا للمزجورين بل يفعلها الأئمة بهم. وإنما الجوابر فعل لمن خوطب بها، وقد اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها، أو هي جوابر؛ لأنها عبادات لا تصح إلا بنيات، وليس التقرب إلى الله تعالى زاجرا بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست قربات؛ لأنها ليست فعلا للمزجورين كما علمت.

الوجه الرابع: أن الجوابر تقع في النفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والعبادات والأموال والمنافع، بخلاف الزواجر فإنها إنما تقع في الجنايات والمخالفات، ففي بداية المجتهد لابن رشد: والجنايات التي لها حدود مشروعة خمس:

أحدها: جنايات على الأبدان أو النفوس والأعضاء، وهو المسمى قتلا وجرحا.

وثانيها: جنايات على الفروج، وهو المسمى زنا وسفاحا.

وثالثها: جنايات على الأموال؛ وهذه ما كان منها مأخوذا بحراب سمي حرابة إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغيا، وما كان منها مأخوذا على وجه المعافصة من حرز يسمى سرقة، وما كان منها مأخوذا بعلو مرتبة وقوة سلطان سمي غصبا.

ورابعها: جناية على الأعراض، وهو المسمى قذفا.

وخامسها: جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الشرع من المأكول والمشروب؛ وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط، وهو حد متفق عليه بعد صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه. اهـ([10]).

القصاص والدية ومراعاة مقاصد التشريع:

إذا نظرنا إلى عقوبات القصاص والدية، فإن العقل البشري مهما سما وعلا، ومهما نضج وارتقى فلن يصل إلى حكم أعدل من القصاص الذي جعله الله حياة للناس ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ومهما علت الصيحات الحاقدة على الإسلام وأهله من أن عقوبة القصاص عقوبة شديدة، وفيها إزهاق للنفوس وغير ذلك؛ فإن هؤلاء مخطئون ويعلمون أنهم مخطئون، ولو اكتوى أحدهم بهذه النار فقتل أحد عزيز لديه لصرخ بأعلى صوته وقال: إن القصاص لا يكفي لأخذ حقي وتعويضي عن مصابي. وإن في تمكين الشريعة ولي الدم من أخذ القصاص، مع التلويح له بأنه إن عفا فله أجره عند الله تعالى لأكبر دليل على حرص الشريعة الإسلامية على الدماء، وصيانتها ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾([11]). ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾([12]).

فالشريعة أحرص على الدماء من هؤلاء الأدعياء، ولكي تظل هذه الدماء محفوظة لا يعتدي عليها أحد، فلابد من عقوبة القصاص. أما ما يحدث الآن من أن ولي الدم يرى قاتل أخيه أو أبيه أو ابنه يمشي على الأرض ويأكل ويتمتع ولو بعد حين، فإن هذا يحرك الثأر في قلبه ويدفعه لأخذ الثأر، وربما يكون الثأر مضاعفًا، أو يؤخذ الثأر من غير القاتل وندخل في سلسلة متعاقبة من أخذ الثأر والرد عليه فتسيل الدماء غزيرة.

والحاصل أن هؤلاء الناس لا يخفى عليهم هذا الكلام، ويعرفونه جيدًا؛ لكنهم بدلا من أن ينخلعوا من الإسلام كلية، ويطعنوا فيه صراحة، يلبسوا عباءة الإسلام ويطعنوا في شرائعه وتعاليمه. وما ينطبق على عقوبة القصاص ينطبق تمامًا على عقوبة الدية التي لا يحكم بها القاضي إلا في حالة عدم توافر الشروط على عمدية القتل، أو أن يعفو ولي الدم عن القصاص ويقبل الدية، وهي عقوبة للقاتل من جهة، وتعويض لأولياء المقتول من جهة أخرى.

ولو ألزمت الشريعة القاتل بالقصاص فقط فلربما وقع الضرر على أولياء المقتول في بعض الحالات التي يكون فيها الأولياء محتاجين للتعويض الذي يعوضهم عن فقد عائلهم أكثر من احتياجهم للقصاص الذي يكون بقدر ما يذهب الغيظ ويشفي صدورهم لا يعود عليهم بشيء من النفع، وسبحان العليم الذي شرع ما ينفع خلقه ﴿أَلاَ يَعلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾([13]).

وإذا نظرنا إلى التفريعات في هذا الباب لوجدنا مدى الروعة والحكمة التي تتمتع بها الشريعة الإسلامية، فهي تنصف المرأة وتجعل لها الحق في القصاص مثل الرجل، وهذا في الرأي الراجح لدى الفقهاء، وتنصف أهل الذمة وتحرم دماءهم وتعصمها من أن يتناولها أحد بسوء، وتجعل المسلم يقتل بالذمي -كما هو عند الأحناف خلافا للجمهور-، وتقف في وجه المحتالين لإسقاط القصاص في قتل الجماعة بواحد، وتعصم الأطراف وتجعل لكل طرف وكل عضو من أعضاء الجسم حرمته، والتعويض المناسب له إذا لم يتمكن القاضي من تطبيق القصاص، وتقدر المعاني وتجعل لها حرمة الأعضاء تمامًا كالبصر والسمع والكلام والجمال وغير ذلك، وتجعل للجنين حرمته وتحميه حتى من أمه وأبيه وهم أولى الناس به وأشفقهم عليه، ولكن الله سبحانه وتعالى أرحم به من أمه وأبيه، ويجعل العقوبة على أمه لو حاولت أن تتخلص منه، بعد مرحلة معينة من عمره.

كل هذا وغيره كثير يجعلنا على يقين تام أن هذه الشريعة هي أولى الشرائع بالتطبيق على المسلمين وغير المسلمين، إن أرادوا عدلا حقيقيا وإنصافًا واقعيًا.

الحدود ومراعاة مقاصد الشريعة:

أما إذا نظرنا إلى الحدود فإننا نجد أن الشريعة تتعامل معها معاملة خاصة؛ فإذا كانت أعطت الحق لولي الدم أن يقتص، أو يعفو ويقبل الدية، أو يعفو عن القصاص والدية معًا؛ فإن الأمر يختلف تمامًا في الحدود، فإن حق العفو لا يملكه ولي الأمر، ولا ولي الدم، إنما هو لله تعالى. ولا يسقط بحالٍ من الأحوال إلا إذا فقد شرطًا من شروطه، سواء الخاصة بالحد أو المحدود؛ ومن ثم نعرف أن إقامة الحد واجبة، أما القصاص فهو حق. وإذا كان للإنسان أن يتنازل عن حقه فليس له أن يقصر في أداء واجبه.

ودعوى العنف والقسوة دعوى زائفة، بان زيفها لمن له أدنى اطلاع بالشريعة الإسلامية وروحها التشريعية العامة، وهي لا تخرج إلا من أناس أسنت نفوسهم، وخربت قلوبهم، وتمرغوا في وحل المعصية، وشربوا من كأس الرذيلة حتى ثملوا، وأحسوا بضعفهم وخيبتهم؛ فراحوا يلقون باللوم على الشريعة وأحكامها، فهم أولياء للشيطان الذي لما لم يستطع تنفيذ الأمر لكبر في نفسه، أخذ يفتش له عن حجة واهية، وأنه أفضل من آدم عليه السلام.

وسوف أتحدث في عجالة عن كل حدٍ من هذه الحدود:

1 – حد الردة([14]):

لقد كفلت الشريعة الإسلامية حرية التدين لكل الناس، يقول الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾([15])، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ…﴾([16]).

وأعطى الشرع لأهل الذمة -على الرغم من أنه لا يقرهم على دينهم- الحق في ممارسة عباداتهم وطقوسهم حسبما يرون، وحافظ على كنائسهم ومعابدهم، ولم يجبرهم على دخول هذا الدين، وطلب منهم أن يفكروا جيدًا قبل أن يدخلوا هذا الدين، ولا يدخلوه إلا وقد اقتنعوا به تمامًا.

وزيادة في التحري والدقة، أخبرهم أن من يدخل هذا الدين، ويخرج منه مرة ثانية؛ فإن هذا الأمر يكلفه الكثير، فهو يكلفه عمره إن أصر على الخروج من هذا الدين. فإذا كانت الأحزاب الأرضية، والمذاهب البشرية تشترط على من يريد أن يلتحق بها شروطًا، وتجعل عليه واجبات لابد أن يقوم بها؛ فأولى بشريعة الله عز وجل أن تشترط ما تراه من الشروط، وتوجب من الواجبات ما ينظم أمر الداخلين فيها، وإلا لتحول الأمر كما أراده المشركون من أهل الكتاب في صدر هذه الدعوة، وفي حياة النبي e حيث يخبرنا الله تعالى عن نيتهم الخبيثة، وطواياهم العليلة فيقول: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾([17]).

فحد الردة لا قسوة فيه، ولا ظلم لأحد، ما دام الإنسان يدخل هذا الدين طائعًا دون إكراه من أحد، كما أن الشريعة تعطي الحق لهذا المرتد أن يناظر ويفهم حتى يزول ما عنده من لبس أو غموض، ويستتاب حتى يأخذ الفرصة في الرجوع إلى دين الله، فإن أصر فلا هوادة ولا شفقة به؛ لأن دين الله ليس لعبة لمن يريد أن يلعب به.

2 -حد البغي([18]):

تتعامل الشريعة الإسلامية مع الواقع دون أن تحلِّق في عالم المثل والخيال الذي لا يوجد إلا بين الملائكة، فمادام هناك حاكم ومحكومون فغالبًا ما يحدث التنازع، وقد يصل الأمر إلى حد الخروج على الحاكم؛ سواء كانت الفئة الخارجة على حق أم على باطل، والشريعة الإسلامية تتعامل مع هذه الظاهرة بهدوء أعصاب لا مثيل له في التشريعات الأرضية، فهي لا تكفر فئة على حساب الأخرى؛ ولكنها تتعامل مع الفئتين كمؤمنين سواء المخطئ منهم والمصيب، يقول الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾([19]).

والبغاة لهم حقوق في الشريعة الإسلامية، منها:

1 – ألاَّ يتبع مدْبرهم، أو يجهز على جريحهم، ولا تسبى نساؤهم وأولادهم.

2 – ألا يستعين الحاكم على قتالهم بكافر حتى لا يسلط عليهم أحدًا من غير دينهم.

3 – لا يضمن البغاة ما أتلفوا في حالة الحرب.

3 -حد الحرابة([20]):

قد تقسو الشريعة في بعض عقوباتها، ولكنها قسوة الطبيب الذي ينظر إلى عضو من المريض فلا يجد له دواء إِلاَّ البتر فيقوم ببتره، وربما ينفطر قلبه على هذا العمل، ولكنه لابد منه؛ فهي قسوة ظاهرة تنبع من قلب رحيم، يعرف مصلحة المرء أين تكون.

هكذا نجد حد الحرابة، يجد الناظر فيه لأول وهلة أَنَّهُ عقوبة قاسية، ولكن الذي ينظر إلى الجريمة يوقن أَنَّهُ عدل السماء الذي لا تقوم الأرض إلا به، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

ويفصل الفقهاء في هذه العقوبة فيقولون: إن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ولم يقتلوا أو يأخذوا مالا، نفوا من الأرض.

والذي ينظر إلى خطورة هذه الجريمة، وما تسببه للناس من فزع ورعب، وأنهم لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم؛ يرى أن هذه عقوبة عادلة، ويرى أن الشريعة على صواب؛ إذ جعلت هذه الجريمة من الحدود ولم تكتف بالقصاص؛ لأن القاتل في الحرابة لا يقصد غالبًا فردًا بعينه، ولكنه متسلط على رقاب الناس جميعًا، فمن الأولى أن تكون من الحدود التي هي من حقوق الله تعالى، حتى لا يملك أحد تخفيف العقوبة عليه أو إلغائها.

4 -حد الزنى:

قضت الشريعة الإسلامية بعقوبتين لحد الزنى: العقوبة الأولى الجلد، وهذه العقوبة تطبق إذا كان الزاني أو الزانية بكرًا أي لم يسبق له أن تزوج وهذه وردت في قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾([21]).

والعقوبة الثانية: الرجم وهذه ثبتت من خلال السنة القولية والعملية لرسول الله e، وثمة تناسب وتوافق بين الجريمتين وبين عقوبتيهما؛ ففي الزاني غير المحصن تكتفي الشريعة الإسلامية بعقوبة الجلد والتشهير ﴿وَلْيَشهدْ عَذابَهُما طَائفَةٌ مِن المؤمِنِينَ﴾. أما الزاني المحصن فلا هوادة معه ولا رأفة به بعد أن عرف الطريق إلى الحلال، وأبى إلا أن يقحم نفسه في الحرام، وترك اللحم الطيب الناضج وأكل من النتن الخبيث، وترك الطهارة والعفة ومرغ نفسه في الوحل فهذا لا يستحق أن يحيا.

والشريعة الإسلامية تحتاط في إثبات هذه الجريمة احتياطًا كبيرًا فلا تقبل في إثباتها أقل من أربعة شهود، ولابد أن يصفوا الحادث وصفًا دقيقًا وأن يكون الوصف موحدًا لا زيادة فيه ولا نقصان. وكأن الشريعة تريد أن تعجز الشهود وأن تصرفهم عن هذه الشهادة؛ لأنها تريد الستر في هذه المعاصي، وفي كل ما هو حق لله تعالى. ولعل من يراجع أحاديث النبي e ومحاولة صرفه للمعترف بهذا الحد يرى إلى أي مدى تريد الشريعة الستر في هذا الحد.

عقوبة الجلد عامة وكيفية تنفيذ الحد واشتراط الفقهاء أن لا يقام الحد في يوم شديد الحر أو شديد البرد، وأن يكون الجلد مفرقًا على سائر الجسد، وأن يتقي الجالد الوجه والأماكن الحساسة في جسد الجاني؛ كل هذا يبين مدى الرحمة والشفقة بهؤلاء الجناة، ويرد على المتشدقين الذين يتهمون الشريعة بالقسوة، وتأخذهم الرحمة والشفقة على الجناة في الوقت الذي تلطخت فيه أيديهم بدماء الأبرياء.

5 – حد القذف:

تغار الشريعة على حقوق أتباعها غيرة شديدة، وتحمي الضرورات التي لا يستطيع أن يعيش المسلم عيشة هنيئة إلا بحفظها؛ ومن هذه الضرورات حماية العرض. فكما حافظت الشريعة الإسلامية على حماية الأعراض من أن تدنس دنسًا ماديًا بجريمة الزنى، وجعلت لها عقوبة؛ حافظت أيضا على الأعراض أن تدنس دنسًا معنويًا وهو الذي ربما يكون أشد وقعًا من الدنس المادي، وكما يقول الشاعر:

جراحات السهام لها التئام ولا يلتام ما جرح   اللسان

ولذلك نجد العقوبة هنا شديدة ربما فاقت في محصلتها النهائية عقوبة الزنى من غير المحصن، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([22]).

والعقوبة هنا مركبة من ثلاث عقوبات:

(أ) الجلد ثمانون جلدة.  (ب) عدم قبول الشهادة. (جـ) الحكم عليه بالفسق.

ولو أخذ الناس في عصرنا هذا بهذه العقوبة لخرست ألسنة طالما خاضت في أعراض الناس خوضًا عظيمًا، ولحميت أعراض طالما انتهكت بألسنة الفاسقين؛ ولكن في غياب الحكم بكتاب الله نجد أن القذف أصبح سهلا، يقذف الرجل أخاه بسهولة، وربما يقبلها منه المقذوف بسهولة أيضًا، حتى أصبح القذف أمرًا مألوفًا تستعمله بعض الطبقات المنحطة في مزاحها دون أدنى غضاضة أو امتعاض!!.

ولو علم القاذف أنه لو نطق بهذه الكلمة لاكتوى ظهره بثمانين جلدة، وسقطت شهادته، وكان فاسقًا بين الناس؛ لعفت الألسن وتحصنت الأعراض، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾([23]).

وفي تطبيق حدي الزنى والقذف صيانة لضرورة هامة من ضرورات الإنسان، وهي ضرورة العرض، أو حفظ النسل.

6 –حد السرقة:

من الضرورات التي حافظت عليها الشريعة الإسلامية حفظ المال، ولذلك شرعت حد السرقة. وقد يظن الناس أن الشريعة الإسلامية بهذه العقوبة تتسبب في خلق أفراد عاطلين ذوي عاهات يحتاجون من يعولهم، وبذلك تخلق عبئًا على المجتمع، إلى غير ذلك من الدعاوى التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

والشريعة الإسلامية قبل أن تفرض عقوبة السرقة تحتم على ولي الأمر قبل أن ينفذ الحد أن يكفل حياة كريمة يأمن الناس فيها على الحد الأدنى للمعيشة، وإن عجز ولي الأمر عن ذلك فمن الواجب عليه أن يوقف تنفيذ هذا الحد حتى تزول هذه الشدة عن الناس كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب t.

والشريعة لا تقطع الأيدي في كل صغيرة أو كبيرة، ولكنها تشترط نصابًا معينًا وهو ربع دينار من الذهب؛ أي: ما يقارب خمسين جنيهًا مصريًا في هذا الوقت. ثُمَّ إنها لا تعاقب إِلاَّ على جريمة كاملة، أي: بعد أن يتم إخراج المسروق من حرز مثله.

وتبلغ الرحمة منتهاها عند كثير من الفقهاء عندما يرون أن العائد في السرقة للمرة الثالثة، بعد أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى فَإِنَّهُ يستودع السجن، وينفق عليه من بيت مال المسلمين. ويقول الإمام علي في ذلك: “إني لأستحيي من الله ألا أترك له يدًا يأكل بها أو يستبرئ بها من بوله أو يتوضأ بها، ويجتهد أيضًا في قطع القدم ويترك الكعب حتى يقف عليه السارق”.

والذي ينظر إلى جرائم السرقة وتكرارها في هذا العصر الذي تحولت فيه العقوبة من القطع إلى السجن ليعرف مدى فضل الشريعة الإسلامية على البشرية، فكثيرًا ما يذهب السارق ليسرق، وَلَـمَّا يجد مقاومة من صاحب المنزل يقتله، وربما يقتل أهله؛ فإذا ضبط تبين أن هذه هي المرة العاشرة أو أكثر. ولو كانت يده مقطوعة ورجله ما استطاع أن يتسلق على البيوت، أو أن يمسك مسدسًا ويقتل به الأبرياء. وعلى الرغم من ذلك نسمع هذه التهم التي تسلط في وجه الشريعة بغير حق من هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾([24]).

7 -حد الخمر:

جاء النبي e إلى الجزيرة العربية وهي تعب من الشهوات عبًّا، وتغرق في الآثام إلى آذانها، وعلى رأس هذه المعاصي والآثام كانت تتربع الخمر، فلقد كانت الشراب المفضل لهم؛ ولذلك تدرجت الشريعة في تحريمها، ولم تحرمها مرة واحدة، ولولا هذا التدرج ما استطاعت الشريعة أن تنتزع حب الخمر من القلوب. ولقد حاولت كثير من البلاد التي تحكمها القوانين البشرية أن تحرم الخمر دفعة واحدة، وبعدما أنفقت ملايين الجنيهات باءت بالفشل الذريع؛ لأنها لم تأخذ بمبدأ التدرج، وحاولت تحريم الخمر بمفردها، وتركت كثيرًا من المعاصي التي توصل الإنسان وتدفعه إلى السكر مثل الزنى وغيره. وثمة فرق بين أن يحرم الله خالق العباد، وبين أن يحرم مخلوق لا يرى الناس له ميزة أو فضلا عليهم.

وعقوبة الخمر هي إلى التعزير أقرب منها إلى الحد -في رأيي-، ولكن جمهور الفقهاء يعدها وسط الحدود. والقصد من هذه العقوبة التوبيخ والزجر لا الإتلاف والقتل، ولذلك كان الإمام علي t يقول: “ما أقيم على أحد حدًا فيموت منه وأجد في نفسي عليه إلا صاحب الخمر؛ لأن الرسول e لم يسنه لنا”.

الكفارات والتعازير ومقاصد الشريعة:

والكفارات في الشريعة الإسلامية ذات شقين: شق أقرب إلى العقوبة ككفارة القتل الخطأ، وشق أقرب إلى العبادة كالإطعام بدلا من الصوم كما في كفارة الفطر في رمضان لمن لا يطيق الصوم. وشرعت الكفارات في الشريعة الإسلامية لتكفير الذنوب؛ أي: محوها، وتطهير المسلم منها.

ومن خلال العقوبات التي فرضت على المخالفات التي يستحق صاحبها أن يكفر عنها نرى مدى حرص الشريعة الإسلامية على تعليم المسلم خلق المراقبة على لسانه كما في كفارة الظهار والحنث في اليمين، وعلى أفعاله التي لم يقصدها ككفارة القتل الخطأ، وعلى حرمة الطير والحيوان في الحرم كما في كفارة الاعتداء على صيد الحرم.

وعقوبة التعزير فرضت في الشريعة الإسلامية، حتى لا يفلت الجناة من العقوبات التي فرضت مقدرة محددة على الجرائم، بحجة أن هذه الجريمة لم تثبت كاملة على الجاني.

فلقد حرم الله سبحانه وتعالى الزنى ومقدماته من بداية النظر إلى المرأة الأجنبية إلى الوقوع في هذه الجناية، واقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ألا يفرض عقوبة مقدرة إِلاَّ على هذه الجريمة، وتقع قبلها في الغالب مخالفات كثيرة؛ منها: النظر إلى المرأة أو الخلوة بها أو تقبيلها، أو مراسلتها، أو غير ذلك. ولو فرضت الشريعة الإسلامية لكل مخالفة من هذه المخالفات عقوبة مقدرة لتضخمت العقوبات في الشريعة الإسلامية واحتاج الإنسان إلى وقت طويل لحفظها، ولكانت بذلك جامدة لا تستطيع أن تتفهم الظروف التي وقعت فيها هذه الجريمة، والأشخاص التي وقعت منهم هذه الجريمة، والعقوبة الملائمة لكل ظرف من هذه الظروف ولكل شخص من هؤلاء الأشخاص([25]).

*    *     *
الفصل الثاني:
قضايا القصاص والدية

ثَمَّة قضايا مطروحة للنقاش أمام من يقوم بعملية التقنين في باب العقوبات لابد من الإجابة عنها، وحسم موطن الخلاف حولها، ومن هذه القضايا:

أولا: قتل المسلم بغير المسلم الـمُعاهد:

يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن المسلم لا يقتل بالكافر، أيّ كافر كان، سواء كان معاهدا أو غير معاهد. ويرى الحنفية أن المسلم يقتل بالذمي المعاهد، ودليلهم في هذا هو عموم القرآن الذي قضى أن النفس بالنفس والعين بالعين، دون أن يفرق بين نفس مسلم وغير مسلم. ويفسرون الحديث الذي استدل به جمهور الفقهاء تفسيرا آخر، وهو حديث النبي e «لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده»([26])؛ أي: لا يقتل مسلم بكافر محارب، ولا ذو عهد في عهده بكافر محارب أيضا([27]).

يقول الإمام الصنعاني: “… عدم قتل المسلم بالكافر قودا، وإلى هذا ذهب الجماهير، وأنه لا يقتل ذو عهد، (فذو العهد) الرجل من أهل دار الحرب يدخل علينا بأمان، فإن قتله محرم على المسلم حتى يرجع إلى مأمنه. فلو قتله مسلم؛ فقالت الحنفية: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن. واحتجوا بقوله في الحديث: «ولا ذو عهد في عهده»، فإنه معطوف على قوله مؤمن، فلابد من تقييد في الثاني كما في الطرف الأول فيقدر، ولا ذو عهد في عهده بكافر، ولابد من تقييد الكافر في المعطوف بلفظ الحربي؛ لأن الذمي يقتل بالذمي ويقتل بالمسلم. وإذا كان التقييد لابد منه في المعطوف، وهو مطابق للمعطوف عليه، فلابد من تقدير مثل ذلك في المعطوف عليه فيكون التقدير، ولا يقتل مؤمن بكافر حربي، ومفهوم حربي أنه قتل بالذمي بدليل مفهوم المخالفة. وإن كانت الحنفية لا تعمل بالمفهوم فهم يقولون: إن الحديث يدل على أنه لا يقتل بالحربي صريحا. وأما قتله بالذمي فبعموم قوله تعالى: ﴿النَّفسُ بِالنَّفسِ﴾. ولما أخرجه البيهقي من «أنه e قتل مسلما بمعاهد، وقال: أنا أكرم من وفى بذمته»، وهو حديث مرسل من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، وقد روي مرفوعا؛ قال البيهقي، وهو خطأ. وقال الدارقطني ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟! قال أبو عبيد القاسم بن سلام: هذا الحديث ليس بمسند. وذكر الشافعي في الأم أن حديث ابن البيلماني كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية الضمري. قال: فعلى هذا لو ثبت لكان منسوخا؛ لأن حديث «لا يقتل مسلم بكافر» خطب به النبي e يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب، وقصة عمرو بن أمية متقدمة قبل ذلك بزمان. هذا، وأما ما ذكرته الحنفية من التقدير، فقد أجيب عنه بأنه لا يجب التقدير؛ لأن قوله: «ولا ذو عهد في عهده» كلام تام، فلا يحتاج إلى إضمار؛ لأن الإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة فيكون نهيا عن قتل المعاهد.

وقولهم: إن قتل المعاهد معلوم، وإلا لم يكن للعهد فائدة، فلا حاجة إلى الإخبار به. جوابه: أنه محتاج إلى ذلك؛ إذ لا يعرف إلا بطريق الشارع، وإلا فإن ظاهر العموميات يقضي بجواز قتله، ولو سلم تقدير الكافر، فلا يسلم استلزام تخصيص الأول بالحربي؛ لأن مقتضى العطف مطلق الاشتراك لا الاشتراك من كل وجه([28]).

وأحسب أن رأي الحنفية هو الأصوب في هذا الزمان، وقد ذهب إليه بعض الصحابة كعمر بن الخطاب في إحدى الروايات عنه، وهو ما يتوافق مع عقد الذمة، ومفهوم المواطنة؛ إذ لا يعقل أن ندخله بأمان وعهد أنه آمن على نفسه وماله ثم ننتقص أو ننقض هذا العهد حيث لا نقتل من قتله عمدا.

ثانيا: دية الذمي:

من المسائل التي كثر حولها الخلاف قديما وحديثا مسألة دية الذمي، فيرى بعض الفقهاء أنها على النصف من دية المسلم، ويرى بعضهم أنها مثل دية المسلم، ويرى فريق آخر أنها ثلث دية المسلم.

ذهب المالكية والحنابلة، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وعروة وعمرو بن شعيب أن دية الكتابي الذمي والمعاهد نصف دية الحر المسلم؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي e قال: «دية المعاهد نصف دية الحر». وورد من حديث عبدالله بن عمر: «دية المعاهد نصف دية المسلم». وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى. ودية المجوسي ثمانمائة درهم عند المالكية والحنابلة، وبه قال عمر وعثمان وابن مسعود y. وكذلك المرتد عند المالكية.. وهذا في دية النفس.

قال المالكية: ودية جراح أهل الكتاب كذلك على النصف من دية جراح المسلمين. وقال الحنابلة: جراحات أهل الكتاب من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم، وتغلظ دياتهم باجتماع الحرمات عند من يرى تغليظ ديات المسلمين.

والصحيح عند الحنفية أن الذمي -كتابيا كان أو غيره- والمستأمن والمسلم في الدية سواء، وهذا قول إبراهيم النخعي والشعبي، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية y. فلا يختلف قدر الدية بالإسلام والكفر عند الحنفية؛ لتكافؤ الدماء، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾([29]). أطلق سبحانه وتعالى القول بالدية في جميع أنواع القتل من غير فصل، فدل على أن الواجب في الكل واحد. وروي «أن عمرو بن أمية الضمري قتل مستأمنين فقضى رسول الله e فيهما بدية حرين مسلمين». وروى الزهري أن أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ قضيا في دية الذمي بمثل دية المسلم؛ ولأن وجوب كمال الدية يعتمد على كمال حال القتل فيما يرجع إلى أحكام الدنيا وهي الذكورة والحرية والعصمة وقد وجدت. ونقل عن بعض الحنفية أنه لا دية في المستأمن.

وقال الشافعية: دية كل من اليهودي أو النصراني إذا كان له أمان وتحل مناكحته ثلث دية المسلم نفسا وغيرها. ودية الوثني والمجوسي إذا كان لهما أمان ثلثا عشر دية المسلم، ومثل المجوسي عابد الشمس والقمر والزنديق ممن له أمان؛ وذلك لما روى سعيد بن المسيب أن عمر t جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وهذا التقدير لا يفعل بلا توقيف، فأما غير المعصوم فدمه هدر. وهذا كله في الذكور. أما الإناث من الكفار اللواتي لهن أمان فديتهن نصف دية الذكور منهم اتفاقا؛ قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافا، ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل([30]).

وأساس هذا الاختلاف أمران:

الأمر الأول: هو اختلاف الآثار الواردة في ذلك وتعارضها فبعضها ينطق بالتسوية، وبعضها ينص على التنصيف، وأخرى ترى الثلث كافيا في ذلك.

الأمر الثاني: هو اختلافهم في العوامل المؤثرة في نقصان الدية وهي (الأنوثة والكفر والعبودية)([31]).

فالجمهور يرى أن الكفر منقص للدية والأحناف لا يعتبرون الكفر كذلك. وهذا الخلاف (مبني على الخلاف في أن دم غير المسلم كدم المسلم بحيث يقتل المسلم إذا قتل غير مسلم أم لا يقتل به)([32]).

ويمكن لمن يقوم بالتقنين في العصر الحالي الأخذ برأي الحنفية، في حالة اندماج أهل الكتاب ضمن الجماعة الوطنية، فلها ما لها وعليها ما عليها، وبعد أن يتأكد من إخلاصهم وانتمائهم للوطن الذي ينعمون ويعيشون في خيراته، حتى يأمنوا على أنفسهم ودمائهم وأموالهم. ويمكننا تعزيز رأي الحنفية بما يلي:

أولا: أن الحنفية يجعلون غير المسلم مساو في الدم ـ ما دام معصوم الدم ـ بالمسلم؛ (لأن الاعتداء على الآدمية، وهي متساوية، وكفره لا ينقص من آدميته، فكل الناس لآدم، وبالبناء على ذلك تكون ديته كدية المسلم من غير نقصان)([33]).

يقول الشيخ محمود شلتوت: (قرر الإسلام التكافؤ بين الناس جميعا في الدماء، ولم يجعل لدم أحد فضلا على دم آخر، ولم ير في المجموعة البشرية من هذه الناحية شريفا لا تمس حياته بجريمته، وغير شريف يلقى بجريمته للحيوانات المفترسة)([34]).

والإسلام ليس مانعا من التكافؤ، فإذا تكافأ الأشخاص فقد تساوت دياتهم ولا عبرة بما بينهم من اختلافات طبيعية أو غير طبيعة([35]).

ثانيًا: قال ابن التركماني: (وفي التهذيب لابن جرير الطبري لا خلاف أن الكفارة في قتل المسلم والمعاهد سواء، وهو تحرير رقبة فكذلك الدية)([36]).

ثالثًا: أن الأحاديث الواردة عن رسول الله في دية الذمي متعارضة؛ فبعضها ينص على النصف من دية المسلم، وبعضها يرى ديته كاملة كالمسلم.

كما أن الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين مختلفة ومتعارضة فيما بينها، حتى فيما يروى عن الصحابي الواحد مثل: عمر وعثمان، أو التابعي الواحد مثل عمر بن عبد العزيز وعطاء، ما بين قائل بالثلث وقائل بالنصف وقائل بالمساواة.

أقول: هذا التعارض والاختلاف اللذان جعلا كل فريق من الفقهاء يقدح في الآثار التي استند إليها غيره انتصارًا لرأيه وتضعيفا لرأي الآخرين؛ يجعلنا نطمئن إلى ما وافق الكتاب منها، وهو المساواة في الدية بينهما، فهذا وحده هو الذي يمكن القول بصحته.

رابعًا: ورود هذا الاختلاف بين الفقهاء دليل على أن المسألة اجتهادية، ويبقى أن للرأي القائل بالمساواة في الدية بين المسلم والذمي وجاهة تقتضي أن نرجحه للمساواة في الإنسانية، كما أنه الذي يتفق مع أصول الشريعة التي قامت على تحقيق العدل الكامل بين الناس في الدنيا، وفي الآخرة متسع للتفاضل.

خامسًا: رأى الشيخ محمد الغزالي في فعل عثمان الذي أكمل فيه دية الذمي، وكانت على النصف من دية المسلم، رأى في هذا المسلك (ما يدل على إمكان التغيير إذا تغيرت الأوضاع، ويبدو أن أهل الذمة اندمجوا في المجتمع الإسلامي عن إخلاص فرأى عثمان طمأنتهم على مكانتهم بتعزيز دياتهم)([37]).

وهذا المسلك -إذا صح تعليله- هو الذي يتعين اليوم سلوكه مع أهل الذمة لطمأنتهم على مكانتهم، وإشعارهم بأنهم مواطنون من الدرجة الأولى، لا من الدرجة الثانية. ولا يعقل أن تسوي القوانين الوضعية بين الذمي والمسلم في الدية، وتسلك مسلك الطمأنة والمساواة في الجنايات، ونصر نحن على مجافاة الواقع باسم الشريعة فيما فيه سعة، ونسلك طريق التمييز والتفرقة إن نحن ذهبنا إلى غير قول الأحناف.

سادسًا: إن هذا التنوع في الاجتهادات، وهذه الثروة الفقهية الكبيرة الموروثة تفتح للمجتهدين والباحثين (أوسع الأبواب لتخير القانون الذي تنظم به شؤون المجتمعات الإسلامية على اختلاف ظروفها، غير معتمدين فيما يختارون إلا على شيء واحد وهو عدم المخالفة لأصل من أصول التشريع القطعية، مع تحرى وجوه المصلحة، وسبيل العدل، وكان ذلك أساسا لدوام الشريعة الإسلامية، وصلاحيتها لكل زمان ومكان)([38]).

وفي القول بالمساواة بين الذمي والمسلم في الدية سبيل العدل، وإصابة عين المصلحة وهو الذي يتفق مع أصول التشريع القطعية([39]).


ثالثًا: القصاص بين الرجل والمرأة في النفس وما دونها:

اختلف الفقهاء حول القصاص بين الرجل والمرأة في القتل العمد، فيرى جمهور الفقهاء أنه يجب القصاص بين الرجل والمرأة في القتل العمد. ويرى بعضهم أنه يجب على أولياء المرأة دفع نصف الدية لأولياء الرجل. ويرى بعضهم أن أولياء المرأة لا يدفعون شيئا.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولم أعلم ممن لقيت مخالفا من أهل العلم في أن الدمين متكافئان بالحرية والإسلام؛ فإذا قتل الرجل المرأة عمدا قتل بها، وإذا قتلته قتلت به، ولا يؤخذ من المرأة ولا من أوليائها شيء للرجل إذا قتلت به ولا إذا قتل بها، وهي كالرجل، يقتل الرجل في جميع أحكامها إذا اقتص لها أو اقتص منها، وكذلك النفر يقتلون المرأة والنسوة يقتلن الرجل. (قال الشافعي): وكذلك جراحه التي فيها القصاص كلها بجراحها إذا أقدتها في النفس أقدتها في الجراح التي هي أقل من النفس، ولا يختلفان في شيء إلا في الدية؛ فإذا أراد أولياؤها الدية فديتها نصف دية الرجل، وإن أراد أولياء الرجل ديته من مالها فديته مائة من الإبل لا تنقص لقتل المرأة له، وحكم القصاص مخالف حكم العقل. قال الشافعي: وولاة المرأة وورثتها كولاة الرجل وورثته لا يختلفان في شيء إلا في الدية([40])

وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا: فلان، فلان حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر رسول الله e أن يرض رأسه بين حجرين». متفق عليه، واللفظ لمسلم([41]).

وقتل الرجل بالمرأة، فيه خلاف: ذهب إلى قتله بها أكثر أهل العلم، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك لهذا الحديث. وعن الحسن البصري أنه لا يقتل الرجل بالأنثى، وكأنه يستدل بقوله تعالى: ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾.

ورد بأنه ثبت في كتاب عمرو بن حزم الذي تلقاه الناس بالقبول أن الذكر يقتل بالأنثى، فهو أقوى من مفهوم الآية.

وذهبت الهادوية إلى أن الرجل يقاد بالمرأة، ويوفى ورثته نصف ديته؛ قالوا: لتفاوتهما في الدية، ولأنه تعالى قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاص﴾، ورد بأن التفاوت في الدية لا يوجب التفاوت في النفس، ولذا يقتل عبد قيمته ألف بعبد قيمته عشرون، وقد وقعت المساواة في القصاص؛ لأن المراد بالمساواة في الجروح أن لا يزيد المقتص على ما وقع فيه من الجرح([42]).

والراجح الذي يستقيم مع مقاصد الشريعة في حفظ الأنفس، ولا يتعارض مع نصوص القرآن قطعية الثبوت والدلالة أن الرجل يقتل بالمرأة، ولا يدفع أولياؤها لأوليائه شيئا، ويقاد لها منه في النفس وما دون النفس.

رابعًا: دية المرأة هل هي على النصف من دية الرجل؟

ذهب الفقهاء إلى أن دية الأنثى الحرة المسلمة هي نصف دية الذكر الحر المسلم، هكذا روي عن النبي e وعن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت y. قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل؛ لما روى معاذ عن النبي e قال: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»([43]). ولأنها في الشهادة والميراث على النصف من الرجل، فكذلك في الدية، وهذا في دية النفس.

أما في دية الأطراف والجروح فاختلفوا: فقال الحنفية والشافعية: إنها على النصف من دية أطراف وجراح الرجل أيضا؛ لما روي عن علي t قال: عقل المرأة على النصف من الرجل في النفس وفيما دونها. وروي ذلك عن ابن سيرين، وبه قال الثوري والليث وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو ثور، واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف ديتهما في النفس، فاختلفت في الأطراف. وقال المالكية والحنابلة: تساوي المرأة الرجل في دية الأطراف إلى ثلث دية الرجل، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى عقلها، فإذا قطع لها ثلاث أصابع فلها ثلاثون من الإبل كالرجل. وإذا قطع لها أربع أصابع فإنها تأخذ نصف ما يأخذه الرجل؛ أي: تأخذ عشرين من الإبل، وروي ذلك عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت y، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، وعروة والزهري، وهو قول فقهاء المدينة السبعة؛ وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله e: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها»([44]). وهو نص يقدم على ما سواه([45]).

ومع قول ابن المنذر بإجماع أهل العلم على ذلك، فإن ابن قدامة ـ رحمه الله ـ نقل قوله المتقدم وكذلك قول ابن عبد البر، ثُمَّ قال: (وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله عليه السلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل»([46]). ثُمَّ عقب على ذلك قائلا: (وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي؛ فإن في كتاب عمرو بن حزم «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وهي أخص مِمَّا ذكروه، وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسرًا لما ذكروه مخصصا له)([47]).

وقد تطابقت مصادر الفقه المذهبي في القول بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل([48]).

والحق أن ورود مخالفة ابن علية وأبي بكر الأصم لجمهور الفقهاء يجعل دعوى الإجماع غير مسلمة، وهذا ما حدا بنا إلى القول بأن جمهور الفقهاء يرى أن دية المرأة على النصف من دية الرجل.

نقصان الدية للأنوثة:

وقد اعتبر فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ أن الأنوثة من العوامل المؤثرة في نقصان الدية، وهذه العوامل ثلاثة كما ذكرها ابن رشد وهي (الأنوثة والكفر والعبودية)([49]).

استدلوا لذلك بالإجماع والقياس، ولعل الكاساني الحنفي يعبر عن أدلة الجمهور في هذا الصدد خير تعبير:

أولا: (إجماع الصحابة y فإنه روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي وابن مسعود وزيد بن ثابت رضوان الله تعالى عليهم أنهم قالوا في دية المرأة: إنها على النصف من دية الرجل، ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد فيكون إجماعًا).

ثانيا: (ولأن المرأة في ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل فكذلك في ديتها)([50]).

ثالثا: (لأن في كتاب عمرو بن حزم «دية المرأة على النصف من دية الرجل»).

وهي أخص مِمَّا ذكروه، وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسرًا لما ذكروه مخصصا له، وذلك في معرض الرد على دليل ابن علية والأصم وهو قوله e: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل»([51]).

رأي كثير من المعاصرين في دية المرأة:

وإذا كان جمهور الفقهاء قديمًا رأى أن دية المرأة نصف دية الرجل واستدلوا لذلك، فإن جمهور الفقهاء المعاصرين يرون أن دية المرأة مساوية لدية الرجل، واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة.

يقول الدكتور القرضاوي في مقدمة بحثه عن دية المرأة: (قد دعاني المجلس الأعلى لشئون الأسرة في قطر إلى المشاركة في (مائدة مستديرة) عقدت في تاريخ 22-12-2004م لمناقشة موضوع (دية المرأة في الشريعة الإسلامية)، وهل تنصيف ديتها بالنسبة إلى دية الرجل أمر لا يقبل الاجتهاد، أم هو أمر يمكن أن نجدد فيه اجتهادا في عصرنا اقتضاه تغير الزمان والمكان والإنسان؟

وهذا ما دعاني إلى البحث في القضية من خلال الرجوع إلى مصادرنا الأصلية المعصومة: القرآن الكريم والسنة المشرفة، وما يخدمهما من مصادر التفسير، وشروح الحديث، ومن خلال مراجعنا الفقهية على اختلاف المذاهب والمشارب؛ فقه الصحابة والتابعين والأتباع، ومن بعدهم من الأئمة المتبوعين وغير المتبوعين. وقد غُصْت في كتب التفسير والحديث، وفي كتب السنن والآثار، وفي كتب الفقه والأصول، مناقشا الموضوع من جذوره، وراجعا إلى الأدلة التي تستنبط منها الأحكام، والتي يعتمد عليها أهل الفقه والاجتهاد والفتوى: القرآن والسنة والإجماع والقياس والمصلحة وأقوال الصحابة.

وبعد مناقشة الأمر بحياد وموضوعية تبين لي أن هذا الحكم الذي اشتهر لدى المذاهب المتبوعة أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، والذي استمر قرونا معمولا به لا يسنده نص صحيح الثبوت صريح الدلالة من كتاب ولا سنة، كما لا يسنده إجماع ولا قياس، ولا مصلحة معتبرة، ولا قول صحابي ثابت، وإنْ كان الراجح أن قول الصحابي ليس بحجة في دين الله؛ لأنه يتوارد عليه الخطأ والصواب، ولا معصوم غير رسول الله، ما لم يجمع الصحابة على شيء فيكون إجماعهم هو الحجة الملزمة([52]).

على أية حال ليس هنا موضوع بحث لهذه المسألة الهامة، ولكن على من يقومون بالتقنين في باب العقوبات أن يخلصوا إلى رأي راجح في هذه المسألة؛ لأنها وإن كانت غير مطروحة لدى فقهائنا القدامى بهذه الكثرة وهذا الحجم، فإنها من القضايا المطروحة الآن وخاصة بعد انتشار حوادث النقل الجماعي، وكما يقول شيخنا العلامة يوسف القرضاوي بحق: (وقد تساءلت: لماذا سكت المجتهدون والمجددون طوال العصور عن هذه القضية، ولم تظهر فيها آراء تجديدية، كما ظهر في قضية الطلاق عند الإمام ابن تيمية ومدرسته؟…

تبينت أن قتل المرأة خطأ أو شبه عمد في الأزمنة الماضية كان من الندرة بمكان، وليس كعصرنا الذي يكثر فيه قتل الخطأ في حوادث السير، وتصاب فيها المرأة كما يصاب الرجل، فلم تثر مشكلة حول الموضوع حتى تستدعي اجتهادا جديدا من العلماء)([53]).

زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص:

نظرا للتقدم العلمي والطبي المعاصر رأى بعض الناس إمكانية زراعة أي عضو بتر في حد أو قصاص، وبالتالي نجمع بين أمرين: الأمر الأول: تطبيق الحدود، والثاني: جبر الضرر الذي وقع على من يقام عليه الحد بإعادة زرع العضو الذي استؤصل.

ولأن هذا لا يتصور إِلاَّ إن كانت هناك استعدادات طبية خاصة كأن يستأصل العضو داخل غرفة العمليات المجهزة، ثُمَّ يتم زرعه مرة أخرى؛ فإن مقاصد الشرع من تطبيق الحد تكون قد انتفت، فلا زجر للجاني الذي غالبا ما سيكون تحت تأثير المخدر أثناء البتر والزرع. ولا جبر الضرر الذي نشأ عن تصرفه فقطع عضو إنسان ولم يتمكن من زرعه. ولذلك درس مجمع الفقه هذه المسألة وخلص بالقرار التالي:

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410هـ الموافق 14-20آزار (مارس)1990م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبمراعاة مقاصد الشريعة من تطبيق الحد في الزجر والردع والنكال، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة وقطع دابر الجريمة، ونظرا إلى أن إعادة العضو المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث، فلا يكون ذلك إلا بتواطؤ وإعداد طبي خاص ينبئ عن التهاون في جدية إقامة الحد وفاعليته. قرر ما يلي:

أولا: لا يجوز شرعا إعادة العضو المقطوع تنفيذا للحد؛ لأن في بقاء أثر الحد تحقيقا كاملا للعقوبة المقررة شرعا، ومنعا للتهاون في استيفائها، وتفاديا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر.

ثانيا: بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذا للقصاص، إلا في الحالات التالية:

أ–أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع من الجاني.

ب – أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة عضوه المقطوع منه.

ثالثا: يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ. والله أعلم.

*    *     *
الفصل الثالث:
قضايـا الحــدود

ثارت شبهات عديدة في الفترة الأخيرة بعد أن نحيت الشريعة الإسلامية من التطبيق في معظم دول العالم الإسلامي، وطبقت تطبيقا جزئيا في بعض الأماكن، وخرجت أجيال ثقافتها الفقهية والشرعية محدودة، ونظرت إلى التقدم الذي وصل إليه غيرنا وهو لا يقيم لهذه الحدود وزنا، بل يتهم كل من ينادي بتطبيقها بالرجعية والقسوة والاعتداء على حريات الناس وأموالهم وأبدانهم بغير حق. ولأن بعض المسلمين لا يعرف من تطبيق الشريعة إلا القطع والرجم والصلب تنادت الأصوات من الداخل والخارج تارة بتعليق الحدود إلى أجل غير مسمى، وتارة بإلغائها بالكلية؛ حيث إنها تقف في طريق نهضتنا، وتعمل على سوء العلاقة بيننا وبين الدول المتقدمة التي تجعل عدم تطبيق الحدود شرطا أوليا من الشروط التي تقبلنا بسببها.

ومن ثم فعلى القائمين بالتقنين جهد كبير في توضيح هذه المسائل أوَّلا، والرد على الشبهات ثانيا. وعليهم أيضا توضيح عظمة التشريع الإسلامي الشامل، وليس القاصر على باب العقوبات فقط.

وكما نشأت قضايا في مجال القصاص والدية نشأت قضايا في مجال الحدود، تتناول هذه القضايا ما يدخل ضمن هذه الحدود وما يخرج منها، كما تتناول كيفية تطبيق الحدود والشروط التي يجب توافرها فيمن يطبق عليه الحد.

أولا: حد الردة:

نشأ اختلاف بين الفقهاء المعاصرين حول حد الردة، وهل هو عقوبة مقدرة لا يمكن لأحد الاجتهاد في التخفيف منها أو الزيادة عليها، أم أنها عقوبة تعزيرية تترك للحاكم أو من يقوم مقامه بتطبيقها حسب خطورة المرتد؟ وهل يجمع بين الردة وبين الخروج على المجتمع، أو من يدعو إلى هذه الردة بما يمثل خطرا على المجتمع الذي يعيش فيه؟

ونستطيع أن نوجز آراء المعاصرين في موضوع الردة في ثلاثة اتجاهات أو آراء:

الرأي الأول: يرى أن الردة جريمة عقوبتها حدية، يستحق فاعلها القتل حدا، كما وضحت السنة المطهرة القولية والعملية.

الرأي الثاني: يرى أن الردة جريمة عقوبتها التعزير تخضع للزمان والمكان والأحوال، وليست حد مقدرا.

الرأي الثالث: يرى أن الردة جريمة؛ لكن عقوبتها في الآخرة، ولا سلطان لأحد على المرتد في الدنيا، وإنما حسابه في الآخرة.

الرأي الأول يمثله من الفقهاء المعاصرين فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وسنذكر خلاصة رأيه في هذه المسألة حيث يقول:

… أجمع فقهاء الإسلام على عقوبة المرتد، وإن اختلفوا في تحديدها، وجمهورهم على أنها القتل، وهو رأي المذاهب الأربعة، بل الثمانية.

وفيها وردت جملة أحاديث صحيحة عن عدد من الصحابة: عن ابن عباس وأبي موسى ومعاذ وعلي وعثمان وابن مسعود وعائشة وأنس وأبي هريرة ومعاوية بن حيدة.

وقد جاءت بصيغ مختلفة، مثل حديث ابن عباس: «من بدل دينه فاقتلوه» (رواه الجماعة إلا مسلما، ومثله عن أبي هريرة عند الطبراني بإسناد حسن، وعن معاوية بن حيدة بإسناد رجاله ثقات)([54]).

وحديث ابن مسعود «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إِلاَّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (رواه الجماعة)([55]).

وفي بعض صيغه عن عثمان: «… رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (رواه الجماعة)([56]).

قال العلامة ابن رجب: والقتل بكل واحدة من هذه الخصال متفق عليه بين المسلمين.

وقد ذكر ابن تيمية: أن النبي e قبل توبة جماعة من المرتدين، وأمر بقتل جماعة آخرين، ضموا إلى الردة أمورًا أخرى تتضمن الأذى والضرر للإسلام والمسلمين؛ مثل أمره بقتل مقيس بن حبابة يوم الفتح لما ضم إلى ردته السب وقتل المسلم، وأمر بقتل ابن أبي صرح لَـمَّا ضم إلى ردته الطعن والافتراء. وفرق ابن تيمية بين نوعين: أن الردة المجردة تقبل معها التوبة، والردة التي فيها محاربة لله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد لا تُقبل فيها التوبة قبل القدرة.

روى عبد الرزاق والبيهقي وابن حزم: أن أنسًا عاد من سفر فقدم على عمر، فسأله: ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام، فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، قتلوا بالمعركة، فاسترجع عمر -أي قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون-، قال أنس: هل كان سبيلهم إِلاَّ إلى القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أودعتهم السجن. وهذا هو قول إبراهيم النخعي، وكذلك قال الثوري: وهو الرأي الذي نأخذ به، وفي لفظ له: “يؤجل ما رجيت توبته”.

ثم يعلق فضيلة الشيخ على هذه الرواية في الهامش فيقول: (ومعنى هذا الأثر: أن “عمر” لم ير عقوبة القتل لازمة للمرتد في كل حال، وأنها يمكن أن تسقط أو تؤجل، إذا قامت ضرورة لإسقاطها أو تأجيلها. والضرورة هنا: حالة الحرب، وقرب هؤلاء المرتدين من المشركين وخوف الفتنة عليهم، ولعل عمر قاس هذا على ما جاء عن النبي e في قوله: «لا تقطع الأيدي في الغزو»، وذلك خشية أن تدرك السارق الحمية فيلحق بالعدو.

وهناك احتمال آخر، وهو أن يكون رأي “عمر” أن النبي e حين قال: «من بدل دينه فاقتلوه» قالها بوصفه إمامًا للأمة، ورئيسًا للدولة، أي أن هذا قرار من قرارات السلطة التنفيذية، وعمل من أعمال السياسية الشرعية، وليس فتوى وتبليغًا عن الله، تلزم به الأمة في كل زمان ومكان وحال؛ فيكون قتل المرتد وكل من بدل دينه من حق الإمام ومن اختصاصه وصلاحية سلطاته، فإذا أمر بذلك نفذ، وإلا فلا.

على نحو ما قال الحنفية والمالكية في حديث «من قتل قتيلا فله سلبه». وما قال الحنفية في حديث «من أحيا أرضًا ميتة فهي له».

إن المرتد الداعية إلى الردة ليس مجرد كافر بالإسلام، بل هو حرب عليه وعلى أمته؛ فهو مندرج ضمن الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا. والمحاربة كما قال ابن تيمية نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان. والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد. وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان قد يكون أعظم مِمَّا تفسده اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض فسادا باللسان أوكد.

والذي أراه أن العلماء فرقوا في أمر البدعة بين المغلظة والمخففة، كما فرقوا في المبتدعين بين الداعية وغير الداعية، وكذلك يجب أن نفرق في أمر الردة الغليظة والخفيفة، وفي أمر المرتدين بين الداعية وغير الداعية.

فما كان من الردة مغلظًا كردة سلمان رشدي، وكان المرتد داعية إلى بدعته بلسانه أو بقلمه؛ فالأولى في مثله التغليظ في العقوبة، والأخذ بقول جمهور الأمة وظاهر الأحاديث؛ استئصالا للشر وسدًا لباب الفتنة. وإلا فيمكن الأخذ بقول النخعي والثوري، وهو ما رُوي عن الفاروق عمر([57]).

ويمثل الاتجاه الثاني الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين، وبعد أن يذكر الآيات القرآنية التي تحدثت عن حد الردة يقول:

خلصنا فيما تقدم إلى أن القرآن الكريم لم يحدد للردة عقوبة دنيوية، وإنما توعدت الآيات التي فيها ذكر الردة بعقوبة أُخروية للمرتد. وبينَّا أن الفقهاء يستندون على أحاديث نبوية صحيحة لبيان حكم المرتد، وأنهم يذهبون -بصفة عامة- إلى أن المرتد يُقتل لردته عملا بقول رسول الله e: «من بدل دينه فاقتلوه» (رواه الجماعة إلا مسلمًا).

وعلى الرغم من الاتجاه الظاهر في الفقه الإسلامي إلى تضييق نطاق توقيع العقوبات، والتوسع الملحوظ في مختلف المذاهب في إعمال قاعدة درء العقوبات بالشبهات؛ فإننا نلاحظ أن اتجاها مغايرًا يظهر في شأن جريمة الردة وعقوبتها؛ حيث ثمة توسع في التجريم، يترتب عليه توسع في حالات توقيع العقاب.

ومع التسليم بتجريم الردة، فإننا نتردد في القطع بأن العقوبة التي قررها لها الإسلام هي عقوبة الإعدام، وأن هذه العقوبة من عقوبات الحدود.

وقد سبقنا إلى مثل هذا التردد المرحوم الشيخ محمود شلتوت، فقال بعد أن بيّن مستند الفقهاء في تقرير عقوبة الردة، وخلافهم في مدى إعمال الحديث النبوي في قتل المرتد: “وقد يتغير وجه النظر في المسألة؛ إذ لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبُت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن الكريم في كثير من الآيات تأبى الإكراه في الدين”.

إن أقوى ما يستند إليه الفقهاء في إثبات عقوبة القتل حدًا للمرتد هو الأمر الوارد في قوله e: «من بدل دينه فاقتلوه». والسؤال الذي يجب أن نتصدى للإجابة عنه هنا هو: هل الأمر الوارد في هذا الحديث يفيد الوجوب، أو أنه أمر قد أحاطت به قرائن صرفته عن الوجوب إلى غيره؟

وتتلخص هذه القرائن في الأمور التالية:

الأمر الأول: من هذه القرائن التي تصرف الأمر في الحديث عن الوجوب إلى الإباحة، أن الأحاديث التي ورد فيها أن رسول الله e قتل مرتدًّا أو مرتدة أو أمر بأيهما أن يُقتل، كلها لا تصحُّ من حيث السند، ومن ثَمَّ فإنه لا يثبت أن رسول الله e عاقب على الردة بالقتل.

الأمر الثاني: ما رواه البخاري ومسلم من أن «أعرابيا بايع رسول الله e فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي e فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى. ثم جاءه فقال: يا محمد أقلني بيعتي؛ فأبى. فخرج الأعرابي، فقال رسول الله e: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها». وقد ذكر الحافظ ابن حجر والإمام النووي نقلا عن القاضي عياض أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله e إقالته من الإسلام فهي حالة ردة ظاهرة، ومع ذلك لم يعاقب رسول الله e الرجل ولا أمر بعقابه، بل تركه يخرج من المدينة دون أن يتعرض له أحد.

الأمر الثالث: ما رواه البخاري عن أنس t قال: «كان رجلا نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي e، فعاد نصرانيا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض…». الحديث. ففي هذا الحديث أن الرجل تنصر بعد أن أسلم، وتعلم سورتي البقرة وآل عمران، ومع ذلك لم يعاقبه النبي e على ردته.

الأمر الرابع: هو ما وردت حكايته في القرآن الكريم عن اليهود الذين كانوا يترددون بين الإسلام والكفر ليفتنوا المؤمنين عن دينهم ويردوهم عن الإسلام، قال تعالى: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾([58]). وقد كانت هذه الردة الجماعية في المدينة، والدولة الإسلامية قائمة، ورسول الله e حاكمها؛ ومع ذلك لم يُعاقب هؤلاء المرتدين الذين يرمون -بنص القرآن الكريم- إلى فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عنه.

وليس من اليسير علينا أن نسلم مع وجود هذه الوقائع المتعددة للردة ومع عدم عقاب الرسول e للمرتدين في أي منها، بأن عقوبة المرتد هي القتل حدًّا؛ إذ من خصائص الحدود -كما قدمنا- وجوب تطبيقها كلما ثبت ارتكاب الجريمة الموجبة لها.

وإذ كان حديث الرسول e: «من بدل دينه فاقتلوه» حديثا صحيحًا من حيث السند، فإننا نقول: إن الرسول e إنما أراد بهذا الحديث -والله أعلم- أن يبيح لأمته قتل المرتد تعزيرا.

وحاصل ما تقدم أن عقوبة الردة عقوبة تعزيرية مفوضة إلى السلطة المختصة في الدولة الإسلامية، تقرر بشأنها ما تراه ملائما من أنواع العقاب ومقاديره. ويجوز أن تكون العقوبة التي تقررها الدولة الإسلامية للردة هي الإعدام؛ وبذلك نجمع بين الآثار الواردة عن الصحابة، والتي ثبت في بعضها حكم بعضهم بقتل المرتد، وفي بضعها الآخر عدم قتله. وعلى ذلك أيضًا نحمل رأي إبراهيم النخعي وسفيان الثوري في أن المرتد يستتاب أبدًا ولا يُقتَل.

وعلى الرغم من مخالفة ما انتهينا إليه لما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ إذ رأينا جواز قتل المرتد عقابًا على الردة، ورأوا وجوب كون العقوبة قتله؛ فإن ما قدمناه من أدلة يشهد -في نظرنا- له، فإن يك صوابا فالحمد لله، وإن يك خطأ فمني وأستغفر الله([59]).

الرأي الثالث: ويمثله جمال البنا، ومدرسة القرآنيين:

وقد وقف جمال البنا عند قول الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾([60])، وعند قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾([61]). وهو يتهم الفقهاء بأنهم اخترعوا حدّ الردة من بنات أفكارهم، مجاملة للحكّام الظالمين؛ ففقهاء المذاهب الثمانية من بداية تدوين الفقه وقبله متهمون عند (جمال البنا) أنهم مدلِّسون يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا، ويخترعون حد الردة، فيقول: “إذا لم يكن في القرآن ما ينصّ على عقوبة دنيوية على الردة، وإذا لم يكن في عمل الرسول أو قوله ما يتضمن مثل هذه العقوبة، وإذا جاءت مواقف معظم الصحابة بعيدة كل البعد عن تكفير مسلم أو الحكم بردته أو فرض عقوبة عليه؛ فمن أين جاءت تلك الأحاديث المستفيضة والمسهبة عن حدّ الردة؟!

لقد جاء بها الفقهاء عندما أرادوا أن يدوِّنوا ويقنّنوا الأحكام، وكان ذلك في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية؛ عندما احتدمت العداوات السياسية والخلافات المذهبية، وهددت وحدة الأمة وكيانها، عندئذ وقف الفقهاء موقف حماة القانون والنظام والسلطة. وكأن المناخ أملى عليهم أن يبتروا من المجتمع كل خارج عليه، ووجدوا من الأحاديث والسوابق التي وضعت أو رويت بطريقة مشوهة أو اصطنع لها سند قوى ما يمكن معه أن يضفوا صفة شرعية على عملية البتر هذه”([62]).

وبالتالي يرى (جمال البنا) أنه لا عقوبة في الدنيا على المسلم الذي غَيَّرَ دينه وارتدّ عن الإسلام، سواء كان مسلمًا بمولده من أبوين مسلمين، أو غير مسلم دخل الإسلام وخرج منه، حتى لو تكرر هذا الفعل منه كل يوم؛ يدخل الإسلام إن شاء ويتركه متى أراد، دون تدخّل من المجتمع أو الحكومة المسلمة. بل ذهب (جمال البنا) إلى أبعد من هذا حيث يرى أننا كحكومة مسلمة أو مجتمع مسلم لا نستطيع أن نرتب أي عقوبة على المرتد؛ فلا نطلق منه زوجته إِلاَّ إذا أرادت هي ذلك وطالبت به، ولا يُحْرم من الميراث، ولا يمنع من الدفن في مقابر المسلمين، ولا حتى نستطيع أن نقول: إنه إن مات على الكفر فسيخلّد في النار أو يدخل النار أصلا؛ لأن هذا أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.

وأحسب أن المهتمين بأمر تقنين العقوبات في الفقه الإسلامي سيقفون أمام الرأيين الأول والثاني ليرجحوا أيهما أولى بالقبول وأنسب للعصر الذي نحيا فيه؛ أما الرأي الثالث فلا يستحق الوقوف عنده أو الإطالة في مناقشته.

ثانيًا: حد الزنى:

لم يختلف الفقهاء المعتبرون قديما ولا حديثا أمام عقوبة الزاني غير المحصن؛ لأنها ثابتة بنص قرآني قطعي الثبوت قطعي الدلالة، يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾([63]).

ولكنهم اختلفوا حول عقوبة الرجم للزاني المحصن، هل هي عقوبة حدية أم عقوبة تعزيرية؟ أم أنها لا حدية ولا تعزيرية؟

كما اختلفوا حول تحديد مفهوم الإحصان، فهل يصير الرجل محصنا إذا تزوج ولو ليلة واحدة ثم طلق أو ماتت زوجته فيلزمه هذا الوصف طوال عمره؟ أم أن الإحصان هو أن تكون له زوجة في وقت ارتكاب جريمة الزنى وبالتالي تغلظ عليه العقوبة بسبب تركه للحلال وسعيه إلى الحرام بغير مسوغ؟

أما عن عقوبة الإحصان وهي الرجم فقد حكى الإجماع عليها كثير من الفقهاء، ولم يخالف في هذا الأمر إلا الخوارج؛ لأن الرسول e طبق هذا الحد على الزاني المحصن في حياته، فأصبحت سنة قولية وسنة فعلية لا يمكننا إنكارها أو تجاوزها. يقول ابن قدامة: (وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفا إلا الخوارج، فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب، لقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾. وقالوا: لا يجوز ترك كتاب الله تعالى الثابت بطريق القطع واليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها، ولأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة، وهو غير جائز)([64])، ويمكن الرجوع إليها من خلال كتب الفقه في المذاهب الفقهية المعتبرة([65]).

لكن الخلاف وقع حول شروط الإحصان؛ فبعض الفقهاء توسع في هذه الشرط، وبعضهم ضيق، وبعضهم اقتصد.

اتفق الفقهاء على بعض شروط الإحصان في جريمة الزنى، واختلفوا في البعض الآخر؛ فمن الشروط المتفق عليها: البلوغ والعقل، وهما شرطان لأصل التكليف، فيجب توفرهما في المحصن وغير المحصن وقت ارتكاب الجريمة. والوطء في نكاح صحيح. والحرية؛ لأن الرقيق ليس بمحصن. والإسلام وهو محل خلاف بين الفقهاء([66]).

وإذا كانت عقوبة الرجم للمحصن حدًّا مقررًا في التشريع الجنائي الإسلامي -ذكرًا كان أو أنثى- فمن ذا المحصن الذي تنطبق عليه تلكم العقوبة متى ارتكب جناية الزنى بأوصافها المقررة فقهًا؟

هل المحصن هو من جامع في نكاح صحيح ولو مرة واحدة في دهره، كما هو مقرر لدى الفقهاء القدامى ([67]) ؟

وقد تساءل الشيخ محمد أبو زهرة عن تعريف المحصن وقال: (أهو الذي تزوج ولو انقطعت الحياة الزوجية؟ أم هو الذي يستمر متزوجًا؟)([68]).

وبناء على تعريف الفقهاء -رحمهم الله-؛ فإنه (لو ماتت زوجة الرجل أو زوج المرأة أو طلقها فإنهما يعتبران محصنين إلى الأبد، ولو لم يَعُدْ أحدهما إلى زواج بعد ذلك قط)([69]).

والسؤال الذي يطرح نفسه إزاء تعريف الفقهاء للمحصن: ما أساس التفرقة الذي اعتمده الفقهاء قديمًا للتمييز بين المحصن وغير المحصن؟.

(إذا كانت التفرقة بين الشخصين قائمة على مجرد كون أحدهما تزوج والآخر لم يسبق له الزواج، فإن كلام الفقهاء يبقى صحيحًا. وإن كانت التفرقة على هذا النحو فلا يمكننا فهم أساسها المنطقي)([70]).

وإن كنا لا نقبل هذه التفرقة دون فهم أساسها وتعليل وجهتها لسببين:

الأول: أن هذه المسألة ليست من الأمور التعبدية التي مبناها في الجملة على التعبد دون الالتفات إلى المعاني كما يقرر الإمام الشاطبي([71])ـ رحمه الله ـ.

الثاني: أن واقع الخلاف بين الفقهاء في تعريف المحصن وشروط المحصن بدا معللا ومبررًا في الجملة.

أما إذا كان أساس التفرقة بين المحصن وغيره هو (كون الأول قادرًا باعتباره متزوجًا على أن يقضي شهوته بطريق شرعه الله وهو الزواج، والآخر غير قادر على ذلك فإنه لابد من إعادة النظر في كلام الفقهاء حول هذا الشرط واستمراره بجماع ولو مرة)([72]). وقد ذهب الدكتور إسماعيل سالم إلى ما ذهب إليه الدكتور العوا، ودعا إلى إعادة النظر في قضية الإحصان وشروطها([73]).

وقد عالج أحد الباحثين الجادين هذه المسألة في بحثه المقدم لقسم الشريعة الإسلامية لنيل درجة الماجستير من كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وبعد أن عرض لمفهوم الإحصان في اللغة والقرآن والسنة وأقوال الفقهاء؛ خلص إلى أنه يشترط بقاء الزوجية قائمة أثناء وقوع الزاني في جريمة الزنى حتى يصدق عليه صفة الإحصان([74]).

وهو أمر جدير بالنظر حيث إِنَّهُ يتسق مع مقصد الشارع في تغليظ العقوبة على المحصن الذي كان عنده ما يستغني به عن الحرام، لكنه لم يفعل.

ثالثا: القذف:

لا خلاف حول عقوبة القذف في الإسلام، وقد جاءت الآيات واضحة جلية في هذه المسألة، وطبقها النبي e تطبيقا عمليا في حادث الإفك الذي تعرضت له أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ؛ يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([75]). ولكنهم اختلفوا حول المحصن الذي إن قذف وجب إقامة الحد على قاذفه. ومن أهم المسائل المطروحة الآن أمام البحث الفقهي هي مسألة قذف غير المسلم بالزنى، فعند جمهور الفقهاء أن الإسلام شرط من شروط الإحصان؛ فهل يعفى قاذف غير المسلم من العقوبة ؟([76]).

إن كثيرا من الفقهاء قد أوجبوا الحد إذا قذف مسلم غير مسلمة، وكانت زوجة لمسلم أو أُمًّا له، نظرا لحق المسلم؛ لأنه يلحقه العار بسبب هذا القذف. لكن معظمهم لم يلتفت إلى أن العار قد يلحق غير المسلم نفسه وأهله، وبخاصة في المجتمعات المحافظة كما يحدث في بعض المناطق من مصروغيرها، حيث تعتبر جريمة الزنى من الجرائم التي تلطخ سمعة العائلة كلها، وتصمها بالعار والشنار، وهذا أمر يتفق فيه المسلمون وغير المسلمين. ولذلك لو ذهب التقنين المعاصر إلى تجريم قذف غير المسلم وترتيب عقوبة القذف له كقذف المسلم سواء بسواء لكان ذلك أقرب إلى روح التشريع ومقاصد العقوبات، وبخاصة أنه لا يعارض أدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة في هذا الشأن، ويمكننا الاستئناس لهذا الرأي بالأدلة التالية:

1 -إننا لم نفرق بين الذمي والمسلم المحصنين إذا زنيا في عقوبة الزنى -جلدًا أو رجمًا-، وهى أساس القذف وفق شرعنا على الراجح عند الفقهاء وفى ميزان السنة؛ فإن التفرقة بينهما في حد القذف لا مسوغ لها، وإقامتنا عليهم حد الزنى تقتضي حد من يقذفهم به.

2 -على الرغم من اشتراط الفقهاء البلوغ -كأحد شرطي التكليف- في المقذوف لإقامة الحد على قاذفه، فإن الحنابلة ومالك أوجبوا الحد على قاذف الصبي والصبية عند إطاقة الوطء -وحددوا أدناه تسع سنوات للبنت وعشر سنوات للغلام- ما دام يطأ مثله أو يوطأ مثلها، وعللوا لذلك بأنهما يتعيران بالزنى.

ونفس العلة قائمة في الذمي الذي يتعير بالزنى، والذي من أجلها شرع حد القذف؛ وبذلك يسقط شرط الإسلام في الإحصان، كما يسقط شرط البلوغ عند الحنابلة ومالك لتحقق العلة التي من أجلها شرعت العقوبة في كليهما.

3 -ومن المتفق عليه بين الفقهاء أَنَّهُ إذا سرق المسلم مال الذمي قطع فيه، والقياس على قذفه أولى؛ لأن العرض مقدم على المال في سلم الأولويات الشرعية، وليس المال بأكثر احتراما من العرض.

4 -إن دعوى عدم التسوية بين المسلم والذمي في عقوبة القذف يناقض العدل والقسط الذي أمرنا به في التعامل مع الذميين في كتاب ربنا، قال تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾([77]).

وإن العدل في حقيقته (هو المساواة بين أبعد الناس وأقربهم في قضاء الحقوق وإقامة الحدود)([78]).

5 -إن القول بالتسوية بين المسلم والذمي في القذف هو الذي يتفق مع سماحة الإسلام، وما سنه من قوانين لإقامة العدل بين الناس، وهو (أدنى إلى العدالة، وإلى مواثيق حقوق الإنسان، وإلى احترام النفس البشرية دون نظر إلى البياض والسواد، أو الحرية والعبودية، أو الكفر والإيمان)([79]).

6 -إن القول بالتسوية هو الذي يتفق مع الحكمة من تشريع حد القذف، وهو صيانة الأعراض وحفظها.

7 -إن القول بعدم التسوية معناه تقنين للظلم تحت ستار العدالة، كما أن معناه (حماية الرذيلة والإثم والاعتداء باسم الإسلام، والإسلام لا يحمي الاعتداء ولا الرذيلة)([80]).

8 -إن العدل بالتسوية هو الذي يتفق مع القاعدة الفقهية العظيمة التي تقول: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، والتي تعد من مفاخر العدالة عند المسلمين، كما أن عقد الذمة بني على ذلك؛ وأن هذا بلا ريب يوجب التسوية في حد القذف، وإلا انخرمت هذه القاعدة([81]).

9 -إن القول بالمساواة بين المسلم والذمي في حد القذف فضلا عن أنه (يحقق لهم الأمان والراحة والطمأنينة، ربما يكون سببًا لاعتناق أهل الذمة الإسلام الذي يسوي بين المسلم وغير المسلم) في الجنايات؛ لأن عقد الذمة هو بمثابة طريق يتعرف من خلاله غير المسلم على الإسلام([82]).

10- إن حد القذف حق للآدمي ـ كما هو رأي أكثر الفقهاء مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف، وبعض الأحناف الذين يغلبون فيه حق العبد([83]) ـ يستحق بالطلب ويسقط بالعفو؛ بخلاف سائر الأحناف الذين يغلبون فيه حق الله([84]).

وعلى هذا فالقول بالتسوية في حد القذف هو الذي يتناسب مع القول بأنه حق للآدمي (وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية)([85])، ولا بالإسلام وضده.

رابعا: شرب الخمر:

لا خلاف بين الفقهاء أن شرب الخمر جريمة من الجرائم الكبرى التي تهدد استقرار الأسرة والمجتمع، وأنها تغيب العقل وهو نعمة من أجل النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، وحفظ العقل من المقاصد الأساسية التي جاء الإسلام بحفظها، وأقام الكثير من التدابير الواقية من الوقوع فيها؛ لكنهم اختلفوا حول مقدار العقوبة التي قررتها الشريعة الإسلامية لمن يقترف هذه المعصية على قولين:

القول الأول: ذهب إليه الحنفية والمالكية والحنابلة في الراجح عندهم، وهو مقابل الأصح عند الشافعية إلى أن الحد ثمانون جلدة، لا فرق بين الذكر والأنثى، وبه قال الثوري. واستدلوا على ذلك بإجماع الصحابة؛ فَإِنَّهُ روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام. وروي أن عليا قال في المشورة: إِنَّهُ إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون.

القول الثاني: ذهب الشافعية في الأصح عندهم والحنابلة في رواية ثانية اختارها أبو بكر وأبو ثور إلى أن قدر الحد أربعون فقط، ولو رأى الإمام بلوغه ثمانين جاز في الأصح عند الشافعية؛ والزيادة على الأربعين تكون تعزيرات. وقد استدلوا على ذلك بأن عليا جلد الوليد بن عقبة أربعين ثُمَّ قال: «جلد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أربعين»، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سُنَّة، وهذا أحب إلي([86]).

والراجح من خلال هذه الأقوال أن العقوبة تعزيرية تترك للقاضي يقدرها حسب الظروف والأحوال، وحسب إصرار الجاني وإدمانه على المعصية.

خامسًا: البغي:

بغى على الناس بغيا: أي ظلم واعتدى، فهو باغ. والجمع بغاة. وبغى: سعى بالفساد، ومنه الفئة الباغية.

والفقهاء لا يخرجون في الجملة عن هذا المعنى إِلاَّ بوضع بعض قيود في التعريف؛ فقد عرفوا البغاة بأنهم: الخارجون من المسلمين عن طاعة الإمام الحق بتأويل، ولهم شوكة. ويعتبر بمنزلة الخروج: الامتناع من أداء الحق الواجب الذي يطلبه الإمام، كالزكاة. ويطلق على من سوى البغاة اسم (أهل العدل)، وهم الثابتون على موالاة الإمام.

والبغي حرام، والبغاة آثمون؛ ولكن ليس البغي خروجا عن الإيمان؛ لأن الله سمى البغاة مؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ..﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾([87]). ويحل قتالهم، ويجب على الناس معونة الإمام في قتالهم. ومن قتل من أهل العدل أثناء قتالهم فهو شهيد، ويسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله. ويقول الصنعاني: إذا فارق أحد الجماعة ولم يخرج عليهم ولا قاتلهم يخلى وشأنه؛ إذ مجرد الخلاف على الإمام لا يوجب قتال المخالف. وفي حديث رواه الحاكم وغيره قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لابن مسعود: «يا ابن مسعود: أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال ابن مسعود: الله ورسوله أعلم، قال: حكم الله فيهم ألا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف على جريحهم».

ويرى الشافعية أن البغي ليس اسم ذم؛ لأن البغاة خالفوا بتأويل جائز في اعتقادهم، لكنهم مخطئون فيه، فلهم نوع عذر؛ لما فيهم من أهلية الاجتهاد. وقالوا: إن ما ورد في ذمهم، وما وقع في كلام الفقهاء في بعض المواضع من وصفهم بالعصيان أو الفسق محمول على من لا أهلية فيه للاجتهاد، أو لا تأويل له، وكذلك إن كان تأويله قطعي البطلان.

يقول الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين -رضي الله تعالى عنهما- قال: دخلت على مروان بن الحكم، فقال: ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل، فنادى مناديه: لا يقتل مدبر، ولا يذفف على جريح.

قال الشافعي: فذكرت هذا الحديث للدراوردي، فقال: ما أحفظَه؛ يعجب بحفظه. هكذا ذكره جعفر بهذا الإسناد. قال الدراوردي أخبرنا جعفر عن أبيه أن عليا t كان لا يأخذ سلبا، وأنه كان يباشر القتال بنفسه، وأنه كان لا يذفف على جريح ولا يقتل مدبرا.

قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا t قال في ابن ملجم بعدما ضربه: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، إن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت، وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا([88]).

والفقهاء يعتبرونهم مخطئين في الخروج، ويوجبون مقاتلتهم لكفهم عنه ورد عدوانهم عن الحاكم الشرعي ومن معه؛ ولكنهم لا يكفرونهم ولا يفسقونهم بهذا الخروج؛ لأنهم يخرجون بتأويل، وإن أخطئوا فيه. ولا يرى الفقهاء أن اسم البغي يفيد الذم.

ولذلك يذهب رأي راجح في الفقه الإسلامي إلى أن الذين يخرجون على الإمام لظلم وقع عليهم ليسوا من أهل البغي. وعليه (أي على الإمام) أن يترك الظلم وينصفهم. ولا ينبغي للناس أن يعينوا الإمام على البغاة؛ لأن فيه الإعانة على الظلم([89]).

ولا بد أن يعاد تقنين أحكام البغاة وفق ضوابط المعارضة السياسية في العصر الحالي. ولقد أسس الإمام علي t لهذا الفقه فسبق زمانه بقرون كثيرة.

ويخطئ كثير من الناس سواء أكانوا من المتخصصين في الفقه أم لا حينما يخلطون بين البغاة والمحاربين، ويقذفون بآية الحرابة في وجه كل من تسول له نفسه مخالفة الحاكم سواء أكان محقا أم غير محق، وأنهم يغرون الحكام بالبطش بكل من تسول له نفسه أن يقول: لا، حتى لو كانت المعارضة وفق ضوابط العمل السياسي المعاصر، وأنها معارضة مدنية لا تحمل السلاح في وجه أحد؛ فنراهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيقولون: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

والفارق بين البغاة والمحاربين لا يخفى على أحد، وإنما هو تحريف لآيات القرآن الكريم وتوظيفها توظيفا سياسيا، يزيد الظالم ظلما ويشجعه على ظلمه، ويضعف المظلوم ويضيع حقوق الأمة باسم القرآن. وما جاء القرآن إلا لرفع الظلم والضيم عن رقاب الناس، وإقامة العدل في الأرض وإنصاف الناس كل الناس، سواء أكانوا حكاما أم محكومين.

*    *     *
الفصل الرابع :
جهود المجامع الفقهية في موضوع التقنين

لم تفرد أي المجامع الفقهية دورة خاصة أو جزءا من دورة لموضوع التقنين. ولا أجد سببا يمكن الاعتذار به عن عدم التطرق لمثل هذه الموضوعات الهامة، غير أن بعض المجامع الفقهية أو معظمها مارس شيئا قريبا من تقنين الأحكام الفقهية من خلال ما يتوصل إليه من قرارات وتوصيات. وقد قمت بتجميع ما صدر من قرارات عن المجامع الفقهية فيما يخص العقوبات؛ لأنه بلا شك يمثل خطوة على طريق التقنين.

بعض قرارات المجامع الفقهية المتصلة بباب العقوبات:

أولا: مجمع الفقه المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي:

1 -زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص([90]):

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410هـ الموافق 14-20 آذار (مارس)1990م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبمراعاة مقاصد الشريعة من تطبيق الحد في الزجر والردع والنكال، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة وقطع دابر الجريمة، ونظرا إلى أن إعادة العضو المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث، فلا يكون ذلك إِلاَّ بتواطؤ وإعداد طبي خاص ينبئ عن التهاون في جدية إقامة الحد وفاعليته، قرر ما يلي:

أولا: لا يجوز شرعا إعادة العضو المقطوع تنفيذا للحد؛ لأن في بقاء أثر الحد تحقيقا كاملا للعقوبة المقررة شرعا، ومنعا للتهاون في استيفائها، وتفاديا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر.

ثانيا: بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذا للقصاص، إلا في الحالات التالية:

أ–أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع من الجاني.

ب – أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة عضوه المقطوع منه.

ثالثا: يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ. والله أعلم

2 -قرار مجمع الفقه بشأن حوادث السير([91]):

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام، من 1- 7 محرم 1414هـ الموافق 21- 27 حزيران (يونيو) 1993م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع حوادث السير.

وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة، وقواعد نقل الملكية، ورخص القيادة، والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية، والدراية بقواعد المرور والتقيد بها، وتحديد السرعة المعقولة والحمولة،

قرر ما يلي:

أولا: أ-إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجبٌ شرعا؛ لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناءً على دليل المصالح المرسلة. وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.

ب – مِمَّا تقتضيه المصلحة أيضا سنّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور؛ لردع من يُعرّض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى، أخذا بأحكام الحسبة المقررة.

ثانيا: الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار، سواء في البدن أم المال، إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر، ولا يعفى من هذه المسؤولية إِلاَّ في الحالات الآتية:

أ-إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها، وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.

ب – إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيرا قويا في إحداث النتيجة.

جـ- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.

ثالثا: ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.

رابعا: إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.

خامسا: أ-مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعديا، وأما المتسبب فلا يضمن إِلاَّ إذا كان متعديا أو مفرّطا.

ب-إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إِلاَّ إذا كان المتسبب متعديا والمباشر غير متعدّ.

ج-إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر. وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء.      والله أعلم

3 -قرار مجمع الفقه بشأن العاقلة وتطبيقاتها المعاصرة في تحمل الدية:

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته السادسة عشرة بدبي (دولة الإمارات العربية المتحدة) من 30 صفر إلى 5 ربيع الأول 1426هـ، الموافق 9 – 14 نيسان (أبريل) 2005م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع العاقلة وتطبيقاتها المعاصرة في تحمل الدية، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،

قرر ما يأتي:

أولا: تعريف العاقلة:

هي الجهة التي تتحمل دفع الدية عن الجاني في غير القتل العمد، دون أن يكون لها حق الرجوع على الجاني بما أدته. وهي العصبة في أصل تشريعها، وأهل ديوانه الذين بينهم النصرة والتضامن.

ثانيا: ما لا تتحمله العاقلة:

العاقلة لا تتحمل ما وجب من الديات عمدا ولا صلحـا ولا اعترافـا.

ثالثا: التطبيقات المعاصرة:

عند عدم وجود العشيرة أو العصبة التي تتحمل الديـة، فإنه يجوز أن ينوب عنها عند الحاجة، بناء على أن الأساس للعاقلة هو التناصر والتضامن، ما يلي:

(أ)التأمين الإسلامي (التعاوني أو التكافلي) الذي ينص نظامه على تحمل الديات بين المستأمنين.

(ب)النقابات والاتحادات التي تقام بين أصحاب المهنة الواحدة، وذلك إذا تضمن نظامها الأساسي تحقيق التعاون في تحمل المغارم.

(جـ)الصناديق الخاصة التي يكونها العاملون بالجهات الحكومية والعامة والخاصة لتحقيق التكافل والتعاون بينهم.

ثالثا: التوصيات:

* يوصي مجمع الفقه الإسلامي مختلف الحكومات والدول الإسلامية بأن تضع في تشريعاتها نصوصا تضمن عدم ضياع الديات؛ لأنه لا يُطَلَّ (لا يُهدر) دم في الإسلام.

* على الجهات ذات العلاقة العمل على إشاعة روح التعاون والتكافل في مختلف أفراد الجماعة والتجمعات التي تربط بين أعضائها رابطة اجتماعية. ويتحقق ذلك بالآتي:

(أ)تضمين اللوائح والتنظيمات المختلفة مبدأ تحمل الديات.

(ب)قيام شركات التأمين الإسلامية في مختلف دول العالم الإسلامي بعمل وثائق تشمل تغطية الحوادث ودفع الديات بشروط ميسرة وأقساط مناسبة. ومبادرة الدول الإسلامية إلى تضمين بيت المال (الخزانة العامة) مهمة تغطية الديات عند فقد العاقلة؛ وذلك لتحقيق الأغراض الاجتماعية التي تناط ببيت المال -ومنها تحمل الديات- بالإضافة إلى دوره الاقتصادي.

(جـ) دعوة الأقليات الإسلامية في مختلف مناطق العالم إلى إقامة تنظيمات تحقق التعاون والتكافل الاجتماعي فيما بينهم، والنص صراحة على تغطية تعويضات حوادث القتل وفقا للنظام الشرعي.

(د)توجيه رسائل إلى الحكومات والهيئات والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية لتفعيل أعمال البر والإحسان، ومنها الزكاة والوقف والوصايا والتبرعات كي تسهم في تحمل الديات الناتجة عن القتل الخطأ.    والله أعلم.

4- قرار مجمع الفقه بشأن ضمان الطبيب:

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الخامسة عشرة بمسقط (سلطنة عُمان) من 14 إلى 19 المحرم 1425هـ، الموافق 6 – 11 آذار (مارس) 2004م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع ضمان الطبيب، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،

قرر ما يأتي:

أولا: ضمان الطبيب:

(1) الطب علم وفن متطور لنفع البشرية، وعلى الطبيب أن يستشعر مراقبة الله تعالى في أداء عمله، وأن يؤدي واجبه بإخلاص حسب الأصول الفنية والعلمية.

(2) يكون الطبيب ضامنا إذا ترتب ضرر بالمريض في الحالات الآتية:

أ-إذا تعمد إحداث الضرر.

ب -إذا كان جاهلا بالطب، أو بالفرع الذي أقدم على العمل الطبي فيه.

جـ-إذا كان غير مأذون له من قبل الجهة الرسمية المختصة.

د-إذا أقدم على العمل دون إذن المريض أو مَن يقوم مقامه “كما ورد في قرار المجمع رقم 67 (5/7)”.

هـ – إذا غرر بالمريض.

و-إذا ارتكب خطأ لا يقع فيه أمثاله، ولا تقره أصول المهنة، أو وقع منه إهمال أو تقصير.

ز -إذا أفشى سر المريض بدون مقتضى معتبر “حسب قرار المجمع رقم 79 (10/8)”.

ح -إذا امتنع عن أداء الواجب الطبي في الحالات الإسعافية (حالات الضرورة).

(3) يكون الطبيب -ومَن في حكمه- مسؤولا جزائيا في الحالات السابق ذكرها إذا توافرت شروط المسؤولية الجزائية فيما عدا حالة الخطأ (فقرة “و”) فلا يُسأل جزائيا إِلاَّ إذا كان الخطأ جسيما.

(4) إذا قام بالعمل الطبي الواحد فريق طبي متكامل، فيُسأل كل واحد منهم عن خطئه تطبيقا للقاعدة “إذا اجتمعت مباشرة الضرر مع التسبب فيه فالمسؤول هو المباشر، ما لم يكن المتسبب أولى بالمسؤولية منه”. ويكون رئيس الفريق مسؤولا مسؤولية تضامنية عن فعل معاونيه إذا أخطأ في توجيههم أو قصر في الرقابة عليهم.

(5) تكون المؤسسة الصحية (عامة أو خاصة) مسؤولة عن الأضرار إذا قصّرت في التزاماتها، أو صدرت عنها تعليمات ترتب عليها ضرر بالمرضى دون مسوغ.

ويوصي بما يأتي:

(1) إجراء دراسة خاصة بمشكلات التطبيق المعاصر لنظام العاقلة واقتراح البدائل المقبولة شرعا.

(2) إجراء دراسة خاصة بمسائل الضرر المعنوي والتعويض عنه في قضايا الضمان بوجه عام.

(3) الطلب من الحكومات الإسلامية توحيد التشريعات الخاصة بتنظيم الأعمال الطبية مثل: قضايا الإجهاض، وموت الدماغ، والتشريح… إلخ.

(4) الطلب من الجامعات في الدول الإسلامية إيجاد مقرر خاص بأخلاقيات وفقه الطبيب لطلبة الكليات الطبية والتمريض.

(5) الطلب من الحكومات في الدول الإسلامية تنظيم ممارسات الطب البديل والطب الشعبي، والإشراف عليها، ووضع الضوابط التي تحمي المجتمع من الأضرار.

(6) حثّ وسائل الإعلام على ضبط الرسالة الإعلامية في المجال الصحي والطبي.

(7) تشجيع الأطباء المسلمين على إجراء البحوث والتجارب العلمية والشرعية.

والله الموفق.

5 -قرار المجمع الفقهي بشأن: مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) والأحكام الفقهية المتعلقة به([92]):

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1- 6 ذي القعدة 1415هـ الموافق 1- 6 نيسان (أبريل) 1995م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) والأحكام المتعلقة به، والقرار رقم 82 (13/8).

وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:

أولا: عزل المريض:

حيث إن المعلومات الطبية المتوافرة حاليا تؤكد أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري (مرض نقص المناعة المكتسب) (الإيدز) لا تحدث عن طريق المعايشة، أو الملابسة، أو التنفس، أو الحشرات، أو الاشتراك في الأكل، أو الشرب، أو حمامات السباحة، أو المقاعد، أو أدوات الطعام ونحو ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية، وإنما تكون العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:

1 -الاتصال الجنسي بأي شكل كان.

2 -نقل الدم الملوث أو مشتقاته.

3 -استعمال الإبر الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات، وكذلك أمواس الحلاقة.

4 -الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها في أثناء الحمل والولادة.

وبناء على ما تقدم فإن عزل الأم المصابة مع طفلها إذا لم تُخْشَ منه العدوى عن زملائهم الأصحاء غير واجب شرعا، ويتم التصرف مع المرضى وفق الإجراءات الطبية المعتمدة.

ثانيا: تعمّد نقل العدوى:

تعمد نقل العدوى بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم، ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية، وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.

فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع، فعمله هذا يعد نوعا من الحرابة والإفساد في الأرض، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾([93]).

وإن كان قصده من تعمُّد نقل العدوى إعداء شخص بعينه، وتمت العدوى، ولم يمت المنقول إليه بعد؛ عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة. وعند حدوث الوفاة ينظر في تطبيق عقوبة القتل عليه.

وأَمَّا إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه، ولكن لم تنتقل إليه العدوى؛ فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.

ثالثا: إجهاض الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز):

نظرا لأن انتقال العدوى من الحامل المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) إلى جنينها لا تحدث غالبا إلا بعد تقدم الحمل –نفخ الروح في الجنين– أو أثناء الولادة، فلا يجوز إجهاض الجنين شرعا.

رابعا: حضانة الأم المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) لوليدها السليم وإرضاعه:

لَـمَّا كانت المعلومات الطبية الحاضرة تدل على أنه ليس هناك خطر مؤكد من حضانة الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) لوليدها السليم، وإرضاعها له، شأنها في ذلك شأن المخالطة، والمعايشة العادية، فإنه لا مانع شرعا من أن تقوم الأم بحضانته، ورضاعته ما لم يمنع من ذلك تقرير طبي.

خامسا: حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز):

للزوجة طلب الفرقة من الزوج المصاب باعتبار أن مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) مرض معد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي.

سادسا: اعتبار مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) مرض موت:

يعدّ مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) مرض موت شرعا، إذا اكتملت أعراضه وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية، واتصل به الموت.

ويوصي بما يلي:

أولا: تأجيل موضوع حق المعاشرة الزوجية مع الإصابة بالإيدز، لاستكمال بحثه.

ثانيا: ضرورة الاستمرار على التأكد في موسم الحج من خلو الحجاج من الأمراض الوبائية، وبخاصة مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز).

والله الموفق.

6 -قرار مجمع الفقه بشأن أجهزة الإنعاش([94]):

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407هـ /11 – 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1986م.

بعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع أجهزة الإنعاش واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين،

قرر ما يلي:

يعتبر شرعا أن الشخص قد مات، وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعا للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:

– إذا توقف قلبه وتنفسه توقفا تاما، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.

– إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.

وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء، كالقلب مثلا، لا يزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة. والله أعلم.

ثانيا: قرارات المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي:

1 -حول المسؤولية عن أضرار الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة.

حول المسؤولية عن أضرار الأشياء من حيوان وبناء، وكل ما تتطلب حراسته عناية خاصة:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فنظرًا لما نشاهده في عصرنا الحاضر، عصر الآلة والتقانة (التقنية) المتطورة، وما تحدثه من أضرار وإصابات بين فئة العمال، وتقصير بعض الفنيين في القيام بواجب أمانة العمل وإتقانه، وعدم المبالاة بحقوق الآخرين، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت 20 من شعبان 1415هـ 21/1/1995م، نظر في موضوع: المسؤولية عن أضرار الأشياء من حيوان وبناء وكل ما تتطلب حراسته عناية خاصة، وقرر ما يلي:

أولا: أضرار الحيوان، الأصل الشرعي في جناية الحيوان والضرر الذي ينشأ منه أنها هدر، للحديث الثابت: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ»، ما لم يكن الحيوان المملوك أو الذي تحت الحيازة معروفًا بالإيذاء من عقر أو غيره، أو فرط المالك في حفظه بالتعدي أو التقصير. ويكون سبب المسؤولية هو الخطأ الثابت والضرر الفعلي، والمسؤول عن الضمان هو المالك ومن في حكمه، كالغاصب، والسارق، والمستأجر، والمستعير، والراكب، والسائق والقائد. ويسأل هؤلاء عن إتلاف الزرع، والشجر ونحوه، إن وقع الضرر ليلا، لوجوب حفظ الحيوان على صاحبه في الليل، وحفظ أصحاب الزروع ونحوها لها نهارًا، كما ورد في حديث البراء بن عازب t: «قضى نبي الله e أن على أهل الحوائط (البساتين) حِفْظَها بالنَّهارِ، وأن ما أفسَدت المواشي بالليلِ ضامِنٌ على أهلِها»، أي: مضمون.

ثانيًا: انهيار البناء.. يكون مالك البناء، وناظر عقار الوقف، وولي اليتيم، والقيم على ناقص الأهلية مسؤولا إذا شيد البناء من أصله مصحوبًا بالخلل، بسبب الإهمال، أو التقصير، أو الغش. وللمالك الرجوع على من تسبب في ذلك، وكذلك على هؤلاء ضمان التلف بانهيار البناء بسبب الخلل الطارئ عليه. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين.

2 -قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع إسقاط الجنين المشوَّه خلقيًّا:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الثانية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت 15 رجب 1410هـ الموافق 10 فبراير 1990م إلى يوم السبت 22 رجب 1410هـ الموافق 17 فبراير 1990م قد نظر في هذا الموضوع. وبعد مناقشته من قبل هيئة المجلس الموقرة، ومن قبل أصحاب السعادة الأطباء المختصين، الذين حضروا لهذا الغرض، قرر بالأكثرية ما يلي:

– إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، فلا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة، إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين، أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم، فعندئذ يجوز إسقاطه، سواء أكان مشوهًا أم لا، دفعًا لأعظم الضررين.

– قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات -وبناء على الفحوص الفنية، بالأجهزة والوسائل المختبرية- أن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا، غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده فستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله، فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين.

والمجلس إذ يقرر ذلك: يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر. والله ولي التوفيق.

3 -قرار المجمع الفقهي بشأن الملاكمة والمصارعة:

فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة قد نظر في موضوع الملاكمة والمصارعة الحرة من حيث عدهما رياضة بدنية جائزة، هل تجوز في حكم الإسلام أم لا تجوز؟

وبعد المداولة في هذا الشأن من مختلف جوانبه، والنتائج التي تسفر عنها هذه الأنواع التي نسبت إلى الرياضة، وأصبحت تعرضها برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية وغيرها. وبعد الاطلاع على الدراسات التي قدمت في هذا الشأن بتكليف من مجلس المجمع في دورته السابقة من قبل الأطباء ذوي الاختصاص، وبعد الاطلاع على الإحصائيات التي قدمها بعضهم عمَّا حدث فعلا في بلاد العالم نتيجة لممارسة الملاكمة، وما يشاهد في التلفزة من بعض مآسي المصارعة الحرة، قرر مجلس المجمع ما يلي:

الملاكمة: يرى مجلس المجمع بالإجماع أن الملاكمة المذكورة التي أصبحت تمارس فعلا في حلبات الرياضة والمسابقة في بلادنا اليوم هي ممارسة محرمة في الشريعة الإسلامية؛ لأنها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاء بالغًا في جسمه، قد يصل به إلى العمى، أو التلف الحاد أو المزمن في المخ، أو إلى الكسور البليغة، أو إلى الموت، دون مسؤولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى، وهو عمل محرم مرفوض كليًّا وجزئيًّا في حكم الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾([95]). وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾([96]). وقوله e: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ».

وعلى ذلك فقد نص فقهاء الشريعة على أن: من أباح دمه لآخر، فقال له: «اقتلني» فلا يجوز له قتله، ولو فعل كان مسؤولا ومستحقًّا للعقاب.

وبناء على ذلك يقرر المجمع أن هذه الملاكمة لا يجوز أن تسمى رياضة بدنية، ولا تجوز ممارستها؛ لأن مفهوم الرياضة يقوم على أساس التمرين دون إيذاء أو ضرر. ويجب أن تحذف من برامج الرياضة المحلية، ومن المشاركات فيها في المباريات العالمية. كما يقرر المجلس عدم جواز عرضها في البرامج التلفازية، كيلا تتعلم الناشئة هذا العمل السيئ وتحاول تقليده.

ثانيًا: المصارعة الحرة: وأما المصارعة الحرة التي يستبيح فيها كل من المتصارعين إيذاء الآخر والإضرار به، فإن المجلس يرى فيها عملا مشابهًا تمام المشابهة للملاكمة المذكورة وإن اختلفت الصورة؛ لأن جميع المحاذير الشرعية التي أشير إليها في الملاكمة موجودة في المصارعة الحرة التي تجري على طريقة المبارزة وتأخذ حكمها في التحريم. وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التي تمارس لمحض الرياضة البدنية، ولا يستباح فيها الإيذاء فإنها جائزة شرعًا ولا يرى المجلس مانعًا منها.   والله أعلم.

ثالثا: قرارات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث:

1- حكم تناول الخل المصنوع من الخمر:

الخمر إذا تخللت –أي تحولت إلى خل- بنفسها فهي حلال وطاهرة بالإجماع. وإذا كانت تخللت بمعالجة وعمل متعمد، كوضع ملح أو خبز أو بصل أو خل أو مادة كيميائية معينة، فقد اختلف فيها الفقهاء؛ فمنهم من قال: تطهر ويحل الانتفاع بها، لانقلاب عينها وزوال الوصف المفسد فيها. ومنهم من قال: لا تطهر، ولا يحل الانتفاع بها؛ لأنا أمرنا باجتنابها، وفي التحليل اقتراب منها، فلا يجوز.

وبعد أن استعرض المجلس أدلة الفريقين خلص إلى ترجيح المذهب الأول وهو طهارة الخل وحل الانتفاع به؛ وذلك لأن التخليل –مثل التخلل- يزيل الوصف المفسد وهو الإسكار، ويثبت وصف الصلاحية؛ لأن فيه مصلحة التغذي والتداوي وغيرهما، ولأن علة التنجيس والتحريم هي الإسكار، وقد زالت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وتأكد هذا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «نعم الإدام الخل»، من غير تفريق بين خل وآخر، ولا طلب منا البحث عن أصله ماذا كان.

وما روي بخلاف ذلك مِمَّا يدل على المنع من تخليلها، فإنما هو من باب الردع والتشديد عليهم في أول الأمر، حتى لا يتهاونوا فيها بحال.

*    *     *

الخلاصة ونتائج البحث

نخلص مِمَّا سبق إلى:

1-أن مسألة التقنين مسألة مهمة وبخاصة في الوضع الحالي؛ لأنه يسد حاجة عند القضاء الذي تحول من أفراد مجتهدين يتعاملون مع النصوص وفق اجتهادهم ومحاولة إسقاطها على أحكام المكلفين إلى مؤسسات مستقرة تحكم وفق قوانين محددة، ولابد أن يقوم بهذا العبء مؤسسة متكاملة من الفقهاء الشرعيين والفقهاء الدستوريين وعلماء القانون والاجتماع والاقتصاد كل حسب تخصصه والمجال الذي يجيده.

2- على من يقومون على مسألة التقنين أن يعتمدوا على تراث الأمة كله لا يسقطون منه شيئا، فأمامهم القرآن الكريم بتفاسيره المتنوعة، وأمامهم السنة المطهرة وكتبها التي عنيت بشرحها وبيان مدى صحة الحديث وضعفه، وأمامهم تراث الفقهاء في المذاهب الثمانية المشهورة والمذاهب غير المشهورة، وقبلها ومعها آثار الصحابة والتابعين، لا يسقطون منه شيئا ابتداء، ثم يعملون المنهج العلمي الجاد فيما يقبل الاجتهاد من هذا التراث كله على ضوء النظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحديثة؛ حتى يصلوا إلى ما يرونه أقرب إلى الصواب والنفع العام، دون التقيد بمذهب فقهي واحد يحمل الناس عليه دون غيره.

3- على من يقومون بهذا التقنين إعادة النظر فيما نقل إلينا من إجماعات سابقة لا تثبت أمام النقد العلمي الجاد، فلعل الناس قد اختلفوا ولم يصل الخلاف إلينا. وإن كان من عذر لدى أسلافنا في عدم وصول كل الآراء إلينا فلا عذر لنا وقد حدثت هذه الثورة التكنولوجية الهائلة في حفظ التراث على أقراص سهلة الحمل والبحث بحيث نستطيع بسهولة ويسر اختبار ما نقل إلينا من إجماع سابق، فربما لا يكون إجماعا.

4- بعض هذه الآراء أسس على أحاديث ضعيفة لم يصل ضعفها إلى أسلافنا من الفقهاء -رضوان الله عليهم أجمعين- فأفتوا وفق ما وصل إليه اجتهادهم وهم مأجورن إن شاء الله تعالى على هذا الاجتهاد؛ لكننا لا عذر لنا إن وصلنا الضعف (أي ضعف الحديث) وظللنا نصر على هذه الآراء، ولا نبحث فيها وفق ما أسست عليه.

5- لا يجوز -من وجهة نظري- أن نقوم بتطبيق باب من أبواب الشريعة ونترك الأبواب الأخرى، حتى لا نظلم شريعتنا ونظلم أنفسنا؛ فبعض الناس لا يعلمون من الشريعة إلا تطبيق العقوبات حتى استقر في أذهانهم أن الشريعة نزلت لقطع الأيدي وضرب الأجساد وقطع الرقاب، ولم يروا عظمة التشريع بتمامه وكماله في شتى نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فنكون كمن قال الله تعالى فيهم ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾([97])، أو الذين قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾([98]).

إن عظمة التشريع لن تتضح إلا إذا أخذ كاملا، فيعرف الناس حقوقهم وواجباتهم، ويقيموا علاقاتهم الداخلية والخارجية وفق هذا الفقه الشامل المتوازن.

6- أرى أن التطور الطبيعي، والامتداد المستقبليللمجامع الفقهية -التي انشغلت طول ما يقرب من ثلث قرن بالقضايا الجزئية، وهي على أهميتها وفائدتها في الوقوف على حلول وإجابات عن قضايا مستجدة- هو موضوع التقنين؛ لأنه مشروع للأمة بأثرها، فلعلها تقوم بهذا العبء وتحمل هذا الواجب، ونسأل الله لها العون والتوفيق.

7- على من يقومون بعملية التقنين عدم إغفال عناصر الزمان والمكان والأشخاص، فلهذه العناصر جميعها دور في مسألة الاختيار والتقنين، وألا يغفل التقنين الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين، ولذلك لا مانع من تعدد التقنينات واختلافها من قطر إلى قطر مادامت ستراعي أحوال الناس والزمان والمكان.

ضوابط تقنين العقوبات في الفقه الإسلامي:

بعد مراعاة قصد الشارع في فرض هذه العقوبات، ومراعاة عدم تعارض المقاصد مع النصوص الشرعية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، سواء كانت فيما يخص القصاص والدية أو كانت في الحدود، لابد من مراعاة الضوابط والقواعد الحاكمة لموضوع العقوبات ونستطيع أن نوجزها فيما يلي:

1 -لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قطعي ثابت.

2 -الحدود تدرأ بالشبهات، ولأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.

3 -الأصل براءة الذمة.

4 -الضرورات تبيح المحظورات، والحاجات تنزل منزلة الضرورة أحيانا.

5 -لا تمييز بين الناس في الجريمة والعقوبة على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو المنصب وغير ذلك.

والله تعالى أعلى وأعلم


*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**مستشار النطاق الشرعي بموقع “إسلام أون لاين. نت”، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

[1]) تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين د. عبد الرحمن بن أحمد الجرعي موقع الإسلام اليوم.

[2]) السابق نفسه، وينظر أيضا مدخل لدراسة الشريعة، د. يوسف القرضاوي، ص297 المدخل لدراسة الشريعة، د. عبد الكريم زيدان، ص127، 128 الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط د. يوسف القرضاوي، ص21.

[3]) وينظر أنوار البروق في أنواع الفروق لأحمد بن إدريس القرافي 1/ 201 -205. عالم الكتب.

[4]) لقاءات، ومحاورات.. حول الإسلام وقضايا العَصْر للعلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.. مكتبة وهبة

[5]) سورة النحل: 126.

[6]) الموسوعة الفقهية، 30/ 269، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ الكويت.

[7]) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، 156-157. مكتبة ابن تيمية.

[8]) راجع المصباح المنير، ولسان العرب، مادة: جبر. والموسوعة الفقهية، 15/ 102. والمغرب لناصر بن عبد السيد أبوالمكارم المطرزي، ص74، دار الكتاب العربي.

[9]) نظرية الجبر في الفقه الإسلامي دراسة تأصيلية تطبيقية للأستاذ وصفي عاشور أبو زيد، ص24 ط1، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع.

[10]) أنوار البروق في أنواع الفروق، 1/ 211-212.

[11]) سورة النحل: 126-128.

[12]) سورة الشورى: 40-43.

[13]) سورة الملك: 14.

[14]) ينازع عدد من الفقهاء المعاصرين في اعتبار الردة حدا من الحدود المقدرة، ويرجحون كونها عقوبة تعزيرية تترك للإمام يطبقها بحسب ظروف المرتد، واعتبار خطورته على المجتمع وسنولي هذا الموضوع اهتماما خاصا عند الحديث عن التقنين.

[15]) سورة البقرة: 256.

[16]) سورة الكهف: 29.

[17]) سورة آل عمران: 72-73.

[18]) ينازع أيضا بعض العلماء المعاصرين في جعل البغي حدا، حتى لا يكون أداة في يد الطغاة والظالمين وسيفا مسلطا على رقاب كل من يخالفهم الرأي، ولو طبق الحد بضوابطه لارتفع هذا الخوف.

[19]) سورة الحجرات: 8، 9.

[20]) ينازع الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني في حد الحرابة، ويرى أن سياق القرآن يحتم أن تكون هذه الآيات خاصة ببني إسرائيل، ويرد الحديث الصحيح الصريح في هذه المسألة، وهذا تأويل بعيد لا نوافقه عليه.

[21]) سورة النور: 2.

[22]) سورة النور: 4، 5.

[23]) سورة النساء: 26، 28.

[24]) سور الأعراف: 45.

[25]) يراجع فقه العقوبات عند الإمام علي-رضي الله عنه- في ضوء فقه الصحابة والأئمة الأربعة، رسالة ماجستير لكاتب هذه السطور؛ نوقشت في قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم 1996.

[26]) صحيح البخاري، كتاب العلم ح 111. سنن الترمذي.

[27]) يراجع: المحلى بالآثار لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم، 11/ 181-182، دار الفكر العربي. أحكام القرآن لمحمد بن عبد الله الأندلسي (ابن العربي) 1/ 90-91، دار الكتب العلمية. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لعثمان بن علي الزيلعي 6/ 103، دار الكتاب الإسلامي. تحفة المحتاج في شرح المنهاج لأحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي 10/ 117، دار إحياء التراث العربي. الفقه الإسلامي في طريق التجديد للدكتور محمد سليم العوا، 137- 141، ط3، دار الشروق 1427- 2006.

[28]) سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني، 2/ 342، دار الحديث.

[29]) سورة النساء: 92.

[30]) المدونة لمالك بن أنس الأصبحي، 4/ 627، دار الكتب العلمية. الأم للشافعي، 6/ 113-114. المبسوط للسرخسي، 26/ 84- 85، دار المعرفة. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 7/ 254. المغني لابن قدامة، 8/290، دار إحياء التراث العربي. أسنى المطالب شرح روض الطالب، 4/ 48- 49، دار الكتاب الإسلامي. الموسوعة الفقهية، 21/ 61-62، وزارة الأوقاف الكويتية.

[31]) بداية المجتهد جـ4 صـ196.

[32]) العقوبة، ص429، فقرة 406.

[33]) العقوبة، ص429، فقرة 406.

[34]) الإسلام عقيدة وشريعة، صـ312.

[35]) التشريع الجنائي، ج2، ص160.

[36]) الجوهر النقي لابن التركماني، ج8، ص103.

[37]) السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص26.

[38]) الإسلام عقيدة وشريعة، ص550.

[39]) ضوابط الاجتهاد المعاصر في التشريع الجنائي دراسة مقارنة للزميل الأستاذ فتحي محمد أبو الورد رسالة ماجستير قدمت لقسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة.

[40]) الأم لمحمد بن إدريس الشافعي 6/ 22- 23 دار المعرفة.

[41]) مسلم، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر، ح 3167.

[42]) سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني 2/ 343 – 344. دار الحديث.

[43]) البيهقي في السنن، 8/ 69.

[44]) سنن النسائي باب عقل المرأة ح 4723.

[45]) الأم للشافعي، 6/ 114. المنتقى شرح الموطأ، 7/ 81. المبسوط، 26/ 79- 80. بدائع الصنائع، 7/ 254 – 255. المغني لابن قدامة، 8/ 314.

[46]) الموطأ، في العقول -باب ذكر العقول-، (1544). سنن النسائي في القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له، (4853). السنن الكبرى للبيهقي، ج8، ص73.

[47]) المغني ج11، ص508.

[48]) بدائع الصنائع، ج8، ص103. الهداية، ج4، ص320. بداية المجتهد ج4، ص196. حاشية الدسوقي ج4، ص413. مغني المحتاج، ج5، ص303. الأحكام السلطانية ص240. المغني ج11، ص508.

[49]) بداية المجتهد، ج4، ص196.

[50]) بدائع الصنائع، 7/ 254-255.

[51]) المغني، 8/ 314.

[52]) موقع فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (http://www. qaradawi. net )، وموقع إسلام أون لاين (http://www. islamonline. net)

[53]) السابق نفسه.

[54]) صحيح البخاري، باب لا يعذب بعذاب الله، 2794. وحكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، ح6411.

[55]) مسلم، باب ما يباح به دم المسلم ح 3175.

[56]) سنن النسائي، باب ذكر ما يحل به دم المسلم، ح3952.

[57]) من الممكن مطالعة البحث كاملا من خلال هذا الرابط على موقع إسلام أون لاين: http://www. islamonline. net/Arabic/contemporary/2002/02/article2a. shtml

== كما يمكننا الرجوع إلى كتب الفقه على سبيل المثال إلى: المدونة، 2/ 227-228. الأم، 8/ 367-368. المبسوط، 10/ 108- 109. الأحكام السلطانية للماوردي، 68- 69، دار الكتب العلمية. المغني، 9/ 16 وما بعدها. شرح النيل وشفاء العليل لمحمد بن يوسف اطفيش، 17/ 597 -598، مكتبة الإرشاد.

[58]) سورة آل عمران: 72.

[59]) يراجع البحث كاملا من خلال هذا الرابط:

http://www. islamonline. net/Arabic/contemporary/2002/02/article2b. shtml. وأيضا الفقه الإسلامي في طريق التجديد للدكتور محمد سليم العوا، 251 – 255، سفير الدولية للنشر، ط3، 1427- 2006.

[60]) سورة البقرة: 256.

[61]) سورة الكهف: 29.

[62]) جمال البنا، تفنيد حد الردة، القاهرة: دار الفكر الإسلامي، (د. ت)، ص(32-33). وينظر: أشواك في طريق التجديد الفقهي (جمال البنا نموذجا) للباحث وآخرين تحت الطبع، وهو كتاب من ثلاثة أجزاء للرد عن شبهات جمال البنا ومدرسته.

[63]) سورة النور: 2.

[64]) المغني لابن قدامة، 9/ 38- 39.

[65]) الأم، 6/ 144- 145. المنتقى شرح الموطأ، 7/ 132- 133. المبسوط، 9/ 38 -39. شرح النيل، 7/ 348. البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى المرتضى 6/ 159-160، دار الكتاب الإسلامي.

[66]) المنتقى شرح الموطأ، 3/ 231- 232، المغني، 9/ 43-44. التاج المذهب لأحكام المذهب لأحمد بن قاسم العنسي الصنعاني، 4/ 215، مكتبة اليمن. الموسوعة الفقهية الكويتية، 2/ 223 -224.

[67]) صحيح مسلم بشرح النووي، ج11، ص333.

[68]) العقوبة: الفقرة 72 ص77.

[69]) في أصول النظام الجنائي الإسلامي، د. محمد سليم العوا، ص272.

[70]) في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص272.

[71]) الموافقات في أصول الشريعة، ج2 ص256. وانظر: السياسة الشرعية، د. يوسف القرضاوي، ص272.

[72]) في أصول النظام الجنائي، ص272.

[73]) نفاة الرجم وفقه آية التنصيف، ص40.

[74]) ضوابط الاجتهاد المعاصر في التشريع الجنائي مرجع سابق.

[75]) سورة النور: 4-5.

[76]) المدونة، 4/ 517 – 518. الأم، 7/ 60- 61. المنتقى شرح الموطأ، 7/ 148 -149. والمغني 9/ 76-77.

[77]) سورة الممتحنة: 9.

[78]) سيرة ومناقب عمر لابن الجوزي، هامش ص89 من تعليق المحقق حامد الطاهر.

[79]) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص25. والعبارة واردة في القصاص بين المسلم والذمي ووجدناها منطبقة هنا كذلك.

[80]) العقوبة، ص226، فقرة (5). والعبارة واردة في القصاص بين المسلم والذمي ووجدناها منطبقة هنا كذلك.

[81]) من عبارة شبيهة للشيخ أبي زهرة في وجوب القصاص بين المسلم والذمي، العقوبة، ص266، فقرة 251.

[82]) قتل المسلم بالكافر، ص232. والعبارة واردة في القصاص بين المسلم والذمي ووجدناها منطبقة هنا كذلك.

[83]) تفسير القرطبي، ج7، ص202. الأحكام السلطانية للماوردي، ص237. مغني المحتاج، ج5، ص476. كشاف القناع، ج6 ص105. الهداية، ج2 ص386، 387.

[84]) الهداية شرح البداية، ج2 ص386.

[85]) تفسير القرطبي، ج7 ص199. وينظر: ضوابط الاجتهاد المعاصر في التشريع الجنائي دراسة مقارنة، مرجع سابق.

[86]) المدونة، 4/ 523. المحلى، 12/ 365. المنتقى شرح الموطأ، 3/ 141-142. المبسوط، 24/ 9- 10.

[87]) سورة الحجرات: 9-10.

[88]) الأم، 4/ 229. المحلى، 11/ 333. المبسوط، 10/ 127. بدائع الصنائع، 7/ 140 -141. المغني، 9/ 3. شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، 1/ 307، لجعفر بن الحسن الهذلي (الحلي)، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان. شرح النيل وشفاء العليل، 14/ 396. الموسوعة الفقهية، 8/ 130 -135. الفقه الإسلامي في طريق التجديد، 239 – 242.

[89]) الفقه الإسلامي في طريق التجديد، 241.

[90]) مجلة المجمع، (ع 6، ج3، ص2161).

[91]) مجلة المجمع، (ع 8، ج2، ص171).

[92]) مجلة المجمع (ع 8، ج3، ص9)، (ع 9، ج1، ص65).

[93]) سورة المائدة: 33.

[94]) مجلة المجمع، ( ع 3، ج2/ص 523).

[95]) سورة البقرة: 195.

[96]) سورة النساء: 169.

[97]) سورة البقرة: 85.

[98]) سورة الحجر: 91.

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “حول تقنين أحكام العقوبات في الفقه الإسلامي”

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك