التقريب بين المذاهب والتقنين الفقهي

التقريب بين المذاهب والتقنين الفقهي*

إعداد الشيخ / علي عبد الباقي شحاته**

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة لابد منها:

“مفهوم التقارب ومنهج تحقيقه بين المذاهب”

إذا كانت الدلالة المعجمية للمفردات والألفاظ ضرورة علمية ومنهجية لتحديد المفاهيم والمعاني فإن مادة (قرب) لغوياً تدلّ على معنى الدنوّ من الشيء، وإذا ضعف الفعل كان من معانية محاولة القرب.

والتقارب أو التقريب بين المذاهب الفقهية وفقاً للمعني اللغوي يعني: محاولة أن يكون بينها تعارف والتقاء، وهذا يومئ إلى أن بينهما من زمن حالة من التنافر والتباعد، وَإِلاَّ لَما كان لإطلاق لفظ التقارب معنى، فالتقارب من ثمّ وسيلة لجمع الشمل ورأب الصدع، وتبادل حسن الظنّ، والتقدير من أجل صيانة وحدة الأمَّة، ولهذا لا يراد به إلغاء أصل الخلاف بين المذاهب، فما كان لأحد أن يحجر على عقول دعاها الله إلى النظر في ملكوته، أو يقصر الناس على إحدى طرائق الفهم أو بعض وسائل النظر، ولا يعني هذا تحبيذا للاختلاف، أو دعوة إليه، وَإِنَّمَا كُلّ ما يشير إليه أن الاختلاف في مجال الدراسات الفقهية لا يعدّ قدحا، وأن الفقهاء في اجتهادهم لم يخرجوا على أصول دينهم؛ فقد نهى الكتاب العزيز عن التفرّق والاختلاف في قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾([1])، فإذا عرفنا أن هذا النهي منصب على التفرّق في أصل الدين والتوحيد، وما يطلب فيه القطع دون الظن أدركنا أن الاختلافات الفقهية -وهي تدور في فلك الأحكام الظنية ولا علاقة لها بأصل الدين والتوحيد -لا تنسحب عليها دلالة ذلك النهي.

كذلك لا يعني التقارب إلغاء المذاهب، أو دمج بعضها في بعض، أو تغليب مذهب على آخر، فهذا ما لا سبيل إليه، ولا جدوى منه؛ لأَنَّ بقاء المذاهب في إطار المفهوم الإسلامي للاختلاف في الرأي من عوامل ازدهار الحياة الفقهية ونموها، وتقديم الكثير من وجهات النظر التي ترى فيها الأمَّة سعة ويسراً في الأخذ والتطبيق بما يتلاءم مع ظروف الزمان والمكان، وما دام التقريب لا يراد به إلغاء الخلاف بين المذاهب أو إلغاء المذاهب ذاتها، أو إدماج بعضها في بعض؛ فإن الغاية منه تنحصر في أن يسود بين المذاهب المعتبرة تعاون وثيق، وتفاهم عميق، وتقارب يزيل الشك ويؤكد صدق النوايا، ويعبر عن الأخوة الإسلامية([2]).

وتحقيق ذلك المفهوم للتقارب بين المذاهب وجعله واقعاً عملياً يُمكن فيما أرى أن يكون بما يلي:

أولا: إن أصول الإسلام التي لا اختلاف عليها بين المسلمين جميعاً، ولا يكون المسلم مسلماً إِلاَّ إذا علمها يقينا هي: الإيمان بالله الواحد الأحد ربا، وبمحمد e نبياً ورسولاً للناس كافة، وبالقرآن كتاباً منزلا، وبالكعبة قبلة وبيتا محجوجا، وبأركان الإسلام الخمسة المعروفة، وبكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وبأنه ليس بعد الإسلام دين، ولا بعد رسوله نبيّ، وبأن كُلّ ما بعث به مُـحَمَّد e حق وصدق.

إِنَّ هذه الأصول المجمع عليها بين الأمَّة تمثّل جوهر الإسلام أو أساسياته، وَكُلُّ من يؤمن بها فهو مسلم، قد انعقدت بينه وبين سائر المسلمين في كل مكان أخوة في العقيدة مهما يكن المذهب الذي ينتمي إليه، وهذه الأخوة يحرم معها أن يخذل مسلم مسلماً أو يعاديه أو يؤذيه أو ينحاز إلى من يعاديه أو يؤذيه.

إن تأكيد أَنَّهُ لا اختلاف بين المسلمين في الأصول هو المنطلق لتحقيق مفهوم التقارب، فقد وقر في الأذهان والمشاعر بسبب العزلة الطويلة التي فرضها تبادل العداوات من قديم، وما نجم عن هذا من جهل أتباع المذاهب بعضهم بعضاً، وتصديق ما شاع عنهم من أراجيف وترَّهات أعطت انطباعاً غريباً منفّراً حمل على الخيفة والتوجس، فإذا ما أدرك الجميع أَنَّهُم لا يختلفون حول أصول العقيدة، التي يؤمنون بها، فإن تلك المشاعر الموروثة التي غذاها الجهل ومكن لها طول الزمن ستخف حدتها، وتتواري شيئاً فشيئاً، ومن ثَمَّ تصبح النفوس مهيأة للتآلف والتعارف، ويصبح لصوت التقريب صدى طيب في كل ديار الإسلام.

ثانياً: وإذا كان الإيمان بأنه لا اختلاف بين المسلمين على تعدد مذاهبهم الفقهية في الأصول يعد البداية الصحيحة للتقارب، فإن الاختلاف في الفروع يجب أن يدرس دراسة علمية تبتغي الوقوف على أسباب هذا الاختلاف وطبيعته، فهذه الدراسة هي الوسيلة العملية لجعل التقارب حقيقة واقعية؛ وذلك لأن الاختلاف في الفروع كان مصدر التعصّب والتباين والعداء، وكان عدم الوقوف على أسبابه العلمية وموقف الأئمة منه يحول بين أتباع المذاهب والنظرة الموضوعية إليه، ويتخذون منه ذريعة للتعصّب، والاتهام بالمروق من الدين أو الابتداع فيه.

ودراسة الاختلافات الفقهية في القضايا الفرعية تحقق غايتها في التقريب إذا نهضت على الدعائم الثلاث التالية:

أ – التسليم بأن اجتهادات الفقهاء وآراءهم ليست شرعاً واجب الاتِّباع، وَإِنَّمَا هي فهم بشري لنصوص الشريعة وقواعدها العامة، ولهذا تحتمل الصواب والخطأ، وليس لها صفة الثبات والخلود.

ب- كان من وراء اختلافات الفقهاء في الفروع أسباب علمية تشهد للائمة بالحرص البالغ على تحري الْـحَقّ والصواب، كما تشهد لهم بالعقلية الفاحصة والنظرة الثاقبة والفهم الواعي للحنيفية السمحاء، ومعرفة هذه الأسباب في دراسة الاختلافات في الفروع يقضي عليها بالتقويم الموضوعي الذي لا يعرف الإفراط أو التفريط.

جـ – الاقتناع بأن أئمة الفقهاء لم يتعصّبوا لآرائهم، ولم يدَّع واحد منهم أن اجتهاده هو الصواب وحده، ولذا كان كل منهم يحترم رأي غيره ويطبقه، وإن لم يكن قد قال به سدًّا لباب الاختلاف، وتأكيداً أن كل الآراء يجب أن تلقى التقدير بدرجة سواء.

ثالثاً: وإذا كان الحكم على الشيء فرعاً عن تصوره، وإذا كان منهج الإسلام الدقيق في المعرفة العلمية يقوم على التثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم عليها، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾([3])، فإن كثيراً من مظاهر التعصّب والآراء بين أتباع المذاهب مردها إلى أن أتباع كُلّ مذهب جهلوا ما لدى غيرهم بوجه عام، وحصروا أنفسهم في دائرة المؤلفات المذهبية الخاصة يدرسونها، ويرونها وحدها الزاد الفقهي الذي يغني، والنتيجة الحتمية لهذا الانكماش الفقهي الاقتناع بأن ما لدى المذهب من آراء هي الدين الذي لا يجوز لأحد أن يفرط فيه أو يخالفه، ويترتب على هذا تبادل التهم بين أتباع المذاهب، وزعم كل طائفة أَنَّهَا على الْـحَقّ دون سواها.

رابعاً: ويساعد على إزالة الجفوة والجهل بين أتباع المذاهب والانكباب على مؤلفات المذهب دون غيرها، والوقوف على الآراء والاجتهادات في التراث الفقهي كله مراعاة ما يلي:

أ‌-   التوسع في الدراسة الفقهية المقارنة خاصة في الجامعات وكليات الشريعة.

ب – تعدّد اللقاءات والندوات العلمية بين الفقهاء المعاصرين.

خامساً: على الفقهاء والعلماء أن يهتموا بتوعية الرأي العام بالثوابت التي تجمع بين أبناء الأمَّة الإسلامية، وأن يوضحوا لهم أن قاعدة الالتقاء بين المذاهب الفقهية عريضة، وأن مظاهر الاتفاق أكثر من مظاهر الاختلاف وأن هذه المظاهر لا ينبغي أن تفرق بين أبناء الأمَّة الواحدة، فهي رحمة واسعة وتيسيراً، فلا يجوز أن تصبح مصدر فتنة وتمزيق. روى ابن وهب عن القاسم بن مُـحَمَّد قال: أعجبني قول عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ): “ما أحبّ أن أصحاب مُـحَمَّد e لا يختلفون”؛ لأَنَّهُ لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق، وأنهم أئمّة يقتدي بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة؛ ويعلّق الإمام الشاطبي على هذا بقوله: ومعنى هذا أَنَّهُم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه؛ لأَنَّهُم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، ثُمَّ قال: “فوسع الله على الأمَّة بوجود الاختلاف بينهم، فكان فتحا للأمة للدخول في هذه الرحمة…”([4]). إذ لولا الاختلاف ما وجد التفاعل.

سادساً: ولكي تنجح تلك الخطوات في تحقيق التقارب بين المذاهب ينبغي أن تتوقف الأقلام، وتكفّ الألسن عن لغة التشنيع والاستفزاز والتحامل، وإثارة المشاعر والخواطر على نحو يعمق سوء الظن والنفور والتباعد بين أتباع المذاهب، وذلك بترديد ما اشتمل عليه التراث الفقهي خاصة في عصور الضعف والتقليد من أحكام وأقوال لو صدقها المسلمون الآن لاستحلَّ بعضهم دماء بعض، كما حدث في الماضي، بل وكما حدث في الحاضر القريب.

إن على العلماء والمفكرين أن يكفّوا عن اجترار تلك الروايات والآراء التي لا تعبر إِلاَّ عن تعصّب كريه وفقه سقيم، لا نجني من وراء إحيائها إِلاَّ المزيد من التفرّق والتنازع وذهاب الريح، والأمّة في عصر أحوج ما تكون فيه لجمع شملها، والوقوف صفا واحداً أمام الذين يتربصون بها ويكيدون لها، دون أن يفرقوا بين أتباع مذهب وآخر.

وَأَمَّا ما وقع من خلاف بين المسلمين في القرن الأَوَّل، وما نجم عنه من ظهور الفرق فيجب أن يدرس في إطار البحث العلمي والعبرة التاريخية، ولا يسمح بامتداده إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم، بل يجمد من الناحية العلمية تجميداً تاماً، ويترك حسابه إلى الله، وفق الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾([5]).

وبعد؛ فإن الوحدة الإسلامية بالحكم الفقهي واجبة شرعاً، فليست عملا ترغيبياً يدعى إليه، وَإِنَّمَا هي أمر واجب يلزم كُلّ مسلم يشهد بأن الله واحد أحد وأن محمداً عبده ورسوله، وهذا الواجب يطوق عنق كُلّ مسلم وسيسأل عنه يوم الدين، وأخيراً: إن مسئوليه التقارب تقع على عاتق الفقهاء فعامة الناس تبع لهم يسيرون وفق ما يقولون ويأخذون بما يفتون، فإذا نهض هؤلاء الفقهاء بمسئوليتهم في إحسان وإتقان سارت الأمَّة بخطى حثيثة نحو وحدة إسلامية جامعة تكفل القوَّة في كُلّ المجالات([6]).

وهذه الدراسة التي أقدمها عن التقارب بين المذاهب الفقهية هي محاولة في سبيل التغلب على كُلّ عوامل التفرق، وامتصاص الطاقات في غير ما يعود على الأمَّة بالنفع، بل يزيد من بلائها. فالأمة في عصر تداعت عليها فيه الذئاب من كُلّ باب، وهي ذئاب لا تفرّق بين أتباع مذهب وآخر، إِنَّهَا تحارب الإسلام تحت أي لواء، وتسلك في هذه الحرب سبلاً شتى، منها تأجيج نار الخلاف، وإذاعة الأراجيف التي تبلبل الأفكار، وتضاعف من إساءة الظنّ، وتشغل الأمَّة بكل ما يرتد عليها بالبوار، ومن ثمّ وجب علينا أن يعمل كُلّ منا بقدر ما يسر الله له، حتى نحمي وحدتنا من كل ما يتهددها بالذبول، فهي مناط حياتنا وعزتنا، وبها نظل بحق خير أمة أخرجت للناس.

وَأَمَّا منهج هذه الدراسة فَإِنَّهُ بعد هذا التمهيد يقوم على أربعة مباحث وخاتمة.

يتناول المبحث الأَوَّل: الحديث عن المذاهب الفقهية ونشأتها وتطورها.

ويجيء المبحث الثاني: ليعرض للتعصّب المذهبي وآثاره في المجتمع الإسلامي.

ويعرض المبحث الثالث: للعلاقة بين التقارب المذهبي والوحدة الإسلامية.

ويتناول المبحث الرابع: جهود الأزهر في تقنين الشريعة الإسلامية.

– وتضمنت الخاتمة: أهم نتائج الدراسة وبعض التوصيات.

ولا يسع المجال ببسط القول في كل مبحث من هذه المباحث، أو عرضها في شمول وتفصيل، ولهذا أعرض لقضاياها في إجمال وأطمع أن أوفق في تقديم دراسة تسهم في عمل إيجابي يعود على الأمَّة بالخير والنفع.

 

*    *     *

المبحث الأَوَّل: المذاهب الفقهية، نشأتها وتطورها

الفقه قبل نشأة المذاهب:

أومأت فيما سبق إلى أن أحكام الإسلام نوعان: نوع لا مجال للاجتهاد فيه؛ لأَنَّهُ قطعي لا يحتمل شكاً ولا تأويلاً، وبعبارة أخرى لا يحتمل أكثر من رأي، ونوع يجوز الاجتهاد فيه، بل يجب عند الضرورة، وهو الأحكام الظنية، فهي لم تثبت بالدليل القطعي، فتحتمل أكثر من رأي، ويدخل تحت هذه الأحكام كل القضايا التي تجد في حياة الناس، وليس لها دليل مباشر أو صريح من كتاب أو سنَّة، وهذه تخضع في بيان حكمها للقواعد الكلية والمقاصد العامة للشريعة، وهي ميدان فسيح للاجتهاد واختلاف الآراء.

والفقه مجاله الأحكام الظنية العلمية، ومن ثمّ يطلق على استنباط هذه الأحكام من أدلتها التفصيلية. أما الأحكام القطعية فلا تدخل في مجال الفقه، فهي لا تحتاج إلى جهد عقلي في الكشف عنها.

ولا يدخل في مجال الفقه أيضاً الأحكام الظنية غير العملية، كبعض ما يتصل بالأحكام الاعتقادية مثل رؤية الله يوم القيامة ونحو هذا.. ولم يأخذ الفقه تلك الدلالة التي قصرت معناه على الأحكام العملية إِلاَّ في عصر نشأة المذاهب، أما قبل ذلك فقد كان يطلق على كُلّ الأحكام الشرعية، وعلى تفهم هذه الأحكام، وإلي هذه الدلالة يشير حديث رسول الله e: «رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»([7]).

والفقه بهذا المعنى الشامل كان يطلق على معرفة النفس ما لها وما عليها، سواء أكان من الأمور الاعتقادية أم العملية، وهو بهذا الإطلاق يمثل الطابع الحقيقي للتفكير الإسلامي([8]).

على أن الفقه يعدّ من العلوم التي تعتزّ بها الحضارة الإسلامية، فهو الذي يضبط السلوك البشري، وفقاً لشريعة الله، وبهذا وحده تسعد الإنسانية وتفوز بخير الدنيا والآخرة.

وهذا الفقه الذي يمثِّل صرحاً علمياً شاهقاً بدأ مع بداية الدعوة، واكتملت أصوله ومبادئه الكلية في عصر البعثة، ولحق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى، بعد أن ترك للأمة ما إن استمسكت به لن تضلّ بعده أبداً: كتاب الله، وسنة رسوله e.

ويعدّ عصر البعثة عصر التأسيس لذلك الصرح التشريعي، الذي تعاقب على رفع قواعده أجيال من الفقهاء، منذ ذلك العصر وحتى الآن، وسيظل كُلّ جيل يحاول أن يضيف إلى ذلك الصرح لبنة، تؤكِّد أَنَّهُ تشريع لا يعرف الجمود، وَأَنَّهُ وحده أقوم علاج لِكُلِّ مشكلات الحياة مهما تنوَّعت البيئات، واختلف الزمان.

وبعد عصر البعثة جاء عصر الصحابة، وفيه انتشر الإسلام خارج الجزيرة ودخلت في هذا الدين أمم كثيرة تختلف من حيث الأعراف واللغات والأجناس، ولذا عرف عصر الصحابة من النوازل والمشكلات ما لم يعرفه عصر البعثة، وكان على فقهاء الصحابة أن يجتهدوا لاستنباط الأحكام الشرعية لتلك المشكلات والنوازل، فلم يدع أحد أن القرآن والسنة نصا في كُلّ المسائل الجزئية على كل ما كان وما هو كائن، ومن هنا كان عصر الصحابة بداية التوسع في الاجتهاد والاستنباط، فقد شمل كثيراً من القضايا الخاصة والعامة والإدارية والمالية([9])، ولذا أصبح الأصل الثالث بعد الكتاب والسنَّة، وكان للعصور التالية القدوة الحسنة، والمنارة الهادية فاجتهادات الصحابة لها منزلة خاصة بين جمهور الفقهاء، بل إن منهم من ذهب إلى أن أقوال الصحابة كالحديث المسند إلى رسول الله e([10])، وفي عصر التابعين شرق الإسلام وغرب، ولهذا اتَّسعت رقعة الدولة الإسلامية كثيراً، فأصبحت حدود المسلمين تمتد من نهر السند والصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر العربي والصحراء الإفريقية جنوباً إلى جبال طورس شمالاً، وكان للبلاد المفتوحة حظها من الحضارة والثقافة، ولها أيضاً أعرافها وتقاليدها الخاصة، وكان من ذلك ونحوه تفاعل العقليات وظهور كثير من المشكلات التي لم تكن معروفة من قبل، ومن ثم كثرت الاجتهاد ات والآراء في مختلف أبواب الفقه، ونما بهذا الفقه نمواً عظيماً وأصبح هذا الفقه الحلقة الذهبية بين عصر الصحابة وعصر نشأة المذاهب، لقد نقل إلى فقهاء هذا العصر تراث عصر النبوة والصحابة وكذلك تراث التابعين، بما تميز به من تجديد وحيوية, واهتداء بمقاصد الشريعة، وتغير الأحكام بتغير عللها دون جمود على حرفية النص مع مراعاة تجدد المصالح وتغير الأعراف بتغير الزمان والمكان، ولهذا كان فقه التابعين ممهداً الطريق لاجتهاد الأئمة وظهور المذاهب الفقهية.

وبين عصر الصحابة والتابعين في الفقه أوجه التقاء وافتراق، فالعصران يلتقيان في وحدة المصادر، وإن لم يعرف عصر التابعين الإجماع والشورى، لاتساع الدولة وظهور الفرق، كما يلتقيان في عدم تدوين الآراء الفقهية، وعدم الأخذ بقواعد أصولية مدونة، وظلت السنة في العصرين غير مدونة، وإن انتشر التحديث في عصر التابعين، كما عرفت نهاية هذا العصر محاولات فردية في تدوين السنَّة، ومحاولات رسمية في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ)، ولكن لم يصل إلينا شيء مِمَّا أمر به هذا الخليفة([11]).

ويختلف العصران من حيث إنَّ عصر الصحابة لم يعرف الوضع في السنة، وكان الفقه كله في هذا العصر واقعياً، على حين جنح بعض الفقهاء في عصر التابعين إلى الفرض والتقدير، وظهرت بوادر الوضع في السنة في هذا العصر على أيدي من في قلوبهم مرض من أعداء الإسلام، وساعدهم على ذلك ظهور الفرق، وانتشار التحديث وعدم تدوين السنة.

ويختلف العصران أيضاً من حيث إنَّ عصر التابعين عرف من الاتجاهات أو المدارس الفقهية ما لم يعرفه عصر الصحابة، وأن علم الفقه في عصر التابعين أصبح اختصاصاً علمياً ينصرف إليه من ينصرف من أولئك التابعين، ولذا افترق في هذا العصر لفظ العلم عن لفظ الفقه في الدلالة، فأصبح يراد من العلم معرفة النصوص، ومن الفقه ملكة فهم الأحكام من تلك النصوص([12]).

وعلى الرغم من هذا التفاوت بين العصرين في بعض السمات، تؤكِّد أوجه الالتقاء بينهما أَنَّهُما يمثلان مرحلة واحدة في تاريخ الفقه الإسلامي، وهي مرحلة النمو والاتساع، ونشأة الاتجاهات أو المدارس الفقهية، التي تعد طليعة للاجتهاد المذهب الناضج، الذي عرفه القرنان الثاني والثالث، الذين فيهما نشأت المذاهب الفقهية الكبري التي اندرس بعدها، وعاش بعضها الآخر حتى الآن.

نشأة المذاهب الفقهية:

كان القرنان الثاني والثالث هما عصر النشأة للمذاهب الفقهية كما أشرت آنفاً وهذا العصر من أزهى عصور الاجتهاد في الفقه الإسلامي، يُسَمَّى بعصر الكمال والنضج، وعصر النهضة والمذاهب الفقهية الكبرى، وعصر التدوين والتأليف.

وهذا العصر لا يعدّ عصر الازدهار والنهضة الفقهية فحسب، وَإِنَّمَا هو عصر النهضة الفكرية والعلمية في العالم الإسلامي، وإن هذه النهضة كانت الأساس الراسخ للثقافة الإسلامية في عصورها المختلفة، وكانت لتلك النهضة عوامل شتي منها ما يرجع إلى عامل الزمن([13])، واضطراده، واستبحار العمران والأخذ بأسباب الحضارة أكثر مِمَّا كان قبل ذلك، ومنها ما يرجع إلى أثر الثقافات الأجنبية في الفكر الإسلامي.

ولا سبيل لتفصيل القول في تلك العوامل، وتكفي الإشارة إلى أن البحث الفقهي بوجه خاص في هذا العصر، كان يعيش أخصب وأزهى عصوره، وَأَنَّهُ أثمر من الآراء في كُلّ شؤون الحياة ما لم يصل الفكر القانوني الوضعي إلى طرف منه إلا في العصر الحاضر.

لقد أدَّت كثرة الوقائع والنوازل, وكثرة الفقهاء إلى نهضة فقهية رائعة، نهضة جعلت هذا العصر أكثر العصور نشاطاً في الاجتهاد والاستنباط، وهو نشاط اتسم بطابع الشمول والتمحيص والدقة وتفريع المسائل، وافتراضها، فضلاً عن وضع قواعد البحث الفقهي وتدوينها، وكان هذا بداية للتأليف الأصولي الذي يعد مفخرة من مفاخر الفكر الإسلامي الأصيل.

ولأن العصر كان عصر نهضة شاملة، أثمر مذاهب فقهية متعددة اشتهر منها ثلاثة عشر مذهباً. منها ما كتب له البقاء وظل له أتباع حتى الآن، ومنها ما لم يكتب له البقاء فاندثر.

أسباب نشأة المذاهب:

كان لنشأة المذاهب وانتشار بعضها وبقائه حتى الآن أسباب مختلفة يمكن إجمالها فيما يلي:

أولاً: ضعف الدولة العباسية، وانقسام العالم الإسلامي إلى دول متناحرة وقوى متدابرة، وقد ارتدّ هذا الضعف والانقسام على الحياة الفكرية بالوهن وقلَّة الابتكار، ولم يكن الأمر مقصوراً على الفقه، فقد شمل كُلّ مظاهر الحياة الفكرية بوجه عام، ومن ثمّ جنح الفقهاء إلى التقليد بمذهب خاص.

ثانياً: جهد تلاميذ الأئمَّة في تدوين المذاهب ونشرها بين الناس، مِمَّا جعل النفوس تستروح إلى هذه الثروة الفقهية الهائلة، والاستغناء بها عن البحث والاستنباط([14])، وأصبح من الصعب بعد ذلك أن يقوم قائم بمذهب جديد؛ لأَنَّ من فعل هذا يعدّه الناس خارجاً عن الجماعة، عاملاً على تفريق كلمتها، وزيادة عوامل الخلاف بينها.

ويؤكِّد أثر التلاميذ وجهدهم في نشر المذاهب ما قاله الإمام الشافعي: “الليث بن سعد أفقه من مالك إِلاَّ أن أصحابه لم يقوموا به”([15]).

وليس أدلَّ على أثر تلاميذ الأئمة في نشر مذاهبهم من انتشار بعض المذاهب في بلاد لم يدخلها إمام المذهب، وَإِنَّمَا كان التلاميذ هم حملة آراء الإمام إليها،وهم الذين جمعوا الناس حولها، ثُمَّ ألفوا فيها كمذهب الإمام مالك وانتشاره في مصر والمغرب العربي.

ثالثاً: اعتناق بعض الحكام بعض المذاهب، وجعل القضاء([16]) مقصوراً على فقهائه، وقد ورد أن مذهبين انتشرا في أوَّل أمرهما بالسلطان: الحنفي بالمشرق، والمالكي بالأندلس.

وقد يضاف إلى هذه الأسباب رغبة أهل كُلّ إقليم أو قطر فيمن نبغ فيهم من الفقهاء وإعراضهم عن غيرهم.

هذه أهم أسباب نشأة المذاهب، ومنها يتضح أن انتشار المذاهب وبقاء بعضها لا يرجع إلى أن مذهباً أقوى علمياً من غيره، وَإِنَّمَا يرجع إلى ما أوجزنا القول فيه آنفا.

وتشير هذه الأسباب إلى أن اتباع مذهب ما الآن كان يمكن أن يكونوا اتباع مذهب آخر؛ لأَنَّهُم لم يختاروا ما يتبعون، وَإِنَّمَا هيأت أسباب وظروف متباينة على أن يقلدوا مذهباً معيناً، وتوارثت الأجيال المذاهب، وأيقن أتباع كُلّ مذهب أن ما هم عليه هو الْـحَقّ وحده.

والجدير بالتنويه به أن المذاهب لم تنشأ في حياة الأئمة، فما كان يدور بخلد واحد منهم أن الأمَّة ستتفرق إلى طوائف متعددة، كُلّ طائفة تنحاز إلى إمام تتعصّب له وتقلد آراءه وتحمل اسمه، قال أبو طالب المكي في قوت القلوب([17]): “إن الكتب والمجموعات محدثة، والقول بمقالات الناس، والفتيا بِمذهب الواحد من الناس واتخاذ قوله، والحكاية له من كُلّ شَيْء، والتفقه على مذهبه، لم يكن الناس قديماً على ذلك في القرنين الأول والثاني”.

والمذاهب الفقهية المعتبرة التي انتشرت وظلَّت حتى عصرنا الحاضر، هي المذاهب الأربعة السنية المشهورة، والمذهبان الشيعيان الجعفرى (الإمامي) والزيدي، ثُمَّ المذهب الإباضي، وهذا المذهب يعزوه بعض المؤرخين إلى الخوارج، وإن كان أتباعه الآن لا يرون أَنَّهم ينتمون إلى هذه الفرقة، ويذهبون إلى أَنَّه أقدم المذاهب الفقهية.

وَأَمَّا المذاهب المندثرة فكثيرة، وبعضها اشتهر وله آثار عملية باقية كالمذهب الظاهري، وبعضها الآخر لم يشتهر، وليس له آثار عملية، وإن كانت له بعض الآراء والاجتهادات التي سجلتها أمهات الكتب الفقهية وغيرها، مثل كتب التفسير وشرح مجاميع السنة.

تطور المذاهب الفقهية:

مرَّت المذاهب بعد قيامها وتبلور مناهجها في النصف الثاني من القرن الثالث بثلاث مراحل:

بدأت المرحلة الأولي بعد قيام المذاهب، وظلت نحو ثلاثة قرون، أي إلى سقوط بغداد سنة 656هـ، وَأَمَّا المرحلة الثانية فبدأت بعد سقوط بغداد، وظلت إلى ظهور مجلة الأحكام العدلية سنة 1293هـ، وبدأت المرحلة الثالثة بعد ظهور المجلة وما زالت حتى الآن.

في المرحلة الأولى نَما الفقه وتطور، وعرف لوناً من الاجتهاد، ولكنه اجتهاد في نطاق المذهب، وليس اجتهاداً في نطاق الشرع، ولهذا انحصر نشاط الفقهاء، أو اجتهادهم في هذه المرحلة في إظهار علل الأحكام التي قال بها الأئمة، والترجيح بين الآراء في المذهب الواحد، والاهتمام بدراسة علم الخلاف بين الفقهاء، كما تضاعف الاهتمام بعلم أصول الفقه، فكتبت فيه مؤلفات كثيرة بعضها موجز وبعضها مطوّل، وبرزت العناية بوضع قواعد كلية تندرج تحتها الأحكام الفقهية.

وأهم ما تَمتاز به هذه المرحلة هو تنظيم وترتيب الفقه المذهبي، فقد كان من أثر الدفاع عن المذاهب والدعاية لها والعمل على نشرها، تأليف الكتب التي تجمع شتات المسائل في المذاهب مع تعليلها وتخريجها على أصول معتمدة مأخوذ بها، ودعمها، بالأدلة، وذكر المسائل الخلافية مع المذاهب الأخرى، وتحرير أوجه الخلاف وبيان رجحان المذهب.

وكان نشاط الفقهاء في هذا المجال لوناً من السباق العلمي الذي خدم الفقه ورتب أبوابه وفصوله، وفي الوقت نفسه كان من الأسباب التي حفظت لنا فقه الأئمة المجتهدين، وعملت على تنميته وكثرة الكتابة فيه، كتابة موسوعية وموجزة في آن واحد.

وفي المرحلة الثانية غلب التقليد على النشاط الفقهي، وكان من أهم العوامل التي ساعدت على هذا، ضعف السليقة العربية لدى عامة الفقهاء, وإهمالهم دراسة العلوم العربية والأدبية، وسوى هذا مِمَّا يحتاج إليه الفقيه لتستقيم لغته ويتسع أفقه، ويضاف إلى هذا تمزّق العالم الإسلامي وضعفه، واستبداد الحكام وتطاحنهم من أجل النفوذ والسلطان، وقد نجم عن كُلّ هذا انهيار الحياة العقلية والفقهية، وانتشار البدع والضلالات وحرص الفقهاء على المناصب يطلبونها من الحكام، وكانوا في القرون الخالية لا يطلب الحكام غير رضاهم([18]).

وتجلى التقليد في هذه المرحلة في اجترار التراث الفقهي في عصر تدوينه وازدهار التأليف فيه، وذلك عن طريق شرحه واختصاره، أو نظمه دون إضافة جديد، كما تجلى في طغيان المباحث اللفظية والمسائل الافتراضية بصورة غير عقلية، ولهذا بعد الفقه عن الحياة، فلم يهتم بما استحدث بين الناس من معاملات، مِمَّا أتاح الفرصة للتلاعب بالأحكام الشرعية وتسخيرها للأهواء والرغبات الذاتية.

ومع هذا لم يخل الفقه في المرحلة الثانية من بعض الفوائد العلمية، بل كان مشحوناً بكثير من التحليل والتمحيص، كم حفظ التراث الفقهي للأئمة وتلاميذهم ونقله إلى الأجيال، وإن طغى فيه الشكل على الجوهر.

وكان ظهور مجلة الأحكام العدلية([19]) بداية لمرحلة جديدة في البحث الفقهي ما زالت قائمة حتى الآن؛ فقد أخذت الدراسات الفقهية بعد ظهور هذه المجلة تشق طريقها رويداً رويداً نحو التجديد والتطوير ومواكبة العصر ومشكلاته المختلفة، وكانت العوامل التي هيأت لهذه الدراسات أن تتطور مادة وأسلوباً متنوعا، منها ظهور عدد من المصلحين الذين قادوا حركة التجديد، وحذروا من الجمود والركود، ومنها التطور الزمني، ونمو المعارف البشرية، والاحتكاك بين الحضارات، وتيسر سبل الاتصال بين الأمم، وانتشار التعليم وظهور الصحافة والمجلات. ولكن الفقه الإسلامي اليوم، على الرغم من كثرة معاهده ومؤسساته ومؤتمراته وندواته ومؤلفاته، ما زال يعيش في دائرة النظر أكثر من دائرة التطبيق، وهو إلى هذا يعاني من متطفلين وأدعياء يحسبون أنفسهم من أهل الاجتهاد، فيقولون في قضايا خطيرة أقوالاً ينقصها العمق والدقة، ومعرفة أصول البحث، ويشغل هؤلاء غيرهم بالرد عليهم ومناقشتهم، وبذلك تبذل جهود لا جدوى منها في الأخذ والرد، كما أن الفقه المعاصر ما زال يعاني من آثار التقليد والتعصّب، وما زالت هناك هوة بين أتباع بعض المذاهب تؤثر في وحدة الأمة، كما تعوق التعاون من أجل تطبيق الشريعة في مختلف مجالات الحياة.

المبحث الثانى: التعصّب المذهبي وآثاره في المجتمع الإسلامي

بعد نشأة المذاهب للأسباب التي أوجزت القول فيها فيما سلف، عرفت الحياة الفقهية ظاهرة التقليد للأئمة، ثم التعصّب للمذاهب، وأضحى هذا التعصّب مصدرًا لِما عرفه تاريخ الفقه، منذ نحو عشرة قرون وحتى العصر الحاضر، من تحامل وخصام وصراع بين الفقهاء، لقد أضفى التعصّب على آراء المذاهب صفة القداسة، وصارت كأنها شرع ملزم تحرم مخالفته، فلا غرو أن تبارى أتباع كُلّ مذهب في الذود عن مذهبهم، ولم يكن دفاعهم علميًّا يَتَغيَّا احترام الْـحَقّ ونصرته، وَإِنَّمَا كان دفاعًا تسوده روح المكابرة والمباهاة والغلبة، ولهذا تبادل الفقهاء في دفاعهم عن مذاهبهم عبارات السخرية والازدراء، والعداوة والبغضاء، وزعموا أنهم بهذا ينصرون الدين، بيد أنهم كانوا يخذلونه بتفريق كلمة الأمَّة.

وساعد على حدة التعصّب المذهبي النزعات العرقية والإقليمية، كما ساعد عليه أيضًا أهواء بعض الحكام، أولئك الذين اتَّخذوا من الخلاف والتفرق وسيلة لحماية استبدادهم وجورهم.

يقول الإمام مُـحَمَّد عبده (ت: 1323هـ): “والسبب في بقاء قوة سلطان الخلاف والنزاع هو انتشار الجهل، وتعصّب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي ينتسبون إليها، وبجاهها يعيشون ويكرمون. وتأييد الأمراء والسلاطين لهم، استعانة بهم على إخضاع العامة، وقطع طريق الاستقلال العقلي على الأمَّة؛ لأَنَّ هذا أعون لهم على الاستبداد، وأشد تمكينًا لهم مِمَّا يحبون من الفساد والإفساد”([20]).

لقد عرف التاريخ الفقهي ألوانًا من التعصّب الكريه بين أتباع المذاهب تجلَّت بعض صوره فيما يلى:

أولاً: المناظرات غير العلمية: كانت المناظرات في عصر أئمة المذاهب تتخذ طابع البحث العلمي الذي يتغيَّا استخلاص النتائج من مقدمات منطقية، فهى مناظرات موضوعية لا تعرف الفَلَج بِالْـحَقِّ أو الباطل، وَإِنَّمَا تعرف الأمانة والصدق، والتعاون العلمي الصحيح، ولذلك عادت هذه المناظرات على الفقه في عصر الأئمة بفوائد جمة، منها أَنَّهَا عمقت الأفكار، وأدت إلى بلورة الآراء وتمحيصها، وكانت من عوامل الازدهار والدقة في التأليف الفقهي.

ولكن المناظرات في عهد تلاميذ الأئمة، وبخاصة في عصور الضعف والتقليد، لم تعد كما كانت في عصر أئمة المذاهب، فلم يكن الغرض منها تمحيص المسائل وإظهار الْـحَقّ، وَإِنَّمَا محاولة إفحام الخصم بِالْـحَقِّ أو بالباطل، روى عن بعضهم قوله: إن الكلام يجرى في مجلس الجدل على ختل الخصم ودفعه ومغالبته، فلسنا نتكلم لوجه الله خالصًا، ولو أردنا ذلك لكان خطونا إلى الصمت أسرع من تطاولنا في الكلام، وإن كان في كثير من هذا نبوء بغضب الله، فإنَّا مع ذلك نطمع في سعة رحمة الله([21]).

ويقول الإمام الغزالى (ت: 505هـ): “وانظر اليوم إلى مناظري زمانك كيف يسود وجه أحدهم إذا اتَّضح الْـحَقّ على لسان مناظره، وكيف يجتهد في مكابرته بأقصى ما يستطيع، ويبلغ به الغيظ أن يداوم على الطعن فيمن أفحمه طول عمره”([22]).

إن التعصّب هو الذي أحال مناظرات الفقهاء إلى صراع جدلى لا يعرف الموضوعية أو الأمانة العلمية، وَإِنَّمَا يعرف قصد الغلبة والتظاهر بالعلم والفضل، ففقدت هذه المناظرات بذلك مهمتها في صقل الآراء وتعميقها وتنمية الأفكار وتطويرها، وأمست من عوامل ضعف الحياة العلمية، وتعميق هوة الخلاف بين المذاهب الفقهية وتوهين روابط الوحدة الإسلامية.

ثانيًا: الآراء الفاسدة: كان من أوزار التعصّب المذهبي أن تبادل أتباع المذاهب عبارات الذم والسخرية، وأن تصدر عن الجميع أقوال وآراء فاسدة لا ينبغى لمسلم أن يتفوه بها، أو أن ينعت بها أخاه المسلم، أو يزعم بها أن ما هو متبع له من المذاهب هو الْـحَقّ وحده، ومن ذلك أن بعض الشافعية سئل عن حكم الطعام الذي وقعت عليه قطرة نبي؟ذ فقال: يرمى لكلب أو حنفي.

ويقابل هذا القول الفاسد ما قاله حنفي سئل: هل يجوز للحنفي أن يتزوج المرأة الشافعية؟ فقال: إن ذلك لا يجوز؛ لأَنَّها تشكّ في إيمانها([23])، والإيمان لا يصح إِلاَّ إذا كان مقطوعًا به.

ويفتي حنفي آخر بأنه يجوز للحنفي أن يتزوج الشافعية لا على أَنَّهَا مؤمنة بل بقياسها على الكتابية اليهودية أو النصرانية التي تجوز للمسلم باتفاق([24]).

وجاء في موسوعة “جواهر الكلام” وهى في الفقه الإمامي عن الطلاق المعلق، وأن من الإمامية من يرى أن هذا الطلاق يقع، أن مؤلف الموسوعة ردَّ هذا الرأي ثُمَّ قال: وهو كما ترى لا يرجع إلى محصل ينطبق على أصول الإمامية، وَإِنَّمَا هو مناسب لخرافات العامة، ولذا أطبقوا على الجواز فيه، وملأوا كتبهم من فروعه والحمد لله الذي عافانا من كثير مِمَّا ابتلى به خلقه ولو شاء لفعل([25]).

فمثل هذا النصر الذي يزدري آراء أهل السنة في الطلاق المعلق ويصفهم بالعامة، ويذهب إلى أن موقفهم من هذا الطلاق بلاء عافى الله منه الإمامية أسلوبًا علميًا في الحديث عن أمر خلافي، وهو يحمل أهل السنة على الرد عليه بنحوه أو بأشد منه.

وقال بعض المالكية: إن من حلف على جميع ما في كتاب موطأ مالك من الأحاديث صحيح لا يحنث. أما من حلف على أن جميع ما في البخارى ومسلم من الأحاديث صحيح فَإِنَّهُ يحنث في يمينه([26]).

ويذهب أبو الحسن الكرخي وكان رئيس الأحناف بالعراق، وتوفي عام 340هـ إلى أن كل آية أو حديث يخالف ما عليه إمامه هو مؤول أو منسوخ([27]).

فمثل هذه الأقوال والآراء التي كثيرًا ما كانت تجرى عليه ألسنة أئمة الفقهاء، والتي ذم فيها أتباع المذاهب بعضهم بعضًا، أو وضع كل منهم مذهبه فوق مستوى النقد والمراجعة كانت تعبر عن مبلغ سطوة التقليد والتعصّب، وأذكت نار الخلاف والشقاق بين المسلمين.

ثالثًا: محاربة طريقة السلف في الاجتهاد: كان أئمة الفقهاء والسلف الصالح من الأمَّة لا يرون لآرائهم قداسة، فهي عرضة للصواب والخطأ، وكانوا يحضون من يأخذ عنهم بأن يسلك سبيلهم في الاجتهاد، قال المزنى في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله، لأقربه على من أراد، مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه، أي مع إعلام من أراد علم الشافعي نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره([28]).

وجاء عن الإمام أحمد أَنَّهُ قال: ليس لأحد مع الله ورسوله كلام. وقال أيضًا لرجل: لا تقلّدني ولا تقلدن مالكًا ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة([29]).

ولكن أتباع المذاهب، وبخاصة المتأخرين منهم، صوروا المذهبية على التزام مذهب معين، ولا يجوز لأحد أن يعمل بغير، وعليه أن يقبل آراء المذهب دون مناقشة لها، أو اعتراض عليها، وقد أفتى بعضهم بأنه لا يجوز الانتقال من مذهب إلى آخر وأن من فعل هذا يعزّر([30]).

لقد دفع التعصّب المذهبي إلى العكوف على تقليد المذاهب والدفاع عنها، وعدم الخروج عليها، وإن اشتملت على بعض الآراء الضعيفة أو المخالفة للكتاب والسنة، بل كان أتباع المذاهب يتحايلون لدفع ظواهر النصوص، ويحملونها على غير وجهها الصحيح، نصرة للمذهب وإمامه.

يقول الشيخ عز الدين بن عبد السلام (ت: 660هـ) عن مدى تعصّب أهل التقليد لآراء أئمتهم: ومن العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم، جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحايل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة، نضالاً عن مقلِّده.

وقال أيضًا: وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس، فإذا ذكر لأحدهم خلاف ما وطّن نفسه عليه تعجّب منه غاية التعجب من غير استرواح إلى دليل، بل أَلفه من تقليد إمامه حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه، ولو تدبر لكان تعجبه من مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره، فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة يجدها([31]).

ولم يقف التعصّب المذهبي عند الجمود على آراء الأئمة ومن اتبعهم وتوطين النفس عليها، وعدم النظر العقلى فيها، أو عرضها على النصوص وموازنتها بغيرها من الآراء، وَإِنَّمَا أضاف إلى هذا المناهضة والمقاومة لِكُلِّ من يخرج على آراء السابقين، كان له من العامة سند في النيل من كُلّ عالم يتمتَّع بدرجة من الاستقلال في التفكير، حتى أثر بعض العلماء الذين كانوا يضيقون، وينفرون من التعصّب السكوت على إنكار مواقف المقلدين الجامدين، تقية وخوفًا من آذاهم، يقول الشوكاني: (ت: 1250هـ): فإذا تكلم عالم من علماء الاجتهاد بشيء يخالف ما يعتقده المقلدة قاموا عليه قومة جاهلية، ووافقهم على ذلك أهل الدنيا وأرباب السلطان فإذا قدروا على الإضرار به في بدنه وماله فعلوا ذلك، وهم بفعلهم مشكورون عند أبناء جنسهم من العامة والمقلدة؛ لأنهم قاموا بنصرة الدين بزعمهم، وذبوا عن الأئمة المتبوعين، وعن مذاهبهم التي قد اعتقدها أتباعهم، فيكون لهم بهذه الأفعال التي هي عين الجهل والضلال، من الجاه والرفعة عند أبناء جنسهم ما لم يكن في حساب.

وَأَمَّا ذلك العالم المحقّق المتكلم بالصواب، فالأحرى أن لا ينجو من شرهم ويسلم من ضرهم، وَأَمَّا عرضه فيصير عرضة للشتم والتبديع والتجهيل والتضليل، فمن ذا ترى ينصب نفسه للإنكار على هذه البدعة، ويقوم في الناس بتبطيل هذه الشنعة؟!.

ثُمَّ يقول: هل يعد سكوت علماء الاجتهاد على إنكار بدعة التقليد مع هذه الأمور موافقة لأهلها على جوازها؟ كلا والله، فَإِنَّهُ سكوت تقيَّة لا سكوت موافقة، ولكنهم مع سكوتهم عن التظاهر بذلك لا يتركون بيان ما أخذ الله عليهم بيانه، فتارة يصرحون بذلك في مؤلفاتهم، وتارة يلوّحون به، وكثير منهم يكتم ما يصرح به من تحريم التقليد إلى ما بعد موته، كما روى الإدفوي عن شيخه الإمام ابن دقيق العيد (ت: 702هـ) أَنَّهُ طلب منه ورقة وكتبها في مرض موته، وجعلها تحت فراشه، فَلَمَّا مات أخرجوها فإذا هي في تحريم التقليد مطلقًا([32]).

ويبدو من مجموع ما أوردته من نصوص وآراء حول التعصّب المذهبي، وموقفه من اجتهادات السلف، أن هذا التعصّب كان قذى في عيون المجتهدين، وَأَنَّهُ عاق حركة الاجتهاد والتجديد التي حاول بعض الأعلام الذين ظهروا في عصور الضعف والركود أن ينهضوا بها عن الانطلاق، وكسر طوق المذهبية الذي خنق الحرية الفكرية، وأكره الأمَّة ـ دون وعي منها ـ على أن تسير في ركب التبعية المطلقة للآراء والاجتهادات التي خلت، التي إن صلحت لعصر فلن تصلح بالضرورة لغيره، الأمر الذي أطال أمد تخلفها، وكسوف شمس نهضتها، وفرق بين أبنائها، وأعطى للدخلاء فرصة للسيطرة عليها والسعى لغزوها عسكريًا وفكريًا.

رابعًا: الصراع الدامي: كانت تلك الصور المؤسفة للتعصّب المذهبي في دائرة القول، وكانت على جرائرها أيسر وقعًا وأخف وزنًا من هذه الصورة المحزنة التي تمثلت في الصراع الدامي بين أتباع المذاهب، حتى في المساجد دون مراعاة لحرمتها.

يروى أَنَّهُ في سنة 326هـ حصل في مصر قتال بين أتباع المذهب الشافعي والمذهب المالكي والمذهب الحنفي في المسجد الجامع العتيق، وقد وصل أمر هذا القتال إلى الإخشيد الذي كان واليها في ذلك الحين، فتدخل لفض النزاع، ولم يتمكن من ذلك إِلاَّ بعد إرسال فرقة من الجنود طردت الفقهاء من المسجد، ثُمَّ أمر بإغلاقه، وألاّ يفتح إِلاَّ في أوقات الصلاة، وقد سمح للفقهاء بعد ذلك بالتدريس في المسجد بعد شفاعات([33]).

وجاء في معجم البلدان لياقوت عند الحديث عن مدينة أصفهان: وقد فشا الخراب في نواحيها؛ لكثرة الفتن والتعصّب بين الشافعية والحنفية، والحروب المتصلة بين الحزبين، فكلّما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها، وخربتها لا يأخذهم في ذلك إلاًّ ولا ذمَّة([34]).

ويتحدث ابن كثير عما وقع من فتن بين أرباب المذاهب والعقائد في بغداد، فذكر أَنَّهُ في سنة 414هـ حصل بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة فتن لا تحصى، حصل فيها قتل ونهب وسلب وسخف لا ينحصر ولا ينضبط([35]).

ويقول أيضًا: وفى عام 422هـ غلق الشيعة الأسواق وعلقوا المسوح وخرجوا يبكون في الأزقة، فأقبل عليهم أهل السنَّة في الحديد واقتتلوا اقتتالاً شديدًا، وقوى عليهم أهل السنة فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا([36]).

وجاء في البداية والنهاية أيضًا: أن الحنابلة في بغداد في عام 447هـ قوي جانبهم على الأشاعرة وحالوا بينهم وبين شهود الجمعة، والجماعات، كما حاول الحنابلة منع الشافعية من الجهر بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، والترجيع في الأذان والقنوت، وكادت تحصل فتن كبيرة لولا أن حُملوا على السكوت آخر الأمر([37]).

وهذا الصراع الدامي بقي حتى العصر الحاضر، فقد نشرت الصحف في عام 1382هـ أن رجال الشرطة في مدينة كراتشى أعلنوا أن 120 شخصًا من المسلمين قد قتلوا، كما أصيب 16 شخصًا آخرين على إثر معارك دامية نشبت بين السنة والشيعة في قرية ثاري، التي تبعد 25 ميلاً عن العاصمة الباكستانية، وأن النيران اشتعلت في القرية التي دارت فيها المعارك، وأن اشتباكًا مماثلاً وقع في لاهور راح ضحيته شخصان([38]).

وكان من ثمرات ذلك الصراع المؤسف تعدد الجماعات في المسجد الواحد وبخاصة في المساجد الكبيرة، كالجامع الأموي بدمشق، والجامع الأزهر بالقاهرة، فقد أصبح لأتباع كُلّ مذهب محراب وإمام، كما تعدد القضاة، بحيث كان لِكُلِّ مذهب قاض يمثله.

ولا مراء في أن ما كان يجري بين أتباع المذاهب من فتن تراق فيها الدماء يعبر عن تعصّب أرعن، وجهل أحمق مكَّن للكراهية والتفرق بين المسلمين، وأن هؤلاء الأتباع بما كانوا يفعلون وإن ظنوا ـ وهو ظن باطل ـ أَنَّهُم يجاهدون في سبيل الْـحَقّ، قد أتوا أمرًا إدًّا، وارتكبوا جريمة منكرة، وأساءوا إلى العقيدة التي استظلوا جميعًا بلوائها، وفتحوا ثغرة دخل منها أعداء الإسلام لمحاربته وتشويه مبادئه والمؤمنين به، في محاولة لزعزعة ثقة المسلمين بدينهم، ولتنفير غير المسلمين من الإيمان به.

آثار التعصّب المذهبي في المجتمع الإسلامي:

أشرت في غضون الحديث عن مظاهر التعصّب إلى طرف من آثاره، وهذه الآثار تكاد تلتقى عند تمزّق المجتمع وتفرق كلمته، ثم تعطيل العقل عن النظر المستقل، وقد نجم عن هذا وذاك تبدد الطاقات في شتى المجالات، فتخلفت الأمَّة وذهب ريحها.

إن الأمم لا تنهض إِلاَّ على دعائم من التفكير الناضج والحرية الرشيدة، وإفساح المجال أمام كل القدرات والطاقات للإبداع والعطاء، وسيطرة مفاهيم الإيجابية والتعاون والإيثار على نشاط الأفراد والجماعات، فلا سلبية أو فردية، وَإِنَّمَا هو العمل في إحسان للمصلحة العامة والخاصة على السواء.

وقد كان التعصّب المذهبي من وراء قتل الحرية العقلية وتفرق الأمَّة الواحدة، واستبداد بعض الولاة والحكام بها، مِمَّا قضى عليها بالضعف والتخلف عدة قرون، وقد أتاح هذا لأعدائها الفرصة لكي ينقضوا عليها، ويثأروا منها، فهم لم ينسوا جراحاتهم في “حطين” وغيرها من المعارك، ولهذا سلبوا الأندلس وصقلية وجزر البحر المتوسط وفلسطين، واحتلوا كثيرًا من أقطارها، وفرضوا عليها قوانين وعادات تباعد بينها وبين أصالتها، وتسير بها شيئًا فشيئًا إلى الغربة الكاملة عن دينها وتراثها.

وإذا كانت الأمَّة الإسلامية تنعم في حاضرها بالاستقلال والحرية فهى ما زالت تعاني من تلك الآثار، وليس أدلَّ على ذلك من أَنَّهَا تملك كل أسباب القوة والنهضة، ومع هذا تصنف ضمن الأمم الضعيفة المتخلفة، أو الأمم النامية، لأنها مازالت تجتر تاريخًا بغيضًا يمنعها من الوحدة والتعاون، والانتفاع بما تملك من إمكانيات هائلة؛ ولأنها في الوقت نفسه ـ بسبب تفرقها، واهتمامها بما لا ينبغى أن تهتم به أو تصرف جهودها إليه ـ لم تبلغ في ثقافتها وعلمها مبلغًا يؤهلها لأن تلحق بالأمم التي سبقتها في مضمار الحضارة والتقدم.

 

*    *     *

المبحث الثالث: التقارب بين المذاهب والوحدة الإسلامية

تتمتع الأمَّة الإسلامية بجملة من الخصائص التي لا تتمتع بها أمة أخرى، وهي خصائص واضحة لمن يفقه عقيدة هذه الأمَّة ويقرأ تاريخها، ويدرس حاضرها، فهى تحتل موقعًا جغرافيًا متميزًا، من حيث المناخ وخصوبة التربة، وتنوع البيئة، وهو موقع يحتل وسط العالم، ويربط بين شرقه وغربه، فله بذلك أهمية دولية خاصة.

وبالإضافة إلى هذا الموقع الفريد، تمثل الأمَّة الإسلامية من حيث الكثافة السكانية نحو خمس العالم، فهي ثروة بشرية هائلة، والبشر في كل الأزمنة والعصور هم صناع التقدم والحضارة.

والأمَّة إلى هذا تتمتع بثروة مادية طائلة، فهي تمتلك الأراضي الشاسعة المزروعة والصالحة للزراعة، وفي بلادها تجرى أهم الأنهار، وتحت ترابها أنهار أخرى من النفط، وفى جبالها وصحرائها كل المعادن التي لا غنى للناس عنها.

وفضلاً عن خصائص الموقع والثروة البشرية والثروة المادية، فلدى هذه الأمَّة العقيدة التي تحمي البشرية من ضلالات الوثنية، والتشريع الذي يكفل العدل للجميع، ويسوى بين الناس في الحقوق والواجبات، وينقذ المجتمعات الإنسانية من فوضى التجارب القانونية، والنظرات والمذاهب الوضعية.

ولكن ما بال هذه الأمَّة على ما تمتع به من تلك الخصائص وسواها قد حل بها الوهن، وفقدت المنزلة التي بوأها الله إياها، وتعرضت للعدوان عليها من مختلف الأمم؟!

ما الذي جعل هذه الأمَّة التي تمتلك كُلّ مصادر القوة بمفهومها الشامل أمة ضعيفة لا يقيم لها العالم وزنًا، وكانت من قبل صاحبة القيادة والسيادة، وكان الكل يخطب ودها، ويسعى للأخذ عنها؟!

تختلف تعليلات الباحثين والمفكرين فيما آل إليه حال هذه الأمَّة، ومع اختلافهم وتنوع مشاربهم الفكرية والسياسية يكادون يتفقون على أن التفرق بين أبناء هذه الأمَّة وشعوبها، ثُمَّ ما يخطط لها أعداؤها لكي لا تنهض من كبوتها، أو تسترجع قوتها أهم أسباب الضعف والتخلف.

والذي لا مراء فيه أن التفرق وما نجم عنه من ضعف وذهاب ريح كان نتيجة لضعف العقيدة، وتسرب الأوهام والأفكار الفاسدة إلى الأفئدة والمشاعر، ومن ثم يصبح السعي الجاد في سبيل أن يكون للعقيدة في النفوس سلطانها الفاعل وتأثيرها الكامل، هو البداية الصحيحة للتخلص من الأفكار الفاسدة والمفاهيم الباطلة التي مزقت الأمة، وفي مقدمتها التعصّب المذهبي.

إن التقارب بين المذاهب هو في جوهره محاولة لكسر شوكة التعصّب، وجمع كلمة الأمَّة على أصول عقيدتها والمبادئ الأساسية لدينها.

إن الوحدة الفكرية مقدمة ضرورية للوحدة السياسية، والأمة الإسلامية يوحد بينها فكريًا القيم الخالدة لدينها، والأصول الأساسية لعقيدتها، ولكن التعصّب المذهبي جعل بين أبناء هذه الأمَّة وأصول عقيدتها وقيم دينها ستارًا كثيفًا من الجهل والنسيان، فلم يفرِّقوا بين ما يجب الإيمان به وبين المعارف الفكرية التي تختلف فيها الآراء، دون أن تمسّ القيم والأصول الكلية للعقيدة([39])، ولذا تفرقوا وتنازعوا وأصبح بأسهم بينهم شديدًا قديمًا وحديثًا، ولن تتحقق الوحدة الفكرية دون تقارب بين المذاهب يلغى التعصّب الكريه من جهة، ويقود إلى الوحدة الجامعة من جهة أخرى..

وإذا كانت الأصوات ترتفع الآن تطالب بتطبيق أحكام الشريعة كلها، والتحرّر من القوانين الوضعية فإنَّ التعصّب المذهبي ساعد على دخول هذه القوانين إلى الديار الإسلامية؛ لأَنَّ الفقهاء اختلفوا، وحاول أتباع كُلّ مذهب أن يكون لفقه مذهبه الكلمة الأولى في تطبيق هذه الأحكام، مِمَّا حمل الحكام على أن يستوردوا القوانين الأجنبية، ما دام الفقهاء لم يتفقوا ويتعاونوا في تقديم قانون التقارب بين المذاهب إن كان سبيلاً للوحدة بين أبناء الأمَّة فهو أيضًا سبيل للتطبيق الكامل لأحكام الشريعة؛ لأَنَّ الشباب في كُلّ أمة هم رجال مستقبلها وطليعة نهضتها يجب أن يوجّهوا الوجهة السديدة التي تنير أمامهم الطريق نحو غد مشرق بالخير والعزّ والحضارة والتقدم، وهذا التوجيه في أمتنا أساسه الإسلام عقيدة وشريعة، غير أننا إذا أمعنا النظر في واقعنا المعاصر، وحاولنا أن نعرف المسار الفكرى لشباب الأمَّة فإننا نلاحظ أن هذا الشباب، بوجه عام، لم يجد من يقدم له التراث الفقهي نقيًا من شوائب الآراء الفاسدة والمواقف الجائزة، ومن هنا ولّى وجهه نحو الثقافات الأجنبية دون تمييز بين غثها وسمينها، ونظر إلى التراث الإسلامي كله نظرة امتعاض وامتهان، فلم يقبل عليه، أو يهتم به، وقد ترتب على هذا أن هان على الشباب تاريخهم، وصغر في أعينهم عطاء حضارتهم وتراثهم، بل كاد أن يصبح الدين غير عزيز عليهم، ولا أثيرًا لديهم وهذا أخطر ما منيت به الأمَّة بسبب التعصّب المذهبي، وما جرّه عليها من التفرق والتنازع.

وقد كان غزو العالم الإسلامي، وفرض النظم التعليمية الغريبة، فضلاً عن الأعراف والتقاليد والقوانين التي تنكرها العقيدة الإسلامية، من العوامل التي ساعدت على غربة الشباب عن دينهم وتاريخهم، وظهور الثنائية الثقافية؛ بسبب ازدواجية التعليم، وتقسيمه إلى ديني ومدني.

وكان ردّ الفعل لهذه الغربة، ومحاولة الغرب طمس معالم الأصالة الإسلامية في شتى المجالات هو العمل للعودة إلى هذه الأصالة، فظهر عدد من الدعاة والمصلحين الذين حذَّروا الأمَّة من مغبَّة تَمزّقها الفكري، وخصامها غير العقلى لتراثها وتاريخها، وبينوا لها أن سبيل نهضتها يكمن في الاعتصام بدينها اعتصامًا يحقق معنى الأخوّة الإسلامية تحقيقًا كاملاً، وأثمرت جهود هؤلاء الدعاة فعرفت الأمَّة ما يسمَّى بالصحوة الإسلامية، والمطالبة بأن يكون التشريع الإسلامي هو وحده القانون الذي نتحاكم إليه في كل شَيْء، ولكن هذه الصحوة تتعرض الآن لخطر لا يقل ضررًا عن خطر التعصّب المذهبي، ويتمثل هذا الخطر في الجماعات الإسلامية، فكل جماعة تعمل لصالحها، والصراعات بينها عنيفة، وبخاصة في بلاد الغرب مِمَّا يشوه صورة الإسلام أمام غير المؤمنين به.

والأمَّة إلى هذا تعاني من مشكلات جمة، فهى تعاني من حرب ضروس يشنها عليها الأعداء بأسلحة، متنوعة من أحداثها هذا الغزو الفكري الذي تحمله إليها الأقمار الصناعية، وهذا التخطيط المتآمر الذي يسعى لوأد كل جهد إسلامي يستعلى على مباذل الحضارة المعاصرة، ويثبت كيانه ووجوده أمام الغطرسة الصليبية الحاقدة، كما يجري الآن بالنسبة للمسلمين في مختلف دول أوروبا وآسيا وأمريكا وبخاصة في فلسطين، فهناك حرب إبادة لشعب مسلم دون أن تتحرك المنظمات الدولية تحركًا إيجابيًا لمنع هذه الحرب ودون أن تعمل الدول التي ترفع شعار الحرية والحقوق الإنسانية على وقف المذابح وانتهاك الحقوق.

إن الصهيونية العالمية تسعى لإنهاء الوجود الإسلامي كقوة فاعلة ومؤثرة؛ لأَنَّها تدرك أن هذه القوة هي وحدها التي تقف ضد أطماعها التوسعية، وأهدافها العدوانية في العالم وبخاصة في العالم الإسلامي، وفضلاً عن هذه الأخطار الخارجية تعاني الأمَّة من أخطار داخلية تمثلها تلك النزاعات والخلافات المزمنة حول المشكلات الثقافية والاجتماعية والحدودية بين شعوبها، ثم تيارات الإلحاد الوافدة، واندفاعها الخبيث لزعزعة العقيدة وبلبلة الأمَّة فكريًا، حتى لا تلتقى على كلمة سواء.

وَكُلُّ ما تعاني منه الأمَّة من غربة فكرية، ومشكلات متعددة، وتخطيط من قبل أعدائها لجعلها أمة مستهلكة لا منتجة، ومتخلفة لا متقدمة، ومتخاصمة لا متحابة، مرده إلى التفرق والتدابر الذي شغلنا عما يجب أن نقوم به ونسعى إليه، فأمست الطاقات والإمكانات التي منحها الله للأمَّة سلاحا للتدمير لا للتعمير، وللتفريق لا للتجميع، وأصبح مثل المسلمين الذين احتفظوا بخلافاتهم، وأنصتوا لداعى الفرقة كمثل شعب قامت فيه حرب أهلية طاحنة، فهي تشغل أبناءه وتستنفد قواهم، وتضيع جهودهم، وتلهيهم عن إصلاح أحوالهم وتقويم معوجهم، وتعين عليهم أعداءهم، وتكون سببا دائما في إثقال كواهلهم بما لا يحتملون من الأعباء، وفي إلباسهم لباس الذل والخوف والشقاء..

يقول الشيخ عبد المجيد سليم (ت 1374هـ) شيخ الجامع الأزهر: “لقد عشت طول حياتي معنيا بأمر المسلمين، مفكرا فيما يصلحهم وينقذهم مِمَّا تورطوا فيه من الضعف والتخاذل والانحراف عن الصراط السوي، في العلم والعمل، فوجدت ألا سبيل إلى ذلك إِلاَّ بأمرين:

أولهما: أن يؤمنوا إيمانا عن بينة وبصيرة بأنه لا صلاح لهم إِلاَّ بهذا الدين الذي صلح به أوَّلهم، وَأَنَّهُم على حسب ما ينحرفون عن تعاليمه ومبادئه يصابون في بلادهم وأنفسهم وسائر أحوالهم بالضراء وألوان الشقاء.

وثانيهما: أن ينسوا أحقادهم وميراث عداواتهم الذي أورثتهم إياه عوامل الضعف وعهود الذلة والخوف، وتسلط الأعداء، فيعودوا كما تركهم رسول الله e أمة واحدة عزيزة كريمة تشعر بعزتها وكرامتها، ولا غرض لها إلا إعلاء كلمة الله ونشر دينه، والدفاع عن الْـحَقّ حيثما وجدت لذلك سبيلاً”.

ثُمَّ يقول مؤكدًا على وجوب الاتحاد وائتلاف القلوب والغض عن كل ما يثير الأحقاد وينكأ الجراح؛ لأَنَّ حرب الفرقة قد ألحت على الأمَّة منذ قرون قطعت ذات بينها، وأفسدت كثيرًا من خطط الإصلاح على واضعيها: فليتدبر المسلمون موقفهم، ولاسيما في هذا الوقت العصيب الذي فغرت فيه المطامع أفواهها لابتلاعهم، والذي أصبحت القوة فيه والتكتل هي لغة التخاطب السائدة، وأسلوب التفاهم المفيد، ولينسوا ما بينهم من الخلافات التي أوهنتهم وثبطت من عزائمهم، وليقفوا صفًّا واحدًا لإنقاذ أنفسهم ودينهم، بل لإنقاذ العالم من المطامع الفاسدة والمبادئ الخطرة فإنهم أهل فكرة وَوُرَّاث رسالة، وإن الله سائلهم عما أورثهم([40]).

وبعد؛ فإن هذه الوحدة الإسلامية بالحكم الفقهي([41]) واجبة شرعًا، فليست عملاً ترغيبًا يُدعى إليه، وَإِنَّمَا هي أمر واجب يلزم كُلّ مسلم يشهد بأن الله واحد، وأن محمدًا عبده ورسوله، وهذا الواجب يطوق عنق كُلّ مسلم وسيسأل عنه يوم الدين، ولهذا كان كُلّ ما يؤدى إلى الوحدة فهو واجب؛ لأَنَّ ما لا يتم الواجب إِلاَّ به فهو واجب، والتقارب بين المذاهب يجمع الأمَّة على الأصول الكلية، ولا يجعل للاختلافات الجزئية أثرًا في الوحدة، فهو بهذا يكون أمرًا مطلوبًا شرعًا؛ لأَنَّهُ وسيلة إلى غاية مفروضة، والوسيلة تأخذ حكم الغاية ما دامت تنتهى إليها.

وأخيراً؛ فإن مسئولية التقارب بين المذاهب تقع على عائق الفقهاء، فعامة الناس تبع لهم يسيرون وفق ما يقولون، ويأخذون بما يفتون فإذا أدرك هؤلاء الفقهاء مسؤوليتهم كما قام بها أسلافهم لسارت الأمَّة بخطي حثيثة نحو أخوة ووحدة إسلامية، تكفل القوة في كل المجالات.

لقد آمن بفكرة التقريب كوكبة من كبار العلماء والمفكرين، أمثال الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ مُـحَمَّد تقي القمّي والشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء والشيخ محمد المدني والشيخ محمد رضا الشبيني والشيخ محمد أبو زهرة والسيد مُـحَمَّد صدر الدين شرف الدين والدكتور محمد البهي والشيخ هبة الدين الشهرستاني والأستاذ محمود فياضي والسيد محمد صادق الصدر والشيخ محمد على علوبة باشا والشيخ مُـحَمَّد عبد الله دراز والشيخ عبد المتعال الصعيدي والأستاذ محمد فريد وجدي والأستاذ احمد أمين والأستاذ على عبد الواحد وافي والأستاذ عباس محمود العقاد والأستاذ الشيخ على الخفيف والشيخ سيد سابق والشيخ عبد العزيز عيسي والشيخ أقا حسين البروجدي والسيد محمد جواد مغنية… وغيرهم الكثير.

ولقد ترسم الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت جهود كبار العلماء الذين سبقوه في هذا المضمار، أمثال الشيخ محمد مصطفي المراغي والشيخ مصطفي عبد الرازق والشيخ عبد المجيد سليم والذين ارسوا فكرة التقريب قبله، ووجد فيهم أسوة وقدوة وعوناً في تحقيق أمله المنشود من أجل وحدة المسلمين، ونبذ الفرقة التي استحكمت بينهم.

فقد وجد فكرة التقريب هوى في نفسه ورغبة في قلبه، فبذل جهده في هذا المضمار بحماس وإخلاص، واعتبر أن هذه الدعوة هي دعوة التوحيد والوحدة والإسلام والسلام.

وفي هذا يقول رحمه الله: “إن مذهبي وما ذهب إليه جهدي وعلمي أنني لا أبيح لأحد تقليدي واتِّباعي دون أن ينظر ويعلم من أين قلت ما قلت، فإن الدليل إذا استقام فهو عمد لي، والحديث إذا صحَّ فهو مذهبي، لقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم وأسهمت منذ أوَّل يوم في جماعتها وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة”([42])

وفي إطار دعم فكرة التقريب، قام الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت بعد أن تولى مشيخة الأزهر بإصدار فتواه الشهيرة بجواز التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول، المعروفة المصادر المتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الاثنا عشرية كما جاءت الفتوى المرفقة.

 

المبحث الرابع: جهود الأزهر في تقنين المذاهـب الإسلامية

في هذا الباب أحاول أن أقرر الجهد المبذول من الأزهر الشريف في موضوع تقنين الشريعة الإسلامية والذي أوضحته مقدمة فضيلة المرحوم الدكتور/ محمد عبد الرحمن بيصار (الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الأسبق) في صدر الطبعات الأولي لتقنين المذاهب الفقهية الأربعة الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي، على الوجه التالي:

يسرّ الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية أن تقدم هذه الطبعة التمهيدية من مشروع تقنين الشريعة الإسلامية على مذهب الإمام مُـحَمَّد بن إدريس الشافعي t.

ومجمع البحوث الإسلامية إذ يقدم هذه الطبعة كخطوة على الطريق في سبيل الوصول إلى إبراز الشريعة الإسلامية في صورتها الأصلية، سهلة التناول، صالحة للتطبيق في هذا العصر، يجد فيها المسئولون عن التشريع والقضاء في البلاد الإسلامية المختلفة غنية عن اللجوء إلى التشريعات والقوانين الوضعية، وهم بصدد إرساء دعائم مجتمعهم، على أسس من الْـحَقّ والأصالة والعقيدة الصحيحة…

يودّ أن يعرب عن تقديره لِما تنطوي عليه هذه المهمة من دقة وجلال، سواء من الناحية العملية البحتة، أو من الجانب الاجتماعي والتاريخي الذي تَمر به الشعوب الإسلامية في هذا العصر…

لذلك فَإِنَّهُ إذ يقدّم هذه الطبعة التمهيدية كمشروع تحضيري، يؤكد أن الذين قاموا بإعدادها هم نخبة من كبار علماء الشريعة الإسلامية بالأزهر، وكبار رجال القانون، ذوي الحرص الشديد على أن تأخذ الشريعة الإسلامية مكانتها الجديرة بها في حياتنا التشريعية والقانونية، وأنهم قد يذلوا من الجهد ـ وما يزالون يبذلون ـ الكثير المحمود، من أجل الخروج بهذا المشروع إلى حياتنا العامة، ليكون دليلاً عملياً على صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في كل زمان ومكان، ووثيقة يستعين بها المشرعون والمسئولون في البلاد الإسلامية على تنفيذ ما جاء في دساتيرهم من أن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للقانون.

كما يؤكِّد أن البحث ما يزال جارياً للوصول بهذا المشروع إلى درجة الكمال أو ما يقرب منه، ولذا فإن المجمع يتقبل بكلّ ترحيب ما يبديه المتخصصون من إسهام بالرأي، وعلى أيَّة صورة من صور هذا الإسهام، وأن ذلك كله سوف يكون موضع الدرس المستفيض والبحث الدقيق، والعناية الكاملة من أعضاء اللجنة العامة لتقنين الشريعة الإسلامية، التي تقرر تأليفها من بين أعضاء مجمع البحوث الإسلامية، ومن ينضم إليهم، مِـمَّن ترى الاستعانة بخبرتهم.

ولقد كان مِمَّا يثير العجب، ويدعو للدهشة، ويحزّ في نفس كُلّ مسلم غيور، أن تلجأ الأمَّة الإسلامية، وتستعين في أحكامها بقانون وضعي من وضع البشر، ولو أن واضعه كان ينتمي إلى أمتنا الإسلامية لهان الأمر، لأنه لا محالة كان يلجأ إلى دستورها الإسلامي ليستنبط منه مواد ذلك القانون، ولكن الحقيقة أن واضعه لا ينتمي للأمة الإسلامية، ولا يدين بدينها.

وقد يظن البعض أو يعتقد أن الشريعة الإسلامية لا تفي بحاجيات العصر الذي ظهرت فيه معاملات جديدة لم تكن موجودة في العصر الإسلامي الأول. والواقع أن هؤلاء في ظنهم مخطئون، وعن تاريخ أمتهم الإسلامية غافلون، فلو تتبعوا تاريخ هذه الأمَّة على مر العصور والأزمان من عصر الإسلام الأَوَّل إلى أن تغلغل الإسلام في بلاد الفرس والروم، وبعض بلاد أوروبا لتبيَّن لهم كيف كانت تحكم هذه البلاد بهذا الدين الإسلامي الحنيف.

لقد خاضت الشريعة الإسلامية ميدان التجربة بنجاح مئات السنين في ظروف متفاوتة متباينة وتجارب شديدة وخرجت ظافرة بعد أن تفوقت في مختلف الأجواء والعصور والتقلبات. فمن المؤكد الذي لا مراء فيه أن نظام الإسلام قد عالج بنجاح تام مصالح الدولة الإسلامية في أوج توسعاتها مئات السنين، وأقامت الشريعة صرح نظام ومؤسسات تجارية وبحرية ومصرفية، ومصالح ثقافية وعمرانية واجتماعية متينة البنيان ولا يكون ذلك ـ بطبيعة الحال ـ إلا لمتانة أصولها وأحكام أسسها، فإن الشريعة الإسلامية التي ظهرت في مجتمع بدائي منحصر في صحراء الجزيرة، قد واجهت بكل كفاية وثبات احتياجات سكان الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية الشرقية، وأثبتت علوها وتفوقها على نظمهم القديمة، عندما زادت بها المعاملات رقياً، والحضارة تقدما وازدهاراً، ثم إن هذه الشرعية حكمت التجارة البحرية المزدهرة بين الشرق وجمهوريات ايطاليا عبر البحار، ووضعت أسس القانونين التجاري والبحري الحديث، واستوفت احتياجات الحضارة الزراعية، والصناعية والتجارية في بلاد الإسلام المختلفة. ولا نجد في أنواع المعاملات الحديثة والاحتياجات المعاصرة ما يمكن أن يند عن أصول الشرع، إِلاَّ أن يكون مستهجنا في ذاته غير موافق للمثل الفاضلة وغير مرغوب في إقراره، فعند ذلك يجدر علاجه بدواء الشرع وتخليص المجتمع من شرِّه ووباله.

ونظرة سريعة إلى الأسس التي تقوم عليها النظم التشريعية الأخرى، نجد أَنَّهَا لا تدعو إلى القدر الكافي لتدعيم الثقة بها. فمثلاً النظم الرأسمالية تقوم على أساس من النظريات الفردية، التي جعلت أساس الحياة هو المنفعة الفردية وسعي كُلّ إنسان إلى بلوغ منفعته، وفي ظل هذه النظريات انقطعت صلة التعامل بالضمير، وصار الاستغلال مشروعاً للقوي مكفولا له وأدَّى ذلك إلى تحكم رأس المال في الضعفاء. أما النظم الجماعية المتطرفة فقد أدت إلى تسخير الفرد لصالح الجماعة تسخيراً تاماً وأسقطت من حسبانها الكفاية والكيان الفردي، والنوازع الشخصية، وجعلت الإنسان ترسا في آله كبيرة يفني فيها، وأدَّى ذلك إلى تبديد الثقة والطمأنينة كلية من جو التعامل، وصبغه بصبغة القلق والخوف وعدم الاستقرار.

لهذا لم يكن بدعاً أن يوافق مجلس المجمع في جلسته رقم (27) في 8/3/1967م على أن من مهمة المجمع العمل على إيجاد مشروع قانون شامل للأحوال المدنية والجنائية وغيرها، إذا ما تقرر في الدستور اتخاذ الشريعة الإسلامية أساساً للتقنين.

ثُمَّ أوصي المؤتمر الرابع للمجمع المنعقد في 27/9/1968م بما يأتي:

“يوصي مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بتأليف لجنة من رجال الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، لتضطلع بوضع الدراسات ومشروعات القوانين التي تيسر على المسئولين في البلاد الإسلامية الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية في قوانين بلادها كقوانين العقوبات والقانون التجاري، والقانون البحري وغيرها”.

كما وافق مجلس المجمع بجلسته رقم 62 في 7/1/1970م على الخطَّة المرحلية لأعمال لجان المجمع ومن بينها “تقنين الشريعة الإسلامية” الوارد في خطَّة لجنة البحوث الفقهية، كما اقترحتها بجلستها رقم (20) بتاريخ 11/10/1969م.

وقد عقدت لجنة البحوث الفقهية عدة اجتماعات وضعت فيها خطة العمل في مشروع التقنين. واستقر الرأي على السير في هذا المشروع على النحو التالي:

(1) تقنين المذاهب الفقهية التي يعمل بها في البلاد الإسلامية، ويبدأ في المرحلة الحالية بتقنين المذاهب الأربعة: الحنفية – الشافعية – المالكية – الحنابلة. ويقنّن كل مذهب على حدة، وتصاغ أحكامه في مواد، على أن يصاغ من كل مذهب الرأي الراجح فيه، وعلى أن تلحق كُلّ مادة بمذكرة تفسيرية تذكر فيها الآراء الأخرى، كما يذكر فيها الرأي الذي يرى أَنَّهُ الأنسب للتطبيق في العصر الحاضر.

(2) بعد الفراغ من تقنين كُلّ مذهب على حدَة، يبدأ العمل في وضع قانون مختار من بين المذاهب جميعاً، وبذلك يمكن للمجمع أن يقدّم لِكُلِّ بيئة من البيئات الإسلامية التي ترتبط بمذهب معين قانوناً إسلامياً بصور ذلك المذهب في أمانة، كما يمكنه أن يقدم قانوناً إسلاميا مختاراً من بين المذاهب المعمول بها يفي باحتياجات البيئات التي تطلبه.

وجهات النظر حول منهج السير في تقنين الشريعة الإسلامية:

تستخلص وجهات النظر التي تدور حول هذا الموضوع وأسانيد كُلّ منها، والاعتراضات التي وجهت إليها، ومن محاضر ومناقشات اللجان الأساسية والفرعية على الوجه التالي:

(1) وجهة نظر ترى أن يكتفي بمراجعة القانون الوضعي لإقرار ما لا يكون مختلفاً مع الشريعة الإسلامية، وتعديل ما يكون مخالفاً، وإضافة مالا يكون مدرجا بهذا القانون وله حكم في الشريعة. وتستند وجهة النظر هذه إلى ما يأتي:

(أ) إن هذا النهج يحقق السرعة المطلوبة.

(ب) إن كثيراً من القوانين الوضعية مقتبس من الشريعة الإسلامية وتنحصر أوجه الخلاف في مواضع محدَّدة.

وتعارض وجهة النظر هذه بما يأتي:

(أ) إن مصطلحات القانون الوضعي تختلف في معانيها عن مصطلحات الشريعة الإسلامية وان اتفقت معها في ألفاظها في بعض الأحيان.

(ب) إن القانون الوضعي ـ كأي قانون آخر ـ صادر عن عرف خاص، وبيئة خاصة، وفلسفة خاصة تختلف كثيراً أو قليلاً عن الروح الإسلامية، ومن ثمّ فإن إقرار ما يبدو منه في ظاهره متفقاً مع الشريعة الإسلامية يجر حتما إقرارا للروح الغربية التي صدر عنها القانون الوضعي.

وإلى ذلك كانت إشارة فضيلة الشيخ يس سويلم في جلسة لجنة البحوث الفقهية التاسعة عشرة بقوله: “نريد تقديم قانون روحه وجسمه إسلامي”.

مثال ذلك: أن مراجعة بعض مواد القانون الجنائي قد تسفر –حسب هذا المنهج عن اتفاقها مع ما يقتضيه مبدأ التعزير في الإسلام من سعة ومرونة–، لكنه إذا نظر إلى أن هذا القانون الوضعي يعبر عن قيم أخلاقية معينة سادت في المجتمع الغربي في عصر من العصور، وأن مبدأ التعذير في الإسلام ينبغي أن يكون مرتبطاً بالقيم الأخلاقية الخاصة بالمجتمع الإسلامي، ونظرة الإسلام إلى الثواب والعقاب فَإِنَّهُ يصبح من الواجب تجنب القانون الجنائي الوضعي، والاتجاه إلى صياغته من واقع الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي على هدي قيم الإسلام ومثله العليا…

(ج) إن هذا الاتجاه يختلف مع ما قرره مؤتمر المجمع ومجلسه ولجنة البحوث الفقهية، حيث تقرِّر (تقنين الشريعة الإسلامية) لا مراجعة القانون الوضعي.

(2) وجهة نظر ترى: أن تقنّن الشريعة الإسلامية أساساً على أن ترتب –من مبدأ الأمر– وفقاً لترتيب القانون الوضعي وأبوابه.

وتستند وجهة النظر هذه إلى أن هذا الاتجاه هو الذي يحقق سهولة تطبيق الشريعة في العصر الحديث، وسرعة إنجاز المطلوب. وتعارض وجهة النظر هذه بما عورضت به وجهة النظر الأولى من اختلاف المصطلحات بين الجانبين، ومن صدور كُلّ منهما عن فلسفة خاصة.

مثال ذلك: أن القانون الوضعي وقد جمع أنواع العقود المختلفة تحت باب واحد كان متأثراً بنظريته في العقد وإطلاق إرادة المتعاقدين بينما الشريعة الإسلامية لا تذهب هذا المذهب.

على أن الذين يسوقون هذه المعارضة لا يستبعدون إمكان التقريب بين الترتيب الذي يؤخذ به هنا، والترتيب الذي يؤخذ به هناك، وذلك في مرحلة ثانية من مراحل العمل، بعد أن تصاغ المواد من الشريعة الإسلامية مباشرة، فتتوفر لها الروح الإسلامية الخالصة.

(3) وجهة نظر ترى أن تقنَّن الشريعة الإسلامية من مبدأ الأمر في قانون موحد مختار من المذاهب الفقهية الإسلامية.

وتعارضها وجهة نظر أخرى ترى: أن تقنّن أوَّلاً المذاهب الفقهية الإسلامية المختلفة، كُلّ منها على حدة، ثُمَّ ينظر ثانياً في وضع القانون الموحَّد المختار.

وتستند وجهة النظر الأولى إلى:

(أ) أن ذلك يحقق السرعة المطلوبة.

(ب) إِنَّهُ يحقق الوحدة الإسلامية المرجوة، ويبتعد بالمسلمين عن إثارة الخلافات المذهبية.

(ج) أن المذاهب الفقهية الإسلامية تكاد تكون مقننة في متونها القديمة، ولا يحتاج إظهارها في صورة مواد قانونية إِلاَّ إلى فصل عباراتها بعضها عن بعض، ووضع أرقام لِكُلّ منها على أَنَّهَا مادة مستقلَّة.

وتستند وجهة النظر الثانية إلى:

(أ) إن السرعة يمكن تعويضها بمزيد من الجهد وموالاة العمل.

(ب) إن اختلاف المذاهب واقع لا يمكن تجاهله، كما لا يمكن تجاوزه والوحدة الإسلامية لا تتأثر بوجود هذه المذاهب المستندة إلى الكتاب والسنة بمقدار ما تتأثر بالتعصّب الأعمى لبعضها.

(ج) إن وضع القانون الموحد المختار لابد أن يسبق – عملياً – بتحضير مواده من المذاهب المختلفة، ليجري بعد ذلك الترجيح بينها والاختيار منها ومن هنا كان من اللازم تحضير هذه المواد من المذاهب أولاً: فكانت الدعوة إلى إغفال تقنين المذاهب دعوة إلى إهدار جهد يتم بالضرورة وكانت الدعوة إلى تقنينها قبل البدء في وضع القانون الموحد المختار دعوة إلى الاحتفاظ بهذا الجهد وتنظيمه، وتقديمه للبلاد التي تطلبه أو تقديمه في وضع القانون الموحد المختار كمادة للبحث.

(د) إن عبارات بعيدة إلى حد كبير عن الوفاء بأغراض التقنين ولا يصح القول أنها تتحول إلى مواد قانونية لمجرد فصلها وترقيمها وذلك للأسباب الآتية:

(1) إن عبارات المتون غامضة أو مختصرة إلى حد، صارت به سبباً في اختلاف الشراح وأصحاب الحواشي، فلا تصلح أن تكون مادة قانونية قبل توضيحها، وتجلية غموضها.

(2) إن المتون قد تجمع بين الآراء الراجح منها وغير الراجح، والتقنين يأخذ بما يتبين رجحانه.

(3) إن المتو­ن قد تجري على أقوال رجح الشارح خلافها، والتقنين يأخذ بقول الشارح في بعض الأحيان، بل قد يأخذ بما جاء في الحواشي والتقارير.

(4) إن أحكام المتون غالبها جزئي، والتقنين جعلها قواعد كلية يمكن تطبيقها على كثير من الجزئيات.

(5) إن المتون تشتمل على أحكام تعبّدية، لا تعرض عادة على التقاضي، فلا يصحّ ذكرها في مواد القانون.

(6) إن المتون كغيرها من أساليب الكلام الإنساني، تخضع لحكم البيئة والزمن، فمن ثمَّ كان النظر إليها على أَنَّهَا وصلت إلى حدّ الكمال، وصارت تستحق الخلود مع طبيعتها، وكان لابد من أسلوب صياغة جديد لِكُلِّ زمن جديد، تراعي فيه احتياجاته من حيث الإيجاز والإطناب والإجمال والتفصيل والشرح والتمثيل والتقديم والتأخير، وغير ذلك من أساليب الكلام وأبوابه.

(7) عملية التقنين لا تقتصر على صياغة المواد، وَإِنَّمَا تتعدَّاها إلى وضع ما تقتضيه من شرح، أو مذكرة تفسيرية.

وأخيراً: فلقد سار العمل في لِجان التقنين، وفقاً لوجهة النظر التي ذهبت إلى تقنين المذاهب الفقهية كُلّ على حدة، بعيداً عن التأثر بروح القانون الوضعي ونظرياته كمرحلة أولى، تتلوها مراحل التقريب والاختيار، والمجمع في المرحلة الراهنة بصدد استكمال خطوات هذا المشروع، ووضع القانون الموحد من بين أحكام المذاهب، وقد ألفت اللجنة المسئولة عن ذلك وباشرت مهمَّتها، ونرجو أن تفرغ منه في وقت يناسب أهمية هذا العمل، كما يناسب الحاجة الملحة إلى إصداره في أقرب فرصة. مُـحَمَّد عبد الرحمن بيصار”([43]).

وإنني إذ أقرِّر هنا، أن اللجان الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية، قد انتهت من مشروع تقنين الشريعة الإسلامية. حيث تَمَّ طبع كُلّ مذهب في عدة أعداد جاءت على النحو التالي:

الشافعي: قسمان.      الحنفي: أربعة أقسام.

المالكي: قسمان.       الحنبلي: خمسة أقسام.

هذا، وقد تضمن هذا العمل الضخم كُلّ أبواب الفقه، بجانب المذكرة الإيضاحية لِكُلِّ مادة من مواد المشروع، لتبسيط المعلومة وتأكيدها.

الخاتمة

يُمكن القول بعد الحديث عن منهج التقارب في تلك المباحث أن أهم النتائج التي انتهت إليها الدراسة ـ على إيجازها ـ هي ما يلي:

أَوَّلاً: الفقه الإسلامي ثورة تشريعية لم تعرف البشرية نظيرا لها في تاريخها الطويل، والمذاهب الفقهية مظهر من مظاهر الحرية الفكرية في الإسلام.

ثانيا: لا اختلاف بين المسلمين قاطبة في الأصول التي لا يكون المسلم مسلما إِلاَّ بها، والاختلاف في الفروع له أسباب علمية، وهو آية من آيات يسر التشريع ومرونته.

ثالثا: فرق التعصّب المذهبي بين أبناء الأمَّة، وكان من وراء ما سجَّله التاريخ عن أتباع المذاهب من تبادل الآراء الفاسدة، والأحكام الباطلة، والصراعات الدموية المؤسفة.

رابعا: التقارب بين المذاهب ضرورة دينية وحياتية، والسبيل إليه الالتقاء حول ما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضا في ما اختلافنا فيه، وأن تخضع أحكامنا وآراؤنا للدراسة العلمية، والمناقشة الهادئة وروح التسامح والإنصاف.

خامسا: تتعرَّض الأمَّة في حاضرها لتحديات كثيرة وخطيرة تهدّد مستقبلها، ولا مناجاة لها من هذه التحديات إِلاَّ بالعودة الجادة لدينها، والتعاون بين شعوبها على أساس الوحدة الإسلامية.

سادسا: الوحدة الإسلامية واجبة شرعا، والتقارب بين المذاهب من أهمّ الوسائل إليها، فهو من ثمَّ واجب ديني، وعلى العلماء أن يقوموا به، ويقودوا جمهور الأمَّة إليه.

 

نتائج وتوصيات

أما التوصيات التي ترشد إليه الدراسة أهمها ما يلي: –

أَوَّلاً: التوسّع في الدراسة الفقهية المقارنة، وعقد الندوات والمؤتمرات التي تجمع بين فقهاء المذاهب ليعرف بعضهم بعضا على هدى وبصيرة.

ثانيا: تخليص المذاهب الفقهية من الدخيل الذي من شأنه أن يفسد هذه المذاهب أو يشوهها.

ثالثا: تجنب القضايا الخلافية ونسيانها، ومراعاة أدب الحوار عندما نتناقش أو نختلف.

رابعا: الحرص على الجماعة والتحذير من الفرقة، والتصدي لعلاج المشكلات التي تواجه الأمَّة بالقيم الإسلامية، وأن تسود العلاقات بين شعوب هذه الأمَّة حتى نصل إلى الإخاء والتكامل والتعاون.

خامسا: اليقظة لما يبذره أعداء الإسلام من بذور الفرقة والشقاق بين المسلمين باسم البحوث العلمية وإحياء الكتب القديمة، وما إلى ذلك من أسماء خداعة براقة من ورائها السمّ الزعاف.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

المصادر والمراجــع

(1)         أبو حنيفة النعمان ومذهبه في الفقه، للدكتور محمد يوسف موسي، ط. القاهرة.

(2)         الاجتهاد في الفقه الإسلامي، للدكتور محمد الدسوقى. ط. القاهرة.

(3)         إحياء علوم الدين، ط. دار الصابونى.

(4)         أسباب الاختلاف بين الفقهاء، للشيخ على الخفيف.

(5)         الإسلام والحضارة العربية، للأستاذ محمد كرد علي. ط دار الكتب المصرية.

(6)          الاعتصام، للشاطبي. ط. دار الفكر. بيروت.

(7)          إعلام الموقعين لابن القيم. ط. الكليات الأزهرية، القاهرة.

(8)          أعمال ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس، شعبان سنة 1804 ص864. ط عُمان.

(9)         إيران من الداخل، للأستاد فهمي هويدي. ط. الأهرام الثالثة.

(10)     البداية والنهاية، لابن كثير. ط. القاهرة.

(11)     تاريخ التشريع الإسلامي، للشيخ محمد الخضرى. ط القاهرة.

(12)    تفسير المنار، ط. القاهرة.

(13)     توصيات ندوة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي عقدت بالرباط، عام 1991م.

(14)    جواهر الكلام، للشيخ محمد حسين النجفي. ط. بيروت.

(15)    حجة الله البالغة، للدهلوي. ط القاهرة.

(16)    د. محمد الدسوقي، جريدة الأهرام.

(17)    د. محمد الدسوقي، مجلة كليه الدعوة الإسلامية ليبيا (العدد العاشر).

(18)    الدر المختار، المطبوع على هامش رد المحتار لابن عابدين.

(19)    دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، للشيخ محمد الغزالي. ط. القاهرة.

(20)     الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كُلّ عصر فرض، للسيوطي.

(21)     رسالة الإسلام، المجلد الأول.

(22)     رسالة الإسلام، المجلد الثالث عشر.

(23)     رسالة الإسلام، المجلد التاسع.

(24)     رسالة الإسلام، المجلد الخامس.

(25)    رفع الملام عن الأئمَّة الأعلام، لابن تيمية.

(26)     السنة قبل التدوين، للدكتور محمد عجاج الخطيب. ط. القاهرة.

(27)    غاية الإنصاف في أسباب الاختلاف، للدهلوي.

(28)     القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد للإمام الشوكاني. ط. القاهرة.

(29)    الليث بن سعد فقيه مصر، للدكتور السيد أحمد خليل.

(30)    ما لا يجوز الخلاف فيه بين المسلمين، للشيخ عبد الجليل عيسى. ط. دار القلم بالقاهرة.

(31)    مجلة الأحكام العدلية، صدرت في تركيا في سنة 1293هـ، وهي أول عمل علمي في مجال تقنين الفقه.

(32)    مجلة رسالة الإسلام، المجلد 14 ص130، وهي مجلة كان تصدرها دار التقريب بالقاهرة.

(33)    المدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفي الزرقا. ط. دمشق.

(34)    المدخل إلى علم أصول الفقه، للدكتور محمد معورف الدواليبي ط. دمشق.

(35)    المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، للدكتور عبد الكريم زيدان. ط. بغداد.

(36)    مشيخة الأزهر، الأستاذ علي عبد العظيم.

(37)     معالم التقريب بين المذاهب الإسلامية، للأستاذ مُـحَمَّد عبد الله مُـحَمَّد، ص7. ط. دار الهلال بالقاهرة.

(38)    معجم البلدان لابن خلكان. ط. بيروت.

(39)    مقدمة كتاب الأحوال الشخصية، للشيخ محمد أبو زهرة. ط. دار الفكر العربى بالقاهرة.

(40)    مقدمة مشروع تقنين الشريعة الإسلامية، للأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الأسبق.

(41)     مناهج الاجتهاد في الإسلام للأستاذ محمد سلام مد كور جامعة الكويت.

(42)    الموافقات، ط. منير الدمشقي. القاهرة.

(43)     وفيات الأعيان، لابن خلكان. ط. القاهرة.


([1]) آل عمران: 105.

([2]) د. محمد الدسوقي،… جريدة الأهرام.

([3]) الإسراء: 36.

([4]) الاعتصام، جـ2 ص146.

([5]) البقرة: 134.

([6]) د. محمد الدسوقي،… مجلة كليه الدعوة الإسلامية ليبيا (العدد العاشر).

([7] ) رواه ابن ماجه.

([8] ) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام، للأستاذ محمد سلام مدكور، ص23، جامعة الكويت.

([9] ) انظر: المدخل إلي علم أصول الفقه، للدكتور محمد معورف الدواليبي، ص13، ط دمشق.

([10] ) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم، ج1 ص248، ط. الكليات الأزهرية، القاهرة.

([11] ) انظر: السنة قبل التدوين، للدكتور محمد عجاج الخطيب، ط. القاهرة.

([12] ) انظر: المدخل الفقهي العام، للأستاذ مصطفي الزرقا، جـ1 ص166، ط. دمشق.

([13] ) انظر: أبو حنيفة النعمان ومذهبه في الفقه للدكتور محمد يوسف موسي، ص11 ط. القاهرة.

([14] ) انظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية للدكتور عبد الكريم زيدان ص157 ط. بغداد.

([15] ) انظر: وفيات الاعيان لابن خلكان ج1 ص455 ط. القاهرة، ولليث بن سعد فقيه مصر وامامها فى القرن الثانى، توفى سنة 175 هـ، وكان بينه وبين الامام مالك ( ت: 971هـ ) فقيه المدينة وإمام المذهب مراسلات علمية تدل على سعة علميه وغزارة فقهه، مع فضله ونبله فى الحوار والنقاش (انظر: الليث بن سعد فقيه مصر للدكتور السيد أحمد خليل).

([16] ) انظر: مقدمة كتاب الاحوال الشخصية للشيخ محمد أبو زهرة ص8،7 ط. دار الفكر العربى بالقاهرة، وايران من الداخل للاستاذ فهمى هويدى صـ57ط. الاهرام الثالثة.

([17] ) ج1 ص324 ط. الحلبى بالقاهرة.

 

([18] ) انظر: الإسلام والحضارة العربية، للأستاذ محمد كرد علي، جـ13، ط دار الكتب المصرية.

([19] ) مجلة الأحكام العدلية: صدرت في تركيا في سنة 1293هـ، وهي أول عمل علمي في مجال تقنين الفقه، وإن جاء هذا التقنين في نطاق المذهب الحنفي، ولكنها كانت بداية للتوسع في تقنين الفقه في جميع البلاد الإسلامية دون التقيد بمذهب خاص، وإن ظل للمذهبية في هذا التقنين وجود.

([20]) تفسير المنار، جـ2 ص254، ط. القاهرة.

([21]) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي، للشيخ محمد الخضرى، ص431. ط القاهرة.

([22]) إحياء علوم الدين، جـ1 ص45، ط. دار الصابونى.

([23]) يشير بذلك إلى أن الشافعي يجيز أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله، وبدل أن يحمل المفتي الحنفي قول الشافعي: “إن شاء الله” على قصد التبرك كما صرحوا به، حمله هو على الشك وأصدر فتواه بتكفير ملايين المسلمين.

([24]) ما لا يجوز الخلاف فيه بين المسلمين، للشيخ عبد الجليل عيسى، ص65، ط. دار القلم بالقاهرة.

([25]) جواهر الكلام، للشيخ محمد حسين النجفى، جـ32 ص79، ط. بيروت.

([26]) ما لا يجوز الخلاف فيه بين المسلمين، ص67.

([27]) تاريخ التشريع الإسلامي، ص325.

([28]) حجة الله البالغة، للدهلوي، جـ1 ص327، ط القاهرة.

([29]) المصدر السابق، ص332.

([30]) انظر: الدر المختار المطبوع على هامش رد المحتار، لابن عابدين،جـ3 ص702. والتعزير: عقوبة غير مقدرة تجب حقًا لله أو لآدمي فى كُلّ معصية ليس فيها حد ولا كفارة.

([31]) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد فى كل عصر فرض، للإمام السيوطى، ص135.

([32]) انظر: القول المفيد فى أدلة الاجتهاد والتقليد، للشوكاني، ص20، ط. القاهرة.

([33]) انظر: الاجتهاد فى الفقه الإسلامي، للدكتور محمد الدسوقى، ص123، ط. القاهرة.

([34]) انظر: معجم البلدان، جـ1 ص209، ط. بيروت.

([35]) انظر: البداية والنهاية، جـ12 ص58، ط. القاهرة.

([36]) المصدر السابق، ص31.

([37]) المصدر السابق، ص66.

([38]) انظر: مجلة رسالة الإسلام، المجلد 14 ص130، وهي مجلة كان يتصدرها دار التقريب، بالقاهرة.

([39]) انظر: رسالة الإسلام، المجلد الأَوَّل، ص93.

([40]) انظر: المصدر السابق، المجلد الثالث، ص22، 25.

([41]) انظر: أعمال ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس فى شعبان سنة 1804، ص864. ط عُمان.

([42]) مشيخة الأزهر، الأستاذ على عبد العظيم، ص119.

([43]) الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الأسبق.. مقدمة مشروع تقنين الشريعة الإسلامية، ص5.

 

* التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

** الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية فِي الجمهورية المصرية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك