مدوّنات الأحوال الشخصية وجهود تطويرها

مدوّنات الأحوال الشخصية وجهود تطويرها*
إعداد: د. أحمد الخمليشي**
تقديم:
ظهرت الأفكار الداعية إلى مراجعة الأحكام المنظِّمة للأحوال الشخصية أو الأسرة منذ بداية القرن الماضي. وفي نفس التاريخ تقريبا صدرت نصوص بالصياغة التشريعية الحديثة، كانت أولها مجلَّة الأحوال الشخصية التي أصدرها الخليفة العثماني عام 1917، وتناولت الزواج والطلاق([1]).
وتتابع بعد ذلك صدور مدونات الأحوال الشخصية في أكثر الدول الإسلامية مع تعديلات متتالية لبعض موادها، يتفاوت مضمونها من مدونة إلى أخرى. وقد نتج هذا التفاوت عن التيارات الفكرية الرائجة في المجتمعات الإسلامية والتي يمكن تصنيفها إلى:
-التيار المحافظ الذي يتمسك بصورة تكاد تكون مطلقة بأحكام الأحوال الشخصية كما هي مدونة في المذهب المطبق في القطر المعني، ويعارض حتى إمكانية اقتباس بعض الأحكام من أحد المذاهب الفقهية الأخرى.
-التيار الإصلاحي الذي يرى في الاجتهاد الفقهي المذهبي تراثا لا غنى عنه؛ غير أن تغير ظروف الحياة الاجتماعية يفرض الاستفادة من كل المذاهب الفقهية واقتباس ما يبدو من أحكامها محقّقا للمصلحة في الواقع المعيش، فضلا عن إمكانية تجاوز كل المذاهب والرجوع مباشرة إلى نصوص الكتاب والسنة وتفسيرها بغير ما فسرتها به مراجع الفقه المذهبي.
-التيار العلماني أو اللائكي الذي يمكن نسبة تأسيسه إلى مصطفى أتاتورك إثر قيامه بثورته عام 1922. وهذا يدعو إلى قطع الصلة نهائيا بالموروث الفقهي وحتى بنصوص الكتاب والسنة التي وردت فيها بعض الأحكام المتعلقة بالأسرة التي يعيشها، بعيدا عن الوصاية الفقهية أو المرجعية الدينية.
والتيارات الثلاثة كانت حاضرة كلها في الجهود المبذولة لتطوير قوانين الأحوال الشخصية طيلة القرن الماضي وفيما مضى من القرن الحالي، وإن كان تأثيرها متفاوتا فيما تطبقه كل دولة إسلامية من أحكام الأسرة.
ولتقريب الجهود المبذولة في تطوير قوانين الأحوال الشخصية نعرض بإيجاز:
أولا: أمثلة من جهود تطوير قوانين الأسرة.
ثانيا: لماذا تتعثر مراجعة قوانين الأسرة؟
*   *    *
أولا: أمثلة من جهود تطوير قوانين الأسرة([2])
كل الدول الإسلامية تقريبا قامت بجهود لمراجعة الأحكام التي دونها فقه كل مذهب لتنظيم الأسرة؛ دعاها إلى ذلك تغير ظروف الحياة، وعلاقات التعايش بين أفراد المجتمع، مع ظهور الأفكار الإصلاحية التي دعت إلى “الاجتهاد” ومراجعة الكثير من الأحكام الفقهية التي أصبحت بحكم تغير الظروف لا تحقق القيم العليا والمقاصد التي شرعت من أجلها.
وأهم جهد أنجز في الموضوع هو جمع أحكام الأحوال الشخصية في “مدونة” بالصياغة المتعارف عليها في القوانين الحديثة التي من مميزاتها الاختصار والوضوح، وقبل ذلك توحيد الحكم وتفادي تعدد الآراء الفقهية الذي نادرا ما يخلو منه أي حكم اجتهادي.
يضاف إلى هذا الجهد أحكام وإجراءات تنظيمية مثل: توثيق عقود الزواج والطلاق وأحكام القضاء وضبط الأجهزة المساعدة له …
أما الأحكام الموضوعية للأحوال الشخصية، فيمكن تصنيفها إزاء ما لحقها من مراجعة إلى ثلاثة أصناف:
الأول: بقي بعيدا عن أية مراجعة، ونجده في الدول التي ما تزال تطبق الفقه المدون في المذهب دون أيّ مساس به، وهذا النموذج قد لا نجده خارج المملكة العربية السعودية.
والثاني: بالغ في التطوير، فغَيَّر أحكاما يراها الكثيرون من الثوابت غير القابلة للتعديل. والمثال على هذا الصنف القانون التركي الذي يمكن أن يضاف إليه رغم اختلاف الأهداف القانونان الصومالي واليمني الجنوبي([3])، اللذان أصدرتهما الثورة الشيوعية التي قامت في البلدين مع بداية العقد السابع من القرن الماضي.
والصنف الثالث الذي يشمل أغلبية الدول الإسلامية ألحقت المراجعة فيه أحكاما اجتهادية دون المساس بالثوابت والأحكام القطعية، مع تفاوت كبير بين قوانين هذه الدول في نسبة التطوير والتجديد. وأهم الموضوعات التي مسها التعديل:
1 ـ تعريف الزواج وتوثيقه:
تجاوزت التشريعات الصادرة في الأحوال الشخصية التعريف الفقهي لعقد الزواج([4])، واعتبرته عقدا رضائيا بين الزوجين بهدف تكوين أسرة مستقرة وتحمّل أعبائها برعاية الزوجين([5])، أو برعاية الزوج([6])، أو قوامته([7])، أو دون إشارة إلى من يتولى الرعاية([8]).
2 ـ أهلية الزواج:
مِمَّا استحدثته تشريعات الأسرة تحديد سن أهلية الزواج، وتتراوح غالبا بين سني 15 و20؛ ومع ذلك يجيز أغلبها للقاضي أو للولي([9]) تزويج من لم يبلغ سن الأهلية دون تحديد للسن الذي يمنع النزول عنه([10]).
3 ـ الولاية:
صياغة أحكام الولاية على المرأة في عقد زواجها اختلفت من قانون إلى آخر. فالقانون التونسي نص في المادة 9 على أن “للزوج والزوجة أن يتوليا زواجهما بأنفسهما، وأن يوكلا من شاءا …”. وبالمقابل جاء في المادة الخامسة من القانون الموريتاني أن الولي من “أركان عقد الزواج”، وأضافت المادة التاسعة أنه “لا يصح تزويج المرأة البالغة بدون رضاها، ولا أن تتزوج بدون وليها، إذن البكر صمتها”. وقريب من هذا المادة (19) من القانون العماني التي تقول:
“يتولى ولي المرأة عقد زواجها برضاها”([11]) .
وبين هذين الطرفين نجد صيغا أخرى للولاية مثل القانون الجزائري في م. 11 التي ورد فيها: “تعقد المرأة الراشدة زواجها بحضور وليها، وهو أبوها أو أحد أقاربها أو أي شخص آخر تختاره”. والقانون المغربي الذي قرر في م. 25 أن: “للرشيدة أن تعقد زواجها بنفسها، أو تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها”([12]).
4 ـ تعدد الزوجات:
من الموضوعات الشائكة التي واجهت تشريعات الأحوال الشخصية: التزوج بأكثر من زوجة واحدة؛ وكانت المواقف إزاءه متباينة.
فبعض القوانين فضلت السكوت عنه، تاركة للقضاء تطبيق الأحكام الفقهية المعروفة، مثل القانون العماني والكويتي([13])؛ بينما فضلت أخرى تقنينه، ولكن بنفس الأحكام المدونة في الفقه([14]). ومجموعة ثالثة -وهي الأكثر- ربطت التعدد بالإذن القضائي في صيغة عامة غير واضحة الدلالة مثل القانون السوري الذي جاء في مادته 17 “للقاضي أن لا يأذن للمتزوج بأن يتزوج على امرأته إلاَّ إذا كان لديه مسوغ شرعي، وكان الزوج قادرا على نفقتهما”([15]).
وأخيرا نجد توجه القانون التونسي الذي منع صراحة التعدد، وعاقب كل من خرق
هذا المنع؛ وذلك بنصه في م. 18على أن: “تعدد الزوجات ممنوع. فكل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام، وبخطية قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك (مليم)، أو بإحدى العقوبتين -ولو أن الزواج الجديد
لم يبرم- طبق أحكام القانون”.
5 ـ دور الزوجة في التقرير في شؤون الأسرة وتسييرها:
أغلبية القوانين لم تشر إلى مشاركة الزوجة للزوج في التقرير والتسيير لشؤون الأسرة، وهو أمر منسجم مع نص هذه القوانين على أن الزوج هو راعي الأسرة أو القَيّم عليها، إضافة إلى تحمله نفقاتها([16]).
وبعضها تضمن “رعاية الزوجين” للأسرة، و”التشاور في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير شؤون الأسرة والأطفال وتنظيم النسل” (م. 4 و51 من القانون المغربي)، و”التشاور في تسيير شؤون الأسرة وتباعد الولادات” (م. 36 من القانون الجزائري).
لكن يبدو أن مثل هذه العبارات ليس لها تأثير فعلي على التقرير في شؤون الأسرة ما دام الزوج هو الملزم بالنفقة، والولاية على الأبناء قاصرة على الأب ما دام حيا. (م. 231 ـ مغربي و87 جزائري).
6 ـ إنهاء العلاقة الزوجية:
بسبب التركيز في بناء العلاقة الزوجية على “امتلاك” الزوج “حق” المتعة الجنسية بالزوجة([17])، فإن إنهاء هذه العلاقة ربط بإرادة الزوج المطلقة؛ تطبيقا لمبدأ حرية صاحب الحق في التنازل عن حقه متى شاء.
والرأي المبالغ في الفقه يُخرج الطلاق من التصرفات الإرادية العادية، ويعتبره نافذا ولو كان مخالفا للسنة أو تعلق بنساء لم يتزوّجْهن المطلِّق بعد، أو كان في حالة سكر أو إكراه([18])، أو هازلا([19]).
والرأي الآخر فرض بعض القيود على المطلِّق إذا لم يراعها كان طلاقه غير نافذ؛ فهنالك من يرى عدم نفاذ الطلاق البدعي في جميع صوره أو في بعضها.
وهنالك من يشترط صيغة محددة ولا يقع الطلاق بغيرها([20]).
لكن الذي انتصر فِقها وقضاء هو الرأي الأول؛ ولذلك كان النقد شديدا لبعض التشريعات التي فرضت إجراءات يجب على الزوج القيام بها لتوقيع الطلاق.
وموقف قوانين الأحوال الشخصية من موضوع إنهاء الزوج للعلاقة الزوجية يمكن تصنيفه إجمالا إلى:
1 ـ نفاذ طلاق الزوج بمجرد صدوره منه، دون أية رقابة قضائية. هذا ما نجده مثلا في القانون الكويتي الذي اكتفى بالنص في م. 102 على أنه “يقع طلاق كل زوج عاقل، بالغ، مختار، واع لما يقول …”([21]).
2 ـ نفاذ تصريح الزوج بالطلاق، مع تدخل محدود جدا للقضاء. ومن أمثلة هذا التوجه:
– القانون العماني الذي جاء في م. 81 و89 منه:
” م. 81: 1 ـ الطلاق حلّ عقد الزواج بالصيغة الموضوعة له شرعا …
2 ـ يقع الطلاق باللفظ أو بالكتابة، وعند العجز عنهما، فبالإشارة المفهومة”.
“م. 89: أ ـ يثبت الطلاق الواقع خارج المحكمة بالبينة أو بالإقرار.
ب ـ يقع الطلاق بتصريح من الزوج أمام القاضي.
ج ـ على القاضي قبل وقوع التصريح أن يحاول إصلاح ذات البين”.
– القانون الموريتاني الذي ورد في مادته 83:
” الطلاق هو حل العصمة بواسطة الإرادة المنفردة للزوج. على الزوج الراغب في الطلاق أن يمثل أمام القاضي أو المصلح من أجل تدوينه؛ وفي هذه الحالة يستدعي القاضي أو المصلح الزوجة لمحاولة الصلح بينهما.
إذا أصر الزوج على الطلاق سجل القاضي أو المصلِح طلاقه، ويحدد باتفاقهما لوازمه”.
3 ـ الطلاق يتم بالنطق به من الزوج، مع فرض تدخل القضاء لإثباته أو للإذن به.
هذا ما قرره القانونان الجزائري والمغربي.
القانون الجزائري يعترف بنفاذ طلاق الزوج بمجرد النطق به؛ هذا ما يوخذ من المادة 50 التي تقول: “من راجع زوجته أثناء محاولة الصلح لا يحتاج إلى عقد جديد”؛ لأن الرجعة لا تكون إلا للزوجة المطلَّقة، ولكن من ناحية أخرى حصر إثبات الطلاق في وسيلة واحدة هي الحكم القضائي([22]) الذي يصدر بعد فشل محاولة الصلح، أي: إن الزوج يمكنه:
– أن يصرح بالطلاق ثم يطلب من القاضي إثبات تصريحه بحكم.
– أو أن يبلغ القاضي عزمه على الطلاق، ويطلب منه إصدار الحكم بإثبات تصريحه بالطلاق.
وفي كلا الحالين يجري القاضي محاولة الصلح طبقا للمادة 49. إذا تحقق الصلح استمرت العلاقة الزوجية في الحالة الثانية، واستؤنفت دون عقد جديد في الحالة الأولى. وإذا فشلت محاولة الإصلاح أثبت القاضي في حكمه الطلاق بتاريخه الذي صرح به الزوج.
أما القانون المغربي فإنه تفادى النص صراحة على عدم الاعتراف بطلاق الزوج بمجرد النطق به([23])، ولكنه حقق نفس النتيجة باشتراط الإذن القضائي لقبول تصريح الزوج بالطلاق أمام العدلين المكلفين بالتوثيق؛ فقد نص في م. 79 على أنه: “يجب على من يريد الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة بالإشهاد به لدى عدلين منتصبين لذلك بدائرة نفوذ المحكمة التي يوجد بها بيت الزوجية، أو موطن الزوجة، أو محل إقامتها التي أبرم فيها عقد الزواج حسب الترتيب”.
ونعتقد أن المشرِّع المغربي وفّق في الأسلوب الذي عالج به موضوع طلاق الزوج، فلم يصادر حقه في إنهاء العلاقة الزوجية، وإنما قيد استعماله لهذا الحق بالحصول على إذن المحكمة. وهذا القيد مشروع؛ لأن الهدف منه أمران اثنان: محاولة إصلاح ذات البين، وفي حالة الفشل في الإصلاح ضمان تمكين المطلقة والأطفال -في حالة وجودهم-من حقوقهم الشرعية المقابلة لحق الزوج في الطلاق. فالعدالة تفرض إلزام من يرغب في استعمال حقه بأداء الالتزامات المقابلة لهذا الحق؛ ومن الحيف الظاهر السماح بممارسة الحق دون أداء الالتزامات المقابلة بأن يقبل من الزوج توقيع الطلاق، ثم يقال للزوجة والأطفال: لكم أن تطالبوه بحقوقكم الناشئة عن هذا الطلاق، مع الأخذ في الاعتبار الصعوبات والعقبات التي تعترض المرأة من إجراءات التقاضي، وعدم توفر الأطفال على أهلية التقاضي، والأب المطلِّق هو نائبهم القانوني.
لذلك تبدو عادلة المقتضيات التي نصت عليها مدونة الأسرة في المادة 79، وكذلك الإجراءات المقررة في المواد 83 -88 في حالة تعذر الصلح بين الزوجين([24]).
4 ـ الزوج يحق له إنهاء العلاقة الزوجية، ولكن التصريح بالطلاق لا يصدر منه وإنما من المحكمة. هذا ما ورد في القانون التونسي الذي جاء في م. 30 و31 منه:
” م. 30: لا يقع الطلاق إلا لدى المحكمة.
م. 31: يحكم بالطلاق:
1 ـ بتراضي الزوجين.
2 ـ بناء على طلب أحد الزوجين بسبب ما حصل له من ضرر.
3 ـ بناء على رغبة الزوج إنشاء الطلاق أو مطالبة الزوجة به.
ويقضى لمن تضرر من الزوجين بتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الناجم عن الطلاق في الحالتين المبينتين بالفقرتين الثانية والثالثة أعلاه …”.
وبمقتضى هذين النصين لا يتم الطلاق في جميع الأحوال إلا بحكم قضائي. وفي حالة رغبة الزوج إنشاء الطلاق تكون المحكمة بعد فشل محاولة الصلح ملزمة بالاستجابة لرغبته، مع الحكم عليه بالتعويض (الجراية) للمطلَّقة عما لحقها من ضرر بسبب الطلاق.
نكتفي بهذه النماذج للجهود التي بذلت في اتجاه تطوير مدوَّنات الأحوال الشخصية، ويتأكد منها أن التطوير ظل متواضعا. فالخلاصة التي يمكن الخروج بها من القراءة المتأنية لتلك المدونات هي:
-اقتصار عدد منها على نسخ الأحكام المدوَّنة في المذهب الذي كان مطبَّقا قبل إصدار “المدونة”.
-المدونات التي قامت بتعديل بعض الأحكام الفقهية كانت صياغتها لها غير متناسقة، مثل: وضع الأسرة تحت رعاية الزوجين وتشاورهما في تسيير شؤونها، مع إلزام الزوج وحده بالإنفاق واختصاصه بالولاية على الأبناء. أو متسمة بالعمومية وعدم الوضوح، مثل: صياغتها للولاية وتعدد الزوجات.
-الاحتفاظ بمصطلحات لم تبق لها دلالة محددة في الواقع المعيش مثل: الكفاءة، وصداق المثل …
*    *     *
ثانيا: لماذا تتعثر مراجعة قوانين الأسرة؟
في هذه الفقرة نعرض بعض الوقائع المؤكِّدة لوجود تعثر أو تردد في مراجعة قوانين الأسرة، وأسباب التعثر، وأخيرا مناقشة هذه الأسباب.
1 ـ تعثر المراجعة:
في البداية نستبعد بعض الحالات التي حدث فيها التراجع عن قوانين أصدرتها سلطة سياسية متحمسة لإديولوجية بعيدة عن واقع شعبها وثقافته، مثل ما وقع في اليمن الجنوبي والصومال في فترة الحكم الشيوعي، وبعض التعديلات التي كانت أدخلت على القانون العراقي عقب الانقلاب على الحكم الملكي عام 1958.
فالتطوير الذي نقصده هو الذي يتم في دائرة احترام الأحكام القطعية، وقراءة نصوص الشريعة في ظل ما تهدف إليه من العدل والرحمة وتفادي الظلم والعسر.
وفي هذا المجال يمكن القول بوجود تردد ومقاومة لإدخال أيّ تعديل على أحكام الأسرة المدونة في مراجع المذهب المعمول به في كل بلد إسلامي. ومن الأمثلة المثبتة لما نقول:
أ ـ أن أغلبية الدول العربية والإسلامية لم تصدر فيها قوانين للأحوال الشخصية إلا في العقود الثلاثة الأخيرة.
ب ـ في المغرب الذي صدرت فيه مدونة الأحوال الشخصية عام 1957:
– هيّئ مشروع تعديل عام 1961 من لجنة كوّنت من رؤساء بعض المحاكم.
– هيئ مشروع آخر عقب صدور قانون توحيد القضاء (26/01/65).
-في يونيو 1979 أسست “اللجنة الملكية للتدوين” التي راجعت مشروعا تمهيديا مكونا من (504) مادة، وأعادت صياغته في (336) مادة، وأعلن وزير العدل يوم 5 ماي 1981 أن المشروع سيصدر قريبا ولكن لم يصدر شيء.
-قدمت قبل ذلك إلى البرلمان تعديلات لبعض المواد تتعلق برفع سن الزواج، وإخضاع تعدد الزوجات للرقابة القضائية، وتوقف نفاذ الطلاق على التصريح به أمام القاضي، ولم يقبل البرلمان أي تعديل منها.
-في بداية التسعينات اشتد الجدال بين المطالبين بتغيير مدونة 1957 وبين المعارضين له؛ فتدخل الملك الحسن الثاني، وطلب من الفريقين رفع طلباتهم إلى الديوان الملكي، وبعد رفعها عين لجنة تولت دراستها وقدمت الاقتراحات التالية:
  1. توقيع الزوجة على عقد الزواج.
  2. للرشيدة التي لا أب لها أن تبرم عقد زواجها بنفسها.
  3. إذن القاضي بتعدد الزوجات.
  4. إذن القاضي بتوثيق الطلاق.
  5. إمكانية إدماج التعويض في المتعة إذا ثبت للقاضي أن الطلاق لا مبرر له.
  6. ترتيب الأب بعد الأم مباشرة في استحقاق الحضانة.
  7. تخويل المحضون البالغ (12) عاما للذكر و(15) عاما للأنثى حق اختيار من يقيم معه من أقاربه.
  8. الفصل في دعاوى النفقة بشكل استعجالي.
  9. تخويل الأم الولاية على أطفالها بعد وفاة الأب أو فقده للأهلية.
10. إحداث “مجلس العائلة” لمساعدة القاضي المكلف بشؤون القاصرين.
وصودق على هذه المقترحات، وصدرت بظهير مؤرخ في 10/09/1993.
هذه مسيرة المد والجزر في محاولات التعديل لمدونة الأحوال الشخصية طيلة نصف قرن تقريبا، إلى أن اشتد النقاش مرة أخرى عام 2001؛ حيث عيّنت لجنة من ستة عشر عضوا عكفت لمدة عامين، استعمت في البداية إلى عشرات الجمعيات والهيئات، وتلقت منها مقترحاتها، وأعدت مشروع مدونة الأسرة الحالية التي غَيّرت فيها كثيرا من أحكام المدونة السابقة، وتمت المصادقة عليها بالقانون رقم 03.70 الذي صدر بظهير مؤرخ في 3 فبراير 2004.
ج. وفي مصر يقول الشيخ محمد أبو زهرة([25])رحمه الله: إنه في أوائل سنة 1915 ألفت لجنة من كبار العلماء، وأعدت مشروعا راعت فيه المذاهب الأربعة، ورأت “من الحسن أن تعرضه على جمهرة العلماء وذوي الفكر من الأمة … فجاءتها انتقادات ومقترحات، وعصفت على عملها عواصف ممن تضيق صدورهم بكل جديد، وإن كان يستمد من القديم عناصر تكوينه ووحدات تأليفه؛ إذ يحسبون أن ما هم عليه وحده هو التدين والأخذ بالعروة الوثقى. ولقد صعب على اللجنة التوفيق بين عملها واعتراض هؤلاء المعترضين، وأحوال البلاد في ذلك الإبان ما كانت تسمح بالإقدام على عمل أثار اعتراضات لبست لبوس الدين … لهذا نام مشروع اللجنة وطوي في سجلات وزارة العدل، حتى واتت الأحوال وسنحت فرصة فظهر جزء قليل منه مع تغير طفيف في القانون رقم 25 لسنة 1920″.
وإنه صدر بعد ذلك القانون رقم 56 لسنة 1923 في مادتين “مضمونهما أنه لا تسمع دعوى الزوجية إذا كانت سن الزوجة تقل عن ست عشرة سنة، وسن الزوج تقل عن ثماني عشرة سنة … وقد تلقاه الكثيرون بالنقد والتزييف، وقامت مساجلات قلمية فيها صخب ولجب وفيها حجج وأدلة … “.
ثم ألفت “في أكتوبر 1926 لجنة مؤلفة من رجال ذوي جرأة، وجلهم من تلاميذ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده الذين تأثروا بدعواته؛ فوضعت اقتراحات لم تكن مقيدة بالمذاهب الأربعة لا تعدوها، بل تجاوزت ذلك النطاق إلى آراء فقهاء الإسلام عامة، تقتبس منها ما تراه أنفع للأسرة، بل تجاوزت ذلك وارتقت إلى الكتاب والسنة تستنبط منهما، ولو ناقضت في ذلك ما قاله السابقون”.
ومما كانت سطرته في مشروعها:   -تقييد التعدد بإذن القاضي.
-عدم نفاذ طلاق السكران والمكره والطلاق المعلّق.
-الطلاق المقترن بالعدد لفظا أو إشارة لا يقع إلا واحدة.
-كل طلاق يعتبر رجعيا إلاَّ المكمل للثلاث، أو على مال، أو قبل الدخول، أو بنص القانون.
-إذا التزم الزوج بشرط فيه منفعة للزوجة ولا ينافي مقاصد العقد، ثم أخل به كان للزوجة حق فسخ الزواج.
وأضاف الشيخ أبو زهرة: “وقد قامت ضجة شديدة حول هذا المشروع تجاوبت أصداؤها في دار النيابة، وكان من آثارها أن نام المشروع في أضابير وزارة العدل إلى أن استيقظ في سنة 1929، فقد صدر المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929، واقتصر في هذا القانون على
ما جاء في المذاهب الأربعة ولم يتجاوزه”.
وقد توالى في مصر بعد ذلك وطيلة نصف قرن تأليف لجان وصياغة مشاريع كاملة لقانون الأحوال الشخصية، وتعذر الوصول إلى الهدف المقصود بسبب المقاومة العنيدة لكل تغيير للأحكام الفقهية المألوفة.
في عام 1979 أصدر رئيس الجمهورية([26]) المرسوم بقانون رقم 44/1979
ومما تضمنه هذا المرسوم:
* اقتران الزوج بزوجة أخرى دون رضا الأولى يعتبر إضرارا بهذه الأخيرة، يخولها حق طلب التطليق، وإمكانية بقاء المطلقة في بيت الزوجية أثناء العدة والحضانة، وإمكانية الحكم لها بتعويض في حالة الطلاق التعسفي.
* وقد ألغت المحكمة الدستورية هذا المرسوم وعوض بالقانون رقم 100/1985 الذي تراجع عن الأحكام المنتقدة من المرسوم 44/79.
نكتفي بهذين النموذجين للعقبات التي تقف في وجه تطوير مدونات الأحوال الشخصية. وننتقل إلى الفقرة الموالية:
2 ـ أسباب التعثر:
يمكن التأكيد على أن السبب الأساسي يرجع إلى “الثقافة” التي تمزج بين نصوص الشريعة وبين تفسيرها؛ فلا تميز بين الأحكام الواردة في النصوص قطعية الورود والدلالة، وبين الأحكام الاجتهادية المؤسسة على تفسير النصوص المحتملة لأكثر من دلالة أو على الترجيح فيما بينها. هذا ما تشرحه ردود الفعل على التعديلات أثناء اقتراحها وحتى بعد إقرارها.
ولتفادي الإطالة نكتفي بثلاثة أمثلة: الولاية، وتعدد الزوجات، والطلاق.
أ ـ الولاية على المرأة في عقد الزواج:
قدم المرحوم إبراهيم بن الصديق إلى لجنة إعداد مشروع “مدونة الأسرة” -التي كان عضوا فيها- مذكرة حول وجوب تولي الولي تزويج المرأة. ومما جاء في المذكّرة:
“قال رسول الله e: «لا نكاح إلا بولي»، هذا الحديث ورد عنه e بطريق التواتر”.
وحديث: «أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له». أخرجه أبو داود الطيالسي، وأحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم في الحلية وغيرهم … وصححه ابن حبان، وابن الجارود، وأبو عوانة، والحكم وغيرهم. وأعله الطحاوي بما اعتبر تعسفا ظاهر البطلان منه، ورد عليه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي وابن حزم فأجادوا … وله مع ذلك شواهد من حديث جماعة من الصحابة فالحديث صحيح لا شك فيه”.
وأضافت المذكرة أن وجوب الولاية على المرأة في عقد زواجها هو “إجماع الصحابة” و”اتفاق فقهاء التابعين بالمدينة” وأن “اعتبار الولي في النكاح مِمَّا هو معلوم بالضرورة عند المسلمين”.
هكذا تقدم الولاية على المرأة في عقد زواجها بأنها ثابتة بالتواتر وبإجماع الصحابة وأنها من المعلوم من الدين بالضرورة والبداهة.
وصدرت مقالات وفتاوى بعد إصدار مدونة الأسرة عام 2004 تؤكد أن الولاية شرط صحة في عقد الزواج، وهي “عمل تعبدي وإذعان لأوامر الله عز وجل، وهذا مقصد شرعي
كبير … “.
ب ـ تعدد الزوجات:
مِمَّا انتقد به في مصر المرسوم بقانون 44/79، وأدى إلى إلغائه أنه كان ينص على أنَّه “يعتبر إضرارا بالزوجة اقتران زوجها بأخرى بغير رضاها”، وهو ما يخولّها حق طلب التطليق؛ لكن المنتقدون قالوا: إن هذا تحريم لما أحل الله “إذ لو ركبنا دليلا بديهي الإنتاج، وقلنا فيه: اقتران الزوج بأخرى بغير رضاها إضرار، وكل إضرار حرام؛ إذن اقتران الزوج بأخرى بغير رضاها حرام، وهذا … يؤدي … إلى أن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين ومن بعدهم كذلك فعلوا الحرام والإضرار، إذ لم يثبت أن الأمة -ولو في حالة واحدة-قبلت من الأولى طلب الطلاق للزواج بالثانية”.
وفتوى نشرت في جريدة يومية بالمغرب بتاريخ 28 يناير 2008 جوابا عن سؤال يقول فيه صاحبه: إنه “متزوج منذ مدة، ولم يرزقني الله تعالى بالذرية الصالحة نظرا لضعف الخصوبة عندي، مِمَّا جعل والدي يلِحّ عليّ بالزواج مرة أخرى، عسى الله أن يكون ذلك سببا في رزق الذرية، إلاَّ أن زوجتي لم تتقبل الأمر، وتصرح أنها تريد الطلاق إذا أقدمت على هذه الخطوة، علما بأنها تحسن معاشرتي؛ فهل إذا تزوجت امرأة أخرى أكون ظالما لزوجتي؟”.
جواب المفتي: “لا يحق لهذه الزوجة أن تطلب الطلاق لأن زوجها يريد أن يتزوج امرأة ثانية، فهذا اعتراض على شرع الله، وخاصة إذا كانت الظروف المادية مناسبة ومتوفرة، فهو أمر رباني لا دخل لمخلوق فيه”.
ومن أغرب ما قرأته عن التعدد ما كتبه الشيخ أبو زهرة رحمه الله من أن إباحة التعدد مقيدة بشرطين: العدل والقدرة على النفقة. وكل زواج يعقده المتزوِّج وهو يعتقد عدم العدل والعجز عن النفقة يكون حراما، ومع ذلك فالزواج صحيح، ويحاسبه الله على الجور.
ثم يختم بقوله: “إن الاجتماع في مصر ما يزال يفرض إباحة التعدد ما دامت الشهوات مستحكمة، وما دام الشعب لم يتعلم، وما دام الرجال يترددون بين حلال معيب وحرام لا شك فيه، والحلال المعيب هو الزواج مع التعدد. علّموا الشعب وارفعوا مستوى حياته لا يكن بعد ذلك تعدد”([27]).
فكيف يكون الزواج حراما وحلالا؟
وكيف يكون الجهل والفقر سببا لانتشار التعدد، والعلم وارتفاع مستوى الحياة ينهيانه. ومع ذلك نقول: إن التعدد هو “قانون الإسلام”؟.
ج ـ الطلاق:
يقول المرحوم أبو زهرة في مقدمة كتابه “الزواج في الإسلام”: “لم نعن في بيان أحكام الزواج في الإسلام ببيان القانون التونسي، أو ما سموه المجلَّة التونسية؛ لأن هذا القانون عد تعدد الزوجات جريمة، ووضع لها عقابا بالحبس مع الحكم ببطلان الزواج الثاني، ولو كان بغير ما أنزل الله. وكذلك قرر منع الطلاق وعقاب من يطلق، وبالبناء على ذلك لا يكون الطلاق واقعا فيحل ما حرم الله.
إنه قانون ولكنه ليس إسلاميا، وهو أقرب إلى أن يكون كَنَسيا؛ لأن الفارق بين قانون الكنيسة وقانون الإسلام في الزواج هو إباحة التعدد وجواز الطلاق في الإسلام، ومنعهما في الكنيسة “.
ويعتقد الشيخ القرضاوي أن “هناك طائفة من الرجال الذين يحرِّكون بعض النساء العصريات، هؤلاء وأولئك يريدون أن يفرضوا على المجتمع الإسلامي في الزواج والطلاق قوانين غير إسلامية. إنهم يحاولون أن يدخلوا على هذا المجتمع المسلم الزواج والطلاق على الطريقة الأوروبية التي تأخذ شكل النصرانية، وهي في الواقع إباحية لا دينية. يريدون أن يحرموا تعدد الزوجات ليبيحوا من ورائه تعدد الخليلات. يريدون أن يقيدوا الطلاق ليعاشر الرجل في الحلال من يكره، ويبحث في الحرام عمّن يحب، وهؤلاء لا يبالون بالحرام ولا ينكرونه
ولا يسخطون عليه، كل ما يهمهم أن ينقلوا التقاليد الأوروبية الانحلالية إلى البيئة الإسلامية إرضاء لسادتهم أو لشعور خفِي في أنفسهم”([28]).
فما مدى صحة هذه الانتقادات اللاذعة الموجهة باسم الإسلام إلى أيّ مساس بالثقافة الموروثة عن الولاية في الزواج، والتعدد والطلاق؟ هذا ما نتناوله بإيجاز في الفقرة الموالية:
3 ـ مناقشة:
رأينا الأوصاف التي تضفي على الولاية على المرأة في الزواج، وتعدد الزوجات، والطلاق، وهو ما نود مناقشته.
أ ـ الولاية:
بالنسبة للولاية كفانا الجواب ما دوّن في المدونة عن الإمام مالك الذي هو أكبر المتشددين في القول بالولاية، حتى أنه يكاد ينفرد بالقول بالولاية الإجبارية على البنت البكر، وإن تجاوزت البلوغ بسنين. مِمَّا جاء في المدونة:
سئل ابن القاسم عن علة قول مالك: إن زواج المرأة بغير ولي يفسخ بطلاق، فأجاب:
“لأن فسخ هذا النكاح عند مالك لم يكن على وجه تحريم النكاح، ولم يكن عنده بالأمر البين. (قال): ولقد سمعت من قول من أرضى من أهل العلم أن كل نكاح اختلف الناس فيه ليس بحرام من الله ولا من رسوله، أجازه قوم وكرهه قوم؛ أن ما طلق فيه يلزمه، مثل المرأة تتزوج بغير ولي أو المرأة تزوج نفسها … وكل نكاح كان حراما من الله ورسوله فإن ما طلق فيه ليس بطلاق، وفسخه ليس فيه طلاق”([29]).
فهل بلغت الأحاديث التي أوجبت الولاية مرتبة “التواتر” كما يقول المرحوم بن الصديق، ومع ذلك لم تصل إلى مالك الذي قضى عمره بالمدينة دارسا ومدرّسا ومفتيا؟!
وكيف تكون الولاية ثابتة في الدين بالضرورة، ومع ذلك يقول عنها ابن القاسم: إن فسخ الزواج بدون ولي لم يكن عند مالك على وجه تحريم هذا الزواج، وإنه حسب ما سمعه ممن يرضى من أهل العلم يندرج ضمن الزواج الذي “اختلف الناس فيه ليس بحرام من الله ولا من رسوله، أجازه قوم وكرهه قوم”؟!
وهل الثابت بنص متواتر والمعلوم من الدين بالضرورة يقبل أن يقول عنه مالك
“ما فسخه بالبين ولكنه أحب إلي”؟ ألا تؤكد هذه العبارة أن تفضيله للولاية راجع إلى العرف والتقاليد الاجتماعية المرعية؟
ب ـ تعدد الزوجات:
من البدهي أنه يمكن أن يناقش موضوع تقييد أو منع تعدد الزوجات بإثبات رجحان المصلحة في الإبقاء عليه دون قيد أو شرط. وهذا ما لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق دراسة الواقع وتحليله؛ أي: دراسة حالات التعدد المعيشة، وسلوك الأفراد الذين لديهم رغبة فعلية في التعدد ومنعوا منه([30])، وانعكاس كل ذلك على الحياة العامة للمجتمع. وهذا ما لم يقم به أحد من المنتقدين لتقييد التعدد أو منعه.
-القرآن صريح في تقييد التعدد ومنعه بمجرد “الخوف” من عدم القدرة على العدل، وصياغة الآية لا تحتاج إلى بيان.
-ادعاء إسناد أمر التعدد إلى إرادة الراغب فيه وحده، وأنه لا صلاحية للمجتمع في التدخل فيه، يبدو غير مقبول لأكثر من سبب:
كيف ينسب إلى الإسلام بأن الزواج الذي يعقد مع اعتقاد عدم العدل والعجز عن النفقة حرام، ومع ذلك هو زواج صحيح؟ وأين يوجد سلوك حرام وله علاقة بالغير، ومع ذلك لا يجوز تقييده ولا منعه؟.
التعدد سلوك يمس حقوق الآخرين: الزوجات والأولاد، ولا يوجد في شريعة الإسلام سلوك يمس حقوق الغير وترك لإرادة القائم به وحدها؛ فكيف يستثنى التعدد وحده فيمنع التدخل فيه ولو أضر بالغير، وكان بذلك حراما؟.
على فرض أن التعدد مباح بدون شروط، ألم يجمع الفقه على جواز تقييد المباح؛ فما دليل استثناء التعدد من هذا المبدأ الكلي؟ حتى الزواج بواحدة اتفق الفقه كذلك على خضوعه حسب حال المتزوج إلى أحد أحكام التكليف الخمسة، فكيف يقتصر حكم الزواج بثانية أو بثالثة أ وبرابعة على حكم واحد هو الإباحة، ولو في حالة توفر شروط الحرام فيه كما يقول المرحوم أبو زهرة؟
ج ـ الطلاق:
لم يمنع قانون عربي واحد الزوج من حق إنهاء العلاقة الزوجية عن طريق الطلاق([31])، وما فرضته عدة قوانين من إلزام الزوج برفع الأمر إلى المحكمة ليس فيه “منع” للطلاق،
وإنما الهدف منه أمران:
-محاولة الإصلاح.
-تمكين المطلقة والأطفال -إن وجدوا-من حقوقهم الواجبة على المطلِّق من متعة وسكن ونفقة وتعويض عند الاقتضاء.
وكل هذا تفرضه المصلحة ومبادئ العدل والإنصاف، فمحاولة الإصلاح تعيد الوئام إلى نسبة مهمة من حالات التصدع الأسري قد تصل إلى أربعين في المائة. كما أن إلزام الزوج بأداء ما عليه من حقوق مادية ينصف المطلقة والأطفال، ويحميهم من تحمل المطالبة القضائية بطول إجراءاتها وارتفاع تكاليفها، سيما بالنسبة للأطفال الذين يكون مدينهم هو نفسه نائبهم القانوني.
فأي محذور شرعي في هذا الإجراء المتخذ من أجل مصلحة واضحة لا جدال فيها؟
وهل يمكن القول مثلا: إن هذه القوانين خالفت شريعة الزواج عندما فرضت على الراغبين الإدلاء ببعض الوثائق، وألزمتهم بتوثيقه أمام الجهاز الرسمي المنتدب لهذه المهمة؟.
الخلاصة: إن أحكام الأحوال الشخصية ليست عبادات تخص علاقة الفرد بخالقه ومن ثم تتسم بالتعبد وعدم التعليل، وإنما تتعلق بتنظيم علاقات بين الأفراد؛ وبالتالي تندرج ضمن أحكام المعاملات القائمة على التعليل، وعلى المبادئ الناظمة لعلاقات الأفراد فيما بينهم من العدل والإحسان، ومنع الظلم والإضرار بالغير دون مساس بما حرّمته الشريعة أو فرضته بنص صريح مثل ما هو الشأن في كل أبواب المعاملات.
وإتماما للمناقشات النظرية السالفة أختم بإحصائيات أصدرتها وزارة العدل المغربية تشكل مؤشرات عن آثار التعديلات التي أدخلت على “مدونة الأسرة” في بداية 2004. ونقتصر منها على المتعلق بموضوعي الزواج والطلاق.
أولا: الزواج:
1) عقود الزواج خلال عشر سنوات:
السنوات حالات الزواج نسبة التغيير
1998 217.662 ـــ
1999 216.920 – 0,34%
2000 227.741 4,99%
2001 230.384 1,16%
2002 246.206 6,87%
2003 263.553 7,05%
2004 236.574 – 10,24%
2005 244.795 3,48%
2006 272.989 11,52%
2007 297.660 9,04%
يتبين من الجدول أن الرسم البياني لعقود الزواج استأنف اتجاهه التصاعدي بعد 2004([32])، وهو ما يؤكد أن الأحكام التي أدخلت في مدونة الأسرة لصالح المرأة والأطفال لم تحدث أيّ تخوف لدى الرجال من الالتزامات الجديدة التي وضعت على كاهلهم، ومعلوم أن ارتفاع أو انخفاض عدد عقود الزواج يرجع أساسا إلى الرجل الذي تفرض التقاليد والأعراف أن يصدر طلب الزواج منه وليس من المرأة.
2) حالات المتعاقدين:
عدد رسوم الزواج حسب الحالات أسفله
رجعة
مراجعة (تجديد عقد الزواج)
مجموع رسوم الزواج
الزوجان راشدان زواج الراشدة التي عقدت زواجها بنفسها دون

سن الأهلية
التعدد المصاب بإعاقة ذهنية معتنقو الإسلام والأجانب
حصيلة سنة 2007 196.559 62.162 29.847 875 27 6.156 268 1.766 297.660
النسب المئوية 66,03% 20,88% 10,03% 0,29% 0,01% 2,07% 0,09% 0,59% 100,00%
مِمَّا يثير الانتباه في هذا الجدول:
-عدد الراشدات اللائي عقدن زواجهن بأنفسهن إذ بلغ عددهن (62.162)، مقابل (60.095) عام 2006؛ وذلك نتيجة لنص مدونة الأسرة في المادة 25 على أن “للرشيدة أن تعقد زواجها بنفسها، أو تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها “.
-ارتفاع عدد المتزوجين دون سن الأهلية، وذلك راجع إلى السن المحدد لأهلية الزواج وهو (18) عاما، والحال أن النضوج الجنسي يكون سابقا على هذه السن.
3) بيانات عن زواج القاصرين عام 2007:
الموضوع العدد النسب
الطلبات المسجلة 38.710
طلبات الذكور 379 0,98%
طلبات الإناث 38.331 99,02%
الطالبين القاطنين بالبادية 20.324 52,50%
الطالبين القاطنين بالمدينة 18.386 47,50%
طلبات المشتغلين 598 1,54%
طلبات من هم بدون مهنة 38.112 98,46%
سنة ازدياد الطالب (ة) في مجموع الطلبات المسجلة 1990 1991 1992 1993
العدد 25767 9865 2730 348
النسبة 66,56% 25,48% 7,05% 0,90%
الطلبات المحكومة العدد النسب
الطلبات المقبولة * 33.596 86,79%
الطلبات المرفوضة 4.151 10,72%
الطلبات المتنازل عنها 963 2,94%
* بلغ عدد رسوم الزواج الخاصة بالقاصرين 29847 رسما.
الإجراءات المتخذة في الطلبات المقبولة العدد النسب
البحث 10.430 31,25%
الخبرة 14.610 43,49%
الخبرة والبحث معا 8.556 25,47%
سنة ازدياد الطالب (ة) في مجموع الطلبات المقبولة 1990 1991 1992 1993
العدد 23.346 8.229 1.862 159
النسبة 69,49% 24,49% 5,54% 0,47%
موقف النائب العدد النسب
موقف النائب بالقبول 37.453 96,75%
موقف النائب بالرفض 1.257 3,25%
يوضح الجدول:
-أن طلبات الزواج دون سن الأهلية تخص أساسا الفتيات، وهذا مرتبط بتقاليد متوارثة يرغب فيها الآباء وبعض الأزواج كذلك.
-إن المعنيات بالتزويج في سن مبكرة كلهن تقريبا بدون مهنة، ولا يحتاج ذلك إلى تعليق.
-إن الراغبين في الزواج قبل الثامنة عشرة أغلبهم في السنة السابعة عشرة، وقليل منهم (0.90%) في سن الخامسة عشرة.
-نسبة قليلة جدا (3.25%) هي التي طلبت الإذن بالزواج دون موافقة الولي القانوني.
ثانيا: الطلاق:
1) تطور حالات الطلاق:
السنوات حالات الطلاق نسبة التغيير
1998 50.763 ــــ
1999 42.069 -17,13%
2000 38.438 -8,63%
2001 37.593 -2,20%
2002 41.450 10,26%
2003 44.922 8,38%
2004 26.914 -40,09%
2005 29.668 10,23%
2006 28.239 -4,82%
2007 27.904 -1,19%
يؤكد الجدول أن المنحنى الكاشف لحالات إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق ليس ثابتا في وتيرته، وما يهمنا هو أنه يسير عموما في اتجاه الانخفاض منذ صدور المدونة عام 2004، ويبدو هذا راجعا إلى بعض الالتزامات الجديدة التي أصبح المطلِّق يتحملها؛ ولذلك يتفادى كثير من الأزواج الطلاق، ويلتجئون إلى طلب التطليق للشقاق كما سنرى بعد قليل.
والنتيجة هي أن حالات الطلاق التي بلغت عام 1998 (763 50) انخفضت عام 2007 إلى (904 27) أي حوالي النصف([33]). وبالمقابل التطليق للشقاق الذي لم يكن موجودا عام 1998 صدر به عام 2007 (562 18) حكما، جزء منها بناء على طلب الزوج.
2) طلبات الطلاق وما انتهى منها بالصلح:
سجل خلال سنة 2007 (599 40) طلبا بالإذن بالإشهاد على الطلاق، أنهت المحكمة (8512) طلبا بالصلح([34])، ووثق (27904) رسم طلاق؛ موزعة كالآتي:
الرجعي (6330)، والخلعي (8253)، وقبل البناء (4862)، والاتفاقي (8243)، والمملك (129)، والمكمل للثلاث (87).
ثالثا: التطليق:
أسباب طلب التطليق الطلبات المسجلة المنتهية بالصلح أحكام التطليق رفض الطلب
الشقاق 40728 5847 562 18 9046
الإخلال بشرط أو الضرر 788 141 447 438
عدم الإنفاق 928 106 703 316
الغيبة 2162 132 1362 502
العيب 54 1 12 24
الإيلاء والهجر 53 17 42 30
المجموع 44723 6244 21328 10356
وما يمكن التعليق به على هذا الجدول هو أن الأحكام القضائية بالتطليق أصبحت تقارب حالات الطلاق الذي يصدره الزوج (27904) حالة عام 2007.
والسبب يرجع إلى تضمين مدونة الأسرة سببا للتطليق لم يكن معمولا به، وهو الشقاق الذي يَسَّر للزوجة الالتجاء إليه، بعد أن كان حصولها على التطليق بسبب الضرر نادرا ما تفلح في الوصول إليه لصعوبة الإثبات؛ بل إن الزوج يلتجئ إلى طلب التطليق للشقاق تفاديا لتكاليف الطلاق أو التخفيف منها على الأقل. فخلال سنة 2007 قدم (728 40) طلب تطليق للشقاق: قدمت الزوجة منها (547 26)، وقدم الزوج (14181) طلبا؛ أي نسبة 34.82%.
وأخيرا: يتعين التأكيد على أن الأسرة السعيدة والهادئة لا يبنيها القانون وحده، وإنما الذي يثبت هذا البناء أساسا هم طرفاها: الزوج والزوجة، إضافة إلى الوسط الاجتماعي والثقافة السائدة فيه. ومن المؤلم أن هؤلاء جميعا الزوج والزوجة والمجتمع ضعف تحملهم لتكاليف الأسرة ومسئولياتها المادية والمعنوية، وهو ما جعلها تتراجع أيا كانت مرجعية القانون الذي ينظمها: دينية أو علمانية أو حتى شيوعية.
فالواقع أن حضارة إنسان اليوم مهددة بتراجع نظام الأسرة الذي بدونه لا ندري ماذا يبقى من مفهوم “مجتمع الإنسان”؟.
وعسى أن يستيقظ الضمير، ويتم تجاوز حياة اللحظة والتفكير في المآل والمصير.

*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.
**مدير دار الحديث الحسنية بالمملكة المغربية
[1]) ولم تطبق هذه المجلة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، ثم ثورة مصطفى أتاتورك المعروفة.
[2]) أعتذر عما قد يكون من خطأ في بعض ما أقدمه من أحكام القوانين المختلفة نتيجة عدم الاطلاع على التعديلات التي لحقتها. فلا وسيلة متيسرة لمواكبة كل ما يطرأ من تعديل على مدونات الأحوال الشخصية.
[3]) مما جاء في تقديم قانون اليمن الجنوبي: “وحرصا من الدولة على ضرورة تنظيم علاقات الأسرة تنظيما يتماشى مع مبادئ وأهداف برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، وينهي إلى الأبد كافة العلاقات القديمة التي حكمت الأسرة اليمنية وأعاقتها عن القيام بدورها الإيجابي في بناء المجتمع … “. والقانونان معا ألغيا بعد انتهاء الحكم الشيوعي في الصومال وتوحيد شطري اليمن.
[4]) في مذهب مالك يعرّفه ابن عرفة بقوله: “عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله” ـ الحطاب على مختصر خليل، 3/403. وعند ابن عابدين في حاشيته (2/258): ” عقد يفيد ملك المتعة؛ أي حل استمتاع الرجل من امرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي”. وعند الكاساني في البدائع (2/234): “النكاح معاوضة البضع بالمال”.
[5]) م. 4 من القانون المغربي.
[6]) م. 4 من القانون العماني.
[7]) م. 1 من القانون الموريتاني.
[8]) م. 4 من القانون الجزائري.
[9]) م. 7 من القانون الموريتاني.
[10]) القانون الكويتي ينص في م. 26 على أنه ” يمنع عقد الزواج أو المصادقة عليه ما لم تتم الفتاة الخامس عشرة، ويتم الفتى السابعة عشرة من العمر وقت التوثيق “.
[11]) جاء في م. 8 من القانون الكويتي: “ينعقد الزواج بإيجاب من ولي الزوجة وقبول من الزوج أو ممن يقوم مقامهما”. وأضاف في م. 29 “ب. يشترط اجتماع رأي الولي والمولى عليها “. والإشارة في هذه القوانين إلى رضا المتزوجة ليس له أي أثر ما دامت لم تفرض حضورها لتصرح برضاها أمام موثق العقد؛ لذلك يتم تزويج المرأة في كثير من الحالات بدون رضاها، بل ورغم معارضتها في حالات غير قليلة.
[12]) وفقا لإحصائيات وزارة العدل بلغ عدد النساء اللائي عقدن زواجهن عام 2007 بأنفسهن (62.162) فتاة. وذلك من بين عقود الزواج المبرمة خلال السنة وعددها (559 196) عقدا.
[13]) ومثلهما القانون المصري الذي اكتفى بالنص على أنه “يجوز للزوجة التي تزوج عليها زوجها أن تطلب الطلاق منه إذا لحقها ضرر مادي أو معنوي، يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما، ولو لم تكن قد اشترطت عليه في العقد ألا يتزوج عليها “.
[14]) فالقانون الموريتاني الذي نصّ في م. 28 و29 على أن الزوجة التي اشترطت عدم التزوج عليها، يحق لها أن تطالب بالتطليق إذا أخل الزوج بالشرط الذي التزم به. وأضاف في م. 45 أنه: “يسمح بتعدد الزوجات إذا توفرت شروط ونية العدل، ويتم ذلك بعد علم كل من الزوجة السابقة واللاحقة إن كان ثمة شرط “.
[15]) جاء في م. 3 من القانون العراقي:
… 4 ـ لا يجوز الزواج بأكثر من واحدة إلا بإذن القاضي، ويشترط لإعطاء الإذن تحقق الشرطين التاليين:
أ ـ أن تكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة واحدة.
ب ـ أن تكون هناك مصلحة مشروعة.
5 ـ إذا خيف عدم العدل بين الزوجات فلا يجوز التعدد، ويترك ذلك للقاضي.
6 ـ كل من أجرى عقدا بالزواج بأكثر من واحدة خلافا لما ذكر في الفقرتين 4 و5 يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة،أو بالغرامة بما لا يزيد على مائة دينار أو بهما.
7 ـ استثناء من أحكام الفقرتين (4) و(5) من هذه المادة: يجوز الزواج بأكثر من واحدة، إذا كان المراد الزواج بها أرملة”. وجاء في م. 8 من القانون الجزائري: “يسمح بالزواج بأكثر من زوجة واحدة في حدود الشريعة الإسلامية متى وجد المبرر الشرعي، وتوفرت شروط نية العدل. يجب على الزوج إخبار الزوجة السابقة، والمرأة التي يقبل على الزواج بها، وأن يقدم طلب الترخيص بالزواج إلى رئيس المحكمة لمكان مسكن الزوجية.            =
== يمكن لرئيس المحكمة أن يرخص بالزواج الجديد إذا تأكد من موافقتهما، وأثبت الزوج المبرر الشرعي وقدرته على توفير العدل والشروط الضرورية للحياة الزوجية”.
“م. 8 مكرر: في حالة التدليس يجوز لكل زوجة رفع دعوى قضائية ضد الزوج للمطالبة بالتطليق”.
“م. 8 مكرر1: يفسخ الزواج الجديد قبل الدخول إذا لم يستصدر الزوج ترخيصا من القاضي وفقا للشروط المنصوص عليها في المادة 8 أعلاه”.
وخصص القانون المغربي لموضوع التعدد سبع مواد (40 ـ 46) مفصلا لأحكامه الموضوعية والإجرائية.
“م. 40: يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها”.
” م. 41: لا تأذن المحكمة بالتعدد:
– إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الاستثنائي.
-إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين، وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة”.
“م. 42: في حالة عدم وجود شرط الامتناع عن التعدد، يقدم الراغب فيه طلب الإذن بذلك إلى المحكمة.
يجب أن يتضمن الطلب بيان الأسباب الاستثنائية المبررة له، وأن يكون مرفقا بإقرار عن وضعيته المادية”.
“م. 43: تستدعي المحكمة الزوجة المراد التزوج عليها للحضور. فإذا توصلت شخصيا ولم تحضر أو امتنعت من تسلم الاستدعاء، توجه إليها المحكمة عن طريق عون كتابة الضبط إنذارا تشعرها فيه بأنها إذا لم تحضر في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار سيبت في طلب الزوج في غيابها.
كما يمكن البت في الطلب في غيبة الزوجة المراد التزوج عليها إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن أو محل إقامة يمكن استدعاؤها فيه.
إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجا عن تقديم الزوج -بسوء نية- لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة، تطبق على الزوج العقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي، وذلك بطلب من الزوجة المتضررة”.
” م. 44: تجري المناقشة في غرفة المشورة بحضور الطرفين. ويستمع إليهما لمحاولة التوفيق والإصلاح، بعد استقصاء الوقائع وتقديم البيانات المطلوبة.
للمحكمة أن تأذن بالتعدد بمقرر معلل غير قابل لأي طعن، إذا ثبت لها مبرره الموضوعي الاستثنائي، وتوفرت شروطه الشرعية، مع تقييده بشروط لفائدة المتزوج عليها وأطفالها”.
” م. 45: إذا ثبت للمحكمة من خلال المناقشات تعذر استمرار العلاقة الزوجية، وأصرت الزوجة المراد التزوج عليها على المطالبة بالتطليق، حددت المحكمة مبلغا لاستيفاء كافة حقوق الزوجة وأولادهما الملزم بالإنفاق عليهم.
يجب على الزوج إيداع المبلغ المحدد داخل أجل لا يتعدى سبعة أيام. تصدر المحكمة بمجرد الإيداع حكما بالتطليق، ويكون هذا الحكم غير قابل لأي طعن في جزئه القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية.
يعتبر عدم إيداع المبلغ المذكور داخل الأجل المحدد تراجعا عن طلب الإذن بالتعدد.          =
== فإذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد، ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها، ولم تطلب التطليق طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 بعده”.
“م. 46: في حالة الإذن بالتعدد، لا يتم العقد مع المراد التزوج بها إلا بعد إشعارها من طرف القاضي بأن مريد الزواج بها متزوج بغيرها ورضاها بذلك.
يضمن هذا الإشعار والتعبير عن الرضى في محضر رسمي”.
أتينا بنصوص هذه القوانين للاستدلال بصياغتها على الخلفية الثقافية المتناقضة التي تتحكم في توجيه المشرع.
فمن ناحية توجد رغبة واضحة لدى شرائح غير قليلة من المجتمع تسعى إلى الإنهاء الكلي لتعدد الزوجات لأسباب لا يسمح المجال ببيانها، ومن ناحية ثانية نجد الخطاب الفقهي الغالب يعتبر التعدد من أحكام الشريعة التي لا يجوز المساس بها ولو بمجرد التقييد أو وضع بعض الشروط، وسنرى بعض الأمثلة لاحقا.
هذا ما جعل المشرع يحاول إرضاء الفريق الأول بربط التعدد بالإذن القضائي، والفريق الثاني بالاستجابة لطلب التعدد متى وجد “المبرر الشرعي” أو ” توفرت شروطه الشرعية ” أو “مسوغ شرعي”.
[16]) وبعضها تجاوز صفة الراعي أو القيّم، فألزم الزوجة بطاعة زوجها وتنفيذ أوامره مثل القانون اليمني الذي جاء في
م. 37 منه: ” للزوج على زوجته حق الطاعة فيما يحقق مصلحة الأسرة وعلى الأخص فيما يلي: …
3 ـ امتثال أمره والقيام بعملها في بيت الزوجية مثل غيرها … “.
[17]) يؤيد ما قلناه تعريف عقد الزواج الذي أوردناه في الهامش (3)، وكذلك تعريف الطلاق بأنه “رفع الحل الذي به صارت الزوجة محلا للنكاح” كما يقول السرخسي في المبسوط (6/2). أو أنه “صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته”. الحطاب على مختصر خليل (4/18).
[18]) يقول ابن رشد عن الخلاف حول نفاذ الطلاق المخالف للسنة: “فمن شبه الطلاق بالأفعال التي يشترط في صحة وقوعها كون الشروط الشرعية فيها، كالنكاح والبيوع قال: لا يلزم. ومن شبهه بالنذور والأيمان التي ما التزم العبد منها لزمه على أي صفة كان، ألزم الطلاق كيفما ألزمه المطلِّق على نفسه، وكان الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سدا للذريعة ” بداية المجتهد ـ 2/61.
[19]) استنادا إلى حديث “ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة”، الذي يقول عنه الشوكاني في نيل الأوطار (7/20): “في إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك وهو مختلف فيه. قال النسائي: منكر الحديث، ووثقه غيره”.
[20]) من هذا الرأي: قول ابن حزم: “لا يقع طلاق إلا بلفظ من أحد ثلاثة ألفاظ: إما الطلاق، وإما السراح، وإما الفراق مثل: أن يقول: أنت طالق، أو يقول: مطلقة أو قد طلقتك … أو أنت مسرحة أو قد سرحتك أو أنت السراح، أو أنت مفارقة أو قد فارقتك أو أنت الفراق …، وما عدا هذه الألفاظ فلا يقع بها طلاق البتة نوى بها طلاقا أو لم ينو” المحلى ـ 10/185 و186.
وما جاء في ” فقه الإمام جعفر الصادق ” (6/8) لمحمد جواد مغنية: ” الركن الثالث الصيغة، وكما أن عقد الزواج لا يقع إلا بلفظ “زوجتك وأنكحتك” تعبدا من الشارع؛ كذلك الطلاق لا يقع إلا بلفظ “طالق” تعبدا من الشارع. فإذا قال: أنت الطالق مع الألف واللام، أو المطلقة، أو طلقتك أو الطلاق وما إلى ذلك كان لغوا”.
[21]) ومثله القانون المصري الذي جاء في م. 5 مكرر 2 منه: “على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يوما من إيقاع الطلاق”.
[22]) تنص م. 49 على أنه “لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد عدة محاولات صلح يجريها القاضي دون أن تتجاوز مدته ثلاثة (3) أشهر ابتداء من تاريخ رفع الدعوى”.
[23]) من المؤكد أنه فعل ذلك مراعاة للاعتقاد السائد الذي ما يزال يرى انتهاء العلاقة الزوجية بمجرد صدور عبارة أو إشارة من الزوج تفيد الطلاق صراحة أو كناية.
[24]) وتنص هذه المواد على ما يلي:
” م. 83: إذا تعذر الإصلاح بين الزوجين، حددت المحكمة مبلغا يودعه الزوج بكتابة الضبط بالمحكمة داخل أجل أقصاه ثلاثون يوما لأداء مستحقات الزوجة والأطفال الملزم بالإنفاق عليهم المنصوص عليها في المادتين المواليتين “.
” م. 84: تشمل مستحقات الزوجة: الصداق المؤخر إن وجد، ونفقة العدة، والمتعة التي يراعى في تقديرها فترة الزواج والوضعية المالية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه.
تسكن الزوجة خلال العدة في بيت الزوجية، أو للضرورة في مسكن ملائم لها وللوضعية المادية للزوج، وإذا تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودع كذلك ضمن المستحقات بكتابة ضبط المحكمة “.
” م. 85: تحدد مستحقات الأطفال الملزم بنفقتهم طبقا للمادتين 168 و190 بعده، مع مراعاة الوضعية المعيشية والتعليمية التي كانوا عليها قبل الطلاق “.
” م. 86: إذا لم يودع الزوج المبلغ المنصوص عليه في المادة 83 أعلاه، داخل الأجل المحدد له، اعتبر متراجعا عن رغبته في الطلاق، ويتم الإشهاد على ذلك من طرف المحكمة “.
” م. 87: بمجرد إيداع الزوج المبلغ المطلوب منه، تأذن له المحكمة بتوثيق الطلاق لدى العدلين داخل دائرة نفوذ نفس المحكمة. =
== يقوم القاضي بمجرد خطابه على وثيقة الطلاق بتوجيه نسخة منها إلى المحكمة التي أصدرت الإذن بالطلاق “.
” م. 88: بعد توصل المحكمة بالنسخة المشار إليها في المادة السابقة، تصدر قرارا معللا يتضمن:
1 ـ أسماء الزوجين وتاريخ ومكان ولادتهما وزواجهما وموطنهما أو محل إقامتهما.
2 ـ ملخص ادعاء الطرفين وطلباتهما، وما قدماه من حجج ودفوع، والإجراءات المنجزة في الملف، ومستنتجات النيابة العامة.
3 ـ تاريخ الإشهاد بالطلاق.
4 ـ ما إذا كانت الزوجة حاملا أم لا.
5 ـ أسماء الأطفال وسنهم ومن أسندت إليه حضانتهم وتنظيم حق الزيارة.
6 ـ تحديد المستحقات المنصوص عليها في المادتين 84 و85 أعلاه، وأجرة الحضانة بعد العدة.
قرار المحكمة قابل للطعن طبقا للإجراءات العادية.
[25]) كتابه: الأحوال الشخصية، ص10 وما بعدها.
[26]) أصدر المرسوم ما بين فترتي انعقاد البرلمان لتعذر نيل موافقته لو عرض عليه بصيغة مشروع قانون.
[27]) كتابه: الأحوال الشخصية، ص103 و108.
[28]) كتابه: الحل الإسلامي فريضة وضرورة-ص85.
[29]) مدونة الإمام مالك ـ 4/32.
[30]) هل أدى حرمانهم من التعدد إلى اتخاذ الخلائل؟ وهل التعدد يحمي فعلا من الخدانة؟.
[31]) فهو الذي ينطق به أمام القاضي أو أمام الموثق، باستثناء القانون التونسي الذي خول القضاء إعلان الطلاق عن طريق الحكم؛ لكن المحكمة ملزمة بإعلان الطلاق متى أصر عليه الزوج ولو بدون سبب.
[32]) تراجع عقود الزواج عام 2004 ربما يرجع إلى صدور مدونة الأسرة في بدايته، حيث رافقت هذا الصدور ادعاءات بأن النص الجديد جرد الرجل من كثير من حقوقه، وحتى أمواله يفرض عليه قسمها مع زوجته عند الطلاق أو الوفاة، ولكن سرعان ما تبينت الحقيقة واستأنفت الحياة مسيرتها.
[33]) علما بأن هذا الرقم يشمل الطلاق الخلعي (8253)، والطلاق الاتفاقي (8243) اللذين يكونان برغبة من الزوجين معا أو من أحدهما.
[34]) (4012) حالة كان الزوجان فيها بدون أولاد. و(4500) كان للزوجين فيها أولاد.
والصلح توصلت إليه المحكمة مباشرة في (3364) حالة، أو بواسطة الحكمين في (1037) حالة، أو بواسطة مجلس العائلة في (573) حالة، أو بوسيلة أخرى في (3538) حالة.
هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك