العلاقة بين الدين والتشريع و دور حركات التقنيـن في هذه العلاقة

العلاقة بين الدين والتشريع و دور حركات التقنيـن في هذه العلاقة*

إعداد: أ. د. محمد عاكف آيدين**

بسم الله الرحمن الرحيم

إن تطبيق القيم الدينية في المجتمع كما يعتمد بلا شك على دور ارتباط المنتسبين لهذا الدين بهذه القيم، كذلك القوانين المبنية على تلك القيم تلعب دورا لا يمكن تجاهله في هذا المجال. ولن يستطيع أحد أن يلاحظ وجود القيم الدينية بالمجتمع على أكمل وجه وإقامتها بالحياة اليومية دون وجود عنصر التأييد من قِبَل الأحكام التشريعية . وللعملة وجه آخر؛ إذ أن هناك ولا بد نظاما شاملا للقيم الدينية أو الفلسفية تحت تلك المبادئ القانونية، وكذلك ينبغي أن تكون. فنظام القيم هذا هو الذي يكون سببًا لكسب القانون الحيوية الداخلية.

وعلى سبيل المثال، فإن كانت العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مشروعة داخل الأسرة والتي تعتبر قيمة دينية مهمة -وهي موجودة في جميع الأديان-فلن تكسب تلك العلاقة الوجود إلا بعد التأييد من قِبَل القانون. فإذا كان النظام القانوني ينظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة -وإن كانت بلا عقد نكاح- على أساس مبدأ الحرية المطلقة للطرفين، فتحقيق هذه القيمة الدينية في الحياة ستكون بصعوبة بالغة. وفي المقابل؛ فحتى يكون لمنع القانون لمثل هذه العلاقة غير المشروعة احترام ونفاذ لدى الأفراد، يلزم أن تكون القيم الدينية أو الفلسفية بالمجتمع تعتبر تلك العلاقات غير سوية وغير شرعية أيضًا. نستطيع أن نكثر من تلك الأمثلة. فالدين والقانون ظاهرتان متلازمتان غير متفارقتين.

ومن هنا نستطيع أن نصل إلى النتيجة التالية: إن وجود القيم الإسلامية بالمجتمعات المسلمة يعتمد على النظام القانوني المبني على تلك القيم؛ أي يعتمد على وجود الفقه الإسلامي وإمكانية تنفيذه بالمجتمع. فالمجتمعات التي لا يُطبق فيها الفقه الإسلامي لا يمكن تثبيت القيم الدينية وإقامتها بتلك المجتمعات إلى أمد بعيد في أكمل وجه. وهذا لا يتعلق فقط بالدين الإسلامي، بل بالأديان كلها؛ فإن اليهودية أو المسيحية أيضًا بناءً على الاحتياج نفسه قامتا ببناء نظام التشريع الخاص بهما.

هذا هو الجانب الأول من الموضوع. وأما الجانب الآخر فهو ضرورة تجاوب الأحكام القانونية المطبقة مع احتياجات المجتمع التشريعية والاجتماعية والتجارية والاقتصادية؛ لأن الأحكام القانونية إنما توضع في الأصل لتنظيم تلك المجالات. ويعني ذلك أن النظام القانوني ينبغي عليه الاهتمام بالتغيرات والاحتياجات الحاصلة في تلك المجالات؛ فإذا لم يهتم النظام بها ستكون الأحكام القانونية بالتالي غير مطبّقة بالمجتمع على مرور الزمن.

فالمفهوم من ذلك أن الدول الإسلامية عليها أن تحافظ على القيم الدينية وإقامتها بمجتمعاتهم، وذلك عن طريق تطبيقها التشريع الإسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى عليها أن تقوم بتجديد وإصلاح هذا التشريع حتى يلبي احتياجات العصر. وهنا تظهر أهمية التقنين من حيث تأمين تطبيق التشريع الإسلامي من جهة، ومن حيث جعله متطابقا مع احتياجات المجتمع من جهة أخرى. ومن الملاحظ أن السلطة السياسية والإدارية هي التي تستطيع أن تقرر تلك الاحتياجات على أحسن وجه؛ لأن السلطة هي التي لها علاقة مباشرة بجميع طبقات المجتمع مِمَّا يمكنها من تحديد تلك الاحتياجات بالصورة الكاملة. فلذلك نستطيع القول بأن التقنينات هي الوسيلة المثلى لوضع أحكام القانون الإسلامية على وجه شامل من جهة، كما تفتح الباب من جهة أخرى للاستفادة من التفسيرات والاجتهادات المعاصرة.

ونحن في هذه المحاضرة سوف نحاول أن نقدم مختصرًا حول تقنين التشريع الإسلامي لدى الدولة العثمانية في قرنها الأخير، والدروس التي نستطيع الاستخلاص منها. فالفقه الإسلامي في أصله تشريع اجتهادي؛ وبعبارة أخرى، فإن الشريعة الإسلامية ثمرة اجتهادات قام بها الفقهاء المجتهدون بالاعتماد على جميع المصادر الإسلامية، وعلى رأسها الكتاب والسنة النبوية. ولدى الاطلاع على الآراء القائمة في المذاهب الفقهية وتقييمها سنرى أن سبب ثراء الفقه الإسلامي من ناحية أحكامه الاجتهادية هو طريقة تشكله؛ أي كونه تشريعا اجتهاديا.

في منتصف القرن التاسع عشر نشاهد الخطوات الأولى لتقنين الفقه الإسلامي في الدولة العثمانية، وذلك تحت تأثير حركات التقنين في الدول الغربية من جهة والتطورات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية التي ظهرت في القرن التاسع عشر من جهة أخرى. ففي هذا المضمار ظهر قانونان مهمان؛ أحدهما: مجلَّة الأحكام العدلية التي تعتبر القانون المدني للدولة العثمانية. وثانيهما: هو قانون الأسرة العثماني.

إنَّ مجلَّة الأحكام العدلية تعتبر المثال الأول لهذا النوع من التقنين؛ وقد قام بتحضيرها لجنة برئاسة أحمد جودت باشا، رجل الدولة والقانون المشهور في عصره، وذلك خلال مدة 8 سنوات. وهي تتضمن 1851 مادة قانونية، تحتوي على قانون الموجبات والعقود والقانون التجاري والقانون القضائي. وباختصار نستطيع القول بأنها تتضمن قسم المعاملات الموجود في كتب الفقه الإسلامي. فاللجنة (هيئة المجلَّة) التي أعدّت هذا القانون قد قامت بمحاولة ناجحة بالنسبة إلى عصرها إلى حد كبير، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار كونها تمثل أوَّل حركة تقنينية في تاريخ التشريع الإسلامي.

وفي الحقيقة فإن بداية جهود تقنين الشريعة الإسلامية تمتد إلى العصور الأولى لتدوين الفقه الإسلامي. فأول محاولة في هذا المجال نراها في الرسالة التي بعث بها ابن المقفع الأديب المشهور إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (ت 145هـ/762م)، حين رأى الفوضى التشريعية التي سببها اختلاف القضاة المجتهدين، حيث قال فيها: “فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة، فترفع إليه في كتاب ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله تعالى ويعزمه له، وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا عزما لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا، ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخَر آخِر الدهر إن شاء الله”([1]). فطلب أبو جعفر من الإمام مالك أن يضع كتابًا يجمع الناس عليه لتحقيق هذا الهدف. ومما يلفت النظر إشارته للإمام مالك للنقاط التي يراعيها عند تأليفه هذا المتن القانوني حيث قال له: «تجنب فيه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، ووَطِّئه للناس توطِئَة». إلاَّ أن الإمام مالك رفض طلبه هذا بدعوى احتمال خطئه في بعض اجتهاداته، وكون بعض الأحاديث المروية عن رسول الله e لم تصله. ولما كان عهد هارون الرشيد أراد هو -أيضا- أن يحمل الناس على الموطأ إلاَّ أن مالكا لم يقبل هذه المرة أيضا لنفس الأسباب.

وقد استمر تطور الفقه الإسلامي كتشريع معتمد على الاجتهاد، وحققت المؤلفات التي دونت فيه المفتى به من آراء المذاهب المختلفة أو المرجَّح داخل المذهب الواحد، تطبيقا موحدا للشريعة للإسلامية، وقضت على الفوضى التشريعية.

وتبرز من بين هذه المؤلفات ما ألفت بجهود وعناية رجال الدولة مثل: الفتاوى الهندية والفتاوى التاتارخانية. كما أن كتابي الدّرر للملا خُسْرَوْ وملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبي يعتبران كتابين شبه رسميين في الدولة العثمانية بسب كونهما مرجعين رئيسين للقضاة في هذه الدولة. مع هذا فمثل هذه الكتب تعتبر كتبا علميا وليست متونا قانونيا.

ولهذا تعتبر مجلَّة الأحكام العدلية أول تدوين على شكل متن قانوني في تاريخ التشريع الإسلامي؛ إلا أنها -مع ميزتها هذه- كانت محاولة ناقصة من ناحية عدم اهتمامها الاهتمام الكامل بمراعاة ظروف العصر والمجتمع في حينه. فعلى سبيل المثال، حينما يعرّف مفهوم “المال” الذي يعتبر اصطلاحًا مهمًّا في فقه المعاملات لم يستطع هذا القانون أن يخرج خارج نطاق المذهب الحنفي الذي كان المذهب الحاكم لدى الدولة العثمانية، فعرفوه تعريفا يشمل الأموال المادية فقط، ولم تدخل في التعريف الحقوق والمنافع([2]). ومهما يظهر من أن هذا مجرد تعريف بسيط، إلا أنه إذا تُرِكت الحقوق والمنافع خارج مفهوم “المال” فإن هذا سوف يكون سببًا لتضييق مجال التصرفات القولية، ولن يمكن بالتالي الحفاظ على تلك الحقوق والمنافع أمام الأفعال الضارة. فعلى سبيل المثال فإن حقوق الارتفاق لن تكون موضوعًا في عقد مستقل للبيع بهذا المفهوم الذي ذكرنا؛ وكذلك عند غصب الحقوق والمنافع لن يتولد حق الضمان لتلك المنافع. فإذا كان البيت مثلاً قد غُصب واستُخدم مدة طويلة، فلصاحب البيت حق الضمان للنقص الوارد في البيت، إلا أنه لن يكون لصاحبه حق الضمان في استلام أجر مثله لمدة استخدام الغاصب. وفي يومنا الحاضر قد اتسعت ميادين الحقوق والمنافع، فلذلك سيسبّب تضييق مفهوم “المال” مشاكل قانونية متعددة لا حاجة إلى شرحها.

وهناك مثال آخر في المجلَّة حول الأموال المنقولة واستحالة بيعها قبل استلامها؛ فمن الملاحظ أن الفقهاء كانوا حذرين جدًا في عصور نشأة الفقه الإسلامي، خصوصًا في مسائل تتعلق بالغبن والغرر؛ فلهذا السبب لم يجوّزوا بيع الأموال المنقولة بعقد جديد قبل قبضها من قبل المشتري. فالمادة 253 من المجلَّة أيضا دُوّنت مطابقة لهذا الرأي. غير أنه في مقابل ظهور إمكانيات جديدة لتحديد المواصفات التي تقلل احتمال الغرر والغبن في المنتوجات الصناعية الجديدة، لا يستطيع أحد أن يبرّر أحقية هذا الحذر نفسه والدفاع عنه لمراعاته حتى اليوم في حياتنا التجارية.

فنستطيع أن نكثّر من تلك الأمثلة؛ إذ هذه الأمثلة تثبت لنا أن العلماء أعضاء هيئة المجلَّة لم يتصرفوا بالمرونة اللازمة لمراعاة تغيّر الظروف بالمجتمعات. والسبب وراء ذلك كان إما عدم استطاعة الفقهاء أو المشرّعين قراءة تلك التغيرات الحاصلة في الحياة الاجتماعية والتجارية قراءةً صحيحة، وإما أن الحقوقي أو المشرّع رأى تلك التغيرات ولكنه بقي ملتزمًا بالآراء التقليدية أو آراء مذهب معيّن. ففي كلتا الحالتين تبقى الأحكام الفقهية وراء الواقع الاجتماعي أو القانوني للمجتمع. ومهما يكن الفقه الإسلامي نظامًا تشريعيا يعتمد أساسا على الكتاب والسنة وسائر المصادر الإسلامية، إلا أن الفقهاء الذين عاشوا وسط الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية بين القرن الأول والقرن الرابع الهجري كانت لآرائهم واجتهاداتهم مكانة مهمة في تشكّل هذا الفقه.

بل نستطيع القول بأن التشريع الإسلامي قد كان ثمرة اجتهادات هؤلاء الفقهاء. وبعبارة أخرى فإننا نستطيع القول بأن الآراء في الفقه الإسلامي قد تأثرت في الواقع بالمحيط الاجتماعي والسياسي والقومي والثقافي في تلك القرون الأربعة. ويعني ذلك أن الفقهاء أنفسهم لو كانوا يعيشون اليوم ويقدمون آراءهم في نفس المسائل تحت الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية لعصرنا الحاضر لكانت النتائج التي وصلوا إليها مختلفة في كثير من الجوانب.

وعندما أقول ذلك، لا أقصد أن تكون الأحكام الفقهية تابعا للتغيرات والمستجدات الحاصلة بالمجتمع دون أي قيد أوشرط. ومما لا جدال فيه فإن المبادئ العامة للدّين لابد أن تكون موضع الاهتمام من قِبَل القواعد القانونية في جميع العصور. غير أنني أحاول القول بأنه في المجالات التي تبقى خارج هذه المبادئ الضرورية فعدم مواكبة وقائع الحياة الاجتماعية والتشريعية بحجة التمسك فقط بآراء تقليدية واجتهادات علمائنا القدماء الكرام سوف تكون نتيجتها دفع القانون إلى خارج المجتمع المعاصر. اسمحوا لي هنا أن أشرح أقوالي هذه وأن نناقشها في مثال قانون الأسرة لدى الدولة العثمانية، والذي أود أن أتناوله بالتفصيل.

إن المشرّع العثماني في المجلَّة قد بقي ملتزمًا إلى حد بعيد بالاجتهادات الحنفية بسبب الظروف التي كانت سائدة في المجتمع حينئذ؛ غير أن قانون الأسرة العثماني الذي أُعدّ بعد 40 سنة من المجلَّة قد فتح طريقًا أوسع لآراء المذاهب الأخرى. فقد كان قانون الأسرة العثماني الذي يتكون من 157 مادة تنظم أحكام الزواج والطلاق تحتوي بجانب المذهب الحنفي على اجتهادات المذهب المالكي والشافعي والحنبلي بشكل واسع. فهناك البعض من هذه الأمثلة تتعلق بآراء جديدة دخلت قانون الأسرة العثماني بناء على اجتهادات واردة في مذاهب فقهية أخرى نحو مسألة عدم الزواج قبل الوصول إلى سن معيّنة، وعدم جواز الزواج أو الطلاق عن إكراه، وعدم صحة طلاق السكران، وتوسيع حدود الشروط في الزواج، وتوسيع إمكانية التفريق بين الزوجين بقرار المحكمة.

ففي كل هذه التغيرات نستطيع أن نرى آثار التجربة العثمانية لتطبيق الشريعة الإسلامية عبر ستة قرون من ناحية، وآثار التغيرات التي تركتها ظاهرتا التمدن والثورة الصناعية في البنية الاجتماعية وفي مؤسسة الأسرة في تلك الفترة المتأخرة.

فاسمحوا لي أن أقدم لكم هنا مثالين متعلقين بالتعديلات القانونية التي تشير إلى هاتين الظاهرتين؛ أحدهما: جواز الزواج أو الطلاق عن إكراه في المذهب الحنفي؛ ولست أود هنا أن أناقش الأسس النظرية لهذه الظاهرة، غير أنه من الثابت تاريخيًا بأن هذا الرأي قد سبّب مشاكل كثيرة أثناء تطبيقه في تاريخ القانون العثماني. وفي فترات معيّنة عندما عدم الأمن بالمجتمع العثماني أحيانًا كانت هناك ظاهرة خطف البنات أو النساء، ولم تكن هذه ظاهرة نادرة. وفي كثير من عمليات الخطف هذه كانت غالبية المخطوفات يتم تزويجهن مع رجل عن إكراه، فكانت تُعطىَ لهذا الزواج صورة عقد نكاح صحيح. وهذه الظاهرة كانت تسبّب في المجتمع مشاكل اجتماعية وأسَرية أكثر مِمَّا يطرأ على البال. وفي ضوء هذه التجارب لجأ قانون الأسرة العثماني إلى الابتعاد عن رأي المذهب الحنفي وأتى برأي آخر تحت ضوء آراء سائر المذاهب، فقرر بعدم جواز الزواج أو الطلاق عن إكراه. وهذا النوع من التعديلات القانونية قد وقف على الأقل أمام هؤلاء السالكين لطرق غير مشروعة من أن يلجؤوا في تحقيق أهدافهم إلى حماية القانون.

إن القرن التاسع عشر الميلادي يعتبر قرنًا قد جرت فيه حروب كبيرة في أنحاء الدولة العثمانية. ففي الفترة التي بدأ ت منذ عام 1830م إلى عام 1917م كانت الحروب الآتية: الحرب الواقعة بين الجيش العثماني وبين محمد علي باشا -والي مصر-كانت في عام 1830م. وبعد ذلك قامت الحرب في عام 1850م فى قِرِم مع الجيش الروسي، تلا ذلك الحرب التي جرت في عام 1876م مع قوات الصرب والجبل الأسود ثُمَّ مع الجيش الروسي في شبه جزيرة البلقان. ثم مع قوات اليونان في عام 1890م. ثم مع قوات البلغار في عام 1914م. ثم بدأت الحرب العالمية الأولى التي أُجبِرَت الدولة العثمانية فيها أن تحارب ضد قوات الائتلاف وعلى رأسها فرنسا وإنكلترا. وقد كان أكثر من حضروا تلك الحروب من المحاربين لم يعودوا إلى أسرهم وعائلاتهم؛ والأسوأ من ذلك كله أن البعض منهم لم يصل خبر موتهم إلى أوطانهم. فهذا القسم الأخير من المحاربين نعبر عنهم بمصطلح “المفقود” في الفقه الإسلامي؛ ويعني ذلك الشخص الذي لا يُعرَف عنه هل هو حيّ أم ميت، كما لا يُعرَف مكان وجوده إن كان على قيد الحياة. فلكي يُحكَم على هذا الشخص بالموت، ويُسمَح بزواج امرأته من شخص آخر إن أرادت ذلك، ويمكن تقسيم ترِكَته بين الورثة يجب الانتظار لكل ذلك في المذهب الحنفي إلى السن الخامس والسبعين أو السن التسعين . فانظروا إلى الشخص الذي ذهب مع الجيش وعمره 25 عامًا فلم يعد، ولم يُعرَف خبر وفاته؛ فعلى امرأته أن تنتظر 50 عامًا حتى تستطيع الزواج بشخص آخر. فهل تستطيعون التفكير في المشاكل الاجتماعية التي تظهر نتيجة تلك الظاهرة؟

غير أن المشرّع العثماني قد بقي في ذلك أيضًا في دائرة الفقه الإسلامي، فاستفاد من آراء سائر المذاهب الفقهية، فقرر جواز فسخ عقد النكاح من قِبَل المرأة إما بوصول خبر وفاة زوجها، وإما بعدم وصول خبره بفترة تبدأ من سنة إلى أربع سنوات. فالمشرّع الذي يلاحظ تلك الأحداث الاجتماعية عن قريب ليس له عمل شيء غير ذلك؛ إذ طبّق صريحًا حكمًا واردًا بالمجلَّة: “لا يُنكَر تغير الأحكام بتغيّر الأزمان” (المادة 39).

ومن الملاحظ أن بعض المحافظين من رجال العلم قد منعوا تطبيق هذا القانون بعد عام ونصف عام من بداية تنفيذه بالمجتمع؛ وذلك لسبب واحد، وهو أن هذا القانون قد استفاد من آراء سائر المذاهب الفقهية، فبعد إلغاء العمل بقانون الأسرة العثماني أعيدت مرة أخرى تطبيقات المذهب الحنفي في تلك المجالات.

وعند سقوط الدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية التركية قد اقتُرح في أوّل الأمر إعادة تنفيذ قانون الأسرة العثماني، ثم تراجع المسئولون عن النظر في هذا الاقتراح لأسباب متعددة لا نريد أن ندخل في تفاصيلها؛ وبالتالي تُقرِّر ترجمة القانون المدني السويسري حتى يصبح القانون المدني التركي الذي تضمّن بداخله قانون الأسرة أيضًا.

ومن الملاحظ أن هؤلاء المحافظين من رجال العلم المعارضين للقانون الذي استفاد من آراء سائر المذاهب الفقهية لم يستطيعوا في ظروف تلك الأيَّام أن يرفعوا أصواتهم في مسألة الأخذ بالقانون المدني السويسري الذي أُعِدّ طبقا لبنية اجتماعية كاثوليكية . وبالطبع لا أودّ هنا أن ألقي بالمسؤولية كلها في هذا التغير الجذري على عاتق هؤلاء المحافظين من رجال العلم؛ غير أننا لا نستطيع أن ننسى أن آراءهم التي لم تهتم إطلاقًا بالتغيرات الاجتماعية قد كان لها دورها في هذه النتيجة التي وصل إليها المجتمع التركي.

هذا، وقد قلت في البداية بأننا نستطيع الإكثار من تلك الأمثلة؛ غير أنه لا داعي لذكر جميعها هنا. فأود أن أعود مرة أخرى إلى ما قلته في البداية حتى أنهِيَ كلامي بذلك:

إننا إذا أردنا إقامة القيم الإسلامية في الحياة اليومية بالمجتمعات المسلمة، فلن تكون إقامتها إلا بتأييدها بالأحكام القانونية المبنية على تلك القيم. وإذا لم يكن هذا التأييد حاصلا فلن يكون في حيز الإمكان إقامة تلك القيم الدينية بالمعنى الكامل. غير أنني أود أن أضيف هنا شيئا؛ عندما أقول بأنه ينبغي تأييد تلك القيم بالأحكام القانونية فلا أعني بذلك إجبار أفراد المجتمع على قبول هذه القيم. لا أعني ذلك على الإطلاق. وفي مقابل ذلك فعلى النظام القانوني أن يلاحظ التغيرات التشريعية والاجتماعية والتجارية والاقتصادية بالمجتمع عن قريب، وأن يأخذ موقفًا مناسبًا لتلك التغيرات دون المساس بالقيم الدينية.


*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**رئيس مركز البحوث الإسلامية (إسام) – إستانبول.

[1]) الأوضاع التشريعية في الدول العربية ماضيها وحاضرها لصبحي محمصاني، ص145-146، دار العلم للملايين، بيروت 1962.

[2]) انظر: مجلة الأحكام العدلية مادة 126.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك