في منهجية التقنين أفكار أوَّلية

في منهجية التقنين أفكار أوَّلية*

إعداد: ا.د. محمد كمال الدين إمام**

 

بسم الله الرحمن الرحيم

( 1)

فكرة التقنين وأهميتها

مثلت فكرة التقنين في مفهومها الحديث جزءا من مطالب رواد النهضة العربية الحديثة، فقد شغل بها ودعا إليها رفاعة الطهطاوي في «مناهج الألباب المصرية»، وخير الدين التونسي في «أقوم المسالك»، وعبد الرحمن الكواكبي في «أم القرى». كما احتلت فكرة التقنين -مقوماتها وغاياتها- مساحة كبيرة في مدرسة الأستاذ الإمام محمد عبده، رسم ملامحها الإمام في تقريره الشهير حول إصلاح المحاكم الشرعية في السنين الأخيرة من القرن التاسع عشر، واهتم بها تلاميذه تنظيراً وتنفيذاً، وفي مقدمتهم: محمد مصطفى المراغي، وطه حبيب، وأحمد إبراهيم، وفرج السنهوري؛ بل إن عدداً من أساتذة مدرسة الحقوق السلطانية الفرنسيين في مصر شجع عليها، وفي مقدمة هؤلاء: «إدوار لامبير» والذي تولى إدارة هذه المدرسة لسنوات عدة.

والاهتمام الواسع بالتقنين لرصيدنا المذخور من الفقه يؤكد على أمرين:

الأول: أن شريعة الإسلام شريعة حية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، بما انطوت عليه من مرونة وحيوية وقابلية للتطور، يتعلق بتخريج أحكام لمستجدات الحياة على أصول الشرع الثابتة، وكلياته، ومقاصده، وهذا هو الفقه الواقعي المتحرك.

الثاني: أن الشريعة الإسلامية هي مصدر استقلالنا التشريعي، وهو استقلال نعتبره ضروريا للحفاظ على هوية الأمة وخصوصياتها الحضارية، ولا يكتمل استقلال أمة وقد استبدلت القوانين المستوردة بشريعتها الخالدة.

ولن يفلت العقل الفقهي الإسلامي من أزمته الراهنة إلا بقوارب نجاة ثلاثة هي: التزام كامل بالنص الثابت (القطعي)، واستخدام متزايد للاجتهاد، واحترام واع بالواقع.

ويبدو أن لفظ «التقنين» جاء ملتبسا منذ نشأته، فاختلف الكاتبون في مضمونه؛ واتجه بعض رجال الشريعة والقانون إلى العودة بإرهاصاته إلى رسالة الصحابة لعبد الله بن المقفع، وإلى محاولة الرشيد تعميم موطأ مالك باعتباره المرجع القضائي الملزم. ويرجعها العلامة أبو زهرة إلى عصر الخلفاء الراشدين، ويدلل على ذلك بكتاب القضاء الذي أرسله الخليفة عمر بن الخطاب إلى قاضيه أبي موسى الأشعري.

والرأي عندي أن تدوين الراجح في أي مذهب بقصد الرجوع إليه من القاضي والمفتي والفقيه ولو تم إدراجه في مواد لا يعد تقنينا؛ إن التقنين ليس مجرد تبويب وترقيم واختصار، إنَّهُ علم وصياغة وإلزام.

إنه علم ينظر علماؤه إلى الفقه الإسلامي في مجموعه، أو من خلال المذهب السائد جغرافيا في دولة معينة، وفي هذا العنصر يتحرك العقل الفقهي من أجل الوصول إلى أنسب الأحكام لحماية المصالح محل الرعاية، بآلية اختيار تعتمد على قوة الدليل ورجحان البرهان، دون أن تتجاهل ظروف الواقع والأوان. وهنا تتسع دائرة أهل الاختصاص لتستوعب مع رجال الفقه علماء ثقات في الاجتماع والسياسة والاقتصاد؛ لأن الخطاب التشريعي يتحرك في كل هذه المجالات، ويتم تصنيف المادة الفقهية على كل فروع القانون، وهو أيضا صياغة؛ لأن التشريع الإسلامي غايته -مثل كل بناء تشريعي سديد- حماية مجموعة من المصالح التي يقوم عليها أمر المجتمع، وتحتكم إلى قواعدها حركة الحياة. وكل نص تشريعي -أيا كان مصدره- هو في حقيقته خطاب للعقلاء ينطوي على قسمين: قسم يأمر وينهى، وهو شق الحكم في القاعدة التشريعية؛ وشق يضبط ويحاسب، هو شق الجزاء في القاعدة ذاتها.

والخطاب التشريعي وهو يعبر عن المجتمع المنظم أو النظام في المجتمع يجب أن يصاغ في قالب من الألفاظ، يقرؤها المخاطب أو يسمعها فيفهم ما يراد له ومنه دون نقص أو زيادة. والصياغة على هذا النحو فن، له قواعده ومناهجه الدقيقة؛ لأن كتاب التشريع هو دنيا الناس في جوانبها الأخلاقية والاقتصادية والسياسية. والخطاب التشريعي هو نصوص تتناهى، لتحكم الوقائع التي لا تتناهى.

وصياغة النص التشريعي هي الأداة الرئيسة إلى حسن فهمه وتفسيره، وبالتالي إلى إمكانية تفعيله وتنزيله.

وأخيرًا: إن التقنين إلزام؛ لأن القاعدة التشريعية لا يكتمل وجودها إلا بعنصر الإجبار الذي يجعل الامتثال إلى حكمها لا يكتفي بالتراضي، بل يستدعي فرضه بالتقاضي. والإلزام هنا صاعد ونازل:

صاعد؛ بمعنى أنه يلزم سلطة التشريع بأمرين:

الأول: ألا تبدل قواطع الشرع، وألا تأتي بما لم يأذن به الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

الثاني: ألا تناقض المصالح القطعية والضرورية الكلية للجماعة؛ لأن تصرف ولي الأمر منوط بمصلحة الرعية.

ونازل؛ بمعنى أنه قاعدة ملزمة لكل المخاطبين به، بغض النظر عن تعدد الآراء الفقهية، وتنوع الانتقاءات المذهبية؛ فاختيار ولي الأمر يرفع الخلاف.

فالتقنين إذن هو اختيار الأحكام الشرعية في المعاملات في مكان معين وزمان معين مع تصنيفها في فروع، وترقيمها في مواد، وإصدارها من السلطة المختصة تشريعا يلتزم به القاضي ويحتكم إليه المتقاضي.

وإنتاج النص في داخل التقنين القائم على المرجعية الإسلامية لا يتحرك في الفضاء العقلي المتغير، بل إنه مقيد باعتقاد فردي وجماعي حاسم الأحكام فيه على نوعين:

الأول: أحكام دائمة، مصدرها النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة. وسلطة التشريع إزاء هذه الأحكام لا صلة لها بشق الأمر والنهي، ولا بشق الرد والجزاء، وإنما دورها يستوعب الصياغة التي لا تغير الحكم، والتصنيف الذي يفصل المدني عن التجاري عن الجنائي إلى آخره؛ بل إن سلطة التشريع في الغالب لا تلتزم جوهر الحكم فحسب، بل قد تلتزم بألفاظه ومصطلحاته كما وردت في نصوص الكتاب والسنة. ولا تمنع قطعية النصوص من مرونة الجانب الإجرائي الذي يتسع لتنوع درجات التقاضي، ولا يضيق بضوابط واقعية تكفل تنزيل النص المجرد على الواقعة المعينة عند التطابق، وهو جهد دقيق يبدأ بوصف الواقع، وينتهي بقيده في دائرة النص الملائم لينزل القاضي حكمه. وهي عملية لا ينبغي أن نخلط فيها بين يقين القاضي الذي هو بالضرورة نسبي، وبين قطعية النص الدائم الذي هو بطبيعته مطلق.

الثاني: الأحكام الاجتهادية، وجوهرها إمكانية التغير؛ سواء كانت اختيارا من تراثنا المذخور عبر اجتهادات العقل المسلم في عصوره المختلفة، أو كانت اجتهادا يتجاوز اختيار الحكم إلى استنباطه من مصادره. وهذه العملية في عصرنا -بل وفي كل العصور- مزلَّة أقدام وأفهام، ويحسن فيها الاجتهاد الجماعي، وهي في كل الأحوال لا تتحرك خارج النسق الإسلامي الثابت، بمصادره المحددة، ومقاصده الكلية، وقواعده الضابطة لذهن الفقيه. وهنا يحسن الإشارة إلى الفارق الذي نراه بين التجديد الذي يتم في النظم والأنساق ويشارك فيه أهل الاختصاص من كل علم، وبين الاجتهاد والذي هو بذل الوسع والطاقة للوصول إلى حكم عملي ظني. والاجتهاد لا يصدر إلا من أهله حتى ينزل في محله، وهي مسئولية الفقيه وولي الأمر وحدهما، وعليهما واجب الشورى الاجتماعية؛ لأن للمجتمع دوره في تحديد المصالح والوصف الدقيق للوقائع الذي لا يستغني عنه الفقيه وهو يستنبط، ولا يستغني عنه ولي الأمر وهو يختار ويلزم. والرقابة عليهما في هذا المجال مزدوجة، رقابة ضمير تجعلهما أهلا لحراسة الدين، ورقابة أمة تجعلهما أهلا لسياسة الدنيا.

*    *     *

( 2)

تاريخ التقنين في العالم الإسلامي وتطوره

التقنين بالمفهوم الذي حددناه حديث النشأة، يعبر عن دور جديد للدولة، وعن غياب لسلطة القاضي المجتهد، وعن معالجة لواقع احتاج إلى حركة إصلاحية في مجال التشريع تحمي الأمة من خطرين:

الأول: خطر استبعاد الشريعة من الحياة الإسلامية ليصنع الواقع على نحو غير إسلامي، وليحتكم الناس إلى شرائع مستجلبة، وقوانين مستوردة؛ تفصل الواقع اليومي عن نصوص الكتاب والسنة، وتملأ الجغرافيا البشرية التي أصبحت شاغرة بقواعد تكرس القطيعة بين الإنسان المسلم وعقيدته، وبين المجتمع وذاته الحضارية؛ فيسهل امتلاكه سياسيا، ونهبه اقتصاديا، وهزيمته ثقافيا. وهذا ما يحدث بالفعل، بحيث أصبحت النخب أهم عوائق التقنين ذي المرجعية الإسلامية.

الثاني: خطر انفلات الواقع تحت وطأة تطبيق للشرع؛ لحمته فوضى الأحكام، وسداه شخصنة الفهم الشرعي بما يحول دون التطبيق السليم للشريعة، ويجعلها محلا لاتهامات الأعداء والخصوم بالجمود وعدم التطور وإخلالها بكليات العدل والإنصاف، والله يدعو إلى العدل والإحسان، والشريعة عدل كلها ومصلحة كلها. فالتقنين الملزم والمسطور يصون موقع القاضي، ويحمي حقوق المتقاضي؛ وفي مقدمتها حقه في معرفة الحكم المخاطب به.

وتلافي هذا الخطر يحققه التقنين بما يتضمنه من أحكام موضوعية وإجرائية، وبما يستلزمه من نظم قضائية؛ تبدأ بإعداد جهاز قضائي كفء، واختيار نظام متكامل لسير الدعاوى من بداية رفعها إلى مرحلة إصدار الحكم فيها. ولا تؤتي هذه الجهود ثمارها إلا من خلال أدوات لتنفيذ الأحكام الشرعية لا تجعلها في التطبيق العملي حبرا على ورق.

إن تقنين الشريعة هو بنية معرفية متكاملة لا تقبل التبعيض، فهي جهد علمي يقوم به العلماء، وقرار سياسي يصدره أولو الأمر، واستجابة طوعية تبديها كل طوائف المجتمع.

والرأي عندي أن مجلَّة الأحكام العدلية هي أول محاولة لوضع مجموعة قانونية متكاملة تتحرك على الجانبين الموضوعي والإجرائي، وتستمد مباشرة من الشريعة، وقام بوضعها عدد من كبار علماء المذهب الحنفي؛ الأمر الذي يجعل من 26 شعبان سنة 1293 هـ -وهو تاريخ صدور المجلَّة- حدثا بالغ الأهمية في تاريخ التشريع الإسلامي الحديث. ومجلَّة الأحكام العدلية مجموعة شاملة للمعاملات الشرعية أو بتحديد أدق للقانون المدني الإسلامي، ولكنه قانون مدني غير متكامل حيث لم تستوعب المجلَّة أحكام الأحوال الشخصية، والتي ظلت تراوح مكانها حتى عام 1914 موعد صدور قانون العائلة العثماني.

والطريقة التي اتبعت في استنباط أحكام المجلَّة العدلية يمكن حصرها فيما يلي:

1-    أنها في حقيقتها تقنين للمذهب الحنفي؛ لأنه المذهب الرسمي للدولة العثمانية.

2- أن واضعي المجلَّة رجحوا في بعض نصوص المجلَّة الرأي الذي يتفق مع الأعراف الجارية؛ مثال ذلك: ما نصت عليه المادة 207، والتي قضت بجواز بيع المعدوم فيما تتلاحق أفراده، أي: فيما لا يبرز دفعة واحدة بل شيئا بعد شيء، وهذا ترجيح لقول محمد بن الحسن -وليس هو الراجح في المذهب الحنفي- الذي أجاز هذا البيع استحسانا، وقال: أجعل الموجود أصلا والمعدوم تبعا له. وكذلك الأخذ برأي أبي يوسف في أحكام عقد الاستصناع، أخذا بالمصلحة والعدول عن رأي أبي حنيفة، وهو الراجح في المذهب.

3- اكتفت المجلَّة بالمقدمة التي ضمت القواعد الأصولية والفقهية، ولم يحاول علماء المجلَّة وضع نظرية عامة في الالتزامات، وهو ما تداركته مجلَّة الالتزامات التونسية، حيث اهتمت بوضع نظرية عامة للالتزامات. ويعزو البعض هذا التقدم المنهجي في فن الصياغة التشريعية إلى تأثير العلامة «سانتلانا» وعدد من الأساتذة الفرنسيين.

والرأي عندي أن اهتمام الفقه الإسلامي بالفروع، والتركيز على وضع الحلول الجزئية للوقائع اللامحدودة التي يضج بها الواقع لا يعني أنه لا يحتكم إلى الأصول، أو أنه يقدم عليها الحلول العملية. وقد فهم البعض خطأ ما قاله «الحموي» في «غمز عيون البصائر»: «لا عبرة بما في كتب الأصول إذا ما خالف ما ذكر في كتب الفروع»؛ «فالحموي»؛ هنا لا يتحدث عن أصول الفقه، بل عن قواعده. ولأن القواعد في مجملها أغلبية، وهي تقوم على الاستقراء الذي قد لا يكون تاما، وهي قد لا تستغرق كل مفرداتها. فعبارة «الحموي» تستقيم في فهمنا دون أن تكون – كما ظن البعض- مصادرة على الأصول لصالح الفروع الجزئية؛ لأن البحث الفقهي الدقيق -حتى في مجال القانون الوضعي- ليس في تحكم الفرع في الأصل، وإنما في تخريج الفروع على الأصول. وفي هذا يقول «ليون مازو» الفقيه الفرنسي المشهور: «الذين يغوصون في أغوار البحث القانوني، كلما أوغلوا في البحث وأمعنوا في الاستقراء أظلمت عليهم الآفاق، وتشعبت بهم المسالك، ووجدوا من الفروع نثيرا لا يحصى، وهم في محاولتهم ردها إلى أصلها واستكناه أسبابها يقسمونها إلى وحدات متجانسة، ويلحقون الأشباه بأشباهها، والأمثال بأمثالها. وبعد جهد وأناة وصبر لا يستطيعه إلا أولو العزم من الرجال، الذين يصلون إلى تأليف مجموعة قد تناسبت أجزاؤها، وتماسكت وحداتها، والتقى فيها جلال الحقيقة، وطرافة الكشف، وسلامة البنيان». وهذا ما فعله فقهاء الإسلام، بل إن عبارة «ليون مازو» تضمنين أمين لما سبق التأكيد عليه في كتابات «القرافي»، وعباراته في «الفروق» تكاد تتطابق لتشير إلى منهج استخدمه المسلمون وهم يرفعون البناء الفقهي السامق، والذي هو بغير إجحاف أو تعاطف أعظم بناء فقهي أقامته مجموعة بشرية على امتداد التاريخ التشريعي كله.

ومجلَّة الأحكام العدلية كانت حدثا مهما في تاريخ التشريع، لما صدر بعدها من تقنينات، ولمحاولات فردية حاولت اتخاذها نموذجا في إعداد القانون مثل: محاولات قدري باشا في مجموعة من كتبه الفقهية التي وضعت الراجح في المذهب الحنفي في وعاء مواد مرتبة، في كتبه الثلاثة التي أعدها في أواخر القرن التاسع عشر، وهي: «مرشد الحيران»، ويتكون من 1045 مادة، «وكتاب العدل والإنصاف في حل مشكلات الأوقاف»، ويتكون من 646 مادة، وكتاب «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية» في 647 مادة، وهي محاولة اعتمدت على المذهب الحنفي؛ ولكنها تجاوزت مجلَّة الأحكام العدلية في جودة الصياغة وشمول الموضوعات.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى محاولة القاضي الليبي محمد محمد عامر في كتابه: «ملخص الأحكام الشرعية على المعتمد من مذهب مالك». «ومجلَّة الأحكام الشرعية على المذهب الحنبلي» لأحمد عبد الله القاري المكي.

بل إن أصداء مجلَّة الأحكام العدلية أسفرت عن تقنينات شرعية في دول غير إسلامية أو من خلال السلطات المستعمرة لبعض الدول الإسلامية؛ مثال ذلك: ما قامت به الحكومة الروسية عام 1909 عندما أصدرت قانونا لمسلمي تركستان الروسية، يتضمن قانون الأسرة وأحكام المواريث. وفي الجزائر -وبالتحديد سنة 1898- نشر المستشرق الفرنسي «سيسوناس» تقنينا مدنيا إسلاميا على نمط التقنين الفرنسي وفقا لمذهب مالك. كما وضع «مارتينو» مجموعة نصوص مأخوذة من مختصر خليل وشروحه مرتبة في مواد بصورة منهجية، ووضع هذا العمل تحت تصرف لجنة تم تشكيلها عام 1905 لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية المطبقة على المواطنين المسلمين في الجزائر. والغريب أن عمل هذه اللجنة في هذا التقنين كان منحصرا في الفقه السني والحنفي والمالكي، دون نظر إلى الفقه الأباضي -وله مكانه الكبير على خريطة الواقع في الجزائر-، وهي مسألة تثير الاستغراب وتحتاج إلى مزيد بحث لفهمها وتعليلها. وفي سنة 1907 تم وضع تقنين إسلامي لمحاكم أفريقيا الغربية البريطانية.

ولا أريد الاستفاضة في الصدى العلمي لهذه المجلَّة، فقد أدى صدورها وتطبيقها في العديد من الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية إلى تحريك المياه الآسنة في الفقه الإسلامي، والسعي إلى تجديد أنظمته ومؤسساته، وتجسد ذلك في إصلاحات قضائية، وفي حركة علمية؛ كان محورها الشروح المتعددة التي صدرت لمجلَّة الأحكام العدلية باللغتين التركية والعربية. ويكفي الإشارة إلى شروح علي حيدر، وعبد الستار القريمي، وأحمد وجودت باشا، وخالد الأتاسي، وسليم رستم، وعمر حلمي، ومنير القاضي، إضافة إلى شروح مستقلة لقواعد المجلَّة. وقد شارك في تدريس مادة المجلَّة في العراق، ولبنان وسوريا، وتركيا، عدد من كبار رجال النهضة، وأساتذة التشريع والفقه، منهم: الإمام محمد عبده الذي كان أستاذا لمادة المجلَّة في مدرسة الحقوق بيروت، ومحمد سعيد المحاسني أستاذ المجلَّة في معهد الحقوق بدمشق، وعلي حيدر أستاذ المجلَّة في مدرسة الحقوق بالآستانة، وعبد الرزاق السنهوري أستاذ مادة المجلَّة في كلية الحقوق العراقية في بداية الثلاثينيات. وهذه الحركة العلمية كان لها أثرها في توجيه القرار السياسي نحو تبني تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان لها أثرها في رسم خريطة متكاملة للنهوض القانوني، شملت إنشاء مؤسسات وكتابة أطروحات، وسيادة مناهج للدراسات المقارنة؛ بل وحضور الشريعة الإسلامية في مؤتمرات القانون المقارن، والاعتراف بها نظاما قانونيا بين العائلات القانونية المعاصرة، وتقف باقتدار أمام المجموعة اللاتينية، والمجموعة الانجلوسكسونية.

وفي العقود الأخيرة نشطت حركة التقنين الإسلامية، خاصة بعدما علا صوت المنادين بالاستقلال التشريعي والعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو ما تجسد في نصوص دستورية في العديد من البلاد العربية والإسلامية.

*   *    *

( 3)

في منهجية التقنين

اتخذت حركة التقنين -كما يقول البعض بحق- اتجاهين في إعداد مشروعات القوانين الإسلامية:

1- صياغة فقه مذهب معين، أو اتخاذ هذا الفقه أساسا في إعداد هذا التقنين، مع الأخذ بغيره عند الضرورة. وفي هذا الطريق سارت مجلَّة الأحكام العدلية، وجهود قدري باشا، وما صدر في باكستان من تشريعات إسلامية اعتمدت المذهب الحنفي، وهو الأسلوب الذي اتبعه مجمع البحوث الإسلامية في مصر في محاولته جمع فقه الأئمة الأربعة في إطار منهجي مقسم إلى موضوعات، ومدرج في مواد.

وعيب هذه الطريقة أنها تحبس التقنين في إطار مذهبي قد تضيق به حركة الواقع بما يسبب حرجا، ولا يحقق مصلحة؛ الأمر الذي دفع سلطة التشريع إلى الأخذ بحلول في المذاهب الأخرى عند الضرورة كما فعلت الدولة العثمانية في قانون العائلة.

2- صياغة الفقه الإسلامي في مجموعه؛ أي: اعتباره وحدة متكاملة لا تفاريق مذهبية والتخير بين الآراء الاجتهادية، أو العمل على استنباط جديد عند الضرورة، دون التقيد بمذهب معين. وهذا منهج دعا إليه رجال النهضة، وتمكن الإمام محمد عبده وتلاميذه من اعتماده منهجا في كل محاولات الفقه المصري لتقنين الشريعة الإسلامية منذ القانون رقم 20 سنة 1920 إلى القانون رقم 10 لسنة 2004. وهذا المنهج اكتسب أولوية واقعية في كل جهود تقنين الشريعة الإسلامية؛ لأنه يتجاوز العصبية المذهبية، ويرفع الحرج عند ضيق المذهب، ويضفي مشروعية على فقه المذاهب الإسلامية باعتباره نهرا متدفقا ترتوي منه كل روافد التشريع بما هو أقرب للمصلحة، مع مراعاة الحالات الظرفية في كل مجتمع إسلامي.

وينبغي النظر إلى هذا التطور على أنه تحول إيجابي لا يمنع تعدد المذاهب الفقهية بل يستدعيها، تأكيدا على أهمية إثراء الحياة الفقهية بكم من الفروع، أساسه تنوع المناهج في ظل الشريعة الواحدة، ولكنه تطور يمنع ضيق الصدر في التعامل مع الآراء الواردة من غير مذهب الفقيه، ويصاحبه انفتاح على المذاهب بقصد فهمها واستيعاب مصادرها وقراءة متونها، وهو أعدل الطرق إلى التلاقي على ثقافة فقهية واحدة رغم ثرائها وتنوعها.

ولعل أهم ما ينبغي رصده في منهجية التقنين الجانب العلمي وتطوره، والجانب العملي وأساليبه، ونشير إلى الأمرين من خلال ما يلي:

الأمر الأول: الجانب العلمي وتطوره:

بعد قرنين من محاولات تقنين الشريعة الإسلامية اعتمد العقل الفقهي منهجا ربما يكون عاما ومقبولا في أغلب المحافل العلمية، وهذا المنهج يعتمد على الأسس المنهجية الآتية للتقنين:

1- النظر إلى الفقه الإسلامي باعتباره وحدة متكاملة لا تفاريق مذهبية، وهو ما يدعو إلى الاختيار من كل مذاهب الفقه الإسلامي، ووفق رؤية لا تقف عند حد الراجح من مذهب معين، بل الترجيح بين الآراء المذهبية من خلال قواعد لا تتوقف عند أرجحية الدليل فحسب.

2- اعتماد التلفيق في التشريع الذي يعني -كما يقول العلامة فرج السنهوري، وهو من صك هذا المصطلح على الأقل من زاوية اللفظ-: تخير ولي الأمر من مختلف المذاهب الفقهية المعتبرة مجموعة من الأحكام لتكون قانونا يقُضي ويفتى به بين من يخضعون له، ويراعى في التلفيق القواعد الآتية:

‌أ-       اختيار الرأي الأرجح دليلا، وعدم العدول عنه إلا لضرورة.

‌ب-    المصلحة المرسلة لها اعتبارها عند الاختيار باعتبارها من عناصر الترجيح.

‌ج-     التيسير ورفع الحرج من مقاصد الشريعة ومن قواعدها، والالتزام بها عند الاختيار التشريعي يعتبر ضرورة منهجية.

ويتحرك التلفيق في التشريع في الجانب الموضوعي على أن طاعة ولي الأمر واجبة إذا أمر بمباح أو نهى عنه، وأن طاعة أوامره ونواهيه واجبة ما لم تكن بمعصية متيقنة، ومتى كان الباعث عليها مصلحة الأمة. وهنا يمكن التساؤل حول مصير النص المخالف للأحكام القطعية؟!

كما يتحرك التلفيق في الجانب الإجرائي على سلطة ولي الأمر في تخصيص القضاء، فهو في الشريعة الإسلامية مِمَّا يقبل التخصيص بالزمان والمكان والحوادث والأشخاص، ويمكنه من خلال هذه القاعدة المنع من سماع بعض الدعاوى إلا بتنظيم خاص؛ لأن المنع التام مصادرة على حق التقاضي، وهو غير جائز شرعا وقانونا. وهنا أيضا يمكن الحديث حول التدرج في تطبيق التقنين؛ أي: تطبيقه في بعض المجالات قبل الأخرى.

والرأي عندي أن الشريعة الإسلامية وإن كانت نظاما كليا لا يقبل التبعيض، إلا أن إمكانية التدرج في تطبيق القوانين بعد إصدارها يعتبر أمرًا مقبولا؛ لأن التطبيق الفوري قد يرهق الحاكم وقد يرهق المجتمع. ورفع الحرج بالتدرج في التطبيق يسد الباب على خصوم الشريعة والمتربصين بها، إلا أن التدرج باعتباره تطبيقا مرحليا، لا ينبغي أن يخل بالإصدار المتكامل للتقنين الشرعي؛ لأن الشريعة وحدة لا تتجزأ، وكل دائرة منها تتبادل التأثير والتأثر بالدوائر الأخرى في بلوغ الغايات، وسلامة التطبيق. فالتدرج لا يعني إلا تمهيد الأرض للعودة بالأمة إلى قانونها الأصل، فلا يفسر على أنه تعليق لجانب وأخذ بجانب آخر؛ لأن صلاحية الشريعة للتطبيق في كل المجالات هي جزء من الاعتقاد الذي يتساوى أمامه قانون الأسرة مع قانون الجزاء مع قانون المعاملات المدنية مع قانون المعاملات الدولية؛ فكل هذه الدوائر ترتبط بمنهج متكامل للحياة الإنسانية يكفل سلامة الروح والجسد وسلامة الفرد والجماعة، ويرعى مصالح الدنيا ويحقق مصالح الآخرة.

فالتدرج هنا -كما قيل- لا يزيد عن إصدار تقنين شرعي على أن يطبق في جزء منه بعد فترة محددة أو بداية من تاريخ معين.

الأمر الثاني: الجانب العملي وأساليبه:

دار جدل كثير في لجان تقنين الشريعة الإسلامية في الدول التي عاشت تحت وطأة قوانين مستوردة حول أسلوب العمل من أجل التقنين، وهنا يجدر الإشارة إلى ثلاثة أساليب:

الأسلوب الأول: يرى أنه يكتفي بمراجعة النصوص القائمة؛ وما هو موافق للشريعة الإسلامية يبقى، وما هو مخالف للشريعة الإسلامية يجرى تعديله. وينتهي الأمر عند هذا الحد.

الأسلوب الثاني: يرى إعادة النظر في كل النظام القانوني القائم المستمد من القانون الروماني، والانجلوسكسوني، والجرماني، وقلبه رأسا على عقب. وهذه الصورة هي التي اتبعت في أواخر القرن التاسع عشر في بعض دول العالم الإسلامي عند فرض القانون الوضعي واستبعاد الشريعة الإسلامية.

الأسلوب الثالث: وقد استخدمته اللجان التي شكلت لتقنين الشريعة الإسلامية في مصر عقب إصدار الدستور الدائم عام 1971، والذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع. وهذا الأسلوب يتمثل في اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع، وعدم الأخذ بأي حكم في القوانين الوضعية مخالف للشريعة الإسلامية واستبعاده. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تراجع كل القوانين، ونأخذ بما يتفق مع مبادئ الشريعة، ونستحدث ما يتفق معها، ونبقي ما يتفق معها؛ أخذا بعدة اعتبارات أهمها: التراث القانوني الذي تراكم، فعلينا أن نحافظ عليه ما دام لا يخالف الشريعة، مع ربطها بأصول شرعية وقواعد فقهية تقطع صلتها بالقوانين التي جاءت منها، حتى يصبح التقنين كلاًّ متكاملا في قواعد تفسيره، ومرجعية فهمه وتحريره. فلا نعود إلى متون القوانين الأجنبية أو مجموعاتها القضائية، بل -عند التفسير- إلى الشريعة الإسلامية وقواعدها.

وقد أقام المشرع المصري مشروعات قوانينه التي لم تصدر بعد على المبادئ الآتية:

أ- ربط التقنين المنشود بمصادره الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله، أو بإجماع أو رأي من آراء الفقهاء المدونة في كتب الفقه الإسلامي، ليكون الرجوع من القاضي والفقيه إلى تلك الأصول ومرجعيتها الإسلامية، لا إلى القوانين الأجنبية عند اختلاف وجهات النظر في التفسير والتطبيق.

ب- عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامي ولو كان المذهب الحنفي، وذلك خروجا من ضيق المذهب الواحد إلى سعة شريعة الإسلام بمذاهبها المختلفة؛ إذ المذاهب الإسلامية ليست إلا وجهات نظر لأصحابها لا تقيد غيرهم إلا بما يقوم الدليل على صحتها، وعلى تحقيقها المصلحة المعتبرة شرعا.

ج- أنه بالنسبة للمواد التي تعالج الأمور المستحدثة التي ليس لها أصول شرعية ولا تخالف هذه الأصول، سيكون وضعها استنادا إلى قاعدة المصالح المرسلة التي تجيز لولي الأمر وضع النظم المناسبة لتحقيق مصالح المجتمع.

د- عدم محاولة استقصاء كل التفاصيل والفروع أو النص على حكمها، اكتفاء بالكليات تحقيقا لفرض المرونة، وتمكينا للقضاء والفقه من دورهما في الاستعانة بالكليات، وتنزيلها على الواقعات وفقا للقواعد المقررة في الفقه الإسلامي.

وبعد، هذه رؤوس أقلام في موضوع بالغ الأهمية، ترتبط بنيته المعرفية بعدد من العلوم البينية إسلامية خالصة وإنسانية عامة. ولا يمكن التصدي لدراسة هذه المسألة بعمق، بعيدا عن رؤية واسعة فيها مصادر الشريعة، وعلوم الفقه وإنجازات العصر، وواقع المسلمين.

والحمد لله رب العالمين …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**أستاذ ورئيس قسم الشريعة، كلية الحقوق، جامعة الاسكندرية بالجمهورية المصرية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك