دراسَة نقدية لمحاولات تقنين الفقه الإسلامي

دراسَة نقدية لمحاولات تقنين الفقه الإسلامي*

إعداد: أ.د. محمود سامي جمال الدين

 

مقدمة:

الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدى للمتقين، فلم يجعل له عوجا… والصلاة والسلام على من دعا إلى الإسلام دينا وشرعا ومنهجا… وعلى آله وصحبه ومن اتبع صراطه المستقيم.

وبعد؛

إن الحديث عن ” تقنين الفقه الإسلامي ” يستلزم أولا الاتفاق على مدلول عديد من الاصطلاحات، فما المقصود بالتقنين وعلاقته بالقانون؟ وما هو مفهوم الفقة الإسلامي؟ وهل يتعين التمييز بينه وبين الشريعة الإسلامية؟ ومن ثُمَّ ما الذي يجوز أن يكون محلا للتقنين؟ وماذا يعنى اصطلاح التشريع الإسلامي؟ وما هو موقف الدولة أو بالأحرى الأنظمة المعمول بها فيها من هذه الأمور ؟ وبناء على ذلك يمكننا تحديد رأينا في هذا الموضوع.

*    *     *

أولا: مدلول التقنين وعلاقته بالقانون:

للتقنين معنيان وإن كانا متكاملين، فهو من ناحية يطلق على كل تشريع عام يتضمن جميع النصوص القانونية التي تنظم فرعا بأكمله من فروع القانون أو مسألة من المسائل القانونية الكبرى في مجال العلاقات الاجتماعية؛ بحيث يمكن العمل بها واتباعها دون أن يكون هناك اختلاف أو تعارض في الأحكام التي يتضمنها التقنين.

ومن ناحية أخرى: يعتبر التقنين من أهم وسائل الصياغة القانونية التي تلجأ إليها الدولة لإلزام الناس بما في التقنين من أحكام أو قواعد كمصدر رسمي للقانون، وذلك من خلال تجميع وتبويب وترتيب القواعد القانونية الحاكمة لفرع من فروع القانون أو أحد موضوعاته بواسطة السلطة المختصة بالتقنين أو بإعداده، وفقا لخطة معينة يتحقق عن طريقها التنسيق والتوفيق بين الأصول والفروع، ويزيل شبهه التعارض بين أحكام هذه القواعد القانونية المقننة.

وعلى ذلك لا يجوز على الإطلاق أن يوصف أي تجميع لقواعد أو نصوص يقوم به أحد الفقهاء أو الهيئات العلمية بأنه تقنين.

وما من شك في أن أهم مزايا التقنين هي توحيد القانون واجب التطبيق، ومن ثُمَّ توحيد سلوك الأفراد في المجتمع، وخاصة في البلاد التي تحكمها قواعد عرفية مختلفة أو تشريعات متعددة أو متنوعة المصدر.

أما أهم عيوبه فهي ما قد يؤدي إليه التقنين من جمود للقانون كما لو كان شيئا ثابتا لا يتغير، بما مؤداه ضياع مرونته وقدرته على التطور والتحديث، ما لم يتخذ القضاء ـ بمساعدة الفقه ـ موقفا مرنا عند التطبيق؛ بأن يقوم بتطويع النصوص الواردة في التقنين بما يحقق العدل ولو أدى ذلك إلى تخطي قصد المشرع أو تعديل مدلول النصوص، وهو الأمر الذي يرفضه جانب كبير من الفقه.

*    *     *

ثانيا: مفهوم الفقه الإسلامي والتمييز بينه وبين الشريعة الإسلامية

يسلم علماء المسلمين بصفه عامه بأن الأحكام الشرعية الإسلامية نوعان:

1- نوع وردت به نصوص القرآن والسنة على نحو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، وبها يلتزم المشرع في كل عصر وينبغي إعماله؛ فلا يجوز طرحه أو إهداره، وتستوي في ذلك الأحكام الكلية أو التفصيلية فيها؛ إذ إن علم الله قد سبق في ثبات هذه الأحكام وتوحدها في مختلف الأزمان والأماكن والظروف، ومن ثم منها ما لا تختلف باختلاف الأئمة؛ إذ لا مجال فيها لتطور ولا تجديد.

وهذا النوع من الأحكام الشرعية هو الذي يطلق عليه في تقديرنا –وعليه وحده- اصطلاح الشريعة الإسلامية، وعلينا جميعًا الالتزام بها فهي المصلحة بعينها والرحمة كلها والعدل كله؛ لأنها حكم الله.

وعليه يمكن تعريف الشريعة الإسلامية بأنها: مجموعة الأحكام التي شرعها الله تعالى للناس جميعًا عن طريق الوحي المنزل على سيدنا محمد لتصلح أحوال الناس في دنياهم وآخرتهم.

وبعبارة أخرى هي: مجموعة من الأوامر والنواهي والتوجيهات الملزمة تتميز بالثبات والاستمرار؛ لأنها صالحه للتطبيق في كل زمان ومكان بسبب مصدرها الإلهي، ومن ثم لا يجوز تغييرها؛ إذ ليست هناك ضرورة تدعو إلى التغيير، حيث صيغت أحكامها بحيث لا تتعارض مع الطبيعة الأصلية للإنسان والمطالب الجوهرية للمجتمع البشري في كافه الأزمنة والعصور.

ومن هنا نجد أنها لم تتناول بأحكامها إلا المبادئ العامة للمسائل التي تتأثر بطبيعتها بالتطور الاجتماعي للإنسان، تاركة بذلك المجال للتغيير والتحديث الذي يقتضيه الزمن في الجوانب الفرعية لهذه المسائل ما لم تكن المسألة مِمَّا لا يمسها التغيير حتما كنتيجة للتطور الاجتماعي، كالعلاقات الإنسانية بين الناس والتي تبتعد كل البعد عن التأثر بالتغير الزمني أو بظروف المكان،

وتنحصر مصادر هذه الأحكام في القرآن والسنة، ولذلك فهي من الثوابت التشريعية.

2- أما النوع الثاني من الأحكام الشرعية الإسلامية فهي تلك التي استنبطها المجتهدون في الأمة بأي من طرق الاستنباط من خلال الاجتهاد والاستدلال من الأدلة الكلية أو العلم بها، وتخضع هذه الأحكام لقاعدة: “تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والظروف”؛ لتكون قادرة على الدوام على مواجهة المشكلات الواقعية، ومن ثم فهي قواعد مرنة بطبيعتها –خلافًا لأحكام الشريعة الإسلامية-، قابلة للتغيير بحسب اقتضاء المصلحة لذلك زمانا أو مكانا أو حالًا، فهي تتبدل مع تبدل المصلحة، وهذه الأحكام هي التي يمكن أن يطلق عليها وحدها اصطلاح الفقه الإسلامي، ومصادرها الرأي بصفه عامة. ومع ذلك يخلط جانب كبير من علماء الدين بين أحكام ومصادر كل من الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية؛ فبعضهم يراها كلها فقهًا إسلاميا، وآخرون يرونها جميعا شريعة إسلامية، وجانب يرى أن الفقه الإسلامي هو العلم بالأحكام الشرعية أيا كان مصدرها، على حين يرى جانب آخر منهم أن الفقه الإسلامي هو تلك الأحكام نفسها.

والحقيقة أن الفقه الإسلامي ليس كله مجرد نظريات وفروع؛ وإنما يتضمن كذلك أبنية تشريعية متكاملة مستنبطة بطريق الاجتهاد والنظر، فهي جميعها أحكام اجتهادية غير ملزمة، ومع ذلك فإنه يمكن للمشرع في كل عصر أن يختار منها ما يلزم به الناس، ولكن له كذلك أن يتجاوزها ويأتي بما هو أصلح لعصره وزمانه، تأسيسا على أن رأي أي مجتهد ليس حجة ملزمة على المسلمين، وأنه ليس على أي إنسان إلزام بأن يأخذ بمذهب معين من مذاهب المجتهدين، دون أن ينفي ذلك أن الفقه الإسلامي ـ بهذا المعنى ـ هو تراث وتجارب وعقول تضاف إلى أعمارنا وعقولنا وتجاربنا. وواجبنا أن نعمل على الإفادة منه وعلى استلهامه، ولكن دون التنكر للعقل وبراهينه.

وليس ثمة شك في أن الأيمان بأحكام الشريعة الإسلامية لا يتجافى مع مراعاة المصالح المتجددة والمتطورة بتجدد الحياة وتطورها؛ لأنها معصومة.أما أحكام البشر فهي غير كذلك، فالبشر يؤخذ من كلامهم ويترك، ويقبل من آرائهم ويرفض، ويناقشون فيما يقولون ويفعلون، والتسليم لهم بغير مناقشة ذلّ وعبودية وإهدار لنعمة العقل وملكة البحث؛ إذ من المؤكد أن يختلف فهم فقيه عن فهم فقيه آخر. وفهم كل واحدمهما علا قدره يحتمل الخطأ والصواب؛ لأنه غير معصوم، والتخطئة هنا تنصرف إلى فهم الفقيه لا إلى النص الشرعي.

والمسلم الحق يعرف أن النصوص التي تضمها الشريعة الإسلامية لم تتناول بالتفصيل كل شيء، وأن الله تعالى بيّن لنا حكمه في أشياء وسكت رحمة بنا عن أشياء أخرى. وهذا السلوك تفويض لنا بالاجتهاد، ودعوة إلى استعمال العقول واستجلاء وجوه المصالح والمفاضلة بين الحلول والبدائل؛ فكيف يتسنى القول بأن باب الاجتهاد قد قفل؟ صحيح إن فقهاء الإسلام قد خلّفوا لنا تراثًا عظيمًا من الأحكام الشرعية التي كانت أثرًا لاجتهادهم، وروعيت فيها مصالح الناس وعرفهم في الوقت الذي استنبطت فيه؛ ولكن دعونا نسأل كيف نقنن هذه الآراء الفقهية الاجتهادية، هل نقيم التقنين على مذهب واحد كما فعلت الدولة العثمانية في مجلَّة الأحكام العدلية؟ أم يتم التقنين على المختار من المذاهب كلها؟ ومن سيختار؟ وهل سيتم ذلك من بين مذاهب السنة فقط أم الشيعة فقط أم الإباضية وحدها؟ أليس من شأن ذلك المزيد من التعصّب الفقهي بين البلدان الإسلامية؟

في تقديرنا أن الشريعة الإسلامية توحد الشعوب والدول الإسلامية حيث لا خلاف حول أحكامها، بينما الفقه الإسلامي يفرق بينها فهو مصدر للخلاف وربما التعصّب، ولذلك فإن التمسك بالشريعة هو طريق الإبقاء على الإسلام في المجال التشريعي. ولذلك فإننا ندعو إلى تقنين الشريعة الإسلامية وليس الفقه الإسلامي، وليس في ذلك حط للشريعة أو إهدار لمكانتها. ومحاولة إذكاء الفتنة بالقول بأنه لا يجوز للشريعة أن تكون رافدًا من روافد القانون هي محاولة فاسدة من الأساس؛فالشريعة هي جوهر القانون، والقانون هو وسيلة وأداه تطبيق الشريعة إلى جانب القضاء في العالم المعاصر.

وإذا كانت الشريعة هي الماضي والحاضر والمستقبل، فهي الأولى بالتقنين وبذل الجهود لوضعها موضع التطبيق من خلال التشريع الملزم. أما الفقه فهو الماضي إذا تم تقنينه، وهو تأكيد على قفل باب الاجتهاد، وتعطيل لحكم الله وما أنزله على المسلمين من ضرورة أن يكون أمرهم شورى بينهم؛إذ لن يكون لنا إلا التقليد بدلًا من الاجتهاد، واجتراء آراء الفقهاء القدامى حتى ولو تباعدت عن الحياة المعاصرة، وسيقتصر الاجتهاد على بسط فكرة أو تبسيط عبارة ومن ثم جمود فقهاء العصر.

ومن هنا فإننا نرى أن محل التقنين لا يجوز أبدًا أن يكون الفقه الإسلامي، وإنما الواجب علينا أن نعمل على تقنين الشريعة الإسلامية، وبعد ذلك سيكون طبيعيًا على المشرّع أن يستفيد ـ إذا أراد ـ من التراث العظيم من الأحكام الشرعية التي خلفها لنا الفقه الإسلامي. وفي كل الأحوال سواء أخذ المشرّع بأيّ منها أم لم يأخذ فإن ما يصدر عنه من تشريعات يمكن أن توصف بأنها تشريع إسلامي مستمد، إما من الشريعة الإسلامية بمصدريها الكتاب والسنة، أو من الفقه الإسلامي الذي يضم كذلك مصادر الاجتهاد وهي: الإجماع والقياس والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب والعرف، ليستنبط منها ما يراه المشرع صوابًا ومناسبًا لحال الناس وظروفهم، دون أن يضاد نصًا أو يخالف معلومًا من الدين بالضرورة.

إن تقنين الشريعة الإسلامية دون الفقه الإسلامي سيؤدي إلى وجود قانون أعلى في كل دولة إسلامية يعلو على كافة القوانين الوضعية بما فيها الدستور، ولن يختلف هذا القانون الأعلى من دولة لأخرى، ولسنا في حاجة إلى تدخل سلطة لإقرارها، ولن تقدر دولة إسلامية على إنكاره أو رفض إعماله، مادام بعيدًا عن اجتهاد البشر؛ ولذلك ستكون الشريعة الإسلامية حاكمة بحق على حين أن الفقه محكوم بكل ما يحكم عمل الفقهاء وسلوكهم في الجماعة. والطاعة الواجبة على المسلم إنما هي طاعة الشريعة وليس طاعة الفقه ورجاله. ولنترك كل ما عدا الشريعة الإسلامية للاجتهاد الفقهي الحر مع احترام الرأي الآخر والامتناع عن تكفيره. فالاجتهاد نعمة فوضها الله إلى جميع المسلمين ولا يعقل أن يخالف بشر حكم الله في إباحة الاجتهاد مهما كانت العلل لذلك؛ لأنها إهدار لَـمَّا أنزل الله، فبالقطع تعني الشورى الاجتهاد وتؤدي إليه حتمًا؛ فالشورى لا تعني فقط الحاجة إلى آراء من يستشارون، ولكن تعني كذلك أن يقوم هؤلاء بالاجتهاد في استخراج الوجه الأصلح للمسألة محل الشورى دون مفاخرة أو مناظرة أو تباهي بما حقق أسلافنا من نتائج. فالعبرة بما نملكه من وسائل للتفكير والإبداع والاجتهاد حتى لا يضيع بذلك أجرنا وعمرنا.

*    *     *

ثالثا: موقف الدولة الإسلامية من التقنين:

ذهب المشرع في كثير من الدول العربية والإسلامية إلى الاعتداد بالشريعة الإسلامية أو مبادئها كمصدر رئيس للتشريع (الكويت والأمارات)، أو المصدر الرئيس له (مصر)، أو كأساس للتشريع (سلطنة عمان). ولم يتبن دستور أية دولة عربية أو إسلامية -فيما نعلم- الفقه الإسلامي، أو يعترف له بدور في التشريع أو مصادر القانون، باستثناء ما ورد في المذكرة التفسيرية للدستور الكويتي من خلط بين الشريعة والفقه.

وقد اعتنق القضاء الدستوري في مصر التفرقة المشار إليها، وحددت المحكمة الدستورية العليا موقفها المؤيد لما سبق عرضه في هذا الصدد فقضت بما يلي:

أ- بالنسبة للشريعة الإسلامية فهي قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه، “فلا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا؛ لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلا أو تبديلا. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعا لتغير الزمان والمكان؛ إذ هي عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها أو الالتواء بها عن معناها. وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية؛ إذ هي إطارها العام وركائزها الأصلية التي تفرض متطلباتها دوما، بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكارا لما علم من الدين بالضرورة”.

ب- أما بالنسبة إلى الاجتهاد أو الفقه الإسلامي فإنه لا يتمتع بنفس القوة الملزمة التي تتمتَّع بها أحكام الشريعة الإسلامية القطعية، ولذلك تنحصر دائرة الاجتهاد في الأحكام الظنية غير المقطوعة بثبوتها أو بدلالتها أو هما معا، ولا يمتد لسواها، “وهي بطبيعتها متطورة وتتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيما لشؤون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دوما واقعا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزما ضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال… وليس الاجتهاد إلا جهدا عقليا يتوخى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهو بذلك لا يجوز أن يكون تقليدا محضا للأولين، أو افتراء على الله كذبا بالتحليل أو التحريم في غير موضعيهما، أو عزوفا عن النزول على أحوال الناس والصالح من أعرافهم.

وإعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، توصلا لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بين عباده، مرده أن هذه القواعد تسعها الشريعة الإسلامية؛ إذ هي غير منغلقة على نفسها، ولا تضفي قدسية على أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شؤونها، ولا تحول دون مراجعتها وتقييمها وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية ليس لها -في ذاتها- قوة ملزمة متعدية لغير القائلين بها. ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعا ثابتا متقررا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى،وإنكارا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد؛ بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبا، ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، لو كان مخالفا لأقوال استقر عليها العمل زمنا”.

ج- ووفقا لأحكام المحكمة الدستورية العليا، فإنه “ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية وربطها بمصالح الناس -عن طريق الأدلة الشرعية النقلية منها والعقلية-حق لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق ثابتا لولي الأمر يستعين عليه -في كل مسألة بخصوصها وبما يناسبها- بأهل النظر في الشؤون العامة، إخمادا للثائرة وبما يرفع التنازع والتناحر ويبطل الخصومة. على أن يكون مفهوما أن اجتهادات السابقين لا يجوز أن تكون مصدرا نهائيا أو مرجعا وحيدا لاستمداد الأحكام العملية منها، بل يجوز لولي الأمر أن يشرع على خلافها، وأن ينظم شؤون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما في ذلك حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتجدد تبعا لما يطرأ عليها من تغيير وتطور؛ ومن ثم كان حقا عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثما، وكان واجبا كذلك ألا يشرع ولي الأمر حكما يضيق على الناس أويرهقهم من أمرهم عسرا، وإلا كان مصادما لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾. ولازم ذلك أن الاجتهاد حق لولي الأمر في الدائرة التي شرع فيها، ليكون كافلا وحدة الشريعة، ميسرا لقواعدها؛بإمدادها دوما بما يعين على اكتمال نمائها”.

د- وعليه، فإن ” أية قاعدة قانونية، ولو كان العمل قد استقر عليها أمدا، لا تحمل في ذاتها ما يعصمها من العدول عنها، وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكما شرعيا قطعيا، ورودا ودلالة، وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشؤونهم وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي يجوز أن تشرع الأحكام لتحقيقها، وبما يلائمها؛ فذلك وحدة طريق الحق والعدل وهو خير من فساد عريض. ومن ثم ساغ الاجتهاد في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها… وتغير الزمان يدعو إلى العدول عن هذا الاجتهاد، إعمالا للمرونة التي تسعها الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية المستجيبة للتطور، توخيا لربطها بمصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، وأعرافهم المتغيرة التي لا تصادم حكما قطعيا، وهي مرونة ينافيها أن يتقيد ولي الأمر بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية تكون المصالح المعتبرة شرعا قد جاوزتها. وتلك هي الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد-فيما لا نص عليه فيها- بغير ضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك